(ص 113- 130) 

6 – الاضاحي:

والذبح الشرعي على ضربين: مفروض ومسنون، اي واجب ومستحب؛ فالمفروض حدّد شرعاً في هدي النذر وهدي الكفارة وهدي التمتع وهدي القران بعد التقليد والاشعار والاضحية[1]. واذا كانت الاضحية الواجبة محدّدة ضمن فترة شرعية وزمنية معينة، فان الاضحية المستحبة غير محددة بمكان.

وقد ورد في تفسير قوله تعالى: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانحَر)[2]، ان اللّه امر النبي (ص) بالنحر بعد صلاة العيد اي «صلِّ صلاة العيد... وانحر هديك واضحيتك»[3]. وكان رسول اللّه (ص) يذبح يوم الاضحى كبشين احدهما عن نفسه والآخر عمّن لم يجد هدياً من اُمّته، وكان امير المؤمنين (ع) يذبح كبشين احدهما عن رسول اللّه (ص) والآخر عن نفسه[4]. وكان (ع) يقول: (لو علم الناس ما في الاضحية لاستدانوا وضحوا. انه يغفر لصاحب الاضحية عند اول قطرة تقطر من دمها)[5].

اما الاضاحي الواجبة، فهي اربعة بنص القرآن الكريم:

أ- اذا اصطاد المُحرِم فعليه كفارة مثل ما قتل من النعم، لقوله تعالى: (يا اَيُّها الَّذينَ آمَنُوا لا تَقتُلُوا الصَّيدَ وَاَنتُم حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثلُ ما قَتَلَ مِن النِّعَمِ)[6].

ب - اذا حلق المُحرِم رأسه لضرورة، فعليه كفارة مخيّرة بين صيام ثلاثة ايام واطعام ستة مساكين، او التضحية بشاة؛ لقوله تعالى: (فَمَن كانَ مِنكُم مَريضاً اَو بِهِ اَذىً مِن رَأسِهِ فَفِديَةٌ مِن صِيام اَو صَدَقَة اَو نُسُك )[7].

ج- هدي الحصار، لقوله تعالى: (فَاِن اُحصِرتُم فَما استَيسَرَ مِنَ الهَديِ)[8].

د- يجب الهدي على من حج متمتّعاً، لقوله تعالى: (فَمَن تَمَتَّعَ بالعُمرَةِ الى الحَجِّ فَما استَيسَرَ مِنَ الهَديِ)[9]، بلا خلاف بين الفقهاء، بل الاجماع عليه بعد الكتاب والروايات المستفيضة؛ منها قول الامام الصادق (ع) في خبر سعيد الاعرج: (من تمتع في اشهر الحج، ثم اقام بمكة، حتى يحضر الحج من قابل فعليه شاة، ومن تمتع في غير اشهر الحج، ثم جاور بمكة، حتى يحضر الحج فليس عليه دم، انما هي حجة مفردة، وانما الاضحى على اهل الامصار)[10].

ويشترط في الهدي الواجب بمنى:

أولاً: ان يكون من الانعام الثلاثة: الابل، والبقر، والغنم، لقوله تعالى: (وَيَذكُرُوا اسمَ اللّهِ في اَيّام مَعلُومات عَلى ما رَزَقَهُم مِن بَهِيمَةِ الاَنعامِ  فَكُلُوا مِنها وَاَطعِمُوا البائِسَ الفَقيرَ)[11].

ثانياً: يشترط في الابل  ان تكون من الثني، وهو الذي له خمس سنوات ودخل في السادسة. وفي البقر والمعز أن تكون من الثنية، وهو الذي مضت عليه سنة ودخل في الثانية. وفي الغنم الجذع وهو الذي مضى عليه ستة اشهر.

ثالثاً: ان يكون تام الخلقة، غير ناقص، لقول رسول الله (ص): (لا يُضحّى بالعرجاء بيّن عرجها، ولا بالعجفاء [الهزيلة]، ولا بالجرباء، ولا بالخرقاء [لا اذن لها]، ولا بالجذعاء [مقطوعة الاذن]، ولا بالعضباء [مكسورة القرن])[12].

