(ص 131 - 150)

 القسم الثاني

العدالة الاجتماعية في النظرية الوضعية (الرأسمالية)

 

المدرسة التوفيقية ونقدها * مدرسة الصراع الاجتماعي ونقدها * المدرسة التلفيقية ونقدها * نظرية ماكس وبر والرد عليها * نقد مفهوم العدالة الاجتماعية في الرأسمالية: 1- الثروة 2- مصادر القوة 3- المنـزلة الاجتماعية  *نقد النظام الطبقي * الآثار المترتبة على تطبيق الرأسمالية       *«الحلم بالاثراء» وارتباطه بتغير الادوار الاجتماعية * الفقر والفقراء في الرأسمالية  *الاسباب الداعية لاستمرار الظلم الاجتماعي: 1- السيطرة على منابع القوة 2- النظام الفكري لطبقة الاقوياء.

 ---------------------

 اشارة

          لما كانت العدالة الاجتماعية من الاركان المهمة التي يُبتنى عليها النظام الاجتماعي، فقد كانت مناقشتها ضمن الاطار الموضوعي العام للنظرية الاجتماعية أمراً منطقياً. ومن أجل فهم مباني النظرية الاجتماعية الوضعية كان لابد لنا من دراسة افكار المدرسة التوفيقية، ومدرسة الصراع الاجتماعي، ومعتقدات (ماكس وبر)، والتطبيقات المتمخضة عن تلك النظريات.

          ونقصد بالمدرسة التوفيقية: افكار مجموعة كبيرة من مفكري النظرية الوضعية، التي لا ترى مبرّراً للصراع الاجتماعي تحت ظل الرأسمالية، امثال هربرت سبنسر، واميلي ديركهايم، وتالكوت بارسنس ونحوهم. ويعتقد هؤلاء ان المؤسسات الاجتماعية القائمة تساند بعضها بعضاً من أجل خدمة الفرد في النظام الاجتماعي. وليس هناك من موجب لنقدها. وقد جمعنا آراءهم تحت عنوان المدرسة التوفيقية، لان نظرياتهم لم تتميز عن بعضها البعض بالاصالة.

 رأي المدرسة التوفيقية

          يفترض رواد المدرسة التوفيقية ان انعدام العدالة الاجتماعية فيما يتعلق بأجور العمل والمكافأة لها نواح ايجابية نافعة للمجتمع[1]. فاذا اريد للمجتمع الانساني التكامل من حيث العمل والانتاج والابداع، فما على افراده الا القيام بادوار مختلفة لخدمة النظام الاجتماعي، على اساس المهارة الشخصية والابداع. ولما كانت تلك الادوار تتطلب جهداً جسدياً وفكرياً وتضحيةً في الوقت والطاقة البشرية، فاننا نفترض مكافأة الذي يقوم بتلك الادوار مكافأةً ماليةً، تغريه بالانخراط بذلك العمل، وتشجعه على القيام بذلك الدور. فاذا كان الطبيب اكثر نفعاً في المجتمع - مثلاً - من معلم المدرسة، فعلى المجتمع مكافأة الطبيب مكافأةً تفوق مكافأته للمعلم، من الناحيتين المالية والاجتماعية. واذا أقرَّ المجتمع مثلاً بافضلية عمل المهندس ودرجة منفعته للنظام الاجتماعي من عمل الفلاح، استحق ذلك المهندس اجوراً اعلى ومنـزلةً ارفع من زميله الذي يمارس حرث الارض. وهذا التوزيع غير المتكافئ للثروة والمكافآت الاجتماعية ضروري - حسب رأي المدرسة التوفيقية - في استقرار النظام الاجتماعي؛ لان المال والمكافأة الاجتماعية، هما اللذان يجذبان الافراد نحو انجاز الاعمال التي تتطلب جهداً أشد من بقية الادوار الاجتماعية الاخرى. وهكذا يكون انعدام العدالة الاجتماعية نتيجة حتمية لثبات النظام الاجتماعي واستقراره[2].

