|
(ص 182 - 206) شخصية القاضي العلمية وتأثيرها في الحكم ولما كان الاصل في القضاء وغيره ان يؤدى بطريق العلم والقطع ، وان لا يمحق الدليل الاّ دليل اقوى، تبين لنا اهمية علم الحاكم بالاحكام الشرعية والعلوم والاعراف الاجتماعية. بمعنى ان شخصية الفرد الاجتهادية تعكس قدرته على ان يكون قاضياً عادلاً على الصعيد الظاهري لا الواقعي ; لان الشريعة جوزت استخدام بعض الاصول التي لاتفيد العلم والجزم في القضاء ، كالاقرار والبينة واليد والاستفاضة . فشخصية القاضي العلمية لها تأثير حاسم على احقاق الحق ، وابطال الباطل ، وتجريم الجناة ، وتبرئة ساحة الابرياء من التهم الموجهة اليهم . وبالاجمال ، فان القاضي لايستطيع القضاء بين الناس بالحق ما لم يعلم الاصول العقلية والشرعية التي اجمع عليها الفقهاء ، وامثالها قواعد: اقرار العقلاء على انفسهم جائز ، والمؤمنون على شروطهم، وما على المحسنين من سبيل ، وكل انسان بريء حتى تثبت ادانته ، ولايكلّف الله نفساً الا وسعها، ولا ضرر ولا ضرار ، ورفع القلم عن الصبي حتى يحتلم وعن المجنون حتى يفيق وعن النائم حتى يستيقظ، وغيرها من القواعد والاصول العقلية والشرعية. اما في تشخيص الحوادث الخارجية ، فلايرجع في بيانها ومعرفة حقائقها الى الشارع ، لانها من الاشياء الموضوعية البحتة . وبذلك، فان القاضي لابد ان يكون مجتهداً، وعالماً باصول القضاء وموارده ، وعارفاً بتعارض الاصول ، وبانياً قضائه على اساس العلم والقرائن الموضوعية. اولاً : الاجتهاد وهي القدرة التامة على استنباط الاحكام الشرعية من ادلتها المقررة ، وهي : الكتاب ، والسنة، والاجماع ، والعقل ، وعلى التمييز بين آيات الاحكام وغيرها ، والروايات الصحيحة والضعيفة ، واحوال الرواة جرحاً وتعديلاً ، وموارد اجماع الفقهاء ، والقواعد العقلية المقررة . وينبني الاجتهاد على علوم لابد من تحصيلها ، وهي العربية لفظاً ومعنىً ، والمنطق لمعرفة شروط الدليل من المقدمات الصحيحة ، والعلم بالقواعد الاصولية والفقهية واحوال الرجال من الرواة . ونعتمد في حديثنا عن الاجتهاد هنا ، ما اعتمده فقهاء الامامية. فينقسم الاجتهاد ، حسب مورده الى قسمين : محرم ، وجائز . فالاجتهاد المحرّم هو ما لاترتضيه الشريعة ، لانه مناقض للاصول التي انزلها الله سبحانه وتعالى على رسوله الاعظم محمد (ص) . وينقسم هذا اللون من الاجتهاد الى قسمين : 1 ـ الاجتهاد مقابل النص القطعي ثبوتاً ودلالةً ، وهو غير جائز ، لان الاجتهاد الجائز انما يحصل في النظريات لا في البديهيات. حيث نعتبر النصوص القطعية في الكتاب والسنة من البديهيات. وقد حُرّم هذا النوع من الاجتهاد لانه لو اجيز لادى الى محق الدين ، فان مضمونه يصرح بشكل : يقول الله ، وانا اقول ... وهو قطعي التحريم . 2 ـ الاجتهاد في مورد ليس فيه نص من كتاب او سنة ، وليس فيه اجماع ، فيعتمد الفرد في اثبات الحكم على مايرى من تشابهات مستنبطة بين موضوع معين نص الشارع على حكمه ، وآخر غير منصوص عليه ، كالاجتهاد المستند على القياس والاستحسان والرأي . فيقيم الفرد رأيه الخاص ، وظنه الشخصي لاستنباط الاحكام الشرعية ، وهو محرم . وقد وردت روايات عديدة عن ائمة اهل البيت (ع) تؤكد ذلك ، منها ما ورد عن كتاب امير المؤمنين (ع) : (لاتقيس الدين فان امر الله لايقاس)[1] . وفي موضع آخر : (لا رأي في الدين)[2] . وفي رواية اخرى عن ابي بصير انه سأل الامام الصادق (ع) : ترد علينا اشياء لانجدها في الكتاب والسنة فنقول برأينا ؟ فقال (ع) : (اما انك إن اصبت لم تؤجر ، وان اخطأت كذبت على الله)[3] . والمعلوم «ان الامور والاحكام العرفية والعادية يصلح قياس بعضها على بعض ، لان اسبابها بيد العرف ، اما الاحكام الشرعية فلايصح فيها القياس ، لان مبنى الشرع على تفريق المجتمعات وجمع المتفرقات»[4]. أضف الى ذلك ان القياس «يفتقر ثبوت التعبد بالعمل به في الاحكام الشرعية الى دليل شرعي كسائر الاصول الشرعية ، لان التعبد بجميع ذلك يتبع المصلحة ولم نجد في الشرع مايدل على ذلك ، فوجب نفيه»[5] . وبذلك فان القياس «اخراج لاحكام الله بالعقل ، وادهاء بلا برهان ، ولا نص ، واخبار عن الله بما لم يخبر ، وتقويل لرسوله بما لم يقل»[6] . والقسم الثاني من الاجتهاد هو الاجتهاد الجائز ، وهو الذي يقره الاسلام ، ويحث المكلفين حثاً كفائياً على ممارسته حفاظاً على اركان الدين واهداب الشريعة ، وهو على انواع : 1 ـ الاجتهاد في مورد لا نص ولا اجماع فيه ، ولكن يعتمد المجتهد في ثبوت الحكم على مبادئ عقلية عامة ، مثل : قبح العقاب بلا بيان ، والاهم مقدّم على المهم عند التزاحم ، ودرء المفسدة اولى من جلب المصلحة ، والعلم بوجود التكليف يستدعي العلم بطاعته وامتثاله . وهذا الاجتهاد جائز في الشرع لانه يتخذ العقل دليلاً من ادلة استنباط الاحكام الشرعية . 