اما زمان الذبح، فظاهر الاصحاب انه لمن كان بمنى فهو «اربعة ايام، يوم النحر [العيد] وثلاثة ايام بعده، وفي سائر الامصار ثلاثة ايام يوم النحر ويومان بعده. ويجوز ذبح هدي التمتع طول ذي الحجة، ومن لم يجده ووجد ثمنه تركه عند من يثق به ليشتريه في العام المقبل ويذبحه عنه فان لم يقدر على الثمن صام ثلاثة ايام في الحج وسبعة اذا رجع الى اهله بدليل اجماع الطائفة»[13]. ويستحب ان يتصدق صاحب الهدي بثلثه للفقراء، ويهدي الثلث الآخر، ويأكل من الثلث الباقي، فقد كان الامام زين العابدين، وولده الباقر عليهما السلام، يتصدقان بالثلث على الجيران، والثلث على من يسأل ويطلب، ويمسكان الثلث لاهل البيت[14]. وورد عن رسول اللّه (ص) قوله: (انما جعل اللّه هذا الاضحى لتشبع مساكينكم من اللحم فاطعموهم)[15]. فيكون الاصل في الهدي اذن، اشباع الفقراء والمساكين.

7- الوصية:

وفيها، يستطيع المكلّف ان يوصي بثلث ماله أو تركته بعد الموت لأعمال الخير كمساعدة الفقراء وكسوتهم، او بناء المدارس للقاصرين والملاجىء للايتام، أو مطلق اعمال الخير التي تصب في خدمة النظام الاجتماعي. و«تصح الوصية بكل ما يكون فيه غرض عقلائي محلل من عين أو منفعة او حق قابل للنقل ولا فرق في العين بين ان تكون موجودة فعلاً او قوة »[16].

8 - الصدقة المستحبة:

وهو الانفاق تطوعاً لوجه الله على الفقراء وذوي الحاجة ونحوهم. وقد وردت في هذا الباب روايات عديدة تحث المؤمنين على هذا اللون من الانفاق، منها قول رسول اللّه (ص): (تصدّقوا، فان الصدقة تزيد في المال كثرة)[17]. وقول ابي عبد الله (ع): (استنـزلوا الرزق بالصدقة، من أيقن بالخلف جاد بالعطية، ان اللّه ينـزل المعونة على قدر المؤونة)[18]. وقوله ايضاً: (لأن اعول أهل بيت من المسلمين اشبع جوعتهم واكسوا عورتهم وأكفّ وجوههم عن الناس احبّ اليّ من أن احج حجة وحجة حتى انتهي الى عشر وعشر ومثلها ومثلها حتى انتهي الى سبعين)[19]. و«المسنون من الزكاة في اموال التجارة اذا طلبت رأس المال والربح، وفي كل ما يخرج من الارض مما لا يكال ويوزن سوى ما قدمناه فان الزكاة واجبة فيه، وفي الحلي والسبائك من الذهب والفضة اذا لم يفر بذلك من الزكاة، والمال الغائب الذي لا يتمكن مالكه من التصرف فيه اذا قدر على ذلك وقد مضى عليه حول أو احوال»[20]. وقد تضافرت روايات اهل البيت (ع) بالحث على الصدقة لانها تطفئ غضب الرب عن العباد، فقد «سأل الحلبيُ الصادقَ (ع) عن قول اللّه عز وجل: ( وَإتُوا حَقَّهُ يَومَ حَصادِهِ )[21]، كيف أعطي؟ قال: تقبض بيدك الضغث فتعطيه المسكين ثم المسكين حتى تفرغ منه واذا ناولت السائل صدقة فقبلها قبل أن تناولها اياه فان الصدقة تقع في يد اللّه قبل ان تقع في يد السائل، وهو قوله عز وجــلّ: (ألَم يَعلَمُوا اَنَّ اللّهَ هُوَ يَقبَلُ التَّوبَةَ عَن عِبادِهِ وَيَأخُذُ الصَّدَقاتِ وَاَنَّ اللّهَ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ)[22] »[23].