 نقد المدرسة التوفيقية

          لاشك ان رأي المدرسة التوفيقية بخصوص ارتباط الدور الاجتماعي الذي يقوم به الفرد بالمكافأة المالية التي يستحقها، يستحق اهتماماً في تحليل التفاوت الواسع في نظام الاجور والمكافأة الاجتماعية في الرأسمالية[3]؛ ولكن نظرة فاحصة على موقف المدرسة التوفيقية، يتبين لنا عدم صحة ما وصلت اليه النظرية من استنتاجات، نحاول توضيحها بالنقاط التالية:

أولاً: ان اختلاف المكافآت الاجتماعية تبعاً لقيمة العمل ونفعه للنظام الاجتماعي أمر يتناسب مع الواقع الانساني، الا انه ينبغي ان يتم ضمن ضوابط العدالة الاجتماعية. فكيف نقبل بتخفيض أجرة الفلاح مثلاً الى المستوى الادنى، مع انه يقدم خدمة نافعة للانتاج الزراعي؟ نعم، لابد في تحديد اجور العاملين ملاحظة السنوات التي يقضيها الخبير في المعاهد العلمية، واحتسابها ضمن أجرة العمل الاضافية. ولكن ينبغي في الوقت نفسه ضمان حد عقلائي للاجور تضمن معيشة كريمة للعامل غير الخبير.

ثانياً: ان انعدام العدالة الاجتماعية لا يؤدي الى ثبات النظام الاجتماعي؛ بل بالعكس. فكلما كانت الفوارق الطبقية شاسعة البون، قبع النظام الاجتماعي على فوهة بركان يستعد للانفجار؛ لان الظلم يؤدي الى اختلال الموازين الاساسية في سد حاجات الناس وتمتعهم بالثروات الاجتماعية، والى اضطراب التعامل البنّاء بين افراد الطبقات. فالعدالة الاجتماعية اذن - لا انعدامها - امضى سلاح لتثبيت النظام الاجتماعي، باطرافه السياسية والاقتصادية.

ثالثاً: ان المكافآت الاجتماعية في النظرية الرأسمالية تتناسب مع حجم منفعة العمل للنظام الاجتماعي. وفي ضوء ذلك، فان اجرة الطبيب مثلاً اعلى من اجرة المعلم، لان الطبيب يقضي فترة اطول للتدريب على ربط النظريات التي درسها بالجانب التطبيقي من المعلم. ولكن، كيف تفسر النظرية التوفيقية، اجور نجوم الرياضة والفنون، التي تتجاوز اجور الاطباء والمهندسين[4]. فأيهما أنفع للنظام الاجتماعي: الطب ام المسابقات الرياضية مثلاً؟ وأيهما اجدر بالمكافأة النوعية: الذي يمارس الهندسة ام الذي يقوم بالغناء ؟ وأيهما افضل من الناحية الانتاجية للافراد: صناعة اجهزة النقل ام صناعة آلات اللهو ؟

رابعاً: اذا كانت المكافآت الاجتماعية تتم على حساب نفع العمل للنظام الاجتماعي، فلماذا تختلف اجور نفس العمل المنجز من قبل افراد يختلفون باللون والجنس؟ ولماذا يُدفع للاسود في افريقيا الجنوبية مثلاً، أجر أقل، لنفس العمل المنجز من قبل الابيض[5]؟ أليس ذلك اخلالاً بالمساواة بين طاقات الافراد وابداعاتهم عن طريق النظر الى منشأهم ولون بشرتهم، لا النظر الى نوعية عملهم ونفعه للنظام الاجتماعي؟

خامساً: ان الاعمال اليدوية أو الميكانيكية غالباً ما تنحصر ضمن طبقة معينة لاجيال عديدة. فالعائلة الفلاحية مثلاً، ترث العمل الزراعي جيلاً عن جيل. والعائلة التي تهتم بالمهنة اليدوية التي تتطلب مهارة نادرة، تحافظ على بقاء تلك المهنة ضمن نطاقها العائلي سنوات عديدة. وبالاجمال، فان الاغنياء والفقراء يتمسكون بادوارهم الاجتماعية ويحافظون على مردوداتها المالية، قليلة كانت أو كثيرة، مما يؤدي الى ثبوت خارطة العمل واستقرار الادوار الاجتماعية، وارتباطها بالنظام الطبقي. ولكن النظرية التوفيقية تصرّ على ان الفرد لا يقوم بالعمل الانتاجي ما لم يدفع له النظام الاجتماعي مكافأة مالية تغريه بالانخراط بذلك العمل، وتدفعه للثبات على ممارسة تلك المهنة. إلاّ ان النظرية تعجز عن تفسير اصرار بقاء العامل في عمله النافع اجتماعياً مع علمه بأجرته المالية القليلة؟

سادساً: ان قلة اجرة العامل الفقير لاتعني ان عمله قليل المنفعة للنظام الاجتماعي. فالادباء وعلماء الاديان مثلاً من الفقراء غالباً، فهل يعني هذا ان عملهم قليل المنفعة للنظام الاجتماعي؟ ألا يعد نشر العلوم والآداب بين الناس من ارفع الاعمال التي يقوم بها المصلحون؟ اذن، فقلّة الأجر لا تشخص قيمة العمل المنجز ولا تحدد أهميته.

