|
(ص 43 - 61) القسم الاول العدالة الاجتماعية في النظرية الاسلامية الرابط الانساني * تضييق الفوارق بين الطبقات الاجتماعية * على اي اساس يتم التفاضل؟ * تعريف الفقر وتحديد الفقراء في النظام الاسلامي * النظرتان الاسلامية والوضعية تجاه الفقراء: ملاحظات مقارَنة *وسائل علاج الفقر في الاسلام: 1 - الزكاة المالية 2 - زكاة الفطر 3 - الخمس 4 - الانفال 5 - الكفارات 6 - الاضاحي 7 - الوصية 8 - الصدقة المستحبة * الاستنتاج * الضمان والتكافل الاجتماعي في الاسلام * آثار تطبيق الاحكام الاسلامية على النظام الاجتماعي. --------------------- الرابط الانساني يختلف الافراد في المجتمع الانساني بعقائدهم واجناسهم ولغاتهم ونظرتهم نحو الحياة والكون؛ ولكنهم يتّحدون جميعاً برابط تكويني يربطهم برباط الانسانية. وهذا الرابط الانساني يجمع الافراد في شتّى المناسبات الحياتية من افراح واتراح وتعارف. فالفرد اذن، بغض النظر عن نوعية ارتباطه الاجتماعي بالآخرين، يعيش بالدرجة الاولى ارتباطاً انسانياً معهم؛ لان الرابطة الانسانية، في نظر الاسلام، اعمّ واشمل من بقية الروابط الاجتماعية. فالانسان اخو الانسان، حيث تشترك البشرية في صفة التشابه في الصنع والانشاء كما يشير الى ذلك الامام امير المؤمنين (ع) في وصف الافراد قائلاً: (فانّهم صنفان امّا اخ لك في الدين وامّا نظير لك في الخلق)[1]. ويشير القرآن الكريم بخصوص هذا المعنى الى القدر الجامع بين الانبياء والكفّار فيقول: (وَالى ثَمُودَ اَخاهُم صالِحاً)[2]، (وَاِلى مَديَنَ اَخاهُم شُعَيباً)[3]، حيث ان منطوق الآيتين الشريفتين يدلّ على ان القاسم المشترك والقدر الجامع بين كفار ثمود ومدين من جهة، والنبيَّين صالح وشعيب من جهة اخرى هو اشتراكهم جميعاً في الاخوة الانسانية، على اختلاف ميولهم العقائدية ووظائفهم الاجتماعية. وبطبيعة الحال، فان تصميم الاسلام على فهم الرابط الانساني الذي يربط الافراد - دون النظر الى منشأهم وعقيدتهم - ضروري ضمن النظرية الاسلامية في تكامل النظام الاجتماعي؛ لان الانسان - حسب تلك النظرية - مصمّم منذ نشأته الاولى على التحسّس والشعور والانفعال والتفاهم والتغيّر؛ وهي امور يتميّز بها الافراد عن غيرهم من الكائنات. وتلك الرابطة الانسانية التي يعلنها الاسلام بصراحة ويطبّقها في جميع احكامه وتشريعاته تميّزه عن باقي الاديان والافكار والعقائد في الاهتمام بكرامة الفرد وحريته، فيصرّح القرآن الكريم بوضوح منادياً: (يا اَيُّها النّاسُ اِنّا خَلَقناكُم مِّن ذَكَر وَّاُنثى وَجَعَلناكُم شُعوباً وَّقَبائِلَ لِتَعارَفُوا اِنَّ اَكرَمَكُم عِندَ اللّهِ اَتقاكُم)[4]، فالتفاضل الالهي بين الناس مستند في الاصل، على الجهد البشري في تنقية النفس البشرية والعمل الاجتماعي وطاعة المولى عزّ وجل؛ لان جعل الافراد عن طريق الاجتماع شعوباً متميّزة يحتاج بصورة اساسية الى جهودهم في التعاون