 كيفية الاطعام والكسوة في الكفارات:

ويتحقق مفهوم الاطعام عن طريقين:

الأول: دعوة العدد المحدد من الفقراء دفعة واحدة، او بالتدريج، واطعامهم حتى الاشباع، ذكوراً كانوا أو اناثاً، صغاراً أو كباراً، اصحاءً أو مرضى. و«لا يجزي اعطاء ما دون العدد المعتبر، وان كان بقدر اطعام العدد. ولا يجوز التكرار عليهم من الكفارة الواحدة مع التمكن من العدد ويجوز مع التعذر»[24].

الثاني: اعطاء كل فرد مُداً من  القمح، وهو ما قُدّر بحدود 750 ـ 800 غرام. وينبغي ان يكون الاطعام متناسباً مع مستوى الطعام الذي يأكله المُطعِم، كما وصفته الآية الشريفة: (مِن اَوسَطِ ما تُطعِمُونَ اَهلِيكُم)[25]. و«لا يجزي دفع القيمة في الكفارة، لاشتغال الذمة بالخصال [الاطعام]، لا بقيمتها التي لا تندرج في اطلاق الامر بالاطعام مثلاً حتى في الفرد الذي يراد منه التمليك للاطعام، والاجتزاء بها في الزكاة ونحوها للدليل [الخاص]، ومن هنا لم يكن خلاف في ذلك عندنا، بل في المسالك هو اجماع»[26].

اما الكسوة، فقد اختلف الفقهاء في نوعيتها، فمنهم من قال بالاجتزاء بثوب واحد لكل مسكين، ومنهم من قال بثوبين لكل مسكين، لاختلاف الروايات. وقيل أن الثوب الاول واجب والثاني مستحب. ولكن الاصل المتفق عليه في الكسوة هو تحقق مفهومها.

 ملحق: اطعام الفقراء - الروايات الواردة في ذلك:

1- عن رسول اللّه (ص) قال: (خيركم من اطعم الطعام، وافشى السلام...)[27].

2- وعن ابي عبد الله (ع) قال: (من الايمان حسن الخلق واطعام الطعام)[28].

3- وورد عن ابي الحسن الرضا (ع) في تلاوته للآية الكريمة: (فَلا اقتَحَمَ العَقَبَةَ وَما اَدريك ما العَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَة)[29]، قوله: (علم الله ليس كلٌ يقدر على عتق رقبة فجعل لهم سبيلاً الى الجنة باطعام الطعام)[30].

4- وورد ان علياً امير المؤمنين (ع) كان يقول: (انا اهل بيت أمرنا ان نطعم الطعام، ونؤدي في النائبة، ونصلي اذا نام الناس)[31].

5- وورد أن ابا الحسن الرضا (ع) اذا أكل أتي بصفحة فتوضع بقرب مائدته فيعمد الى اطيب الطعام مما يؤتى به فيأخذ من كل شيء منه شيئاً فيوضع في تلك الصفحة ثم يأمر للمساكين ثم يتلو: (فَلا اقتَحَمَ العَقَبَةَ)الآية[32].

6- وعن الامام ابي جعفر (ع) قال: (من اطعم جائعاً اطعمه الله من ثمار الجنة)[33].

7- وعن الإمام ابي عبد الله (ع) قال: (من اطعم مؤمناً حتى يشبعه لم يدر أحد من خلق الله ما له من الاجر في الآخرة لا ملك مقرب ولا نبي مرسل الاّ اللّه رب العالمين. ثم قال: من موجبات المغفرة اطعام المسلم السغبان، ثم تلا قول اللّه عز وجل: (اَو اِطعامٌ في يَوم ذي مَسغَبَة يَتيماً ذا مَقرَبَة اَو مِسكيناً ذا مَترَبَة)[34]([35].

8- وعن ابي عبد الله (ع) قال: (من اشبع كبداً جائعاً وجبت له الجنة)[36].

9- وورد عن رسول اللّه (ص) قوله: (ما آمن بي من أمسى شبعاناً وأمسى جاره جائعاً)[37].

