|
(ص 152 - 181) اصول الشهادة في الحقوق والحوادث ويختلف عدد الشهود من حادثة لاُخرى ، ومن حق لآخر . ففي الجرائم الخلقية كالزنا واللواط والسحاق ، تثبت الجناية بشهادة اربعة رجال . وفي حقوق الله المالية كالزكاة والخمس ، وغير المالية كالحدود، وحقوق الناس غير المالية كالاسلام وتزكية الشهود وجرحهم ، تثبت بشهادة رجلين . وفي حقوق الناس المالية تثبت بشهادة رجلين ، او رجل وامرأتين ، او رجل ويمين . وفي ما يعسر اطلاع الرجال عليه، كالبكارة والولادة والعيوب ، يجوز شهادة النساء منضمات او منفردات عن الرجال ، بالاجماع . وفي كل هذه الحالات تفصيل . فعلى صعيد الجنايات الخلقية ، تثبت الجناية بشهادة اربعة رجال في الزنا ، كما ورد في النص المجيد: (والذين يَرمُون المحصناتِ ثم لم يأتوا باربعةِ شهداءَ فاجلِدُوهُم ثمانينَ جلدةً)[1] ، و(... لولا جاءوا عليه باربعةِ شهداءَ)[2] . ولاتدل الآية الكريمة على انحصار الشهادة بالرجال ، بل ورد تحديد عدد الشهداء دون ذكر جنس الشاهد ، الا ان الرواية المروية عن الامام الصادق (ع) تفصل القول في ذلك: (انه يجوز في الرجم شهادة ثلاثة رجال وامرأتان ، ولايجوز في ذلك شهادة رجلين واربع نسوة)[3] . والمحصل من هذه الرواية ومن روايات اخرى ان الشهادة في الزنا وما يترتب عليها من رجم تثبت باربعة رجال او ثلاثة رجال وامرأتين. اما في الجلد فتثبت باربعة رجال ، او ثلاثة وامرأتين ، او رجلين واربع نسوة[4] . وفي اللواط والسحق تثبت باربعة رجال فقط ، ولاتقبل شهادة النساء . وعلى صعيد حقوق الله المالية: كالزكاة ، والخمس ، والكفارات ، والنذور ، وغير المالية: كحد القذف ، والارتداد ، والسرقة ، فتثبت بشهادة رجلين ، ولاتقبل فيه شهادة النساء . و«لافرق في حقوق الله تعالى بين كونها مالية ، كالزكاة والخمس والكفارة ، وبين غيرها كالحدود . وقد دلّ على عدم قبول شهادة النساء في الحدود روايات ... واما حقوق الله المالية فليس عليها نص بخصوصها ، ولكن لما كان الاصل في الشهادة هو شهادة الرجلين ، وكان مورد الشاهد واليمين ، والشاهد وامرأتين هو الديون ونحوه من حقوق الآدميين اقتصر على مورده ، وبقي غيره على الاصل»[5] . وفي حقوق الافراد غير المالية ، كتزكية الشهود او جرحهم ، وثبوت اسلام الفرد ، فانها تثبت برجلين ، ولاتقبل فيه شهادة النساء . والمشهور بين فقهاء الامامية ايضاً ان الطلاق، والخلع، والنسب، والوكالة ، ورؤية الهلال تثبت بشهادة رجلين . اما في حقوق الافراد المالية كالديون ، والرهون ، والوصايا بالمال ، وعقود المعاوضات ، والغصب ، فتثبت بشهادة رجلين ، او رجل وامرأتين ، او رجل ويمين ، لاجازته (ص) شهادة النساء مع الرجل في الدَين[6] ، وقوله (ع) : (كان رسول الله (ص) يقضي بشاهد واحد مع يمين المدعي)[7] . وعلى صعيد ما يعسر اطلاع الرجال عليه كالعيوب والبكارة والثيبوبة واستهلال المولود ، تجوز شهادة النساء على الاطلاق ، كما ورد في احدى الروايات : (انه جيء الى علي امير المؤمنين بامرأة بكر زعموا انها زنت ، فأمر النساء فنظرن اليها ، فقلن: هي عذراء ، فقال: ما كنت لاضرب من عليها خاتم من الله [يعني العذرية])[8] ، الى غير ذلك من النصوص . و«ضابطه ما يعسر اطلاع الرجال عليه غالباً بلا خلاف اجده في ثبوت ذلك بشهادتهن منفردات كما اعترف به في كشف اللثام ، لمسيس الحاجة وللروايات المعتبرة المستفيضة»[9] . دور القاضي في قبول اهلية الشهود: وعندما تقام الدعوى من قبل المدعي ضد المدعى عليه ، يقوم القاضي اولاً بتشخيص المدعي والمدعى عليه . ثم يقوم بتخيير المدعي بين اقامة البينة وبين تحليف خصمه (المدعى عليه) . فاذا كان المدعي لايمتلك بينة يقوم القاضي بتخيير المدعى عليه (المنكِر) ، بين حلف اليمين او اقامة البينة على براءته بموجب اصول الاثبات الشرعية . فان جاء المدعى عليه بالبينة على براءته ، مثلاً شاهدين عدلين ، التفت القاضي للمدعي قائلاً : ان كان عندك ما يقدح في الشهادة فبينه ، فان طلب المدعي الامهال امهله ثلاثة ايام ، فان جاء ببينة جديدة فذاك ، والاّ فان على القاضي الحكم بما تستدعيه الشهادة التي جاء بها المدعى عليه . ولما كانت الشهادة من اهم اصول الاثبات الجنائي والحقوقي ، فان معرفة اوصاف الشهود ، تعتبر الحجر الاساس في اجراء محاكمة نزيهة عادلة . ولذلك فان القاضي في النظام الاسلامي يبذل كل ما في وسعه لمعرفة اهليّة الشهود في الادلاء بشهاداتهم . فمن مسؤوليته الرئيسية ان يعلم من سير الادلاء بالشهادات مدى مطابقة تلك الشهادات للدعوى او الواقع الذي تمت فيه الجناية ، وهل ان تلك الشهادة مبنية على الاثبات او على النفي ، او على التبرع او على المسؤولية التحملية والادائية ، او على اليقين ، او على الظن ، او على العداوة او على الصداقة ، او على القرابة النسبية او على غيرها . ومن المفترض ان يكون القاضي على اطمئنان بان الشاهد الواقف امامه انما يشهد عن علم لا عن وهم وظن واحتمال . لان الاصل في الشهادة ، المشاهدة