والتكاتف لبناء صرح الانظمة الاجتماعية الرائدة. ويُرَتِّب التشريع الاسلامي على تلك الرابطة الاخوية آثاراً في غاية الاهمية؛ منها: الاول: التأكيد على كرامة الفرد الانساني، فلا يجوز للآخرين تجويعه وسلب كرامته الانسانية، بل ان المجتمع مسؤول عن اشباع حاجاته الاساسية من الطعام والشراب واللباس والسكن والعناية والحماية. فالرابطة الانسانية التي تشدّ الانسان بأخيه، والشعور المشترك بين افرادها في التعاون على اساس الأصل بانهم من جنس واحد، يعتبران اللبنة الاساسية في بناء النظام الاجتماعي الذي يقرّه الاسلام. الثاني: ان للفرد غير المكلّف حقوقاً في الولاية والوصاية الشرعية، مهما كانت عقيدة أبويه؛ فلا يجوز ان يترك وحيداً يصارع امواج الاختلافات الاجتماعية دون رعاية او توجيه يقوده نحو شاطئ الامان. الثالث: ان السنن التكوينية للخلق مصممة على اساس إيجاد عمل لكل فرد، مهما كانت عقيدته التي يؤمن بها، حتى يستطيع اعالة نفسه والقاصرين من افراد عائلته. وقد قال تعالى: (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها...)[5]. وبالاجمال، فان الرابطة الانسانية - في النظرية الاسلامية- هي الحبل الذي يربط الافراد ضمن نظام عادل يضمن لكل منهم قدراً معقولاً من الحقوق والعدالة والمساواة، بغض النظر عن عقائدهم واجناسهم واصولهم العرقية. تضييق الفوارق بين الطبقات الاجتماعية ولما كان المجتمع الانساني مبنياً على تفاوت قابليات الافراد في التحصيل وبذل الجهد اولاً، ولما كانت الثروة العينية والقيمية في تحرك وتداول مستمر بين الافراد ثانياً، اصبح نشوء الاختلاف في تملّك الثروة وبذلها امراً حتمياً. ويدل ذلك الاختلاف على ان وظائف الافراد في المجتمع متفاوتة ايضاً. فوظيفة المتبوع تختلف عن وظيفة التابع، ووظيفة القائد تختلف عن وظيفة المقود، والطبيب غير المدرس، وهذا التنوّع في الادوار الاجتماعية يتطلب اختلافاً في درجات العيش ضمن الطبقة الواحدة فحسب، ولا يتطلب تعدّداً للطبقات كما تؤكد النظرية الوضعية[6]. ولنضرب مثالاً على اختلاف الدرجة الاجتماعية ضمن الطبقة الواحدة. فمن المعلوم ان النظام الاسلامي يقرّ بضرورة وجود الدار لكل مكلّف مع عياله لأن الانسان اجتماعي بالطبع يختلف عن البهائم، فيصبح الأصل تملك الدار حتى للفقير من مال الصدقات. والقاعدة في النظرية الاسلامية، هو ان من حق كل فرد امتلاك سكن لائق بحاله الاجتماعي. فالتفاوت الاجتماعي بين الافراد في الاسلام اذن، يقع ضمن الطبقة الواحدة، وليس بين الطبقات المتعددة. ولاشك ان التفاوت بين الدرجات ضمن الطبقة الواحدة اكثر عدلاً واقرب الى الواقع الانساني من التفاوت بين الطبقات المتفاوتة، كالطبقة العليا، والمتوسطة، والفقيرة المعدمة. وهذا التفاوت بين الدرجات ضمن الطبقة الواحدة اقرب الى عدالة الدين من نظام تعدد الطبقات الظالم. وبطبيعة الحال، فان الاسلام وضع لتسديد منهجه في تضييق