 الاستنتاج:

والملاحظ من خلال عرض الاحكام الرئيسية لصندوق الصدقات والحقوق الشرعية في النظام الاسلامي، ان هذا النظام يستند في تعامله مع المال على اربعة عوامل:

الأول: العامل التعبدي، حيث يتضح من استعراض الاحكام الشرعية الخاصة بالزكاة المالية وزكاة الفطر والخمس والانفال والاضاحي والكفارات والصدقات المستحبة، ان الانفاق يعتبر من صميم الاعمال التعبدية التي يجازى عليها المكلف او يعاقب. فلا يستقيم ايمان المرء ولا تتكامل عدالته الدينية الا بالانفاق المأمور به، الذي يصبُّ اصلاً في مجرى مساعدة الفقراء ليرفع واردهم الى مستوى الوارد الاجتماعي العام.

الثاني: العامل الاخلاقي، الذي يعتبر المال مجرد وسيلة من وسائل نفع النظام الاجتماعي، واشباع الحاجات الاساسية للناس. فيوصي - مثلاً - بردّ المال المأخوذ حراماً الى صاحبه، وصرفه على الفقراء اذا عُجِزَ عن معرفة مالكه الاصيل. ويوصي ايضاً بمساعدة الافراد الذين ركبتهم الديون، بتسديدها من بيت المال.

الثالث: عامل الاعتدال في حجم الضريبة المفروضة على اموال الاغنياء. والتأكيد على كون الضريبة تخص الفائض من الارباح السنوية، حيث تستثنى المؤونة ومصاريف العمل من النسبة المئوية لاموال الاغنياء. وفي الوقت ذاته يوصي الاسلام بالاعتدال في صرف الزكاة بالنسبة للفقراء، فلا يحق للفقير تبذير المال الذي يستلمه من الحقوق الشرعية، بل لا يحق للناس اطلاقاً، الاسراف والتبذير. ويوصي ايضاً بصرف المال الزائد في جميع طرق الخير التي اقرها العقلاء للتخفيف عن الانسانية المعذبة ونشر العدالة بين جميع افراد النظام الاجتماعي.

الرابع: ان كمية المال الواردة عن طريق الزكاة المالية والخمس والكفارات والاضاحي والصدقات المستحبة التي درسناها سابقاً، تعتبر كمية هائلة. وتشديد الاسلام على صرف تلك الكمية الضخمة من المال على الفقراء والمساكين بالخصوص لسد حاجاتهم الاساسية في المأكل والملبس والمسكن، تضعه على صدر الانظمة الاجتماعية التي تنجح في معالجة مشكلة الفقر معالجة حقيقية. وهذا الدور الاسلامي في معالجة المشكلة الاجتماعية مستند على فهم حقيقة التفاوت في القابليات الانتاجية بين الناس، وحقيقة الانسان الداخلية فى العطاء، وحقيقة التكليف الالهي للافراد في التعاون والتضامن الاجتماعي.

الضمان والتكافل الاجتماعي في الاسلام

وواجب الدولة في النظام الاسلامي ضمان معيشة الافراد، وهي بذلك تتبع احد الطرق الثلاث التالية:

أولاً: ان توفر لهم اعمالاً يرتزقون بها الى حد الكفاية.

ثانياً: ان تضمن معيشتهم الاساسية في حال عدم توفر فرص العمل. ويتم هذا الضمان من خلال صندوق الحقوق الشرعية الذي لاحظنا فعالياته المعاشية سابقاً.

ثالثاً: ان توصي بالاعتدال في استثمار الموارد الاجتماعية وعدم تبذيرها. وكل تلك الطرق التي تهدف الى ضمان معيشة الافراد يمكن تحقيقها ضمن حدود الدولة والنظام الاجتماعي، لان الارض بخيراتها لا تبخل على الانسان بعمل، وان العقل البشري - بطاقته الجبارة - يفتح آفاقاً واسعة لتطوير مصادر الغذاء في البحار والمحيطات والانهار. وتلك الخيرات تستطيع اشباع الملايين، خصوصاً اذا استخدمت الوسائل الآلية في الانتاج الزراعي والحيواني والتي تستطيع مضاعفة الانتاج الغذائي بكلفة أقل. وهذا الاستثمار يقع تحت عنوان حق الجماعة في التمتع بمصادر الثروة الاجتماعية، فالأرض بخيراتها الهائلة انما خلقت للجميع كما ورد في قوله تعالى: (هُوَ الَّذي خَلَقَ لَكُم ما في الارضِ جَميعاً)[38].