   رأي مدرسة الصراع الطبقي

          ويرى رواد هذه المدرسة التي تعتقد بحتمية الصراع الاجتماعي، ان المنافسة عامل حاسم من عوامل بناء تركيبة المجتمع الاقتصادية والسياسية، وان الصراع الطبقي نتيجة حتمية لانعدام العدالة الاجتماعية؛ لان سبب انعدام العدالة - حسب رأي رائد هذه المدرسة (كارل ماركس) - يعود الى ان تراكم الثروة عند افراد الطبقة الرأسمالية هو الذي ساهم في تصميم شكل القوة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يسيطر بها هؤلاء على مصير الطبقات الاجتماعية الاخرى[6].

وحسب زعم ماركس فان صراع الطبقات هو المفتاح الرئيسي للتغيير الاجتماعي؛ فكل طبقة حاكمة متنعمة باموال المحرومين سيطاح بها حتماً عن طريق الطبقة المحكومة؛ فتصبح الطبقة المحكومة -عندئذٍ - طبقة حاكمة. وهكذا تعيد تلك العملية نفسها حتى الصراع النهائي بين الطبقة العاملة والطبقة الرأسمالية في المجتمع الصناعي.

وذلك الصراع بين الطبقة العاملة والنظام الرأسمالي سيؤدي الى اضمحلال دور النظام الرأسمالي في المجتمع الانساني، بسبب فساد ذلك النظام القائم على اساس المنافسة الباطلة ضمن الطبقة العليا التي تمتلك جميع وسائل الانتاج الصناعي والزراعي، وسيختفي دور الطبقة المتوسطة لينفتح المجال للطبقة العاملة المحرومة بالثورة على النظام القائم. وعلى انقاض النظام الرأسمالي ستُنشئ الطبقة العاملة المجتمعَ الاشتراكي الجديد، حيث تتحول ملكية وسائل الانتاج والتوزيع من ايدي الرأسماليين الى ايادي الجماهير، فيعمّ الخير جميع افراد النظام الاجتماعي. وبعد ذلك يقوم المجتمع الاشتراكي بدوره بانشاء المجتمع الشيوعي، فتختفي - حينئذٍ - كل معالم الظلم الاجتماعي، والاغتراب، والصراع، والاضطهاد الانساني.

 نقد مدرسة الصراع

          ومع ان فكرة مدرسة الصراع الطبقي لها مبرراتها الخاصة في ادانة الطبقة الرأسمالية الاوروبية في القرن التاسع عشر، الا ان تحليلها يعجز عن تحديد هوية الطبقات الاجتماعية المختلفة في التاريخ. حيث تقتصر نظرتها على رؤية طبقتين فقط؛ هما: طبقة العمال وهي الطبقة المستعبَدة، وطبقة الرأسماليين وهي الطبقة المستعبِدة. ولما كانت الطبقة العمالية تنتج بعرقها وجهدها ثروة زائدة تفيض عن حاجات المنتجين، اصبح همّ الطبقة الرأسمالية - حينئذٍ - تجميع الثروة الفائضة من الانتاج الاجتماعي الكلي. وهذا الاسلوب الرأسمالي في العمل هو الذي انتج تراكماً للثروة في طبقة، وحرماناً لها في طبقة اخرى. وبذلك اصبحت الثروة الفائضة وجشع الطبقة الرأسمالية مصدراً من مصادر انعدام العدالة الاجتماعية[7].