الفوارق الطبقية ضوابط؛ حيث قرر: أولاً: سد حاجات الناس بما فيه الكفاية من حيث المأكل، والملبس، والمسكن، ونحوها عن طريق تحميل مسؤولية ذلك على ولي أمر الأمة. ثانياً: ان للفقراء حقاً في أموال الاغنياء. ففرض ضرائب على الثروة الحيوانية والزراعية والمعدنية والنقدية؛ وبذلك تعامل الاسلام مع صميم المشكلة الاجتماعية هادفاً ازالة اسباب الفقر والحرمان، محاولاً اقتلاع جذور الفساد الاقتصادي الذي عانت منه البشرية لقرون طويلة. فالزكاة، وهي الضريبة المحدّدة بنسبة مئوية في الانعام الثلاثة: الابل والبقر والغنم، وفي الغلات الاربع: الحنطة والشعير والتمر والزبيب، وفي النقدين: الذهب والفضة، تشبع الفقراء من المأكل والملبس وتسد حاجاتهم الاساسية الاخرى. والخمس، الذي هو اخراج عشرين بالمائة من الواردات السنوية - خمس الغنيمة كانت او خمس الفائدة او الربح- يشتمل على عدة مصادر منها: اولاً: المعادن المستخرجة من الارض بضمنها النفط والكبريت. ثانياً: ما يفضل من مؤونة سنة الافراد. ثالثاً: ما يخرج من البحار وما يعثر عليه من الكنوز. وهذا المقدار من الثروة الاجتماعية يغطّي حاجات الفقراء الواسعة، ويرفع من مستواهم ويمنحهم فرصاً للعمل والانتاج، ويساعد الدولة على بناء المدارس والمستشفيات ووسائل التدريب والتأهيل الاجتماعي. هذا اضافة الى ان الضرائب التي فرضها الاسلام كالصدقة الواجبة والكفارات والاضاحي، والضرائب التي شجّع الافراد على دفعها بدافع الاستحباب كالصدقة المستحبة والانفاق في سبيل الله، ترفع حوائج المعدمين وتسدّ رمقهم وتشبعهم. وبالاجمال، فان المجتمع الاسلامي يصرف اكثر من خمسة وعشرين بالمائة من وارداته على الطبقة الفقيرة في سبيل رفعها الى مستوى الطبقة الاجتماعية الواحدة التي يهدف الاسلام خلقها في المجتمع الانساني. وهذا الوارد الضخم الذي يخرج من فائض الطبقة الغنية ليدخل في دخل الطبقة الفقيرة، يساهم مساهمة عظيمة في تضييق الفوارق الطبقية بين الافراد حتى يمحيها محواً من الخارطة الاجتماعية، ويضع بدلها نظاماً انسانياً عادلاً مؤلفاً من طبقة موحَّدَة مختلفة الدرجات. وانّ نظاماً كالاسلام يصرف ربع واردات افراده ومعتنقيه على الفقراء جدير بان يحقّق اعلى درجات العدالة الاجتماعية في المجتمع وجدير بقيادة العالم والبشرية المعذبة بعذاب الجوع والفقر والمرض نحو شاطئ الامان والعدالة والاستقرار الاجتماعي. ووجود طبقة اجتماعية واحدة مختلفة الدرجات يحفّز العامل الذاتي لدى الافراد، للاندفاع نحو العمل وبذل الجهد، وتحصيل درجة اعلى في الطبقة الواحدة المرجو نموّها. وهذا لا يمثل إجحافاً بحق الفقراء، بل تشجيعاً لعمل العامل ومكافأةً لجهده ومهارته في خدمة المجتمع والنظام الاجتماعي. ولا يؤدي وجود طبقة واحدة الى خفض الانتاج كما تزعم النظرية الوضعية[7]، بل ان اختلاف الدرجات ضمن الطبقة الواحدة يحفّز العمال على العمل والانتاج. وفي هذا