(ص 29- 42)

محاولة لاكتشاف علم اجتماع ديني

لاشك ان النفس الانسانية تتكون من جزءين مهمين يشكلان جوهرها وكيانها المتميز في الوجود. ولنصطلح على هذين الجزءين - على سبيل الافتراض - بمصطلحين هما:

الأول: ذات الفرد: فذاتية الانسان كيان موضوعي طبيعي مرتبط بالخالق عز وجل، تستلهم منه تلك الذات كل معاني السمو والقوة والكمال. فتستطيع ذاتية الفرد السمو الى آفاق رحيبة في عالم الروح والوجدان؛ فهي الفطرة الطبيعية التي تميل نحو التعلق بخالق الوجود، والتشبث بمعرفة الخلق والكون، والتشوق نحو معرفة النظام التكويني للمخلوقات. ولاريب ان الرسالة السماوية تساهم بشكل فعال في تربية ذات الانسان، وفي دفعها نحو حب الخير والتنعم بالجمال الروحي من خلال التعبد وتأدية الطاعات المأمور بها المكلف الجامع لشروط التكليف.

الثاني: شخصيته الخارجية: اما شخصية الانسان فهي الكيان الموضوعي الخارجي الذي يبنى من خلال اطار تطبيق الاحكام الشرعية الخاصة بالنظام الاجتماعي. بمعنى ان انزال الاحكام الشرعية التي تنظم العلاقات الشخصية بين الافراد في المجتمع الى الواقع العملي، يبني شخصية الفرد بناءً محكماً على الصعيد الاجتماعي. فاذا كانت شخصية الفرد شخصية دينية، اصبح ذلك الكيان الشخصي ركناً مهماً من اركان النظام الاجتماعي؛ لان شخصية الانسان بطبيعتها اجتماعية المنشأ، اي لابد لها من التعاون مع الآخرين بهدف انشاء مجتمع متكامل يعيش فيه الفرد بجو من الاطمئنان والسعادة.

وامام هذين الجزءين في النفس الانسانية تنبع اهمية رسالة الدين في بناء النظام الاجتماعي الانساني. فلو كانت النظرية الدينية تهتم بالجانب الذاتي للإنسان فقط، لما كان للدين تلك الاهمية في تنظيم حياة الفرد. فما معنى الارتباط الروحي للانسان، اذا كان النظام الاجتماعي يُكرهه على عدم الايمان بالله سبحانه؟ بل كيف يؤدي الدين رسالته الاجتماعية في تهذيب الافراد اذا لم تحمل مضامينه الشرعية تكليفاً صريحاً بتنظيم النظام الاجتماعي؟ اذن، فان الحاجة الى نظام اجتماعي لإِسعاد الانسانية، وإِشباع حاجاتها الاساسية، يدعونا الى فهم الدين على اساس ان رسالته الاجتماعية يجب ان تكون جزءاً من التصميم الالهي للوجود؛ بمعنى ان الرسالة الدينية وان كانت تبعث في النفس البشرية الخشية والرهبة من الخالق عز وجل، لكنها لا تستطيع ان تنظم مجتمعاً عادلاً ما لم يكن لها اطار اجتماعي يلزم الافراد الزاماً جماعياً نحو ممارسة السلوك الاخلاقي المقبول على الصعيد الشرعي؛ لان حرية الانسان المطلقة في الافعال، تخرّب النظام التكويني وتدمر الوجود على الارض؛ وان نزعة الانسان نحو الشر اذا لم يوقفها عامل غيبي او ديني تصبح مصدراً من مصادر زعزعة النظام الحياتي للناس. ومن هنا جاءت اخلاقية القوانين الاجتماعية للنظرية الدينية من اجل ترسيخ التجانس الاجتماعي بين الافراد، رابطةً هؤلاء جميعا بالسلطة الاخلاقية المطلقة للوجود وهو الله سبحانه وتعالى.

 الإدارة الدينية للناس:

ولما كانت للخالق عز وجل السلطة الغيبية على الافراد، تعين ان يكون لرسله او من يمثلونهم سلطة دنيوية؛ لان القانون لايطبق ما لم يُلزم الافراد بتطبيقه تطبيقاً كاملاً. وهذا الالزام الاجتماعي لايتم الا على صعيدين:

الاول: الالزام الشخصي الداخلي.

الثاني: نظام العقوبات.