وهذا الضمان ينبع من جوهر النظرية الاسلامية الخاصة بالانسان. فالفرد الانساني ليس كياناً مادياً فحسب، بل هو كيان مادي وروحي شريف، والجوع يمزق ذلك الكيان ويحط من قدره، وبذلك فلابد من اشباع حاجاته الاساسية في العيش الكريم. والى هذا التفضيل اشار القرآن الكريم بقوله: (وَلَقَد كَرَّمنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلناهُم فِي البَرِّ وَالبَحرِ وَرَزَقناهُم مِنَ الطيِّباتِ وَفَضَّلناهُم عَلى كَثير مِمَّن خَلَقنا تَفضِيلاً)[39]. فمن حق المخلوق على الخالق اشباعه وكسوته، وأي نقضٍ لتلك السنّة التكوينية انما هي نقض لصميم مفهوم العبودية بين المربوب والرب. فالجائع لا يستطيع عبادة الله، ولا يقدر على تحمل التكاليف الشرعية، فكيف يأمره الخالق اذن، بالعبادة ولا يضمن له العيش الكريم؟ ولاشك ان المولى عزّ وجلّ خلق للناس مصادر غذائهم وكسوتهم، ولكن سوء التوزيع الذي يقوم به الانسان هو الذي يحرم البعض من حقوقهم  ويتخم البعض الآخر. وهذا يفسر - الى حد ما - تأكيد الاسلام المستمر على الانفاق الواجب والمستحب على الفقراء والمساكين، خصوصاً في موارد الانفاق التي درسناها سابقاً، كالصدقات الواجبة، والكفارات، والاضاحي، والانفال.

ولا تتوقف النظرية الاسلامية بمساعدة الفقراء عند الضمان الاجتماعي فحسب، بل تتعدى في نظرتها الشمولية الى التكافل العام بين جميع افراد المجتمع الانساني، الذي ينبغي أن يقوم على مبدأين، هما:

الاول: مبدأ كفالة الافراد بعضهم البعض كفاية، وهذا المبدأ لا يمكن تجزئته او فصله عن بقية احكام الاسلام التي تفرض على المكلفين ضرائبَ وغرامات مالية او عينية يرد اغلبها الى الفقراء، خصوصاً القاصرين والعاجزين.

الثاني: مبدأ الاخوة الذي يعتبره الاسلام حجر الاساس في بناء العلاقات الاجتماعية النظيفة. وقد اشارت الاحكام الشرعية الاسلامية في اكثر من موضع الى ضرورة التحسّس لآلام الآخرين واهمية مشاركة الافراد شعورهم الانساني من افراح واتراح. فالمصائب الجماعية اخف ثقلاً على كاهل الفرد من تلك التي ينوء بحملها الانسان منفرداً دون صديق او حميم. ولذلك كان مفهوم الاُخوة في الاسلام، وما يترتب عليه من آثار اقتصادية في توزيع الثروة، من اكثر وسائل التكافل الاجتماعي تأثيراً وامضاها فعالية في تضييق الفوارق الطبقية بين الافراد. ولئن كان «المذهب الفردي» الذي تدعي النظرية الوضعية تفوقه على بقية المذاهب الاجتماعية، قد نجح في دفع الافراد نحو العمل  والابداع[40]، الا أن التأثيرات الاجتماعية السلبية التي اوقعها ذلك المذهب بالمجتمع الرأسمالي، تجعله من اكثر المذاهب الاجتماعية فشلاً في تحقيق سعادة الانسان، وطموحه في تحقيق مجتمع سعيد متكاتف، يقوم على اساس المساواة والعدالة الانسانية .