الجو العام المليء باسباب التفاؤل يشعر الجميع بالمعنى الحقيقي للمساواة الاجتماعية والاخاء الانساني الذي يمثله الاسلام كتشريع الهي مصمّم بالخصوص لسعادة الانسان وبناء الفرد والنظام الاجتماعي، ضمن الصورة العبادية التي تربط الفرد بخالقه العظيم. وهكذا تخالف النظرية الاسلامية الفكرة الرأسمالية القائلة بان انعدام العدالة الاجتماعية لها نواح ايجابية نافعة للنظام الاجتماعي[8]؛ لانه لا يمكن تبرير انعدام العدالة باية منفعة اجتماعية تصب في صالح طبقة من الطبقات، حتى لو كانت تلك المنفعة متعلقة بتحفيز العمل وزيادة الانتاج. والاّ، فما معنى زيادة الانتاج الصناعي في الوقت الذي تجوع فيه شريحة اجتماعية بكافة افرادها وتحرم من ابسط قواعد العيش الانساني الكريم؟ وهو تناقض واضح بين الايجابية المزعومة والعدل الاجتماعي. ولذلك فان الاسلام يرفض الفكرة القائلة بان انعدام العدالة الاجتماعية يمكن جبره بزيادة الانتاج. والأجر يحدد من قبل العرف الاجتماعي، ويمكن ان يلاحظ فيه الوضع العائلي للعامل ومقدار اعالته للقاصرين، والمستوى المعاشي في البيئة التي يسكن فيها. فإذا انخفض الأجر دون سد الحاجة، قام ولي الأمر الشرعي بجبـر النقص من الحقوق الشرعية. وبهذه الطريقة تضمن النظرية الاسلامية حق الافراد في الاندفاع نحو العمل والابداع، وحق الفقراء الذين يخونهم التوفيق في النجاح العملي لضمان مستوى كريم للعيش. وبهذا الاسلوب تضيّق النظرية الاسلامية الفوارق الطبقية، وتفسح المجال للفقير بالنهوض الى مستوى الطبقة الاجتماعية الواحدة المؤمّل فيها ضمّ جميع افراد المجتمع الاسلامي الكبير. ولاشك ان اقرار الاسلام بالانصـاف والعـدل في دفع المكافأة الاجتماعية لجميع الافراد - مهما كان لونهم - يساعد على زيادة الانتاج الاجتماعي، ويساهم في تمتين الاواصر النفسية بين العاملين. فالكل سواسية امام رب العمل، والمقياس في دفع الاجر هو الجهد المبذول وقيمة العمل؛ وهذا هو عين الانصاف. وأجرة الخبير اعلى من أجرة غير الخبير، وهذا حق يقرّه العرف العقلائي في جميع المجتمعات. وهذا الفارق في الأجرة انما يمثل فارقاً في الدرجة وليس فارقاً في الطبقة الاجتماعية. وهذا مهم في بناء العدالة بين الافراد، لان الفارق في الدرجة الاجتماعية غير الفارق في الطبقة الاجتماعية. بل ان الفارق بين النظامين هو الفارق بين وجود العدالة الاجتماعية وبين انعدامها. على أي اساس يتم التفاضل؟ والمجتمع الانساني، عموماً، يفاضل بين الافراد ويميّز بينهم. وفي بعض المجتمعات يتم التمييز في المكافأة، على اساس اللون والجنس والمنشأ. وفي البعض الآخر يتم التمييز في المكافأة والتفاضل على اساس العلم والمهارة والجهد. وقد حرّم الاسلام التفاضل القائم على الاعتبار الاول، وشجع التفاضل القائم على اساس الاعتبار الثاني. ومنشأ تحريم التفاضل على اساس لون البشرة كالابيض والاسود، او جنس الانسان كالذكر