أي ان الفرد اذا حدثته نفسه بانتهاك حرمة القانون الاجتماعي ضمن اطار النظرية الدينية، تعين عليه ان يتوقع ما يستحقه من نتائج وخيمة على مستوى ذلك الانحراف. وهنا لا تذوب الشخصية الفردية في المصلحة الاجتماعية، كما تزعم النظرية الوضعية؛ بل ان الالزام الداخلي للفرد، والحزم في العقوبة النازلة بالمنحرف يضمنان - بشكل قطعي - حقوق الناس وحريتهم في التصرف السلوكي العام، ويرعيان حقوق الجماعة والنظام الاجتماعي من أي انتهاك. اي ان النظرية الاسلامية تحفظ شخصية الفرد بصورة جدية، وتنمي ذاتيته المتصلة بالله سبحانه وتعالى، وتمد كيانه الاجتماعي بكل عناصر القوة والديمومة والحياة، حتى يتنعم الفرد بالسعادة الاجتماعية على وجه الارض.

ولاريب ان اكبر المشاكل التي واجهتها النظرية الاجتماعية الوضعية، هو ماهية الربط بين الفرد والمؤسسات الاجتماعية. فهل يستند الرابط بين الفرد والنظام الاجتماعي على قاعدة الاخلاق والالزام الاخلاقي المجرد، أم يستند على قاعدة الدين والالزام الديني؟ ولم يزل الصراع بين انصار المدرستين الغربيتين (الاخلاقية والدينية) دائراً حتى انتصرت مدرسة الالزام الاخلاقي بزعامة (جون دوي)[1] التي قالت بان الفرد ملزم اخلاقياً بتطبيق القانون الذي يُنشئه النظام الاجتماعي؛ لان هذا الالزام الاخلاقي لاينشأ الا عن طريق العلم والمعرفة التي يكتسبها الانسان؛ والخير والشر ليسا صفة للانسان، بل انهما أثر من آثار تفاعل الطبيعة الانسانية مع المحيط والبيئة التي يعيش فيها الفرد. الا ان تلك المدرسة الاخلاقية وقعت في خطأ فادح؛ لانها تجاهلت حقيقة ان لكل فرد استعداداً كامناً لفعل الخير او فعل الشر بغض النظر عن البيئة التي يعيش  فيها الانسان، وان الالزام الاخلاقي الذاتي الناشئ عن العلم والمعرفة لايتحقق في الواقع الخارجي مالم تكن هناك سلطة ذاتية عليا تراقب النفس الانسانية، وسلطة خارجية صارمة تعاقب المنحرف على انحرافه؛ ولا تتكامل هاتان السلطتان الا في النظرية الاسلامية.

فمن استقراء النظرية الاجتماعية الاسلامية نستنتج حقيقة مهمة، وهي ان الاسلام انما جاء باحكامه وتشريعاته لإسعاد البشرية وتعبيدها لله تعالى، عن طريق تنظيم الحياة الاجتماعية، وجعل النظام الاجتماعي اساسا لسعادة الانسان. ولذلك قيل ان المرجحات الاصولية والفقهية المنصوصة هي مجرد وسيلة الى فهم الواقع الخارجي، وليست غاية في نفسها؛ بمعنى ان كل ما يقرب الانسان الى فهم واقعه الاجتماعي ووظيفته التكليفية هو مرجح عند الفقيه سواء نص عليه الشارع أو سكت عنه، كما ورد في الحديث عن الامام الحسين بن علي (ع): (دع ما يريبك الى ما لا يريبك)[2]. وفي ضوء ذلك الفهم الاجتماعي للشريعة الاسلامية، تتعامل الاحكام الشرعية مع قضايا النظام الاجتماعي وواقع الافراد الخارجي.

 معالم النظرية الاسلامية:

ومن اجل فهم النظرية الاجتماعية الاسلامية بالمقدار الذي تناولته بحوثنا في الفقه الاجتماعي ونقد النظرية الاجتماعية الوضعية، نورد النقاط التالية لتقريب اذهاننا نحو هذا اللون من الفكر الاجتماعي الخطير:

أولاً: ان النظرية الاسلامية تؤكد على اصالة العدالة الاجتماعية بين الافراد. وهذا الاصل يتم عن طريقين؛ اولهما: ان التفاضل بين الافراد في الاجور قائم على اساس بذل الجهد وقيمة العمل. وثانيهما: ان الثروة الاجتماعية يعاد توزيعها عن طريق استخراج الحق الواجب من الثروات الحيوانية والزراعية والنقدية من الاثرياء وتسليمها الى الفقراء. ولاشك ان الكفارات بشتى اشكالها، وأضاحي الحج والصدقات المستحبة تسد حاجة الملايين من الناس.