وهي العلم بالمشهود. ومع ذلك ، فان القاضي لايكون ملزماً بقبول الشهادة مجردة عن القرائن الاخرى المصاحبة لمجرى القضية الجنائية. بل ان آداب الشريعة تقتضي بان يفسح القاضي المجال للشاهد بالادلاء بشهادته بحرية تامة الى ان ينتهي ، فان توقف فلا يرغّبه في الاقدام ، وان اقدم فلا يجيبه في الاحجام في الحقوق الخاصة بالمولى عز وجل. ولابأس ان يقوم القاضي بالاستفهام من الشاهد بصيغة السؤال او اي صيغة اخرى حتى يتوصل الى اكتشاف الحق . و«يكره للحاكم ان يعنّت الشهود اذا كانوا من ذوي البصائر والاديان القوية ، مثل ان يفرق بينهم ، لان في ذلك غضا منهم ، ويستحب ذلك في موضع الريبة . ولايجوز للحاكم ان يتعتع الشاهد ، وهو ان يداخله في التلفظ بالشهادة فيدخل معه كلمات توقعه في التردد او الغلط ، بان يقول الشاهد : انه اشترى كذا ، فيقول الحاكم : بمائة ، او في المكان الفلاني ; او يريد ان يتلفظ بشيء ينفعه فيداخله بغيره ليمنعه من اتمامه ونحو ذلك . او يتعقبه بكلام ليجعله تمام ما يشهد به ، بحيث لولاه لتردد ، او اتى بغيره . بل يكف عنه حتى ينهي ما عنده ، وان تردد . ولو توقف في الشهادة ، لم يجز له ترغيبه الى الاقدام على الاقامة ولا تزهيده في اقامتها . وكذا لايجوز ايقاف عزم الغريم عن الاقرار ، لانه ظلم لغريمه . ويجوز ذلك في حقوق الله تعالى ، فان الرسول (ص) قال لماعز عند اعترافه بالزنا : (لعلّك قبّلتها ، لعلك لمستها)[10] وهو تعريض بإيثار الاستتار»[11] . ولابد للقاضي ايضاً من احراز وجود الشروط التي ينبغي توفرها في الشاهد ، بالحس او الدليل ، وهي كما ذكرنا سابقاً: العقل ، والبلوغ ، والاسلام ، والعدالة ، والضبط ، وعدم العداوة ، وعدم النسب في الحدود . والشك في الشرط يستدعي الشك فيما هو شرط فيه ، وبذلك يستدعي الحكم بعدم وجوده. وعليه، فان على القاضي التثبت من شروط الشاهد ، واي شك في شرط من الشروط يعني انتفاء ذلك الشرط. فيثبت العقل والبلوغ والضبط من ظاهر الحال ، لانها من المسائل الموضوعية التي يترك تقدير الدليل الى معرفتها للقاضي . وكذلك الاسلام فان اظهاره كاف للثبوت . اما عدالة الشاهد ، فهي من اهم الشروط التي ينبغي اثباتها من قبل القاضي . فان تيقن بعدالة الشاهد اخذ بشهادته دون تزكية ، وان جهلها بحث عنها بنفسه ، او امر المدعي بتزكية كل شاهد بشاهدين معلومي العدالة ، لان التزكية من توابع البينة . فاذا عرف الحاكم عدالة الشاهدين حكم ، و«ان عرف فسقهما اطرح ، وان جهل الامرين بحث عنهما . وكذا لو عرف اسلامهما وجهل عدالتهما ، توقف حتى يتحقق ما يبني عليه ، من عدالة او جرح . ولو حكم بالظاهر ، ثم تبين فسقهما وقت الحكم نقض حكمه ، ولايجوز التعويل في الشهادة على حسن الظاهر ، وينبغي ان يكون السؤال عن التزكية سراً ، فانه ابعد من التهمة . ولو اختلف الشهود في الجرح والتعديل ، قُدّم الجرح لانه شهادة بما يخفى على الآخرين . ولو تعارضت البينتان في الجرح والتعديل ، قال في الخلاف : توقف الحاكم . ولو قيل : يعمل على الجرح كان حسناً»[12] . وعندما يتم الاستماع الى البينة كاملة من قبل القاضي ، يتوجه الى المدعى عليه سائلاً اياه : اتقدح في شهاداتهم عليك ؟ فاذا أومأ بالايجاب استمع القاضي اليه ، والاّ يقوم القاضي بدراسة القضية واصدار الحكم . حالات الطوارئ بعد الشهادة: وكما ذكرنا سابقاً ، فان وجوب تحمل واداء الشهادة حتمي ، لان في كتمانها او الامتناع عن ادائها ضرر عام على النظام الاجتماعي ، ومفسدة خاصة على العدالة القضائية . ولكن كتمان الشهادة لايوجب الضمان المالي ، بل يوجب العقاب من الله سبحانه وتعالى ، لقوله عز من قائل : (ولاتكتموا الشهادةَ ومن يكتمها فانه آثمٌ قلبُهُ)[13] . اما في حالة موت احد الشاهدين او كليهما بعد اداء الشهادة وقبل الحكم ، فان شهادتهما تبقى صالحة ، «بلا خلاف اجده ، لاصالة بقاء صحتها بعد عدم ما يدلّ على بطلانها بذلك»[14] ، ولان الحكم يستند الى الاداء ، وقد حصل . واذا مات الشاهدان المجهولي الحال ، ثم زكيا بعد الموت ، كشفت التزكية عن صحة الشهادة ، ولزم الحكم بموجبها . اما طروء الفسق على العدلين او احدهما ، بعد الشهادة وقبل الحكم ، فينفي جواز الحكم على المدعى عليه اذا كان المشهود به حقاً من حقوق الله ، كحدود الزنا وشرب المسكر ، لظهور الشبهة الدارئة للحدود . واذا كان المشهود به حقاً من حقوق الناس ، كالدين او القرض مثلاً ، اختلف الفقهاء فيه ، ولكن المشهور انه ينفي جواز الحكم ايضاً . وعلى صعيد آخر ، فاذا شهد شاهد لقريبه بمال ، وقبل ثبوت الحكم مات المشهود له وانتقل المال المشهود به للشاهد ، تسقط الشهادة ولايجوز الحكم اجماعاً ، لان احد شروط قبول الشهادة ان لاتجلب نفعاً للشاهد . ولاريب ان شهادة الزور ، يترتب عليها اضطراب العدالة وفساد الاجتماع الانساني ، ولذلك شدد الاسلام على تحريمها ، كما ورد في قوله تعالى في التعرض لصفة المؤمنين : (والذين لايشهَدُون الزُّور)[15]؛ ويثبت الزور في الشهادة بالقرينة التي تفيد القطع ، بحيث يتيقن القاضي قطعاً بكذب الشاهد بطريقة من الطرق . واذا ثبت الزور في الشهادة انتقض الحكم ، قبل التنفيذ او بعده ، لان الحكم بُني على الفساد. ويضمن الشاهد بسبب ما اتلف في شهادته ، للرواية الواردة عن الامام الصادق (ع) عندما سئل عن شاهد الزور ؟ قال : (ان كان الشيء قائماً بعينه رد على صاحبه ، وان لم يكن قائماً ضمن الشاهد بقدر ما اتلف من مال الرجل)[16] . واذا كان المشهود قتلاً يفعل بالشاهد ما فُعِل بالمشهود عليه . ولكن اذا رجع الشاهد عن شهادته قبل الحكم وشهد مرة اُخرى ، لايقضى بشهادته لمكان التناقض بين شهادته الاولى والثانية . واذا حصل الرجوع بعد الحكم وقبل التنفيذ ، وكان المحكوم به حقاً لله سبحانه كحد الزنا ، انتقض الحكم ، لان الحدود تدرأ بالشبهات . واذا حصل الرجوع بعد الحكم والقضاء بالشهادة ، وكان المحكوم به من حقوق الناس المالية ، بقي الحكم على حاله ، لانه قد ثبت بالقضاء . ولكن يضمن الشاهد الراجع لمن شهد عليه عوض ما اخذ منه مثلاً او قيمة ، كما جاء في الرواية عن الامام (ع) في الشهود : (اذا رجعوا عن شهادتهم ، وقد قضى [القاضي] على الرجل ضمنوا ماشهدوا به وغرموا ، وان لم يكن قضى طرحت شهادتهم ، ولم يغرموا شيئاً)[17] . واذا رجع الشهود بعد القضاء وتنفيذه ، وقد اقتص من المشهود به قتلاً او جرحاً ، فاذا اقروا بتعمد الكذب اقتص من كل واحد منهم ، تماماً كما اقتص من المشهود به ، «لقاعدة قوة السبب على المباشر ، وعمومات القصاص مضافاً الى خصوص نصوص المقام . ومنها ان الامام الصادق (ع) سئل عن اربعة شهدوا على رجل محصن بالزنا ، ثم رجع احدهم بعدما قتل الرجل ؟ فقال (ع) : ان قال الراجع : أوهمت ضرب حد [القذف] واغرم الدية ، وان قال : تعمدت ، قُتِل»[18] . اليـد: واتفق فقهاء الامامية على ان وضع اليد يدل على الملك ، لتباني العرف وطريقة العقلاء . وقد جاء الشرع فامضى هذا التباني لحفظ الحياة الاجتماعية من الخلل والاضطراب . بمعنى ان وضع اليد على الشيء هو استطاعة صاحبها التصرف فيه تصرف المالك في ملكه دون معارضة احد ، كالسكن في الدار ، والزراعة في الارض ، وسياقة المركبة . وعلى ضوء ذلك ، يستطيع المالك ان يبيع العين او يهبها ، او يؤجرها ، او يعيرها بكل حرية ودون قيد . والعبرة في ذلك ، الصدق العرفي ، وفي ذلك رواية مروية عن الامام جعفر الصادق (ع) عندما سأله حفص بن غياث : اذا رأيت شيئاً في يدي رجل أيجوز لي ان اشهد انه له ؟ قال الامام: نعم. قال حفص : اشهد انه في يده ، ولا اشهد انه له ، فلعله لغيره . قال الامام : أفيحل الشراء منه ؟ قال: نعم. قال ابو عبد الله : (فلعله لغيره ! فمن اين جاز لك ان تشتريه وتصيّره ملكاً لك ، ثم تقول بعد الملك: هو لي، وتحلف عليه ، ولايجوز ان تنسبه الى من صار ملكه من قبل اليك ؟ لو لم يجز هذا ما قام للمسلمين سوق)[19] . ولا تدل اليد على الاختصاص الاّ في الاموال والمنافع كالبيوت والمصانع والمزارع . فوضع اليد على المال دليل على الملك ، سواءً كانت العين منقولة او غير منقولة . فلو وقع التخاصم بين ساكن الدار ، وفرد آخر ادعى ملكيتها ، فعلى المدعي البينة ، وليس على الساكن الاثبات لان يده تشهد له بذلك . اما اذا وقع التخاصم بين المالك والمستأجر ، فيكون المستأجر مدعياً وعليه الاثبات او البينة ، والمالك منكِراً لايكلف الاّ باليمين ; لان دلالة اليد على عدم ملكية المنافع مشروطة بعدم معارضة المالك . واذا كانت اليد مختصة في الاموال والمنافع ، فانها لاتختص في ثبوت الانساب والاعراض . فلاتدل اليد على ان المرأة هي زوجة الذي تسكن معه ، بل الذي يدل على ذلك قاعدة حمل فعل المسلم على الصحة . ولاتدل اليد على ان الصبي هو ابن الذي يسكن في بيته ، بل الذي يدل على ذلك هو الاقرار . فلا اثر لليد في ثبوت الانساب والاعراض . ويشترط في وضع اليد على ثبوت الملك امران رئيسيان . اولهما : الجهل بابتداء وضع اليد على العين . فاذا كانت الدار لخالد مثلاً ، ثم بعد فترة انتقل اليها احمد واخذ يتصرف فيها تصرف المالك ولم يعارضه احد ، دل ذلك التصرف على ان الملك لاحمد . اما اذا اعترض المالك الحقيقي على احمد ، فعلى المدعي ـ وهو احمد ـ البينة ؛ وعلى المنكِر اليمينُ . ثانيهما : ان تكون العين بطبيعتها قابلة للتملك والتمليك ، وامثالها البيوت والمصانع والمزارع . اما الاوقاف فانها لاتقبل التملك والتمليك ، فتسقط اليد عن الدلالة على ملكيتها . اليمين الشرعية: وهي وسيلة مهمة من وسائل ثبوت الحكم ضد احد المتخاصمين . وهي كما ترى لاتكشف الواقع ، وانما شرعت لفصل الخصومات بين الافراد في النظام القضائي الاسلامي ، لما لها من قوة ردعية داخلية . ويكون الحالف ـ على الاعم الاغلب ـ منكِراً ، لان وظيفة المنكِر حلف اليمين . وفي بعض الاستثناءات تتجه اليمين على المدعي ، ومثالها الشخص المؤتمن على عين قد تلفت في يده بلا تعدٍّ ولاتفريط ; وقد ترفض اليمين من المنكِر ، كما لو كان