(ص 152 - 181)

اصول الشهادة في الحقوق والحوادث

          ويختلف عدد الشهود من حادثة لاُخرى ، ومن حق لآخر . ففي الجرائم الخلقية كالزنا واللواط والسحاق ، تثبت الجناية بشهادة اربعة رجال . وفي حقوق الله المالية كالزكاة والخمس ، وغير المالية كالحدود، وحقوق الناس غير المالية كالاسلام وتزكية الشهود وجرحهم ، تثبت بشهادة رجلين . وفي حقوق الناس المالية تثبت بشهادة رجلين ، او رجل وامرأتين ، او رجل ويمين . وفي ما يعسر اطلاع الرجال عليه، كالبكارة والولادة والعيوب ، يجوز شهادة النساء منضمات او منفردات عن الرجال ، بالاجماع . وفي كل هذه الحالات تفصيل .

          فعلى صعيد الجنايات الخلقية ، تثبت الجناية بشهادة اربعة رجال في الزنا ، كما ورد في النص المجيد: (والذين يَرمُون المحصناتِ ثم لم يأتوا باربعةِ شهداءَ فاجلِدُوهُم ثمانينَ جلدةً)[1] ، و(... لولا جاءوا عليه باربعةِ شهداءَ)[2] . ولاتدل الآية الكريمة على انحصار الشهادة بالرجال ، بل ورد تحديد عدد الشهداء دون ذكر جنس الشاهد ، الا ان الرواية المروية عن الامام الصادق (ع) تفصل القول في ذلك: (انه يجوز في الرجم شهادة ثلاثة رجال وامرأتان ، ولايجوز في ذلك شهادة رجلين واربع نسوة)[3] . والمحصل من هذه الرواية ومن روايات اخرى ان الشهادة في الزنا وما يترتب عليها من رجم تثبت باربعة رجال او ثلاثة رجال وامرأتين. اما في الجلد فتثبت باربعة رجال ، او ثلاثة وامرأتين ، او رجلين واربع نسوة[4] . وفي اللواط والسحق تثبت باربعة رجال فقط ، ولاتقبل شهادة النساء .

          وعلى صعيد حقوق الله المالية: كالزكاة ، والخمس  ، والكفارات ، والنذور ، وغير المالية: كحد القذف ، والارتداد ، والسرقة ، فتثبت بشهادة رجلين ، ولاتقبل فيه شهادة النساء . و«لافرق في حقوق الله تعالى بين كونها مالية ، كالزكاة والخمس والكفارة ، وبين غيرها كالحدود . وقد دلّ على عدم قبول شهادة النساء في الحدود روايات ... واما حقوق الله المالية فليس عليها نص بخصوصها ، ولكن لما كان الاصل في الشهادة هو شهادة الرجلين ، وكان مورد الشاهد واليمين ، والشاهد وامرأتين هو الديون ونحوه من حقوق الآدميين اقتصر على مورده ، وبقي غيره على الاصل»[5] .

          وفي حقوق الافراد غير المالية ، كتزكية الشهود او جرحهم ، وثبوت اسلام الفرد ، فانها تثبت برجلين ، ولاتقبل فيه شهادة النساء . والمشهور بين فقهاء الامامية ايضاً ان الطلاق، والخلع، والنسب، والوكالة ، ورؤية الهلال تثبت بشهادة رجلين .

          اما في حقوق الافراد المالية كالديون ، والرهون ، والوصايا بالمال ، وعقود المعاوضات ، والغصب ، فتثبت بشهادة رجلين ، او رجل وامرأتين ، او رجل ويمين ، لاجازته (ص) شهادة النساء مع الرجل في الدَين[6] ، وقوله (ع) : (كان رسول الله (ص) يقضي بشاهد واحد مع يمين المدعي)[7] .

          وعلى صعيد ما يعسر اطلاع الرجال عليه كالعيوب والبكارة والثيبوبة واستهلال المولود ، تجوز شهادة النساء على الاطلاق ، كما ورد في احدى الروايات : (انه جيء الى علي امير المؤمنين بامرأة بكر زعموا انها زنت ، فأمر النساء فنظرن اليها ، فقلن: هي عذراء ، فقال: ما كنت لاضرب من عليها خاتم من الله [يعني العذرية])[8] ، الى غير ذلك من النصوص . و«ضابطه ما يعسر اطلاع الرجال عليه غالباً بلا خلاف اجده في ثبوت ذلك بشهادتهن منفردات كما اعترف به في كشف اللثام ، لمسيس الحاجة وللروايات المعتبرة المستفيضة»[9] .

 دور القاضي في قبول اهلية الشهود:

          وعندما تقام الدعوى من قبل المدعي ضد المدعى عليه ، يقوم القاضي اولاً بتشخيص المدعي والمدعى عليه . ثم يقوم بتخيير المدعي بين اقامة البينة وبين تحليف خصمه (المدعى عليه) . فاذا كان المدعي لايمتلك بينة يقوم القاضي بتخيير المدعى عليه (المنكِر) ، بين حلف اليمين او اقامة البينة على براءته بموجب اصول الاثبات الشرعية . فان جاء المدعى عليه بالبينة على براءته ، مثلاً شاهدين عدلين ، التفت القاضي للمدعي قائلاً : ان كان عندك ما يقدح في الشهادة فبينه ، فان طلب المدعي الامهال امهله ثلاثة ايام ، فان جاء ببينة جديدة فذاك ، والاّ فان على القاضي الحكم بما تستدعيه الشهادة التي جاء بها المدعى عليه .