وهذا المنطق في طبيعته ينسجم مع ظلم الفكرة الرأسمالية، ولكن الفكرة الماركسية لم تصف لنا وضع الافراد العاملين في الخدمات الاجتماعية كالتعليم والطب والقضاء والشرطة، ولم تضعهم ضمن اية طبقة اجتماعية. فهؤلاء لايعملون لخدمة الطبقة الرأسمالية ولايبذلون جهدهم ولا يعتصرون عرقهم من اجل الانتاج، بل ان نشاطهم المهني منصبّ بشكل اساسي في مجال الخدمات الاجتماعية. ومهن كالتعليم والطب والقضاء امتهنها الانسان منذ فجر التاريخ الانساني، فكيف يستطيع الفرد الرأسمالي السيطرة على جهود هؤلاء المهنيين في الوقت الذي يمكنهم فيه فرض اجوراً عالية على زبائنهم من الرأسماليين انفسهم؟ وكيف تستطيع الرأسمالية السيطرة على اجور عمل القضاة وعلماء الكيمياء والصيدلة مثلاً ؟ فالمعلم - وعن طريق اتحاده المهني - يستطيع ان يطالب بأجور مرتفعة على تعليمه ابناء النظام الاجتماعي، والقاضي يستطيع أيضاً ان يطالب بأجور مرتفعة من خزينة الدولة. فاين موقع هؤلاء الافراد في الصراع الاجتماعي؟ وهل يصح تصنيفهم ضمن الطبقة الرأسمالية او الطبقة العمالية؟ هنا تعجز مدرسة الصراع في الاجابة على هذا السؤال.

          وهذا العجز والفشل ليس الاول الذي مُنيت به الفكرة الماركسية، بل ان فشلها الرئيسي تمثل في عجزها عن التنبؤ بظهور طبقة وسطى في المجتمع الرأسمالي؛ وان افراد تلك الطبقة لايعملون بالضرورة ضمن توجه الطبقة الرأسمالية وخدمة مصالحها. فاساتذة الجامعات، والعاملون في الحقول الطبية من بحوث وتطبيب وتمريض، والعاملون في خدمات النقل البري والجوي والبحري يعملون اما على اساس الدخل الشخصي او يعملون كموظفين لشركات كبيرة مملوكة من قبل افراد عديدين عن طريق الاسهم والسندات. بل ان الكثير من العمال هم في الواقع افراد من ذوي المهن الحرة، الفردية الاتجاه[8]، كالبقالة والحلاقة والتجارة المحدودة ونحوها. ولا ينتقل فائض الثروة التي ينتجها هؤلاء الافراد الى يد الطبقة الرأسمالية بل يذهب هذا الفائض الى منفعة نفس العمال ومصلحتهم مباشرة.

          اما ملكية وسائل الانتاج التي تتحدث عنها النظرية الماركسية فانها وان كانت موجودة في عالم اليوم، الا ان العديد من تلك المؤسسات الصناعية الكبيرة تقع تحت ملكية الالوف من اصحاب الاسهم والسندات، وتدار من قبل افراد يتقاضون اجوراً معينةً على جهدهم وعملهم[9]. وفي نهاية المطاف، توزع ارباح تلك المؤسسات على الاسهم ومالكيها بالتساوي. فتراكم الثروة في تلك المؤسسات اذن، يختلف اليوم عما كان عليه الوضع الاقتصادي في القرن التاسع عشر. فملكية وسائل الانتاج تختلف حتماً عن السيطرة على وسائل الانتاج. فاين يضع (ماركس) هذه الطبقة الجديدة من مدراء الشركات، وعلماء المختبرات، والمحاسبين الذين يتقاضون اجوراً كبيرةً على اعمالهم ولكنهم لايسيطرون على وسائل الانتاج؟ وماذا يقول (ماركس) عن موقع الطبقة الوسطى في الصراع الاجتماعي ودورها بالثورة على النظام الرأسمالي الحاكم؟

          هنا، تحتاج النظرية الماركسية الى اعادة نظر في منهجها الفكري العام. فبروز دور الطبقة الوسطى في الصراع الاجتماعي، جعل تنبؤ الماركسية بحتمية الصراع الطبقي بين الرأسمالية والطبقة العاملة، مجرد وهم لا يستند الى واقع موضوعي. وظهور فكرة شراء الاسهم والسندات من قبل عامة الناس لوسائل الانتاج العملاقة، ساهم في ضرب الفكرة الماركسية ايضاً؛ لان السيطرة على جزء من وسائل الانتاج اصبحت بيد افراد الطبقة الوسطى، وليست بيد الطبقة الرأسمالية كما كانت تؤكد عليه نظرية (ماركس).