2 ـ الاجتهاد في فهم النص كتاباً او سنّةً بالخبر المتواتر وغيره ، شرط ان يكون النص ظني الدلالة ، كقوله تعالى : (والمطلَّقاتُ يتربَّصنَ بانفُسِهِنَّ ثلاثةَ قُرُوء)[7] ، حيث ان الدلالة على القرء ظنية ، لان هذا اللفظ ينطبق على معنى الطهر والحيض . فيقوم المجتهد بالبحث عن القرائن والادلة التي ترشده الى احد هذين المعنيين . 3 ـ الاجتهاد في ثبوت السنة المروية عن رسول الله (ص) بخبر الثقة الواحد . حيث تصنف الاحاديث الى اربعة اصناف ، فـ«الصحيح هو الذي اتصلت روايته بالمعصوم بعدل امامي ، والحسن هو ما رواه الممدوح من الامامية من غير نص على عدالته ، والموثق هو ما يرويه الثقة من غير الامامية ، والضعيف هو الذي لم يكن بهذه الصفات»[8] . واذا فهمنا معنى الاجتهاد واهميته في الشريعة ، اصبح فهمنا لوجوب الاجتهاد في القضاء نتيجة طبيعية ومنطقية ; لان حل التنازع والتخاصم بين طرفين متضادين لايتم ما لم يكن الحاكم ملمّاً بكل اسس العدالة القضائية التي جاءت بها الشريعة الاسلامية . فقد اتفق الفقهاء بان لله حكماً معيناً في كل واقعة تقع ، وقد نصب له دليلاً ، فمن ظفر به بعد البحث والجهد ، فله اجران . ومن اخطأه ، فله اجر واحد على الجهد المبذول ، كما ورد في المشهور من قوله (ص) : (اذا حكم الحاكم فاجتهد فاصاب فله اجران ، واذا حكم فاجتهد ثم اخطأ فله اجر)[9] . والنتيجة ، فان القاضي يجب ان يكون له «ثلاث صفات وهي : العلم والعدالة والكمال ، ولايكون عالماً حتى يكون عارفاً بالكتاب والسنة والاجماع والخلاف ولسان العرب . ومعرفة الكتاب يتوقف على امور خمسة : معرفة العام والخاص والمحكم والمتشابه والمجمل والمبين والمطلق والمقيد والناسخ والمنسوخ . وكذا السنّة يحتاج الى خمسة : المتواتر والآحاد والمرسل والمتصل والمسند والمنقطع والعام والخاص والناسخ والمنسوخ . واذا وجب معرفة الكتاب والسنة وجب معرفة العربية لانهما عربيان فيتوقف معرفتهما على معرفتها ، لان ما يتوقف عليه الواجب المطلق وكان مقدوراً فهو واجب . ويكفي ان يعرف من كتاب الله الآيات المحكمة وهي خمسمائة آية ، وكذا لايشترط ان يكون عالماً بجميع اخبار الرسول (ص) وآثاره ، بل ما تتوقف عليه الاحكام من سنته (ص)»[10] . واضافة الى ذلك يجب ان يكون «عالماً باصول الكلام والفقه ، لابتناء الاستدلال على ذلك ، وكذا بكونه عارفاً بشرائط الحد والبرهان ، اذ لايمكن تركيب الدليل بدونهما . وكذا يجب معرفته باللغة والتصريف والنحو لا بمعنى استحضار جزئيات مسائلها بحيث يكون في اللغة كالاصمعي وفي التصرف كالفارسي وفي النحو كسيبويه ، بل يكون عارفاً بالقدر الذي يتوقف عليه الاستدلال من الكتاب والسنة لفظاً ومعنى»[11] . ثانياً : اصول القضاء وموارده ولاريب ان الاجتهاد امر حاسم في تحديد صلاحية القاضي لولاية القضاء ، لان المجتهد عالم بالاصول الشرعية التي تحتل مساحة واسعة في علم القضاء ايضاً ، كاصل البراءة ، والاستصحاب ، واحترام الاموال، ودرء الحدود بالشبهات ، والظاهر الذي دل الدليل على اعتباره ، وغيرها من الاصول الفقهية التي تمس القضاء بالصميم . فاصل البراءة ، يعني ان الفرد بريء حتى تثبت ادانته ، وان مجرد الشك في الادانة يكفي في براءة المتهم . وعلى ضوء ذلك ، فان المدعى عليه يعتبر صادقاً اذا نفى التهمة عن نفسه ، حتى يقوم الدليل على كذبه ، وعلى المدعي الاثبات . ويخرج من هذا الاصل دعوى الوكيل والوصي والولي المؤتمن على مال الغير ، وقول المرأة في العدة والطهر والحيض ، والحاق الولد بالفراش . واصل الاستصحاب ، منبثق من معنى قوله (ع) : (من كان على يقين ثم شك ، فلا ينقض اليقين بالشك ، ولكن ينقضه بيقين آخر) . فالاصل هو استصحاب الحالة السابقة قبل الشك . فاذا ادعى المستأجر شراء الدار من المالك ، او ادعى الاب تجاوز ولده سن الحضانة ، فعلى المدعي الاثبات ، وعلى المنكر اليمين ، وهو موافق لقاعدة الاستصحاب . ونفي الاصل ، معناه ان الفرد المستدين ، اذا شك بمبلغ الدَين هل هو مائة دينار او اكثر مثلاً ؟ بنى القاضي على انه استدان مائة دينار فقط ، لان الدليل بالنسبة الى الاقل ثابت ، وبالنسبة الى الاكثر غير ثابت، فينتفي بالاصل ، ولذلك سمي بنفي الاكثر او نفي الاصل . وفي كل الحالات القضائية ، فان القول قول مدعي الاقل ، ومن ادعى الزائد فعليه البينة ، ومن قال بالاقل يطلب منه اليمين فقط . ويخرج من هذا الاصل اختلاف البائع والمشتري في قدر الثمن ، فيؤخذ قول البائع . واصل الصحة في العقود والموجبات ، مقدّم على الاستصحاب ، وحاكم عليه . فلو ادعى احد المتعاقدين بفساد العقد ، وادعى الآخر بصحته ، يؤخذ قول الاخير مع يمينه ـ واذا كان الشك في صحة العقد ناشئاً عن الشك في شروط الصيغة كتطابق الايجاب مع القبول ، او شروط المتعاقد المتعلقة بالاهلّية ، كالعلم والاختيار ـ بناءً على اصل الصحة في العقود والموجبات . اما اذا كان الشك في شرط له اثر في اهلية المتعاقد كالعقل والبلوغ والرشد ، او قابلية المعقود عليه للنقل والانتقال ، اي ليس وقفاً ولا خمراً ولا خنزيراً ، يتعين العمل بالاستصحاب ، بمعنى البقاء على ما قبل العقد ، وبمعنى ثالث فساد العقد . وعليه ، فان ادعاء البائع بفساد عقد البيع بدعوى ان القبول كان غير مطابقاً للايجاب ، او انه كان جاهلاً بالثمن ، او انه كان مكرهاً ، يتعين عليه الاثبات ، وعلى المدعى عليه اليمين . فالشك هنا في صحة العقد . اما اذا كان ادعاؤه فساد العقد بدعوى عدم البلوغ او الرشد ، فالقول قوله مع اليمين ، والبينة على المدعى عليه . لان الشك هنا في اهلية المتعاقد ، واصل العقد . وقد اخذ الفقهاء بقاعدة احترام المال ، وهو ضرورة دفع عوض لعين قد استخدمها المستأجر . فلو وقع التخاصم بين المستأجر والمالك ، فقال المستأجر : اسكنتني بالمجان . وقال المالك : بل بعوض ، فالقول قول المالك حتى يثبت العكس . ومن صحيحة زرارة عن الامام الصادق (ع) قوله : (الحيض والعدة الى النساء ، اذا ادعت صدقت)[12]، والمروي عنه (ع): (فوض الله الى النساء ثلاثة اشياء : الحيض والطهر والحمل)[13] ، استنبط الفقهاء قاعدة (هن مصدّقات) ، فادعاء المرأة بالطهارة زمن الطلاق مثلاً يؤخذ من قبل القاضي دون بينة ، لان القول قولها فيما يخص الحيض والطهر والحمل . ثالثاً : تعارض الاصول وهو التعرض لواقعة ذي وجهين ، احدهما يستدعي العمل بأصل معين ، والآخر يستدعي العمل بأصل آخر مخالف تماماً للاصل الاول. فقد يستدعي العمل بأصلي البراءة والاستصحاب، او اصلي الاستصحاب والصحة ، او قاعدة الفراش واصل الاستصحاب . وعليه ، فان القاضي ينبغي ان يعلم متى وكيف يقدّم الاصل على اصل آخر من الوجهة الشرعية . لان العلم بهذه الاصول والقواعد من اهم اركان القضاء في الشريعة الاسلامية . فـ «التعارض هو تنافي الدليلين او الادلة بحسب الدلالة ومقام الاثبات على وجه التناقض او التضاد حقيقة او عرضاً بان علم بكذب احدهما اجمالاً مع عدم امتناع اجتماعهما اصلاً»[14] . فلو افترضنا ان فرداً استأجر بيتاً ، وعندما طالبه المالك بالايجار ، ادعى ذلك الفرد بان الاستئجار كان مجانياً ، فردّه المالك بالقول : بل استأجرتك بيتي بعوض ، فاصل البراءة يستدعي ان يكون المستأجر منكِراً ، وقاعدة احترام المال او اليد تقتضي ان يكون مدعياً . ولكن هنا ، تقدّم قاعدة احترام المال على اصل البراءة . وفي حالات الاستدانة كأن يستدين فرد من آخر مبلغاً من المال . وعند مطالبة الدائن بالدَين ، ادعى المدين وفاء الدين ، ولكن صاحب الدين انكر ذلك ، فأصل براءة الذمة يقتضي الاخذ بقول المدين ، واستصحاب بقاء الدين يقتضي الاخذ بقول الدائن . والقاعدة ، ان الاستصحاب هنا مقدّم على اصل البراءة ، لان الاستصحاب يثبت شغل ذمة المدين ومسؤوليته امام الدائن . وفي حالات الطلاق ، كأن يطلق فرد زوجته ، ويدعي انه رجع اليها اثناء العدة ، وتدعي هي انه رجع اليها بعد انتهاء العدة . فاصل صحة الرجوع وبقاء الزوجية يقتضي ان يكون القول قول الزوج ، ولكن قاعدة (هن مصدّقات) يقتضي الاخذ بقول الزوجة . وبما ان تلك القاعدة مقدّمة على اصل الصحة ، تعين العمل بقولها مع اليمين ، لانها مصدقة بالعدة بقاءً وانقضاءً . وهذه نماذج توضح مقصودنا من تعارض الاصول . وتزخر الكتب الفقهية والاصولية بامثلة عديدة تخص هذا الموضوع ، حيث يدرك المجتهد ابعادها العملية والتطبيقية . والقاعدة انه «اذا تعارض اصل البراءة مع الاستصحاب قدّم الاستصحاب ، لان موضوع البراءة والشك والحيرة ، والاستصحاب بيان ، او بمنزلة البيان الذي يرفع الشك ... واذا تعارض الاستصحاب مع اصل الاحتياط قدّم الاستصحاب ايضاً للسبب نفسه . واذا تعارض الاستصحاب مع اصل التخيير قدم الاستصحاب ايضاً ...»