          واخيراً، لابد من القول ان اهم المراكز التي ينبغي ان تتحمل مسؤولية التكافل الاجتماعي في الدولة الاسلامية هي المؤسسات الدينية والاجتماعية كالمساجد والمدارس. فمسجد المحلة يمثل قلبها النابض دينياً وادارياً واجتماعياً، وهو عين الاسلام الحقيقية التي ترى الساحة الاجتماعية دون غطاء. ولابد لهذا المركز الروحي والاجتماعي من مساعدة الناس في معرفة حاجاتهم وسدّها، وتبيان حالهم حتى يبقى الامداد المعاشي مستمراً لكل الافراد. فامام المسجد اقرب الناس الى قلوب افراد المحلة، باعتباره رجل العلم والتقوى والعدل، يفتش عن الفقراء، ويتعرف على احوالهم، وعند الحاجة يشبعهم ويغنيهم عن طريق دفع الحقوق الشرعية لهم. اما المدرسة، وهي عقل المحلة وعصبها الفكري النابض بقوة العلم والمعرفة، فلها دور مهم ايضاً في  استبيان وضع الفقراء من خلال استبيان حال ابنائهم. فلابد ان يكون دور المدرسة هنا دوراً مساعداً في استكشاف الفقراء ذوي العفة، الذين يحسبهم الجاهل بحالهم اغنياء من التعفف لا يسألون الناس الحافاً، كما وصفهم القرآن الكريم بذلك. ومن خلال تعاون المسجد والمدرسة تمتد يد العطاء والرحمة الى كل الفقراء فتنتشلهم من اجواء الحرمان لتضعهم في موضع التكريم الذي اراده لهم خالقهم الكريم منذ بداية الخلق والانشاء.

 آثار تطبيق الاحكام الاسلامية

 على النظام الاجتماعي

ان اول صنم حاول الاسلام اخراجه من الساحة الاجتماعية وحاول تحطيمه هو الصنم الطبقي المرتكز على اساس عوامل: الثروة والسلطة السياسية والمنـزلة الاجتماعية؛ وجعل الميزان الاساسي للاستخلاف في الارض: الايمان والعمل الصالح الذي يخدم الانسانية، والمتمثل بقوله تعالى: (وَعَدَ اللّهُ الَّذينَ آمَنُوا مِنكُم وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَستَخلِفَنَّهُم في الاَرضِ كَما استَخلَفَ الَّذينَ مِن قَبلِهِم وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُم دينَهُم الَّذي ارتَضى لَهُم وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِن بَعدِ خَوفِهِم اَمناً يَعبُدُونَني لا يُشرِكُونَ بي شَيئاً)[41]. فالاستخلاف والولاية الشرعية للحاكم الشرعي مسؤولية دينية لابد أن يتولاها من هو أهل لقيادة الاُمة الاسلامية بل قيادة البشرية، بحيث لا تلعب الثروة دوراً في بناء شخصية القائد.

واغلب الانبياء عاشوا حالة من الفقر باستثناء قلة قليلة منهم. وحتى تلك القلة، كسليمان وداود عليهما السلام، لم تثنيهما متطلبات الملك من الابتعاد عن ملاذ الدنيا ومغرياتها. فالثروة في الاسلام اذن ليست عاملاً من عوامل تحديد الطبقة الاجتماعية او تشخيص ولي الامر او تعيين الحاكم الشرعي.

اما القوة السياسية فانها نتيجة حتمية لعامل مهم آخر، وهو العامل الفلسفي او العلمي. ففي الوقت الذي تتجاهل فيه النظرية الوضعية العامل الفلسفي في التطبيق السياسي[42]، تتبنى النظرية الاسلامية الاجتهاد كعامل اساسي في تكوين شخصية الحاكم الشرعي، وتقرر ان المرجعية الدينية والاجتماعية والسياسية يجب أن تكون بيد اعلم المجتهدين لانه اقدر على التعامل مع الحالة الاجتماعية والسياسية من اي فرد آخر في المجتمع.  ولاشك ان العامل الفلسفي على تناقض واضح مع عامل الثروة، فاغلب المجتهدين والعلماء والفلاسفة يزهدون في طلب المال ويجدّون في طلب العلم، وهذا في حد ذاته عنصر مهم من عناصر تشجيع الافراد على السعي لاستيعاب مفهوم العدالة الاجتماعية، والمساهمة عن طيب خاطر في مشاركة اموال بعضهم البعض عن طريق دفع الحقوق وتمرين النفس على العطاء السخي بمفهومه الانساني الواسع.