وصياً او وكيلاً او ولياً . ويشترط في الحالف : العقل ، والبلوغ ، والاختيار ، وحق الاسقاط فلا تصح اليمين من الوصي والوكيل والولي ، والتبرع فلاتصح من السفيه فيما لاينفذ تصرفه فيه . وموضوع اليمين هو الحقّ المحلوف من اجله ، حيث يشترط صحة الحكم به نفياً او اثباتاً . فلو حلف المنكِر حَكَمَ القاضي ببراءته ، ولو حلف المدعي حكم بثبوت حقه عيناً ، او ديناً ، او ديةً ، او قصاصاً ، عدا حق الله عز وجل . واتفق الفقهاء على ان صيغة اليمين الشرعية محددة شرعاً بوجوه ، مثل : اليمين المقتصر على اسم الجلالة فقط وهو (والله) ، واليمين المفصل : (والله الذي لا اله الا هو السميع العليم) ، لقوله (ص) : (لاتحلفوا الاّ بالله ، ومن حلف فليصدق ، ومن حُلِفَ له فليرض ، ومن لم يرض فليس من الله في شيء)[20] . ويستحب التغليظ في اليمين ، كقوله (والله الذي لا اله الاّ هو الرحمن الرحيم ، الطالب الغالب الضار النافع ، المدرك المهلك ، الذي يعلم من السر ما يعلمه من العلانية ، ما لهذا المدعي عليّ شيء مما ادعاه)[21] . ولايجوز الحلف بغير الصيغة الشرعية . ولايكون الحلف شرعياً ، ما لم يؤديه الحالف مع اذن الحاكم ـ في المحكمة او في اي مكان آخر ـ ; فاذا تعذر حضور الاصل الى المحكمة لعذر شرعي كالمرض مثلاً ، استناب الحاكم من يحلفه اياها ، فيقبل ذلك التحليف كما لو كان في المحكمة . وتنقسم اليمين الى قسمين ، الاول : يمين الانكار . والثاني : يمين الاثبات . وينظوي تحت عنوان يمين الاثبات : اليمين المردودة ، والمنضمة ، والاستظهار . الاول : يمين الانكار ، وهو اجابة المدعى عليه بالسلب والانكار لما يدعيه المدعي . وفي هذه الحالة يقوم القاضي بالاستفسار من المدعي مرة اخرى ، هل لديك بيّنةٌ ام لا ؟ فاذا عرض البينة فذاك ، والاّ عرض القاضي على المدعى عليه الحلف على خصمه . والطلب من المدعى عليه بالحلف ، حق من حقوق المدعي ، فلايجوز للحاكم اجبار المدعى عليه باداء اليمين الشرعية . وكذلك لايجوز للمنكِر التسرع باليمين دون طلب القاضي . بمعنى ان تحليف المدعى عليه يجب ان يقع ضمن الضوابط القضائية التي شرعها الاسلام ، ولاريب ان ذلك يحفظ حقوق الطرفين ; لان اعتبار تحليف المدعى عليه كحق خاص بالمدعي ، وعدم جواز تبرع المدعى عليه بالحلف ، يؤدي ـ ربما ـ الى عقد الصلح ، او الى رجوع المنكِر عن موقفه ، او الى غير ذلك مما له مصلحة واقعية في احقاق الحق . واذا حلف المدعى عليه بطلب من المدعي والحاكم سقطت الدعوى ، ولايحق للمدعي المطالبة باي حق من الحقوق ، لقوله (ع) : (ذهبت اليمين بحق المدعي فلا دعوى له)[22] . وفي رواية اخرى ان سائلاً سأله قائلاً : كانت بيني وبين رجل من اليهود معاملة فخانني بالف درهم ، فقدّمته الى الوالي فاحلفته فحلف ، وقد علمت انه حلف يميناً فاجرة ، فوقع له بعد ذلك عندي ارباح ودراهم كثيرة ، فهل اخذها عوضاً عن مالي ؟ فكتب (ع) : (لاتأخذ منه شيئاً ، ان كان ظلمك فلاتظلمه . ولولا انك رضيت بيمينه فحلفته لامرتك ان تأخذ مما تحت يدك ، ولكنك رضيت بيمينه ، وقد ذهبت اليمين بما فيها)[23] . والخلاصة ، ان للمدعي ثلاثة خيارات . الاول : ان يبرز البينة على دعواه . والثاني : القبول بيمين المنكِر . والثالث : اسقاط الدعوى ورفع يده عنها . وللمدعى عليه خياران . الاول : حلف اليمين . والثاني: النكول عن اليمين. وبالتالي فليس للمدعي رفض يمين خصمه وعدم اقامة البينة ، وليس للمدعى عليه النكول ورفض بيّنة المدعي. بمعنى ان القاضي لابد ان يصل الى الحكم باي شكل من الاشكال. وبتعبير ثالث ان الحاكم ولي عن المنكِر ، فان امتنع عن اداء الحق قهره عليه لصالح المدعي . فان حلف المنكِر سقطت الدعوى ، وان اقام المدعي البينة وحلف كان الحق الى جانبه . الثاني : يمين الاثبات ، وهي على ثلاثة اقسام كما ذكرنا : المردودة ، والمنضمة، والاستظهار. واليمين المردودة ، وهي اليمين التي يؤديها المدعي بعد ان رفضها المدعى عليه ، ونوضحها بالشكل التالي : اذا رد المنكِر ، اليمين على المدعي ، وكان المدعي جازماً بدعواه ، وكان اصيلاً اي لا وكيلاً ولا وصياً ولا ولياً ; فاذا حلف ذلك المدعي ، ثبتت دعواه وحكم القاضي بحقه على المدعى عليه . اما اذا نكل المدعي وامتنع عن حلف اليمين المردودة سقطت الدعوى بشكل نهائي . واذا نكل المنكِر ، وامتنع عن الحلف والرد معاً ، قال اكثر فقهاء الامامية ان الحاكم لايقضي بالنكول ، وان عليه رد اليمين من تلقائه على المدعي «ان اراد تحصيل حقه بلا خلاف اجده فيه ، بل للاجماع بقسميه عليه ، وهو الحجة بعد النصوص المستفيضة او المتواترة»[24] . واليمين المنضمة ، هي التي تضم الى شهادة شاهد واحد ، او الى شهادة امرأتين لاثبات الحقوق المالية، وهي الدين ، والغصب ، والرهن ، والوصية بالمال ، وعقد المعاوضة ، والجناية الموجبة للدية فقط ، للرواية القائلة بان رسول الله (ص) كان يقضي بشاهد واحد مع يمين المدعي ، ولايبطل حق مسلم ، ولايرد شهادة مؤمن[25] . ورواية