[15] . رابعاً : القضاء على اساس العلم والقرائن الموضوعية ومعناه ان على القاضي ان يكون شاهداً على الواقعة بالدرجة الاولى ، وعندما تتبين الادلة والشواهد على الجناية ، عندئذ يحكم . فليس له ان يتصدى للحكم في واقعة قد علمها من قبل . بل عليه ان يكشف ويشاهد بنفسه اثناء سير الدعوى ، فيكون علمه الناتج من المعاينة اصلاً من اصول الاثبات . بل لا بأس بمعاينة القاضي بنفسه مثلاً المكان المتنازع عليه ، ليشكل تصوراً واقعياً عن القضية التي وقع فيها التخاصم . اما القرائن الموضوعية ، فهي القرائن التي ترافق الدعوى ، ويلاحظها القاضي بالتفاتته ، كبصمات الجاني على السلاح المستخدم في الجناية ، او العثور على متعلقات للجاني في مكان وقوع الجريمة ، او استخدامه وسيلة نقل معينة وقت الحادث . واضافة الى هذه القرائن هناك مبادئ عامة بديهية ، كرفض شهادة المجنون ، وسقوط شهادة الاعمى برؤية الجناية ، وسقوط شهادة الاطرش بالسماع . ويستفاد ايضاً من الطب الشرعي في المنازعات المتعلقة بالعلاقة الخاصة بين الزوج والزوجة ، او بين الغاصب والضحية ، او بين القاتل وقاتله . وبالاجمال ، فان العلم الحاصل من الطب الشرعي في غير الانساب يعتبر حجة قضائية ، بل ان العلم بنفسه حجة ، دون النظر الى مصدره . فيجوز للحاكم اذن ، الاعتماد على اية قرينة موضوعية يراها متصلة بالدعوى ، ان كانت لزوماً عقلياً ، او طباً شرعياً ، او مبدأً بديهياً . وقد تحتم الضرورة القضاء على خلاف العلم ، كما لو تداعى اثنان في عين لا يد لاحدهما عليها ، ولا بينة لهما . والحكم انهما يُحلّفان معاً ، ثم يقتسمان العين بالسوية ، علماً بان احدى اليمينين كاذبة والاخرى صادقة . ولكن انسداد الطريق لمعرفة الحكم الواقعي ادى الى تعيين هذا الحكم لفصل الخصومة . خصائص القضاء في الاسلام مقارناً بمثيله في الرأسمالية ومن اهم خصائص النظام القضائي في الاسلام ، ان القضاء وظيفة شرعية يجب على القاضي القيام بها، كبقية الوظائف الشرعية الاخرى . بمعنى ان مهمة القضاء انما هي مهمة كفائية اذا قام بها البعض سقطت عن الكل ، وان تقاعس عنها الجميع اثموا جميعاً . ولاشك ان اختلاف نظامي القضاء في الاسلام والرأسمالية ، يعكس تباين جوهر الفكرتين ونظرتهما للحياة الانسانية ، ودور الفرد في النظام الاجتماعي ، وارتباطه بالخالق سبحانه وتعالى . ويمكننا الآن ، بعد ان درسنا نظامي القضاء في الرأسمالية والاسلام من ترتيب نقاط المقارنة التالية بينهما : اولاً : يشترط الاسلام في القاضي العدالة والاجتهاد ، اضافة الى شروط اخرى ذكرت في عرض الكتاب . ولكن اهمية هذين الشرطين تضع الاسلام على قمة الانظمة القضائية في التاريخ الانساني . فالعدالة ، هي ائتمان الفرد على تطبيق جزئيات الشريعة ، واقامة علاقة حقيقية وثيقة بينه وبين الله عز وجل ، وبينه وبين بقية افراد النظام الاجتماعي . والاجتهاد ، هي القدرة على استنباط الاحكام الشرعية من مصادرها المقررة وتطبيقها على مواردها الخاصة . وبهذين الشرطين ، يستطيع القاضي القضاء بين الناس بالحق والانصاف والاقتراب من العدالة الواقعية ; لان الوصول الى الحق المطلق مستحيل على الانسان ، الاّ لفرد متصل بالمطلق . ولكن الشريعة اجازت للمجتهدين استخدام الادلة الظنية الموصلة للحق . وعليه فان المجتهد ، هو اكثر الافراد حظاً في اصابة الحق واقامة العدل ، ولذلك اسند له دور القضاء . اما في النظام القضائي الرأسمالي ، فان دور القاضي ينحصر في العملية الادارية والاشرافية على سير المحاكمات ، وسماع افادات الشهود ، اذا كانت المحاكمة مستندة على حكم هيئة المحلَفين . ولاتشترط الرأسمالية في القاضي ، العلمية القضائية او العدالة الدينية والشخصية . بل لاتشترط حتى الشهادة الجامعية . ولما كان النائب العام يقوم بتحضير مستلزمات القضية الجنائية ، وتقوم هيئة المحلَفين بالحكم على المتهم بالذنب او البراءة ، اصبح