          وهذا الاخفاق في تحديد هوية الطبقات الاجتماعية جعل النظرية الماركسية تحتضر وهي تعيش ايامها الاخيرة عاجزة عن تفسير معنى انعدام العدالة بين الطبقات الاجتماعية، معترفةً ان حتمية الصراع الاجتماعي التي كانت تنادي بها اصبحت مجرد فكرة نظرية، ليست لها قيمة عملية خصوصاً بعد بروز الطبقة الوسطى كطبقة لها دورها المهم في المجتمع الرأسمالي.

 رأي المدرسة التلفيقية

          ولما كان موقف المدرستين التوفيقية والماركسية بخصوص تحليل منشأ انعدام العدالة الاجتماعية واضح الضعف، قصير النظر، في فهم المشكلة الاجتماعية، فقد طفت على سطح الفكر الاوروبي تيارات معاصرة حاولت الجمع والتلفيق بين آراء المدرستين، والخروج بمنهج موحد لمعالجة مشكلة انعدام العدالة الاجتماعية. حيث آمن هذا الاتجاه الجديد[10] بصواب رأي المدرسة التوفيقية القائل بان المجتمع لايمكن ان يحيا بصورة طبيعية ما لم تتم مطابقة حاجات المجتمع من الخبرات ونحوها مع الادوار التي يتطلبها. وفي ضوء تلك المطابقة، فقد اختلفت قيمة المكافآت الاجتماعية للعمال والخبراء. ثم زعم بصواب رأي المدرسة الماركسية التي تقول بحتمية الصراع الاجتماعي للمحافظة على ديناميكية المجتمع الانساني، باعتبار ان توفر الخيرات بشكل يفيض عن حاجة المجتمع، سيؤدي حتماً الى التنافس والصراع الاجتماعي.

ولما كان المجتمع يتطور بصورة دائمية فان انعدام العدالة سيتناسب مع حجم الثروة التي سينتجها المجتمع، فاذا كانت الثروة كبيرة اصبحت الهوة بين الطبقة المحرومة والطبقة الغنية أوسع وأكبر. واذا كانت الثروة الفائضة قليلة فسيكون التفاوت بين الطبقات أقل. فالمجتمعات البدائية التي كانت تفتقر الى الثروات، كانت تسودها العدالة الاجتماعية؛ لان التنافس في تلك المجتمعات كان معدوماً، بسبب عدم توفر الثروة المالية. اما في المجتمعات المتطورة فان وسائل الانتاج العملاقة وادرار الثروة هي التي خلقت جواً من الطمع والجشع الانساني الذي ادى الى سوء توزيع تلك الثروة بين افراد الطبقات الاجتماعية.

 نقد المدرسة التلفيقية

          ذكرنا في نقد موقف المدرسة التوفيقية ان المكافآت الاجتماعية التي يبشر بها المذهب التوفيقي لاتتناسب - في اغلب الاحيان - مع الادوار التي يقوم بها الافراد في المجتمع الانساني، مما يؤدي الى سوء توزيع الثروة الاجتماعية، ويمهّد الطريق لخلق طبقات ثرية متخمة واخرى فقيرة معدمة. اما التنافس والصراع الذي اشارت اليه المدرسة الماركسية، فسببه بالاصل انعدام الوازع الاخلاقي. فاذا اشتد عود الوازع الاخلاقي الذي يتحسس لآلام المعذبين، اصبح التنافس الاقتصادي عملية يقوم بها الفرد من اجل التكامل الاجتماعي لا مجرد تكديس الاموال.

          وزيادة الثروة في المجتمع، ليست بالضرورة عاملا من عوامل نشر الظلم والحرمان الاجتماعي، فزيادة الثروة وعدالة توزيعها تؤديان الى رخاء اجتماعي يساهم في رفع الحيف عن المظلومين والمحرومين؛ لان العدالة الاجتماعية ترتبط في الاصل بنظام يساهم في توزيع عادل للثروة، ولايرتبط بالزيادة المالية نفسها. وهناك شواهد تاريخية عديدة تؤكد صدق هذا الرأي، كما ورد في كتب التاريخ عن رجوع الصدقات الى بيت المال في صدر الاسلام؛ لان الثروة المالية انتشرت عن طريق التوزيع بين عدد كبير من الافراد ولم تتكدس بايدي جماعة محدودة العدد.