والانثى، او منشأ الفرد كالمولود في الريف والمولود في المدينة ان تلك المقاييس تتنافى مع العدالة الاجتماعية التي يقرّها الدين. ولو كانت تلك الاعتبارات مقياساً صادقاً للتفاضل بين الناس لما شاهدنا العيوب الاجتماعية التي تعيشها الانظمة الوضعية، لان النظام الاجتماعي يفشل - حينئذٍ- في تنظيم العلاقات الاجتماعية بشكل ينسجم مع طبيعة الانسان في التعاون والتآزر والاجتماع وتضافر الافراد على خدمة بعضهم البعض. ولكن التفاضل الذي يقره الاسلام ويشجّع افراده على ممارسته هو التفاضل القائم على اساس بذل الجهد وقيمة العمل. ولما كانت قابليات الافراد في التحصيل والفهم والادراك متفاوتة، كان تمايز الافراد من الناحية العلمية الاكتسابية امراً حتمياً. ومثال ذلك، اننا لو تصورنا مسيرة عدد من الطلبة من المرحلة الابتدائية ولحد المرحلة الجامعية، ثم تبين لنا ان احدهم قد ترك التحصيل الدراسي من نهاية المرحلة الابتدائية ليشتغل بالحدادة وهي عملية تتطلب جهداً بدنياً لا جهداً ذهنياً ولا مسؤولية استثنائية، وآخر حصل على شهادة جامعية في جراحة القلب مثلاً وهي مهنة تتطلب جهداً استثنائياً تتعلق بارواح الناس؛ فالتفاضل هنا بين الحداد وجراح القلب يمثل التفاضل بين الجهد العملي والجهد العلمي. ولاشك ان الجهد العلمي أميز وأفضل من الجهد العملي وعليه يكون مبدأ دفع المكافأة الاجتماعية. ولذلك فان الطبيب الجراح يستحق أجراً اعلى من أجر العامل غير الماهر. وأفضل ما يسلط الضوء الكاشف على الفارق بين الطاقات البشرية وقابلياتها على الانتاج، قوله تعالى: (وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَّجُلَينِ اَحَدُهُما اَبكَم لايَقدِرُ عَلى شَيء وَّهُوَ كَلٌّ عَلى مَولاهُ اَينَما يُوَجِّههُ لايَأتِ بِخَير هَل يَستَوي هُوَ وَمَن يَّأمُر بِالعَدلِ وَهُوَ عَلى صِراط مُّستَقيم)[9]. ولاشك ان الفرد العاطل عن العمل اختياراً لا يكافأ مكافأة الذي يبذل جهده ويصب عرقه في سبيل الانتاج. فقد ورد في بعض الروايات ان للحاكم الشرعي الحقّ في حبس البطّال، او العاطل عن العمل اختياراً حتى يثوب الى رشده ويعود الى الانتاج. ومنتهى الكلام، ان التفاضل بين الافراد على اساس الجهد وقيمة العمل أصل عقلائي مشروع وقاعدة عامة لتنمية المواهب والطاقات الخلاّقة، شرط ان لايخرج ذلك عن اطار العدالة الاجتماعية في سد الحاجات الاساسية لجميع الافراد. تعريف الفقر وتحديد الفقراء في النظام الاسلامي ويضع الاسلام خطاً واضحاً للتفريق بين الفقراء والاغنياء، ويجعل مقياس الفقر والغنى، المؤونة السنوية. فالمؤونة السنوية هي ما يكفي الفرد وعياله من المواد الغذائية الاساسية واللباس والسكن لمدة سنة. وليس للمؤونة والنفقة المستثناة من الضريبة الشرعية معنى خاص في الشريعة، وانما يرجع في تحديدها الى العرف. بل الضابط ان لا يكون انفاق الفرد تبذيراً واسرافاً، وانما ينبغي فيها ملاحظة