دور القاضي مجرد الاشراف على مسيرة المحاكمة من الناحية الادارية ، الاّ في الحالات الاستثنائية التي لاتتطلب حكم هيئة المحلَّفين . وهذا الاختلاف في دور القاضي في النظامين ، يترك آثاره العميقة بلاشك على سير القضاء وعدالته، لان نفي العلم والعدالة عن القاضي ، وايكال الحكم لهيئة المحلَفين ، يسلب المحكمة اهم عناصرها الاساسية في تحقيق العدالة القضائية بين المتنازعين . ثانياً : ان حكم المجتهد في النظرية الاسلامية لايغير الحكم الواقعي . بمعنى ان الحكم ينفذ ظاهراً لا باطناً . والاصل في ذلك ، ان كل القضاة المجتهدين يعتمدون على الادلة الظنية الموصلة للحق اولاً ، والاجتهاد الذي يحتمل فيه الخطأ والصواب ثانياً ، فلايستطيع احدهم نقض حكم الآخر ، الاّ اذا ظهر لقاض ثان خطأ حكم القاضي الاول بطريق القطع واليقين ، فانه يجوز له حينئذ نقضه . وعليه فان الاستئناف هنا ، استثنائي ومحدود جداً ، وليس الاصل في كلّ الاحكام الجنائية والحقوقية . اما في النظام القضائي الرأسمالي ، فان الاستئناف حق دستوري وليس قضية ثانوية ، بل ان اول ما يلمّح به محامي الدفاع امام هيئة المحلَفين ، في الجلسة الافتتاحية ، حق المتهم في محاكمة استئنافية اذا لم تحرز عدالة المحاكمة الاولى . ولكن اذا كانت هيئة المحلَفين في المحاكمة الاولى بعيدة عن روح العدالة في حكمها على المتهم ، فمن الذي يضمن عدالة محاكم الاستئناف بهيئة محلفين جديدة او بقضاة آخرين يمتلكون نفس مواهب نظائرهم في المحاكم الدنيا ؟ والاختلاف بين النظامين هنا يكمن في ان النظام القضائي الاسلامي يؤمن بان الحكم على المتهم يجب ان يستند على العلم بالاصول والقواعد الشرعية في المرافعات ، اي ابتناء الحكم القضائي على اساس القطع واليقين او الدليل الظني الموصِل للحق . اما في النظام القضائي الرأسمالي ، فان الاستئناف انما هي محاولة لمعالجة الخطأ الذي حصل في ابتناء الحكم القضائي المستند على ادلة باطلة من الاصل . ثالثاً : ان المدعي والمدعى عليه ، ينبغي عليهما المثول امام القاضي ، حسب النظام الاسلامي . وعلى المدعي اقامة الدعوى بنفسه للمطالبة بحقه المسلوب . ولكن في حالات القتل ، يقوم الولي او الوصي باقامة الدعوى على الجاني ، فيكون الولي او الوصي مدعياً والجاني مدعى عليه . ويجوز للاجنبي رفع الدعوى بقصد الاحسان في حالات خاصة ، ومنها الحسبة . وفي كلّ هذه الحالات ، يقوم جهاز الشرطة والتحريات التابع للنظام القضائي بتحضير مستلزمات القضية الجنائية . اما في النظام الرأسمالي ، فان النائب العام يقوم بتمثيل حكومة الولاية في مرافعات الجرائم الجنائية والحقوقية ، ابتداءً من التحقيق والاستجواب وانتهاءً بتعيين الحكم . ويقوم في الوقت نفسه بتمثيل المجني عليه، باعتبار ان الجناية على الفرد ما هي الا جناية على الحكومة التي انتخبها . فله صلاحية اجراء التحريات حول انتهاك القانون ، والتعاون مع جهاز الشرطة ، وتعيين التهمة ، والمساومة مع المتهم على الاقرار بالذنب، وتحديد العقوبة ، وانتخاب او انتقاء الجرائم الجنائية التي يرى في ملاحقتها مصلحة اجتماعية . ويقوم محامي الدفاع بتمثيل المتهم خلال سير العملية القضائية ، حيث يساهم في التحقيق في الجناية، ومقابلة المتهم ، والشهود ، ورجال الشرطة ، ومناقشة موضوع الجناية مع النائب العام ، والتفاهم مع المتهم على المساومة على الاقرار بالذنب . وعلى المستوى النظري ، يقف محامي الدفاع على طرفي نقيض مع النائب العام . ففي حين يرى النائب العام ان موقفه نابع من صميم الدفاع عن الضحية ، والنظام الذي يمثله ; يقوم محامي الدفاع بالدفاع عن الجاني محاولاً تبرئة ساحته . وهذا الموقف المزدوج للنظام القضائي لاينفع الضحية ، بل يفتح المجال لتبرئة ساحة الجاني في ظروف قد تنعدم فيها البينة القانونية . اما طلب النظام القضائي الاسلامي وقوف المدعي او وليه والمدعى عليه امام القاضي دون توكيل ، مع كل البينات الشرعية المتوفرة ، انما يقلل من فرص تبرئة ساحة الجاني من تهمة ارتكاب الجناية . فكيف يستطيع النائب العام في النظام الرأسمالي التعبير عن معاناة المدعي ، اذا كان المدعي قادراً على الافصاح عن وقائع الجناية ؟ وكيف يحق لمحامي الدفاع ، الدفاع عن المتهم اذا كان قد ارتكب الجناية فعلاً ؟ رابعاً : اقرار المتهم في الجناية ـ حسب النظرية الاسلامية ـ حجة مقتصرة بالمقِر وحده . فلا ينفذ بغير احد غير المقِر . ولكن اقرار الجاني ، لا يخفف من العقوبة الثابتة بحقه ، لان تخفيف العقوبة هو سلب حق شرعي من حقوق الضحية . ولايقبل الانكار بعد الاقرار الاّ في حالة الجناية الموجبة للرجم ، حيث يسقط الحد . اما في النظرية الرأسمالية ، فان المتهمين في الجرائم الجنائية يجرّمون انفسهم امام محامي الدفاع عن طريق ما يسمى بـ «المساومة على الاقرار بالذنب» ، حيث يتعهد محامي الدفاع بعد الاتفاق مع النائب العام بتخفيف الحكم القانوني على المتهم ، فيما لو اعترف بالذنب ، حتى لو كان المتهم بريئاً . وهذه الفكرة الرأسمالية بعيدة كل البعد عن العدالة الجنائية . فكيف تخفف ـ اذن ـ عقوبة الجاني ، اذا كانت الافادات والقرائن الموضوعية تشير الى ارتكابه الجناية ؟ وهو ـ بلاشك ـ ظلم واضح بحق الضحية . بل ، وكيف يكره المتهم البريء بالمساومة على الاقرار بالذنب ، وهو لم يرتكب جرماً ولم يقترف ذنباً يستحق عليه العقاب ؟ والفرق بين النظامين في خصوص الاقرار ، على درجة كبيرة من الوضوح . ففي حين ينزل القاضي ـ في النظام الاسلامي ـ حكم الله بالجاني ، ان اقرّ على نفسه او ثبتت البينة على جنايته ـ حفظاً لحقوق المجني عليه ، وحقوق النظام الاجتماعي ـ تقوم النظرية القضائية الرأسمالية بعرض فكرة «المساومة على الاقرار بالذنب» الهادفة الى تخفيف الحكم الصادر على الجاني بموجب تلك المساومة . وعندها تكون تلك العملية القضائية اداة من ادوات تضييع دعوى المدعي ، وطريقاً من طرق سلب الحق الاساسي للمجني عليه . وانما تصب هذه المساومة في مصلحة محامي الدفاع والنائب العام بالخصوص ، والجهاز القضائي بالعموم . خامساً : بعد ثبوت الجناية ، ينفّذ حكم الله ـ حسب النظرية الاسلامية ـ مباشرة ودون تأخير . ولاتقر الشريعة الاسلامية بتعليق الحكم او العقوبة مقابل الاشراف على سلوك الجاني لاحقاً ; لان في ذلك تضييعاً لحق المجني عليه ايضاً ، وتشجيع الافراد على السلوك الجنائي . اما المدرسة القضائية الرأسمالية ، فهي تمارس اسلوب تعليق العقوبة الصادرة بحق الجاني ; فيقوم الحاكم بارجاء تنفيذ العقوبة التي استحقها الجاني لارتكابه الجناية ، واطلاق سراحه ومراقبته لفترة محددة ، فاذا كان سلوكه الاجتماعي متناسباً ومنسجماً مع العرف العقلائي ، اسقطت العقوبة عنه . ولاشك ان تعليق العقوبة ـ وهي نتيجة من نتائج المساومة على الاقرار بالذنب التي يعقدها محامي الدفاع مع الجاني وبالاتفاق مع النائب العام ـ تعتبر من اخطر مشاكل النظام القضائي الرأسمالي لانها تهدر حقوق الضحية كما المعنا اليه سابقاً . سادساً :تحمّل الشهادة واداؤها واجب كفائي في الاسلام ; وشروطها : الوضوح ، والمطابقة ، والعلم . ولابد من الشاهد : البلوغ ، والعقل ، والعدالة ، والضبط . ولابد ان تكون الشهادة مرآة علم الشاهد بالمشهود به . بمعنى انها يجب ان تكون نتيجة علم يقيني حصل للشاهد ; لان الاصل فيها المشاهدة ، وهي العلم بالمشهود . ولذلك كانت العدالة ، وهي الائتمان على تطبيق احكام الشريعة ، شرطاً اساسياً من شروط الشاهد . فان تيقن القاضي بعدالة الشاهد اخَذَ بشهادته دون تزكية ، وان جهلها بحث عنها . وان تبين فسق الشاهد ، سقطت شهادته . ولايشترط عدالة الشاهد او صدقه في النظرية القضائية الرأسمالية . ولكنه يحلّف باداء القسم بقول الحق . فالقول قوله ، حتى لو كان فاسقاً او كاذباً . سابعاً : تثبت الجرائم الخلقية بشهادة اربعة رجال ، في النظرية الاسلامية . وفي حقوق الافراد غير المالية بشهادة رجلين ، وفي حقوقهم المالية بشهادة رجلين ، او رجل وامرأتين ، او رجل ويمين ; بينما تفتقد النظرية القضائية الرأسمالية الى هذا التفصيل ، حيث يبتنى الحكم القضائي على عدد غير محدود من الشهود . ثامناً : ينبغي ، حسب النظرية الاسلامية ، ان تكون تزكية وتجريح الشهود من قبل المدعي والمدعى عليه ، سراً . حيث لايجوز التشهير بمساوئ الناس او اظهار عوراتهم في الاسلام . بينما لاتعير النظرية الرأسمالية اهتماماً للتزكية ولا للتجريح السري . تاسعاً : شدد الاسلام على تحريم شهادة الزور ، لان فيها اضطراباً واضحاً للعدالة الاجتماعية وموازين النظام القضائي . وحرّم على القاضي الاخذ بتلك الشهادة ، اذا تيقن انها كانت زوراً . واذا ثبت الزور في الشهادة انتقض الحكم ، قبل التنفيذ او