ثانية بان رسول الله (ص) أجاز شهادة النساء مع يمين الطالب في الدَين يحلف بالله ان حقه لحق[26] . ويمين الاستظهار ، وكيفيتها : ان الميت لو ترك اموالاً في ايدي الورثة ، فان دعواهم على ذلك الميت تسمع بشأن الحقوق المالية ، ومثلها التثبت من بقاء الدَين في ذمة الميت الى حين الوفاة . ولكن لايثبت ذلك الدَين الاّ بالبينة ، ويمين المدعي معاً . وهذا هو معنى يمين الاستظهار . ويشترط فيها ان المدعي يجب ان يكون جازماً بدعواه وان يكون اصيلاً ، وتصح اذا كانت تلك اليمين بطلب الحاكم دون الوارث . واذا لم يكن لصاحب الدين على الميت الاّ شاهد واحد حُلّف مرتين ، الاولى : اليمين المتممة للبينة ، والثانية : يمين الاستظهار . واذا تبين كذب الحالف ، فان اقر بالكذب على نفسه انتقض الحكم المبني على اليمين ، وجاز لصاحب الحق مطالبة الحالف واستيفاء حقه . اما اذا عُلِم كذبه بدلائل اخرى غير الاقرار ، فلا يحق لصاحب الحق مطالبته ، الا اذا نقض القاضي الحكم . العرف: ولاشك ان الشريعة الاسلامية كانت قد لاحظت عادات الناس اثناء التشريع . فرفضت بعضها وأقرّت البعض الآخر . فاذا أمضت ما جرت عليه عادة الناس في بيعهم وشرائهم وسائر معاملاتهم ، اعتبر هذا الامضاء اجازة شرعية للعرف الاجتماعي . بمعنى انه لو جرت عادة العرف على الاقرار بممارسة معينة ، ولم يأت الردع من الشارع تجاه ذلك العمل ، اعتبر ذلك امضاءً من الشارع . وعليه ، فان العرف ليس مصدراً من مصادر التشريع ، ولايعتبر حقيقة شرعية ؛ بل ان دوره هنا ، معرفة الموضوع وتشخيص المعنى الذي تعلّق به الحكم الشرعي . فيتعين في تفسير قوله (ص) : (لا ضرر ولا ضرار) مثلاً ، تشخيص الضرر بالرجوع الى العرف الاجتماعي ، لان تشخيص الضرر شبهة موضوعية موكولة الى ما تعارف الناس عليه . ولايعتبر العرف اصلاً من اصول الاثبات في القضاء ولا مصدراً من مصادر القضاء ، لانه ليس من الحقائق الشرعية ، بل يعتبر وسيلة من وسائل معرفة الشبهة الموضوعية المختلَف عليها بين المتخاصمَين . فاذا باع الفرد بستاناً ، واختُلف في اندراج الحائط ضمن المبيع مثلاً ، رجع فيها الى العرف الاجتماعي لتحديد ذلك . واذا باع الفرد داراً ، واختلف في تضمن البيع للبئر الواقعة في حديقتها ، رجع فيها الى العرف ايضاً . و«اذا باع شجرة عليها ثمرة فالثمرة للبائع على كل حال الا ان يكون عرف يقتضي الخروج»[27] . وعلى ضوء ذلك يمكن القول بان العرف الاجتماعي انما هو وسيلة من وسائل الوصول الى معرفة الحق عن طريق تشخيص الشبهة الموضوعية ، ولكنه ليس اصلاً من اصول الاثبات القضائي . الاستفاضة: اما الاستفاضة ، فهي الشياع والتسامح بين جماعة يستبعد اتفاقهم او تواطؤهم على الكذب لامر ما بمعنى واحد . فيحصل نتيجة قولهم الاطمئنان بصدق الشياع . كأن يشاع ان هذا العقار وقف ، او ان فلاناً عالم ، او ذلك البستان مغصوب . والاصل في الاستفاضة ابتناؤها على الصدق . ولذلك ، فان الشهادة بالاستفاضة امام القاضي تجوز مطلقاً ، بشرط ان يحصل العلم من الشياع ، لان العلم حجة مهما كان مصدره . اما اذا لم يحصل العلم من الاستفاضة ، فان الشهادة لاتجوز الاّ في مواضع : كالنسب ، والملك المطلق (عدم معرفة سبب نشوء الملك) ، والوقف ، والزواج ، والموت ، والعتق ، والولاء . واذا ثبتت الاستفاضة عند القاضي وجب عليه القضاء بها ، بالشروط التي ذكرناها . وعليه ، فان الاستفاضة وسيلة من وسائل الاثبات الشرعية في القضاء ، يعتمد عليها القاضي في الحكم . اما العرف فانه موصل لمعرفة الحقائق ولايعتمد عليه القاضي في الحكم ، بل يستفيد منه كطريق لمعرفة معاني الالفاظ المستخدمة في النظام الاجتماعي . مشاكل قضائية ولابد للنظام القضائي من مواجهة مشاكل وتعقيدات القضايا الجنائية والحقوقية الحديثة ، والحكم عليها ، لان المساهمة في معالجة تعقيد وتشابك الحيثيات الجنائية تعني قدرة النظام القضائي على التعامل مع هذه الجنايات بدقة وكفاءة . وهذا لايتم ما لم يتسلح النظام القضائي باصول وقواعد ينبغي ادراكها وفهمها من قبل القاضي قبل اصدار الحكم، امثال: تعارض البينتين، والرجوع عن الشهادة، وشهادة الزور، والاختلاف في الشهادات ، والتعارض بين البينة واليد ، والتداعي وترجيح البينات . فعلى صعيد تعارض البينتين ، وهو «تمانعها في الحكم بحيث لايمكن الجمع بينهما فيه»[28] ، يكون العمل باحدهما مستلزماً لتكذيب الاخرى كأن تشهد البينة الاولى ببيع الدار لعلي صباح يوم الجمعة مثلاً ، وتشهد البينة الثانية ببيع الدار لحسن في نفس اليوم وفي نفس الوقت . اذا حصل ذلك تجري عملية الترجيح بالعدالة والعدد من قبل القاضي . فتُقدَّم البينة ذوي الشهود الاعدل والاوثق على غيرها . وان تساوتا بالعدالة والوثاق تقدم البينة الاكثر عدداً . وان تساوتا عدالة وعدداً تجري القرعة بينهما . والفائز بالقرعة يحلّف ويقضى له . فاذا امتنع الفائز عن اداء اليمين حلّف الآخر وقضي له . وان نكلا قضي بالعين مناصفة بين الاثنين . ويتحقق التعارض بين