ثانياً: ان من اهم اهداف نظام العقوبات الجنائية هو الردع عن ارتكاب انحرافات مماثلة. وتتمثل في معاقبة الانحرافات الخاصة بقتل النفس وما دونها بالقصاص او الديات او الارش، والانحرافات المتعلقة بالملكية بالقطع اذا تحققت شروطها الشرعية، والانحرافات الخلقية بالرجم والجلد ونحوها، والانحرافات المتعلقة بالنظام الاجتماعي العام بالقتل والصلب او التعزير. وتلك العقوبات امضى تأثيراً من عقوبة السجن التي تؤمن بها النظرية الوضعية؛ فهي اضافة الى اطارها الرادع تحفظ للنظام الاجتماعي ثروته المالية والانتاجية، لان المعالجة الفورية للانحراف - زيادة على قطعها دابر الجريمة - تبقي الافراد يعملون بجد ضمن حقولهم الانتاجية، دون ارباك النظام الانتاجي للمجتمع. ودليلنا على كون المراد من تلك العقوبات: الردع، هو انه لم يحصل ولو لمرة واحدة في حياة النبي (ص) ان عوقب منحرف بالزنا عن طريق الشهود، بل ان الذين حُدّوا انما حُدّوا بسبب اقرارهم فقط.

ثالثاً: تأكيد النظرية الاسلامية على اصالة حق التعليم واكتساب المعارف الضرورية لان العلم يوصل المكلف الى معرفة الخالق عز وجل ومعرفة المخلوق. والعلم واجب على القاصر والمكلف، وهو المستفاد من قوله (ص): طلب فريضة على كل مسلم ومسلمة، من اجل بناء النظام الاجتماعي خصوصاً في مجالات تطبيقية كعلوم الزراعة والصناعة والطب ونحوها، ومجالات نظرية كعلوم الدين واللغة والفلسفة والآداب ونحوها. ولايتوقف الانتهال من تلك العلوم على الاكتساب فقط، بل ينبغي الابداع والتفوق على بقية الامم في الارض.

رابعاً: اصالة الابداع في النظام الصحي الاسلامي. فلاشك ان اهمية المؤسسة الطبية في النظام الاجتماعي تنبع من ارتباط صحة الفرد وسلامته بالعمل الانتاجي. فالمجتمع السليم صحياً يكون اكثر قدرة على الابداع والانتاج الاقتصادي والاجتماعي والفكري، وأكثر استعداداً وقدرةً على عبادة الخالق عزّ وجلّ. وتستند اصالة الابداع تلك على قاعدتين اهملهما النظام الصحي الوضعي، وهما: النظام الغذائي والنظام الوقائي. فالاعتدال في اكل اللحوم المحللة، وحرمة تناول الميتة والدم والخنـزير والخمر ونحوها تساهم في تقليل امراض الكبد والجهاز الهضمي وامراض القلب. ولاريب ان المحافظة على البيئة من التلوث الصناعي يساعد هو الآخر على تقليل امراض السرطان والرئة والجهاز التنفسي. واستعمال السواك والتخليل في تنظيف الاسنان يساهم في اجتناب امراض اللثة وتسوس الاسنان. والتذكية الشرعية بشروطها في الذباحة والصيد والاخراج من الماء يساهم هو الآخر في اجتناب امراض القلب والدورة الدموية ونحوها. اضافة الى ذلك، فان الاسلام يقرُّ بضمان الطبيب، ويجعله مسؤولاً فيما اذا اتلف بعلاجه.

خامساً: اصالة رعاية افراد الاسرة الواحدة. فالنظام العائلي في النظرية الاسلامية مصمم شرعاً من اجل سد الحاجات المعيشية والعاطفية ضمن جدران البيت الواحد. وما وجوب الانفاق على الزوجة لمعاوضتها، ووجوب الانفاق على الوالدين وان علوا والاولاد وان نزلوا لقصورهم، وحقوق الرضاعة والحضانة والولاية الشرعية على الصبيان، الا امثلة تساند فكرة الرعاية الشرعية للعائلة. وبطبيعة الحال، فان حقوق الزوجة في الصداق والنفقة الشرعية والعيوب الموجبة للخيار بين فسخ العقد وامضائه، والخيار بالتدليس، والشروط الشرعية للعقد، والارث ونحوها، يضمن لها حياة سعيدة لايقدمها لها أي نظام إجتماعي آخر.