          ولاشك ان زعم الفكرة التوفيقية القائل بانه لاحياة للمجتمع الرأسمالي ما لم تتم فيه مطابقة حاجاته من الخبرات مع الادوار التي يتطلبها ذلك المجتمع لا يتطابق تطابقاً تاماً مع الحقيقة. فقد لا يشغل السياسي الكفوء محله الطبيعي في الحكم والادارة بسبب معارضته للنظام السياسي. فكيف تفسر هذه المدرسة، مطابقة حاجات المجتمع مع الادوار المطلوبة؟ بل كيف تفسر فارق الاجور بين الرجال والنساء في النظام الرأسمالي اليوم، مع ان كل منهما يستطيع سد الشواغر الاجتماعية التي يحتاجها المجتمع بكفاءة[11]؟ أليس الفارق في الاجور تناقضاً واضحاً للفكرة التوفيقية القائلة بان الاجر يجب ان يتناسب مع منفعة العمل للنظام الاجتماعي؟ فكيف اذن تختلف أجرة الرجل عن أجرة المرأة لنفس المهنة النافعة للنظام الاجتماعي؟

          وتلك التساؤلات المهمة التي عجزت النظرية التلفيقبة عن الاجابة عليها، وضعت تلك النظرية في موقف لا تُحسد عليه. فالنظرية تؤيد ايجابيات مدرسة الصراع وتتحمس بقوة للرأسمالية، وتعتبر مؤسساتها المختلفة متضافرة من اجل الانسجام الاجتماعي، ولكنها تقف حائرة امام التناقضات الفكرية والمبدأية التي تعاني منها المدرستان. وهذا الخلل يعتبر من اهم نقاط ضعف هذه النظرية.

 نظرية (ماكس وبر) والرد عليها

          ولم يمنع اعجاب الطبقة العاملة والمثقفة الاوروبية في القرن التاسع عشر بأفكار (كارل ماركس)، من تكثيف الجهود العلمية لمناقشتها ونقدها، والتشكيك بسلامة اسسها الفكرية. وكان من هؤلاء الذين انتقدوا نظرية (كارل ماركس) في تحليل العلاقات الاجتماعية في ضوء الصراع الطبقي: عالم الاجتماع الالماني (ماكس وبر)؛ حيث قدم خلال نقده لافكار (كارل ماركس) نظرية جديدة مناقضة تماما للنظرية الماركسية[12]. وتتلخص نظرية (ماكس وبر) بالقول بان فكرة نشوء الطبقات الاجتماعية لا تحصل نتيجة الصراع الطبقي، بل تحصل نتيجة تداخل عوامل ثلاثة وهي:

الاول: العامل الاقتصادي (الثروة).

الثاني: العامل السياسي (السلطة).

الثالث: العامل الاجتماعي (المنـزلة الاجتماعية).

فاذا اردنا معرفة الطبقة الاجتماعية لـ «معلم المدرسة» مثلاً، فما علينا الا ان نحسب ثروته المالية ونلاحظ قوته السياسية ونلمس منـزلته الاجتماعية، ثم نحكم من خلال تلك العوامل الثلاثة على موقعه في الطبقات الاجتماعية. فاذا كانت ثروته المالية متوسطة مثلاً، وقوته السياسية ضعيفة، ومنـزلته الاجتماعية متوسطة، اصبحت طبقته الاجتماعية متوسطة- دنيا. ولاشك ان هذا الاستنتاج جيد، الا ان النظرية تتعثر في تفسير وضع الافراد في بقية الطبقات الاجتماعية. فلو قارنّا الفلاح بمعلم المدرسة، وتبين لنا ان الفلاح اوسع ثروة في المال وامضى قوة في السياسة من معلم المدرسة، فهل يعني هذا ان الفلاح قد دخل الطبقة العليا في النظام الاجتماعي، بينما بقي معلم المدرسة ضمن الطبقة المتوسطة؟ يجيب (ماكس وبر) بان لكل فرد منـزلته الاجتماعية. فطبقة معلم المدرسة تختلف عن طبقة الفلاح. أي اننا لا نستطيع قياس معلم المدرسة الى الفلاح لانهما من طبقتين مختلفتين.