الاعتدال. ويدخل فيها بالاضافة الى المواد الغذائية واللباس والسكن، ما يحتاجه في السفر وخدمة ضيوفه، وتقديمه الهدايا، وتزويج اولاده. ولاشك انه لا يمكن «الاحاطة ببيان ذلك جميعه، خصوصاً مع ملاحظة الاشخاص، والازمنة والامكنة، وغيرها ، فالاولى ايكال [معرفة النفقة] الى العرف، كايكال [معرفة] العيال اليه»[10]. وبتعبير آخر، فان الفرد الذي لا يملك مؤونة سنته اللائقة بحاله له ولعياله يعتبر من الناحية الشرعية فقيراً، ومن يملك مؤونة سنته يعتبر من الناحية الشرعية غنيّاً. اما المسكين فهو من لا يملك شيئاً من المال ويعتبر اسوأ حالاً من الفقير. وقيل ان الفقير لايسأل الناس بينما المسكين يسأل. ولاشك ان الفرد الذي يملك كمية من المال - كرأسمال - ولكن لا تكفيه لمؤونة سنته، يعتبر فقيراً ايضاً ويجوز له استلام الحقوق الشرعية. اذن، فكل فرد في المجتمع الاسلامي مضمون - نظرياً - من الناحية المعيشية لمدة سنة، فاذا دخلت السنة الجديدة وليس لديه وعائلته ما يكفيهم، عندئذٍ يحق له اخذ ما يكفيه مع من يعيلهم من الموارد المالية الشرعية لسنة اخرى، وهكذا الى ان يتبدل وضعه الاقتصادي فيصبح غنياً. وهذا الضمان المالي يسد حاجات الطبقة الفقيرة ثم يرفعها الى مستوى عامة الناس، وهي الطبقة المتوسطة في النظام الاجتماعي الاسلامي. وبطبيعة الحال، فان النظرية الاسلامية لا تلوم الفقراء على فقرهم ولا تلزمهم مسؤولية تحميل الآخرين كاهل الانفاق، بل ان الاسلام ينظر، ضمن منهجه الاجتماعي، الى الفقراء نظرة رحمة باعتبار انهم افراد خانهم التوفيق في التكسب. ويؤكد ان للفقراء حقاً ثابتاً في اموال الاغنياء، كما ورد عن الامام الصادق (ع): «ان الله تبارك وتعالى شرك بين الفقراء والاغنياء في الاموال، فليس لهم ان يُصرَفوا الى غير شركائهم»[11]. فكما ان معدة الانسان لا تتّسع لكل ثمار الارض حتى لو اشتهت نفسه تناول كل تلك الثمار، وان رئتيه لا تتسع لهواء الكون حتى لو رغب استنشاق كل ذلك الهواء، كذلك المال والثروة فان شهوة الانسان للمال لايحدّها حدّ عرفي او اجتماعي، الا ان الاسلام هذّبها عبر دفع حقوق الفقراء والمساكين. بمعنى ان الله سبحانه قد جعل للفقراء حقاً في اموال الاغنياء كحق غرماء الميت المتعلق بتركته، فان امتنع الغني عن اداء ذلك الحق، كان للحاكم الشرعي او لعدول المسلمين من باب الحسبة استيفاء ذلك الحق قهراً. وليست الضريبة الواجبة من زكاة وخمس وكفارات وزكاة فطر وهدي هو كل ما يقدمه الاسلام للفقراء، بل ان الانفاق المستحب وصدقة السر تسد جزءاً كبيراً من حاجاتهم ايضاً، الى حد الكفاية والغنى. خطوات الاسلام لمعالجة الفقر: وبالاجمال، فان الاسلام عالج مشكلة الفقر بالخطوات التالية: أولاً: أمر بفرض ضريبة ثابتة على اموال الاغنياء. ثانياً: اعطى الفقراء حد كفايتهم من الناحية المعيشية مما وفر فرصاً حقيقيةً لالتحاقهم بالطبقة المتوسطة. ثالثاً: حث على الانفاق