سادساً: اصالة العلم والاجتهاد في القيادة السياسية الاسلامية في عصر الغيبة. وهي للفقيه الجامع للشروط الشرعية، الذي يكون من واجبه ملء منطقة الفراغ الشرعية التي احدثها انتهاء عصر النص. ومن شروط البناء السياسي للمجتمع الاسلامي: اصالة المشاورة المبنية على العلم والاختصاص، وفكرة التوكيل السياسي وهي جائزة شرعاً لاطلاق ادلة الوكالة وعدم تقييدها بنوع معين من التوكيل. والجهاز القضائي مختص بالفقيه المجتهد، فلا يتصدى  للقضاء الا الفقيه المجتهد في الفقه والاصول. وعليه، فانه يفترض ان يضم النظام السياسي الاسلامي نخبة علماء الامة، واكثر الناس تطلعاً وتشوقاً نحو العدالة الاجتماعية بين الافراد، واكثرهم تطبيقاً للشريعة الاسلامية، واكثرهم حلماً لبناء الانسانية من تدميرها.

سابعاً: اصالة الاجتهاد في النظام القضائي الاسلامي. فالقضاء هو بوابة حفظ الحقوق الشخصية للافراد، وحقوق الله المرتبطة بحقوق النظام الاجتماعي؛ وجهاز بتلك الدرجة من الخطورة، لابد وان يكون قائده مؤهلاً لتحمل المسؤولية بصورة موضوعية وبشكل نزيه وعلى درجة كبيرة من الفهم والادراك لأصول القضاء. لان الاصل في الحكم بين المتخاصمين هو براءة ذمة المتهم حتى يثبت العكس، ولاشك ان الاصل دليل قوي، والخروج عنه يحتاج الى دليل اقوى، كما قال الفقهاء.

ثامناً: اصالة التكليف الشرعي للفرد المؤهل للتكليف، على الصعيدين الشخصي والاجتماعي. فالفرد ملزم اخلاقيا بالقيام بدوره الاجتماعي في الحياة الدنيوية؛ وفي ضوء ذلك الالزام يتحدد الجزاء الالهي يوم القيامة، ثواباً أو عقاباً.

تاسعاً: ان اصالة الجهاد في النظام الدفاعي لحماية المجتمع، واصالة التبادل الاخلاقي في النظام الاقتصادي، واصالة حرية التعبير والفضائل الاخلاقية في النظام الاعلامي، واصالة بذل الجهد والابداع في النظامين الزراعي والصناعي، واصالة التعبير في النظام الثقافي، والسلوك الجمعي في الحج وتأثيره على التغيير الاجتماعي الانساني، كلها تعكس تكامل النظرية الاجتماعية الاسلامية؛ خصوصاً النظرية الفقهية الامامية التي منحت المجتهد فرصاً واسعة لبلورة النظرية الفقهية، التي هي جزء لا يتجزأ من النظام الاسلامي.

وقد حاولنا في بحوث متسلسلة مناقشة النظرية الاجتماعية الوضعية وتفنيدها علمياً، ونسف اسسها الفكرية المستندة على اصل استثمار رأس المال في الانتاج والتوزيع، وتجميع الثروة الاجتماعية في الطرف المسيطر على وسائل الانتاج. ولاشك ان مناقشة النظرية الاجتماعية المستندة على القاعدة الرأسمالية في اختلاف المكافآت الاجتماعية بين الافراد وما يتبعها من نشوء نظام طبقي مصحوب بانعدام العدالة الاجتماعية، يجعلنا نشكك بقدرة تلك النظرية على ان تكون شكلاً نموذجياً للنظام الاجتماعي المتوخى منه قيادة البشرية نحو شاطئ العدالة والامن والسلام. وبطبيعة الحال، فان نقد النظرية الاجتماعية الرأسمالية ومحاولة تقديم نظرية اجتماعية على ضوء الاسلام، تجعلنا اكثر ايماناً بان الرسالة السماوية، ليست رسالة روحية فحسب، كما يروّج اعداء النظرية الدينية لذلك، بل انها رسالة اجتماعية عظيمة هدفها انشاء ارقى الانظمة الاجتماعية واعدلها على الارض؛ خصوصاً فيما يتعلق باشباع الحاجات الاساسية للناس في الطعام واللباس والعلم والتطبيب والامن والاجتماع الانساني القائم على اساس الاخوة، وفسح المجال لحرية التعبير، وتسهيل مهمة الانسان في عبادة الخالق عز وجل.