لكن هذا الرأي يدل على خلل في النظرية نفسها، فكيف يعزي (ماكس وبر) سبب نشوء الطبقات الى الثروة والقوة والمنـزلة الاجتماعية، ثم عندما تختل معادلته المطبّقة على النظام الاجتماعي، يتراجع ويقول ان لكل فرد طبقته الاجتماعية بغض النظر عن الثروة والسلطة والمنـزلة الاجتماعية؟ أليس هذا خللاً في اصل نظرية نشوء الطبقات الاجتماعية التي ابتكرها (ماكس وبر)؟ فلو افترضنا ان هذا الفلاح استطاع الانضمام للطبقة العليا المتحكمة بالامور السياسية، فكيف تم له تجاوز العامل الاجتماعي (المنـزلة الاجتماعية)، مع ان مقاعد المنـزلة الاجتماعية العليا محجوزة لافراد الطبقة العليا؟ أليست تلك العوامل الثلاثة متشابكة في الطبقة العليا في المجتمع، ومستقلة ومنفصلة عن بعضها البعض، في الطبقتين الوسطى والفقيرة؟ الا تمتلك الطبقة الرأسمالية الثروة والقوة السياسية والمنـزلة الاجتماعية بينما يمتلك الفقير احياناً المنـزلة الاجتماعية ولكنه لا يمتلك الثروة؟ أليس عالم الدين الورع مثلاً غنياً في النفس (المنـزلة الاجتماعية)، فقيراً في المال (العامل الاقتصادي)، حكيماً في القيادة (العامل السياسي)؟ فاين تقع مرتبته في الطبقات الاجتماعية: الطبقة العليا، ام الطبقة الوسطى، ام الطبقة الفقيرة؟

تلك الاسئلة لا تجيب عليها نظرية (ماكس وبر)؛ لأنها تنظر لطبقات النظام الاجتماعي من منظار الطبقة العليا فقط؛ ذلك ان عوامل السلطة السياسية، والثروة، والمنـزلة الاجتماعية هي اساس تماسك الطبقة العليا في المجتمع الرأسمالي فحسب، ولولاها لما أقرّ انصار الرأسمالية وجود النظام الطبقي. و(ماكس وبر) لم يعط تحليلاً او علاجاً لمشكلة انعدام العدالة الاجتماعية في المجتمع الرأسمالي، وانما حاول النظر الى المجتمع بكافة طبقاته من خلال مواصفات الطبقة الحاكمة. ولو كان دقيقاً في تحليله لنظر الى جوهر المشكلة الاجتماعية وهي مشكلة توزيع الثروات بين الافراد، وما يصاحب ذلك التوزيع غير العادل من تراكم للثروة وتركيز للقوة السياسية والاقتصادية، وما يتبعها من تحكم وسيطرة تؤدي الى انعدام العدالة بين الافراد في النظام الاجتماعي.

 (نهاية ص 150)

 

صفحة التحميل                            الصفحة الرئيسية


 


[1]  تقسيم العمل في المجتمع – اميلي ديركهايم. المطبعة الحرة 1964م. الطبعة الاولى 1893م.

[2]  بعض مبادئ انعدام العدالة الاجتماعية – كنـزلي ديفز وولبرت مور. مجلة العلوم الاجتماعية عدد 50، 1945م ص 432-437.

[3]  التركيبة الوظيفية – بيتر بلاو واوتيس دودلي دونكان. وايلي 1967م.

[4]  الرياضة والنظام الاجتماعي – دوناد بول وجون لوي. اديسون- ويسلي 1983م.

[5]  بقاء السيطرة: الاذلال والحياة اليومية – باري آدم. السفاير 1978م.

[6]  المخطوطات السياسية والاقتصادية لعام 1844م. الناشرون الدوليون 1964م.

[7]  الصراع الاجتماعي والحركات الاجتماعية – انتوني اوبرشال. برنتس- هول 1973م.

[8]  السلطة والتبادل في الحياة الاجتماعية – بيتر بلاو. وايلي 1964م.

[9]  الوظائف الرفيعة في دراسة مقارنة – دوناد ترايمان. المطبعة الاكاديمية 1977م.

[10]  السلطة والامتيازات: نظرية في انعدام العدالة الاجتماعية – جيرهارد لنسكي. ماكرو- هيل 1966م.

[11]  النساء، العمل، الاجور – دوناد ترايمان وهيدي هارتمان. الاكاديمية القومية للعلوم 1981م.

[12]  ماكس وبر: بحوث في علم الاجتماع – اج اج كيرث وسي رايت ميل. جامعة اكسفورد 1946م.