المندوب، وشجّع على السخاء والكرم في العطاء. رابعاً: أمر بتحريك المال الصامت لتنشيط الطاقات والابداعات المختلفة في النظام الاجتماعي. فلا ريب اذن ان يثق الاسلام ثقة مطلقة بنظامه الاجتماعي الذي عالج فيه مشكلة الفقر معالجة حقيقية، كما يشير الى ذلك قول الامام الصادق (ع): «لو ان الناس ادّوا زكاة اموالهم ما بقي مسلم فقيراً محتاجاً»[12]. وبكلمة، فقد جعل الاسلام مشاركة الفقراء اموال الاغنياء، وسيلة واقعية لتحقيق المساواة والعدالة الاجتماعية، وإلحاق هؤلاء الفقراء بالطبقة المتوسطة في المجتمع، كما ورد في روايتين لأبي بصير: الاولى: قال: قلت لابي عبد الله (ع): ان شيخاً من اصحابنا يقال له عمر سأل عيسى بن أعين وهو محتاج، فقال له عيسى بن أعين: اما ان عندي من الزكاة، ولكن لا اعطيك منها، فقال له: ولم؟ فقال: لاني رأيتك اشتريت لحماً وتمراً، فقال: انما ربحت درهماً فاشتريت بدانقين لحماً وبدانقين تمراً ثم رجعت بدانقين لحاجة، قال: فوضع ابو عبدالله (ع) يده على جبهته ساعة ثم رفع رأسه، ثم قال: ان الله نظر في اموال الاغنياء ثم نظر في الفقراء فجعل في اموال الاغنياء ما يكتفون به، ولو لم يكفهم لزادهم، بلى فليعطه ما يأكل ويشرب ويكتسي ويتزوج ويتصدق ويحج[13]. الثانية: سؤال أبي بصير من الامام جعفر بن محمد (ع) عن رجل له ثمانمائة درهم وهو رجل خفاف وله عيال كثير أله ان يأخذ من الزكاة؟ فقال: (يا ابا محمد أيربح في دراهمه ما يقوت به عياله ويفضل؟ قلت: نعم، قال: كم يفضل؟ قلت: لا ادري، قال: ان كان يفضل عن القوت مقدار نصف القوت فلا يأخذ الزكاة وان كان اقل من نصف القوت اخذ الزكاة، قلت: فعليه في ماله زكاة تلزمه؟ قال: بلى، قلت: كيف يصنع؟ قال: يوسع بها على عياله في طعامهم وكسوتهم ويبقي منها شيئا يناوله غيرهم، وما اخذ من الزكاة فضّه على عياله حتى يلحقهم بالناس)[14]. فيفهم من منطوق هاتين الروايتين ان هدف دفع الحقوق الشرعية - بالاضافة الى سد حاجات الفقراء - هو الحاقهم بعامة الناس. بل ان التشريع الاسلامي أكّد مرارا على ان الأَولى للموسر - في دفعه الحقوق الشرعية - سد حاجات ارحامه واقاربه ومن يعرفهم معرفة العين، حيث «يستحب تخصيص اهل الفضل بزيادة النصيب بمقدار فضله لرواية عبد الله بن عجلان عنه (ع): (أعطهم على الهجرة في الدين والفقه والعقل). كما انه يستحب ترجيح الاقارب وتفضيلهم على الاجانب لرواية اسحاق عن ابي الحسن موسى (ع): (قلت له: لي قرابة أنفق على بعضهم وأفضّل بعضهم على بعض، فيأتيني ابان الزكاة فاعطيهم منها؟ قال: مستحقون لها؟ قلت: نعم. قال (ع): هم افضل من غيرهم، اعطهم). وأهل الفقه والعقل على غيرهم، ومن لا يسأل من الفقراء على أهل السؤال. ويستحب صرف صدقة المواشي الى أهل التجمّل من الفقراء. لكن هذه جهات موجبة للترجيح في حدّ نفسها، وقد يعارضها او يزاحمها مرجّحات أخر، فينبغي ملاحظة الأهمّ والأرجح»[15]. وهذا الترجيح المستند على القواعد العقلية والشرعية يثبت اواصر الرحمة والمحبة والاخاء الاجتماعي، على عكس الانظمة العلمانية التي تجمع الضرائب عن طريق مركزي ثم توزع الحصّة المعلومة وهي اثنان بالمائة على المحتاجين او اشباههم[16]، فيضيع المحتاج الصادق في حاجته بين المتظاهرين بالحاجة، وتبقى مشكلة الفقر قائمة. وتدل بعض المصادر الاسلامية على ان الفقير يعطى ليشبع حاجته الاساسية اذا كان قاصراً عن العمل، اما اذا كان قادراً عليه فيعطى من بيت المال ليشتغل في التجارة او الصناعة على سبيل القرض، ويعيل نفسه بعد ذلك من ارباح عمله. ويدل حديث ابي بصير عند سؤاله الامام جعفر بن محمد (ع)، المذكور آنفاً، ان المعيل الذي يربح ربحاً يكفي اشباع نفسه وعائلته ويزيد قليلاً، يجوز له اخذ الزكاة للارتفاع به وبعائلته عن مجرد سد الحاجة الاساسية الى مستوى الطبقة الوسطى المعتدلة الرفاه. وفي الوقت الذي يدعو فيه الاسلام الى اشباع حاجات الفقراء والارتفاع بهم الى مستوى الطبقة العامة من الناس فانه يحرّم اعطاء الصدقة للمتكاسلين الذين يحترفون البطالة والخمول والتسكّع، لان المنهج الديني يحث الناس على العمل وبذل الجهد والطاقة، حيث يجعل العمل البدني، بقصد الارتواء من خيرات الارض، عبادة عظمى يثاب عليها الانسان في حياته الآخروية. وضمن اطار هذا المنهج، فانه يحث المكلفين على التعفّف عن سؤال الناس الا لحاجة حقيقية؛ لان التكليف يسقط في الحالات الاضطرارية. ولاشك ان الفرد الجائع يمثل ادانة حقيقية للنظام الاجتماعي الذي يعيش فيه، خصوصاً اذا كان ذلك النظام يساهم في تجويعه وحرمانه من ابسط مقوّمات الحياة. ولما كان الاسلام يمثل جوهر العدالة الاجتماعية فانه يعتبر من اخطر الانظمة الفكرية المضادة للنظام الاجتماعي الوضعي الذي يحصر الثروة الاجتماعية بالطبقة العليا، غير مكترث بحرمان افراد الطبقات المعدمة من خيرات الأرض. (تليها صفحات 62 - 80)
اللاحق صفحة التحميل الصفحة الرئيسية
[1] نهج البلاغة – كتاب 53. [2] سورة الاعراف: الآية 73. [3] سورة الاعراف: الآية 85. [4] سورة الحجرات: الآية 13. [5] سورة هود: الآية 6. [6] التركيب الطبقي وتعيين الدخل – اريك اولين رايت. المطبعة الاكاديمية 1979م. [7] النظام الطبقي – دانيال روسيدس. بوستن: هوتن ميفلين 1976م. [8] النظرية التوفيقية في انعدام العدالة الاجتماعية: بعض الملاحظات المهملة – دنيس رونك. بحث في المجلة النقدية لعلم الاجتماع عدد 24، 1959. ص 772- 782. [9] سورة النحل: الآية 76. [10] جواهر الكلام ج 16 ص 59. [11] الوسائل ج 4 ص 148. [12] من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 3. [13] الكافي ج 1 ص 157. [14] من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 11. [15] مستمسك العروة الوثقى ج 9 ص 317. [16] اذلال الفقراء: المساعدة الحكومية والعقيدة الامريكية – جو فياجن. برنتس هول 1975م.
|