البينتين على اصعدة مختلفة منها ، اولاً : اذا كان في البينة الاولى شاهدان ، والبينة الثانية شاهدان ، ثانياً : اذا كان في البينة الاولى شاهد وامرأتان ، وفي الثانية شاهد وامرأتان . ثالثاً : اذا كان في البينة الاولى شاهدان ، وفي الثانية شاهد وامرأتان . ولكن لايتحقق التعارض بين البينتين ، اذا كان في البينة الاولى شاهد ويمين ، وفي الثانية شاهدان . او كان في الاولى شاهد ويمين وفي الثانية شاهد وامرأتان . لان الشاهد واليمين لايصدق عليهما اسم البينة ، فلا يقع التعارض حينئذ . وعلى صعيد الرجوع عن الشهادة ، فان رجع الشاهدان عن الشهادة قبل الحكم احجم الحاكم عنه، وان رجعا بعد الحكم لم ينتقض ـ حتى ولو لم ينفذ ـ لان الرجوع يحتمل فيه الكذب والصدق . فاذا شهد شاهدان بان زيداً طلّق زوجته ، وحكم القاضي بالطلاق ، ثم رجع الشاهدان عن الشهادة بذلك ، لاتعود المرأة الى زوجها. ولاشك «ان الشاهدين على ما يثبت بهما اذا رجعا معاً عن شهادتهما بعد الحكم بها واستيفاء المال ، ضمنا بالسوية لتساويهما في التسبب المقتضي لذلك . فان رجع احدهما ضمن النصف»[29] . وعلى صعيد شهادة الزور ، فلو تبين ان الشاهدين شهدا زوراً وكذباً انتقض الحكم ، حتى بعد التنفيذ لمكان العلم بمخالفة الواقع ؛ لان حكم القاضي لايحلل حراماً ، ولايحرم حلالاً. بل ان الاصل في الحكم هو احقاق الحقّ وابطال الباطل ، وكل حرام باطل . واذا علم المدعي او المدعى عليه ان حكم القاضي كان مخالفاً للواقع فلايجوز له العمل به . واذا ذهب المحكوم الى قاض آخر لاستئناف الحكم مدعياً ان القاضي الاول حكم عليه بالظلم والفساد ، وثبت للقاضي الثاني ان الاول قد قصّر في الاجتهاد ، وخالف الادلة الشرعية القطعية وجب عليه نقضه وابطاله . وهذا الاصل القضائي الاسلامي هو اساس فكرة محاكم الاستئناف ، التي اعتمدتها المذاهب القضائية الرأسمالية الحديثة[30]. ويمثل قول سيد الانبياء محمد (ص) اعظم اصول القضاء في تاريخ الانسانية جميعاً : (ايها الناس انما انا بشر وانتم تختصمون ، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض ، وانما اقضي على نحو ما اسمع منه ، فمن قضيت له من حق اخيه بشيء فلا يأخذ به ، فانما اقطع له قطعة من النار)[31] . فيكون بذلك ، الرادع الداخلي هو القاضي الحقيقي الذي يقضي بالحق بين الافراد في النظام الاسلامي . وعلى صعيد الاختلاف في الشهادات ، فان الشريعة تشترط توارد وتطابق الشاهدين على معنى واحد ، حتى لو اختلف اللفظان . فلابد من تضافر شهادة العدلين على فعل واحد ، وصفة واحدة ، وزمان واحد، ومكان واحد ، لان التناقض في اقوال الشهود مسقط للشهادة . ومثال ذلك ان يشهد الشاهد الاول على انه شاهد خالداً يقتل عمراً في السوق الفلاني صباح الاثنين . وقال الشاهد الثاني انه عندما خرج من بيته صباح يوم الاثنين لشراء حاجة من ذلك السوق الفلاني شاهد خالداً يقتل عمراً . فتؤخذ شهادة هؤلاء لامكان التطابق على معنى واحد ، مع اختلاف اللفظ . وعلى صعيد التعارض بين البينة واليد ، فان الفقهاء يمثلون لها بالمثال التالي : ان داراً كانت في يد زيد مثلاً ، ثم ادعى عمرو ان تلك الدار ملك له . فان كانت لعمرو بينة حكم له ، ومع عدمها يحلّف زيد ، ويسمى بـ (صاحب اليد) ، وترد الدعوى . فان نكل زيد عن اليمين فهي للمدعي بعد يمينه ، فان نكل سقطت الدعوى . وان أقام كل منهما البينة ، ذهب المشهور بين فقهاء الامامية ان بينة الخارج (عمرو) مقدمة على بينة صاحب اليد (زيد) ، بشرط ان البينتين اللتين شهدتا بالملك المطلق متساويتان بالعدالة والعدد . واستدل على ذلك بان البينة وظيفة المدعي (عمرو) ، واليمين وظيفة المنكِر (زيد) . فالبينة على الاول ، ومتى ما اقامها قبلت ، لانها مطلوبة منه بالاصل . وعلى صعيد التداعي وترجيح البينات ، فان تنازع المتداعيان على عين لا يد لاحدهما عليها ، كقطعة ذهب وجداها مثلاً ، واختلفا على ملكيتها ، ينظر القاضي ، فاذا لم يكن لاحدهما بينة تعرض عليهما اليمين، فان حلف الاول ونكل الثاني فهي للحالف ، وان حلفا معاً فهي بينهما مناصفة. وان كان للاول بينة دون الثاني فهي لصاحب البينة ، وان اقام كل منهما بينة ، ثبت الترجيح بالعدالة والعدد ، فتقدم بينة الاعدل شهوداً على غيرها . وان تساوتا في العدالة قدمت البينة الاكثر عدداً . ومع التساوي في العدالة والعدد قرع بينهما ، ثم يُحلّف الفائز بالقرعة ويُقضى له . وان امتنع الفائز عن اليمين حُلّف الخاسر في القرعة وقُضي له ، وان نكلا معاً بعد تساوي البينتين قُسّمت العين بينهما بالنصف . اما في حالة التنازع على عين في يد كلّ منهما ، فان كان لاحدهما بينة دون الآخر فهي له . وان اقاما البينة قسمت بينهما دون النظر الى عملية الترجيح في العدالة والعدد ، لان كليهما صاحب يد على النصف ، وكليهما صاحب بينة . والامثلة التي جئنا بها هنا ، هي مجرد نماذج للمشاكل القضائية التي تواجه القاضي عند استلامه منصة القضاء . ولكن الاجتهاد في