والمفردات الفقهية، والكم الهائل من الروايات الشريفة، والآيات القرآنية الكريمة، ونتاج علماء الاسلام ومفكريه ينبغي ان تساهم كلها في صياغة نظرية اجتماعية متكاملة تقدّم للبشرية المعذبة - بكافة الوانها واشكالها - أملاً في تحقيق العدالة الاجتماعية. ان مسؤوليتنا الشرعية لا تنحصر في فهم المفردات الفقهية الشرعية فحسب، بل تتعدى الى صياغة نظرية علمية تنظم شؤون مجتمعنا الاسلامي، وتخاطب - بلغة العصر الفلسفية العلمية - شعوب الارض قاطبةً، وتهدف الى ايصال صوت العدالة الالهية الى الانسانية المعذبة في كل مكان.

 اطروحة الكتاب

          اهتمت النظريات الاجتماعية الحديثة بفكرة (العدالة الاجتماعية) زاعمة بان على الدولة والنظام الاجتماعي تحقيقها ضمن ضوابط الارتكاز العقلائي الاوروبي. فنادت (النظرية التوفيقية) بضرورة اختلاف اجور الافراد مقابل الاعمال التي ينجزونها بدعوى ان ذلك الاختلاف هو الذي يؤدي الى ثبات النظام الاجتماعي واستقراره. وطالبت نظرية (الصراع الطبقي) باعادة توزيع الثروة الاجتماعية عن طريق الصراع ضد الطبقة الحاكمة؛ لان انعدام العدالة الاجتماعية ما هو الا نتيجة حتمية للتراكم غير المشروع للثروة عند افراد الطبقة الرأسمالية. وحاولت (النظرية التلفيقية) الجمع بين محاسن النظريتين السابقتين، فآمنت بشرعية تفاوت الاجور والمكافآت الاجتماعية من جهة، وآمنت من جهة اخرى بحتمية الصراع الاجتماعي للمحافظة على ديناميكية المجتمع. الا ان (ماكس وبر) في نظريته رفض النظريات الثلاث السابقة، زاعماً بان فكرة نشوء الطبقات الاجتماعية لاتحصل نتيجة الصراع الطبقي، بل هي مجرد نتيجة تقاطع ثلاثة عوامل، وهي: العامل الاقتصادي، والسياسي، والاجتماعي.

          الا ان تلك النظريات الحديثة لم تعطنا صورة واضحة عن معنى (العدالة الاجتماعية)، واساليب تحقيقها، وطرق الزام الافراد بالمشاركة في تثبيت اسسها. فالنظرية (التوفيقية) لم تفسر لنا ضوابط أجور العمل في مجالات الجهد الانساني؛ ولم تعطنا تبريراً مقنعاً لدعمها نظام الاجور القائم على اساس الطبقة والمنشأ ولون البشرة، لا على اساس نوعية العمل المنجز. ولم توفق نظرية (الصراع الاجتماعي) في التنبؤ بظهور طبقة اجتماعية متوسطة لاتخدم - بالضرورة - مصالح الطبقة الرأسمالية بشكل مباشر، بل انها لم تتوقع حتى ظهور طبقة من عمال الخدمات مهمتها انجاز الخدمات الاجتماعية كالتعليم والطب والقضاء وليس العمل - بالضرورة - ضمن وسائل الانتاج العملاقة. اما (النظرية التلفيقية) فقد اهملت الضابط الاخلاقي في تحديد اجور العمل، بل وفي تفسيرها لعملية الصراع والتنافس الاقتصادي. ومن اهم اخطائها انها اعتبرت زيادة الثروة الاجتماعية سبباً من اسباب انعدام العدالة الاجتماعية، وهو رأي مردود لان انعدام العدالة يرتبط بنظام توزيع الثروة الاجتماعية لا بحجمها. ولم تقدم نظرية (ماكس وبر) تفصيلاً لضوابط العدالة الاجتماعية، بل انها فسرت نشوء الطبقات الاجتماعية على اساس ضوابط مختلفة.