ولا ريب ان العامل الفلسفي في تكوين شخصية الحاكم الشرعي في الاسلام، أجلّ وأعظم من العوامل الثلاثة التي تخلق الطبقة الرأسمالية لأن الدافع في النظرية الاسلامية عدالة توزيع الثروة بين الناس، والدافع في النظرية الوضعية الطمع والمنافسة المبنية على جمع اكبر كمية ممكنة من الاموال. ولابد من ملاحظة نقطة اُخرى، وهي ان العامل الفلسفي يتبدل بتبدل الافراد وتعاقب الاجيال، اما العوامل الثلاثة (في الثروة والسلطة والمنـزلة) فانها تبقى من جيل لجيل بيد افراد يتوارثونها دون حقّ معلوم.

وبطبيعة الحال، فان الناس في الاسلام يتمتعون بالامتيازات التي يقدمها لهم النظام الاجتماعي دون تمييز في المجال  السياسي والتعليمي والصحي والتربوي والديني، وهو ما لاحظناه في دراساتنا الاجتماعية الاخرى. فلا يحق للثري مثلاً، أن يتجاوز الحدود التي وضعها له الاسلام ليخلق له وضعاً سياسياً او دينياً يميّزه عن بقية الافراد، بل ان الكل سواسية في الواجبات والحقوق امام الخالق ولا يميّزهم ولا يفضّلهم على بعض الاّ العمل الصالح والنية الصادقة.

(نهاية ص 130)

 

السابق                 صفحة التحميل                   الصفحة الرئيسية


 


[1]  الغنية ص 59.

[2]  سورة الكوثر: الآية 2.

[3]  مجمع البيان للطبرسي ج 30 ص 206.

[4]  الكافي ج 1 ص 301.

[5]  علل الشرائع ص 151.

[6]  سورة المائدة: الآية 95.

[7]  سورة البقرة: الآية 196.

[8]  سورة البقرة: الآية 196.

[9]  سورة البقرة: الآية 196.

[10]  الكافي ج 1 ص 299.

[11]  سورة الحج: الآية 28.

[12]  الكافي ج 1 ص 300.

[13]  الغنية ص 60.

[14]  علل الشرائع ص 151.

[15]  من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 71.

[16]  العروة الوثقى ج 2 ص 726.

[17]  الكافي ج 1 ص 164.

[18]  من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 359.

[19]  الكافي ج1 ص 162.

[20]  الغنية لابن زهرة ص 47.

[21]  سورة الانعام: الآية 141.

[22]  سورة التوبة: الآية 104.

[23]  المقنع للشيخ الصدوق ص 15.

[24]  شرائع الاسلام ج 3 ص 76.

[25]  سورة المائدة: الآية 89.

[26]  جواهر الكلام ج 33 ص 291.

[27]  الكافي ج 4 ص 50.

[28]  المحاسن للبرقي ص 389.

[29]  سورة البلد: الآية 11- 13.

[30]  المحاسن ص 389.

[31]  الكافي ج 4 ص 50.

[32]  المحاسن ص 392.

[33]  المحاسن ص 393.

[34]  سورة البلد: الآية 14 – 16.

[35]  ثواب الاعمال للشيخ الصدوق ص 70.

[36]  المحاسن ص 390.

[37]  المحاسن ص 98.

[38]  سورة البقرة: الآية 29.

[39]  سورة الاسراء: الآية 70.

[40]  النظام الرأسمالي – ريتشارد ادوارد وآخرون. برنتس هول 1978م.

[41]  سورة النور: الآية 55.

[42]  المساواة في الفلسفة السياسية – مصدر سابق.