استنباط الاحكام الشرعية والخبرة الشخصية ، توصل القاضي الى معرفة الحق ، وتشخيص الباطل ، حيث يترتب عليها انزال العقوبة بالمذنب او تبرئة ساحة البريء . عقد الكفالة وهو تعهد من الكفيل للمكفول له (المدعي او القاضي) باحضار غريمه (المدعى عليه) متى طلب منه ذلك . والاصل فيها الاستوثاق من حضور المدعى عليه وقت المحاكمة . بمعنى «ان المتيقن من مورد الكفالة التعهد باحضار النفس المستحق عليها الاحضار بسبب حق ، ولو لدعوى المكفول له عليها . نعم لايصح في الحدود لقول الرسول (ص) : (لا كفالة في حد)»[32] . ومن اركانها : اولاً : العقد ، ويتحقق بالايجاب من الكفيل . وثانياً : القبول من المكفول له . وقد اجمع فقهاء الامامية على اعتبار رضا الكفيل والمكفول له . واختلفوا في رضا المكفول (المدعى عليه) ، ولكن المشهور عدم اعتباره . ومن شروط الكفالة : اولاً : ان يكون الكفيل عاقلاً بالغاً له القدرة على احضار المكفول . فلا تجوز كفالة الفرد الضعيف للمدعى عليه القوي . ثانياً : ان يكون المكفول مدعى عليه بحق من الحقوق المالية او الجنائية ، حيث لا تصح الكفالة في حقوق الله عز وجل «لان الكفالة للتوثيق ، وحقوق الله مبنية على الاسقاط ، وينبغي السعي في دفعها ما امكن»[33] . ثالثاً : ان يكون المكفول معيّناً ، فلايجوز بناء الكفالة على احد هذين مثلاً ، لان الهدف من الكفالة احضار المكفول بعينه . رابعاً : قيل انه يشترط التنجيز في الكفالة، فلا يصح ان يقول الكفيل : انا كفيل باحضاره ان لم يحضر ، لان الاصل في الكفالة الجزم، ولاجزم مع التعليق. ويشترط العلم بالجناية او الدَين المطلوب به المكفول ، لان الكفالة متعلقة باحضاره ، لا بالحق المتعلق بذمته . ومتى تمت الكفالة ، لايجوز للكفيل ولا المكفول له الفسخ او العدول ، بل يجوز لهما التقايل . والمراد من الاقالة ، اتفاق المتعاقدين على نقض العقد وفسخه بعد الابرام . واتفق الفقهاء على ان الكفالة تصح مؤجلة ، والمشهور انها تصح معجلّة ايضاً ، لعموم ادلة الكفالة . واذا عُيّن مكان خاص للتسليم تعين ذلك المكان شرعاً ، وهو قاعة المحكمة غالباً . ويجب على الكفيل الحضور مع المكفول اذا طلب المكفول له ذلك وقت الكفالة ، لان الكفيل بمنـزلة الاصيل . واذا حضر المكفول مع الكفيل في الوقت والمكان المحدد برئت ساحة الكفيل من حق الكفالة ، لان الكفالة متعلقة باحضار الغريم فحسب . و«لا يصح ضمان مال ولا نفس الاّ بأجل . ومن ضمن لغيره نفس انسان الى اجل معلوم بشرط ضمان النفوس ، ثم لم يأت به عند الاجل ، كان للمضمون له حبسه حتى يحضر المضمون ، او يخرج اليه مما عليه . ومن ضمن غيره الى اجل ، وقال : ان لم آت به كان علي كذا ، وحضر الاجل ، لم يلزمه الا احضار الرجل»[34] . فان امتنع الكفيل عن احضار المكفول ، رفع الامر الى القاضي . فان كان الكفيل قادراً على احضار المكفول ، ولكنه امتنع تمرداً وتحدياً على ارادة القضاء ، حُبس الكفيل حتى يحضر المكفول ، كما ورد في رواية مرفوعة الى ابي عبد الله (ع) ، قال : اتى امير المؤمنين (ع) برجل قد تكفل بنفس رجل فحبسه، وقال : (اطلب صاحبك)[35] . وان كان الكفيل عاجزاً عن احضار المكفول ، ولكنه كان قادراً على الوفاء بحق المدعى عليه المالي بعد ثبوته ، امره القاضي به ، فان امتنع جاز حبسه ، لان الكفيل وثيقة على الحق المسلوب . واذا ارتفع موضوع الكفالة ، بوفاة المكفول برئت ساحة الكفيل من الكفالة . وكذلك تبطل الكفالة بموت الكفيل . واذا مات المكفول له ، فان الحقّ ينتقل الى ورثته ، حيث ان لهم الحق في مطالبة الكفيل باحضار المكفول . و«الفرق بين الكفالة والضمان ، ان الكفالة لم تتعلق بالمال بالذات ، وحكم الكفيل بالنسبة الى المال حكم الاجنبي ، فاذا اداه باذن المديون فله الرجوع ، بخلاف الضامن لانتقال المال الى ذمته بالضمان ، فلا ينفعه بعده الاذن في الاداء ، لانه كأذن البريء للمديون في اداء دينه . واما اذنه في الكفالة اذا تعذر احضاره ، واستئذانه في الاداء فذلك من لوازم الكفالة والاذن فيها اذن في لوازمها»[36]. بمعنى آخر ، ان الكفالة تتعلق بالنفس ولم تتعلق بذمة الكفيل بالمال ولم تشتغل به . اما في حالة الضمان فان المال ينتقل الى ذمة الضامن بمجرد الضمان. وهذا الاختلاف هو من اهم الفوارق بين الكفالة في النظام القضائي الاسلامي ونظيره الرأسمالي . فالكفالة في الاسلام متعلقة بالنفس ، وكفالة النظام الرأسمالي متعلقة اصلاً بالمال[37]. عقد الصلح وهو عقد شرعي لقطع التخاصم بين فردين متنازعين ، عن طريق التراضي بينهما قبل الترافع الى القاضي . و«تدل النصوص على كونه عقداً مستقلاً بنفسه ، لايتوقف على سبق خصومة ، مثل البيع وغيره من العقود»[38] . لقوله تعالى : (وإن امرأةٌ خافت من بعلها نُشُوزاً او إعراضاً فلا جُناحَ عليهما ان يُصلِحا بينَهُما صلحاً والصلحُ خيرٌ)[39] . و«الصلح عند علمائنا عقد قائم بنفسه ، وليس فرعاً على غيره بل هو اصل في نفسه منفرد بحكمه ولايتبع غيره من الاحكام لعدم