          وتلك النظريات الاجتماعية جعلت الاقتصاد ورأس المال محوراً لتوجهاتها وتحليلاتها على صعيدي السلب او الايجاب. ولابد ان ندرك ان الرأسمالية بما تمثله من تراكم للثروة في طرف وحرمان له في طرف آخر من اكثر الانظمة الاجتماعية ظلماً واجحافاً بحقوق الانسان المادية والمعنوية. فلاريب ان نرى ان افقر فقراء العالم المعاصر يعيشون تحت ظل الرأسمالية، في الوقت الذي نرى فيه ان اغنى اغنياء العالم يعيشون على نفس أرض ذلك النظام الاجتماعي ايضاً. الا ان هذا الفارق الشاسع في نظام الاجور والمكافآت الاجتماعية وتوزيع الثروة يرفضه الدين.

          فالاسلام لم يجعل الرابط التكويني بين الافراد مقدمة لفكرة العدالة الاجتماعية فحسب، بل جعل التفاضل الالهي بين الافراد صورة عاكسة لفكرة التعاون والتكاتف الاجتماعي لتحقيق تلك العدالة المنشودة. ولاشك ان تنوع الادوار الاجتماعية التي يقوم بها الافراد ينتج اختلافاً في درجات العيش ضمن الطبقة الواحدة التي اقرها الاسلام، وليس تعدداً للطبقات كما اكدت على ذلك النظرية الرأسمالية. وقد قدم الاسلام منهاجاً واضح المعالم لتحقيق فكرة العدالة الاجتماعية؛ فاعلن مبدأ سد حاجات الناس بما فيه الكفاية، وقرر ان للفقراء حقاً معلوماً في اموال الاغنياء ، واعلن ايضاً مبدأ المساواة في العطاء، ومبدأ ان الاجر على قدر الجهد ونوعية العمل المنجز. ولاشك ان الضرائب الواجبة كالزكاة والخمس والصدقة الواجبة والكفارات والاضاحي، والضرائب المستحبة كالصدقة المستحبة والانفاق في سبيل الله تصل كلها الى اكثر من خمسة وعشرين بالمائة من واردات المسلمين؛ انما تصرف على الفقراء لرفع مستواهم الى مستوى الطبقة العامة التي يتمتع بها الناس في المجتمع الاسلامي. بينما يصرف النظام الوضعي اثنين بالمائة فقط من وارداته على الفقراء كاعانات غذائية لاشباعهم، أو صحية لمنع تفشي الامراض بينهم.

          وبذلك، فان النظرية الاسلامية تعارض مبادئ النظرية الوضعية الزاعمة بان انعدام العدالة الاجتماعية لها نواحٍ ايجابية نافعة للنظام الاجتماعي؛ لانه لا يمكن تبرير الظلم الاجتماعي باية منفعة اجتماعية اخرى.

          ولاشك ان دعوة الاسلام الافراد لتحريك مالهم الصامت، وتنوع مصادر الحقوق الشرعية كالثروة الحيوانية والزراعية والنقدية، يزيدان من فرص تنشيط النظام الاقتصادي من جهة، ويزيدان من فرص ذهاب الثروة الى مستحقيها واشباعهم اشباعاً حقيقياً من جهة اخرى. وتحديد مسؤولية رب الاسرة فيما يتعلق بالنفقة والولاية يفتح آفاقاً لتنظيم شؤون العمل في المجتمع، لان اهتمام المرأة بدورها في البيت سيوفر فرصاً أكبر لارباب العوائل بالعمل لسد حاجات عوائلهم. كل ذلك، اذا تم ضمن الاطار الاخلاقي الذي جاء به الاسلام - خصوصاً على صعيدي القناعة الذاتية بالرزق والنهي عن التبذير - فانه يضع الاسلام على قمة الانظمة الاجتماعية التي تعالج باسلوب واقعي قضية العدالة الاجتماعية، وتحاول تنظيم حركة الاموال في النظام الاجتماعي بحيث يؤدي الى صياغة اسس طبقة اجتماعية واحدة عادلة متعددة الدرجات، ويلغي في الوقت نفسه نظام الطبقات الظالم.

  (نهاية ص 42)

 

السابق            صفحة التحميل          الصفحة الرئيسية


 

[1]  البحث عن اليقين – جون دوي. منتن – بالج 1929م.

[2]  أنساب الاشراف – البلاذري. نسخة مخطوطة ص 237 ب.