بعده ، لان الحكم مبني على الباطل . بل ان شاهد الزور يضمن بسبب ما اتلف في شهادته . ولم تتعرض النظرية القضائية الرأسمالية الى شهادة الزور ، ولكنها اشارت الى الكذب بعد اداء اليمين القانونية في المحكمة ، واعتبرته عملاً منافيا للقانون . عاشراً : اليمين الشرعية على المنكِر ، وسيلة مهمة من وسائل القضاء في الاسلام ، لقوله (ص) : (البينة على من ادعى واليمين على من ادُّعِيَ عليه)[16] . ويشترط فيها صيغة اليمين المقتصر على اسم الجلالة مثلاً ، واذن الحاكم ، وموضوع اليمين وهو الحق المحلوف من اجله . ويشترط في الحالف : العقل ، والبلوغ ، والاختيار ، وحق الاسقاط ، والتبرع . والاصل ان الحاكم ولي عن المنكِر (المدعى عليه) ، فان امتنع عن اداء الحق ـ وهو حلف اليمين او النكول ـ قهره عليه لصالح المدعي . وليس هناك ما يشير الى اهمية اليمين القانونية للمنكِر ، في النظرية القضائية الرأسمالية . وهذه اليمين تختلف ـ كما ترى ـ عن يمين الشهود بقول الحق . حادي عشر : عقد الكفالة في النظرية الاسلامية ، هدفه الاستوثاق من حضور المدعى عليه وقت المحاكمة ، حيث يتعهد الكفيل للمكفول له باحضار غريمه . وهي جائزة الاّ في الحدود . وهذا العقد يتحقق بالايجاب من الكفيل ، والقبول من المكفول له ; وان يكون الكفيل قوياً وقادراً على احضار المكفول . ولكن اذا امتنع الكفيل من احضار المكفول تمرداً ، حُبس حتى يأتي بصاحبه . وان كان الكفيل عاجزاً عن احضار المكفول ، ولكنه كان قادراً على الوفاء بحق المدعى عليه مالياً بعد ثبوته ، يؤمر بذلك . والاختلاف بين النظريتين ، يبين ان المال هو الاصل في الاستوثاق من حضور المدعى عليه في النظرية الرأسمالية؛ وان الكفيل كفرد ، هو الاصل في الاستوثاق من حضور المدعى عليه في النظرية الاسلامية. ولاشك ان تطبيق مفردات النظرية القضائية الاسلامية اقرب الى العدالة الواقعية ، وان الزام الكفيل باحضار المدعى عليه يضمن العدالة الحقوقية بين جميع الافراد؛ لان الفرد ، بكيانه الاجتماعي وعلاقاته المتشابكة ، لابد وان يجد الكفيل الذي يكفله لسبب من الاسباب . اما اذا كان المال هو المقياس في الكفالة القضائية ، فان العدالة القانونية تصبح معلّقة في الفضاء ، وعندها تميل كفة المنافع نحو افراد الطبقة العليا . وبالتالي ، تصبح الطبقة الرأسمالية ، الطبقة الوحيدة المنتفعة في النظام الاجتماعي . ثاني عشر : عقد الصلح ، هو عقد شرعي بين المدعي والمدعى عليه ، يتم عن طريق التراضي بينهما قبل الترافع الى القاضي . وهذا العقد ـ ضمن اطار النظرية الاسلامية ـ مبني على التسامح ، وتنازل المحق عن بعض حقوقه طلباً للاصلاح . والاصل فيه التراضي وطيب النفس بين الطرفين . وينحصر الصلح ، في الفكرة الرأسمالية ، في الجروح والاضرار التي تتولى دفع تعويضاتها شركات التأمين او الشركات الصناعية الكبيرة ; وليس هناك ما يشير الى اهتمام النظرية القضائية الرأسمالية بعقد الصلح بين الافراد . ثالث عشر : وتعتقد النظرية الاسلامية ان علاج المنحرفين يجب ان يبدأ قبل وقوع الجناية . بمعنى ان نشر العدالة الاجتماعية بين جميع الافراد ، وتهذيبهم على اساس مفاهيم الدين والاخلاق، يمنع وقوع الانحراف ، لان الاساس في وقوع الجنايات عاملان اجتماعيان هما : الحاجة ، والجهل . فاذا اشبعت الحاجة الانسانية، وعُلّم المكلّف احكام الشريعة ، اصبح الفرد عنصراً مسالماً ، يساهم في بناء مجتمعه الجديد . اما النظرية القضائية الرأسمالية ، فتؤمن بان علاج الجاني افضل للنظام الاجتماعي من معاقبته ، لان العلاج اقل كلفة من العقوبة . ولكنها تتناسى ان العلاج يجب ان يبدأ من النظام الاجتماعي نفسه لا من المنحرف . نعم ، ان عدالة توزيع الثروات الاجتماعية تساعد على علاج الانحراف . والمساواة بين الافراد ، بغض النظر عن اجناسهم والوانهم ومناشئهم ، تساهم في علاج المنحرفين . ولكن الطريف ، ان النظرية الرأسمالية تُظهِر للعالم ، حرصها على معالجة المشكلة الانحرافية من الجذور ، الا انها في الواقع تعالج المشكلة معالجة جزئية . فما منفعة ادخال الجاني المعهد العلاجي ، اذا كان التفاوت الظالم بين الطبقات قائماً ؟ وما منفعة ادخال الجاني المعهد العلاجي اذا كان النظام الاجتماعي لايسد حاجات الفقراء ؟ اضف الى ذلك ان معالجة الجاني طبياً يعتبر انتهاكاً خطيراً ضد مصلحة الضحية ، وتشجيعاً للمنحرفين على الاصرار على انحرافهم عن طريق التلبس بلباس الامراض العقلية . رابع عشر : وتلعب شخصية الحاكم العلمية دوراً كبيراً في الحكم بين المتخاصمَين ، في النظرية الاسلامية . لان القاضي المجتهد مسلط على الاصول العقلية والشرعية ، وعالم بأصول القضاء وموارده ، وباني قضائه على اساس العلم والقرائن الموضوعية . وان عليه ان يكون مطلعاً على تفاصيل الواقعة اولاً . وعندما تتبين الادلة والشواهد على الجناية ، عندئذ يحكم . اما في النظام القضائي الرأسمالي ، فان الذي يحكم بالبراءة او التجريم هم اعضاء هيئة المحلَفين الذين يتم انتخابهم من دفاتر الضريبة ، دون النظر لعلمهم بالقضاء والحكم . فكيف نتوقع تحقيق العدالة من هؤلاء، وهم اجهل الناس بقضايا الحكم والفصل بين المتخاصمين ؟ اما اذا اختيرت المحاكمة على اساس حكم القاضي، فقد لاحظنا عدم اشتراط العلمية القضائية او القانونية في القاضي الرأسمالي ! خامس عشر : تتم المحاكمات في النظام الاسلامي باقصى سرعة ممكنة . بل لو كانت حيثيات القضية الجنائية متحققة وكان القاضي جاهزاً للعمل ، فان المحاكمة قد تتم في نفس يوم الجناية . وليس هناك ما يدلّ ـ شرعاً ـ على تحديد مدة قصوى او دنيا على اجراء المحاكمة . ولكن ، في النظام القضائي الرأسمالي ، يؤكد التعديل السادس للدستور الامريكي على حق المتهم في محاكمة علنية سريعة ، حددتها السلطة التشريعية بمائة يوم . منها ثلاثين يوماً من بدء وقوع الجناية والاعتقال وحتى صدور الاتهام ، وسبعين يوماً من صدور الاتهام وحتى المحاكمة . وقد تستغرق المحاكمات اكثر من ذلك بكثير . سادس عشر : وتختلف العقوبات بين النظريتين اختلافاً كبيراً . فالاسلام ينظّم نظام العقوبات على اساس الحقوق ، فيقسّمها الى حقوق لله والى حقوق للناس ، ويفرّع على هذه الحقوق حقوقاً ماليةً واخرى غير مالية . ففي حقوق الله ينزل القصاص والتعزير والدية ، ويُلزَم المخالف بالدفع . وفي حقوق الناس يلزم المعتدي بالدفع او السجن . حيث لايجعل السجن ، المحور الاساس في العقوبة . لان الاصل فيها انزال الاذى المماثل بالجاني او دفع التعويض للضحية . اما في القضاء الرأسمالي ، فان هناك اربعة انواع من العقوبات ضد الجاني ، وهي : الغرامة المالية، وتعليق العقوبة ، واطلاق سراح الجاني مع مراقبته بشروط ، والسجن او عقوبة الموت في الحالات الاستثنائية. وهناك العقوبات الافتراضية وغير المحددة والاجبارية. وتختلف العقوبات النازلة بالجرائم المتشابهة، بسبب اختلاف نظرة القضاء او هيئات المحلَفين للقضايا الجنائية ، وعدم وجود نظام ثابت للعقوبات. والاصل في العقوبة القضائية الرأسمالية انها ليست ثابتة وغير محددة بالشكل الذي لاحظناه في الاسلام . سابع عشر : ولاينتقي النظام القضائي الاسلامي ، الجرائم الصالحة للمحاكمة ويهمل الجرائم الاخرى . بل ان كل قضية جنائية ترفع من قبل المدعي يجب ان يقضى بها ، ما لم يعقد الصلح بين المتخاصمَين قبل المرافعة . والمدعي فقط هو الذي اذا سكت سُكت عنه ، باصطلاح الفقهاء . بمعنى ان رفع القضية الجنائية او الحقوقية المتنازع عليها بيد المدعي ، وليس بيد النائب العام ، كما لاحظنا ذلك في النظام القضائي الرأسمالي . فللنائب العام ـ حسب الفكرة القضائية الرأسمالية ـ صلاحية اختيار وانتقاء الجنايات التي يرى في ملاحقتها مصلحة اجتماعية ، دون ملاحظة الآثار التي اوقعتها تلك الجناية بالمجني عليه . فقد يحول انتقاء النائب العام للجنايات ، الى عدم تعويض الضحية ، او الى افلات الجاني من العقاب . وفي كلتا الحالتين ينتصر الباطل ، ويضيع حق الفقير في نظام يدعي لنفسه ـ ظلماً ـ الكمال القضائي . (نهاية ص 206)
السابق صفحة التحميل الصفحة الرئيسية [1] المحاسن ص 215. [2] المحاسن ص 211. [3] المحاسن ص 211. [4] الرسائل للشيخ الانصاري. [5] الغنية لابن زهرة ص 21. [6] ابطال القياس لابن حزم ص 48. [7] سورة البقرة: الآية 228. [8] منتقى الجمان في الاحاديث الصحاح والحسان للشيخ حسن بن الشهيد الثاني ص 4. [9] الرسالة للشافعي ص 494. [10] المبسوط ج 8 ص 99. [11] التنقيح الرائع ج 4 ص 235. [12] الكافي ج 2 ص 111. [13] مجمع البيان ج 2 ص 326. [14] كفاية الاصول – مباحث الالفاظ للشيخ الآخوند ج 2 ص 103. [15] الرسائل للشيخ الانصاري – باب الاستصحاب. [16] التهذيب ج 6 ص 229.
|