الدليل على تبعيته على الغير ، والاصل في العقود الاصالة»[40] . ويقوم الصلح على اساس الصيغة ، والمصطلحَين ، والعوض المصطلح عليه . والدليل على شرعية الصلح منبثق من قوله تعالى: (وإن طائفتانِ من المؤمنينَ اقتتلوُا فأصلِحُوا بينهما)[41]، (والصلحُ خيرٌ)[42]، و(ادخُلُوا في السِّلمِ كاّفةً)[43] ، والمروي عن رسول الله (ص) : (الصلح جائز بين المسلمين الاّ صلحاً أحل حراماً ، او حرم حلالاً)[44] . ولاشك ان الصلح ، عقد قائم بذاته ومنفرد بحكمه ، لان الاصل في العقود الاستقلال وعدم التبعية ، كما ذكرنا ذلك سابقاً . ولكن عقد الصلح يلتقي مع بعض العقود ، كالاجارة ، والعارية ، والهبة ، ويفترق عنها جميعاً بخصوصية قطع المنازعات ، ونقل الاعيان والمنافع ، وابراء الذمة . ويشترط في شرعية الصلح بعض الشروط ومنها : اولاً : العقد ، حيث ينعقد بتوافق الايجاب والقبول. ويصح بكل ما تراضى عليه الطرفان ، وليس له لفظ معين خاص به . فيصح قول المدعي : صالحتك على ما ادعيه عليك بكذا وكذا ، فيقول المدعي عليه : قبلت . ثانياً : ان يكون المصالح عنه وعليه موجوداً ومشروعاً ، ولايحلل حراماً ، ولا يحرم حلالاً . ثالثاً : ان تكون الشروط الشرعية لكلا الطرفين متحققة كالعقل والبلوغ والرشد . ولاريب ان الصلح مبني على التسامح . وتنازل المحق عن بعض حقوقه طلباً للخير والصلاح لابأس به، لخصوص الصحيح عن الامام الصادق (ع) انه قال في رجلين كان لكل واحد منهما طعام عند صاحبه ، لايدري كلّ منهما كم له عند صاحبه ، فقال كل منهما للآخر : لك ما عندك ، ولي ما عندي ؟ :(لابأس بذلك اذا تراضيا ، وطابت به انفسهما)[45] . ومع ان الصلح يصلح الظاهر ، الا ان المعيار في صحته واقعاً هو ايصال الحق الى اهله . فلو وقع الصلح بعد الانكار ، وكان المدعي عالماً بكذب دعواه ، وانما صالحه المدعى عليه اتقاء للخصومة والنـزاع، يصح الصلح ظاهراً ويبطل واقعاً. بمعنى انه يحرم على المدعي الكاذب اكل المال الذي وقع الصلح عليه. ويحرم على المدعى عليه ايضاً ، اذا كان عالماً بكذبه ، اكل المال الذي وقع الصلح عليه ، للنص عنه (ع) : (اذا كان للرجل على الرجل دَين ، فماطله حتى مات ، ثم صالح ورثته على شيء فالذي اخذه الورثة لهم ، وما بقي فهو للميت يستوفيه منه في الآخرة فان لم يصالحهم على شيء حتى مات ، ولم يقض عنه فهو كله للميت يأخذه به)[46] . وقد اتفق الفقهاء على ان الصلح عقد ملزم لكلا الطرفين ، فلايجوز لاحدهما العدول دون رضا الآخر. و«كل خيار يثبت في البيع فانه يثبت في الصلح اذا كان دليله قاعدة نفي الضرر ، او غيرها مما يصلح لتناول الصلح كخيار الغبن ، وتخلف الوصف ، وعدم الوفاء بالشرط ، واشتراط الخيار ، ونحو ذلك بخلاف ما اختص دليله بالبيع ، كخيار المجلس والحيوان»[47] . ولو ظهر في العين عيب فانه يجبر بالفسخ . واذا كان الحق المتنازع فيه لايمكن حسمه الاّ بتنازل احد الطرفين عن تمام حقه ، او كلّ منهما عن جزء منه ، يتوجب على القاضي ان يتولى عملية القسمة بينهما قهراً ، وهو مايسمى بالصلح القهري ، ويشترط فيه العدل والانصاف . (تليها صفحات 182 - 206)
اللاحق صفحة التحميل الصفحة الرئيسية [1] سورة النور: الآية 4. [2] سورة النور: الآية 13. [3] التهذيب ج 6 ص 264. [4] الكافي ج 7 ص 390. [5] المسالك – باب الشهادة. [6] من لا يحضره الفقيه ج 3 ص 33. [7] الوسائل ج 18 ص 197. [8] الكافي ج 7 ص 404. [9] الجواهر ج 41 ص 170. [10] نيل الاوطار ج 7 ص 104. [11] شرائع الاسلام ج 4 ص 77. [12] شرائع الاسلام ج 4 ص 76. [13] سورة البقرة: الآية 283. [14] الجواهر ج 41 ص 217. [15] سورة الفرقان: الآية 72. [16] من لا يحضره الفقيه ج 3 ص 35. [17] التهذيب ج 6 ص 259. [18] الكافي ج 7 ص 384، والجواهر ج 40 ص 225. [19] الكافي ج 7 ص 387. [20] سنن ابن ماجة ج 1 ص 679. [21] شرائع الاسلام ج 4 ص 87. [22] التهذيب ج 6 ص 231. [23] الكافي ج6 ص 430. [24] الجواهر ج 40 ص 176. [25] الوسائل ج 18 ص 197. [26] من لا يحضره الفقيه ج 3 ص 33. [27] الجواهر – باب المتاجر. [28] التنقيح الرائع ج 4 ص 279. [29] الجواهر ج 41 ص 238. [30] وودفورد هاورد – محاكم الاستئناف في النظام القضائي الفيدرالي. برنستون: مطبعة جامعة برنستون، 1981م. [31] التفسير المنسوب للامام الحسن العسكري ص 302. [32] الجواهر ج 26 ص 186. [33] مفتاح الكرامة ج 5 ص 430. [34] النهاية ص 315. [35] الكافي ج 1 ص 357. [36] شرح اللمعة ج 4 ص 154. [37] ام اوزان وآخرون – نحو نظرية في مخاطر الكفالة. مقالة علمية في مجلة (علم الاجرام) ، عدد 18، 1980م. ص 149- 160. [38] الجواهر ج 26 ص 211. [39] سورة النساء: الآية 128. [40] تذكرة الفقهاء للعلامة الحلي – كتاب الصلح. [41] سورة الحجرات: الآية 9. [42] سورة النساء: الآية 128. [43] سورة البقرة: الآية 208. [44] من لا يحضره الفقيه ج 3 ص 20. [45] من لا يحضره الفقيه ج 3 ص 21. [46] الكافي ج 1 ص 403. [47] الجواهر ج 26 ص 229.
|