          ولما كانت الشهادة من اهم اصول الاثبات الجنائي والحقوقي ، فان معرفة اوصاف الشهود ، تعتبر الحجر الاساس في اجراء محاكمة نزيهة عادلة . ولذلك فان القاضي في النظام الاسلامي يبذل كل ما في وسعه لمعرفة اهليّة الشهود في الادلاء بشهاداتهم . فمن مسؤوليته الرئيسية ان يعلم من سير الادلاء بالشهادات مدى مطابقة تلك الشهادات للدعوى او الواقع الذي تمت فيه الجناية ، وهل ان تلك الشهادة مبنية على الاثبات او على النفي ، او على التبرع او على المسؤولية التحملية والادائية ، او على اليقين ، او على الظن ، او على العداوة او على الصداقة ، او على القرابة النسبية او على غيرها .

          ومن المفترض ان يكون القاضي على اطمئنان بان الشاهد الواقف امامه انما يشهد عن علم لا عن وهم وظن واحتمال . لان الاصل في الشهادة ، المشاهدة وهي العلم بالمشهود. ومع ذلك ، فان القاضي لايكون ملزماً بقبول الشهادة مجردة عن القرائن الاخرى المصاحبة لمجرى القضية الجنائية. بل ان آداب الشريعة تقتضي بان يفسح القاضي المجال للشاهد بالادلاء بشهادته بحرية تامة الى ان ينتهي ، فان توقف فلا يرغّبه في الاقدام ، وان اقدم فلا يجيبه في الاحجام في الحقوق الخاصة بالمولى عز وجل. ولابأس ان يقوم القاضي بالاستفهام من الشاهد بصيغة السؤال او اي صيغة اخرى حتى يتوصل الى اكتشاف الحق . و«يكره للحاكم ان يعنّت الشهود اذا كانوا من ذوي البصائر والاديان القوية ، مثل ان يفرق بينهم ، لان في ذلك غضا منهم ، ويستحب ذلك في موضع الريبة . ولايجوز للحاكم ان يتعتع الشاهد ، وهو ان يداخله في التلفظ بالشهادة فيدخل معه كلمات توقعه في التردد او الغلط ، بان يقول الشاهد : انه اشترى كذا ، فيقول الحاكم : بمائة ، او في المكان الفلاني ; او يريد ان يتلفظ بشيء ينفعه فيداخله بغيره ليمنعه من اتمامه ونحو ذلك . او يتعقبه بكلام ليجعله تمام ما يشهد به ، بحيث لولاه لتردد ، او اتى بغيره . بل يكف عنه حتى ينهي ما عنده ، وان تردد . ولو توقف في الشهادة ، لم يجز له ترغيبه الى الاقدام على الاقامة ولا تزهيده في اقامتها . وكذا لايجوز ايقاف عزم الغريم عن الاقرار ، لانه ظلم لغريمه . ويجوز ذلك في حقوق الله تعالى ، فان الرسول (ص) قال لماعز عند اعترافه بالزنا : (لعلّك قبّلتها ، لعلك لمستها)[10] وهو تعريض بإيثار الاستتار»[11] .

          ولابد للقاضي ايضاً من احراز وجود الشروط التي ينبغي توفرها في الشاهد ، بالحس او الدليل ، وهي كما ذكرنا سابقاً: العقل ، والبلوغ ، والاسلام ، والعدالة ، والضبط ، وعدم العداوة ، وعدم النسب في الحدود . والشك في الشرط يستدعي الشك فيما هو شرط فيه ، وبذلك يستدعي الحكم بعدم وجوده. وعليه، فان على القاضي التثبت من شروط الشاهد ، واي شك في شرط من الشروط يعني انتفاء ذلك الشرط.

          فيثبت العقل والبلوغ والضبط من ظاهر الحال ، لانها من المسائل الموضوعية التي يترك تقدير الدليل الى معرفتها للقاضي . وكذلك الاسلام فان اظهاره كاف للثبوت .

          اما عدالة الشاهد ، فهي من اهم الشروط التي ينبغي اثباتها من قبل القاضي . فان تيقن بعدالة الشاهد اخذ بشهادته دون تزكية ، وان جهلها بحث عنها بنفسه ، او امر المدعي بتزكية كل شاهد بشاهدين معلومي العدالة ، لان التزكية من توابع البينة . فاذا عرف الحاكم عدالة الشاهدين حكم ، و«ان عرف فسقهما اطرح ، وان جهل الامرين بحث عنهما . وكذا لو عرف اسلامهما وجهل عدالتهما ، توقف حتى يتحقق ما يبني عليه ، من عدالة او جرح . ولو حكم بالظاهر ، ثم تبين فسقهما وقت الحكم نقض حكمه ، ولايجوز التعويل في الشهادة على حسن الظاهر ، وينبغي ان يكون السؤال عن التزكية سراً ، فانه ابعد من التهمة . ولو اختلف الشهود في الجرح والتعديل ، قُدّم الجرح لانه شهادة بما يخفى على الآخرين . ولو تعارضت البينتان في الجرح والتعديل ، قال في الخلاف : توقف الحاكم . ولو قيل : يعمل على الجرح كان حسناً»[12] .

          وعندما يتم الاستماع الى البينة كاملة من قبل القاضي ، يتوجه الى المدعى عليه سائلاً اياه : اتقدح في شهاداتهم عليك ؟ فاذا أومأ بالايجاب استمع القاضي اليه ، والاّ يقوم القاضي بدراسة القضية واصدار الحكم .

 حالات الطوارئ بعد الشهادة:

          وكما ذكرنا سابقاً ، فان وجوب تحمل واداء الشهادة حتمي ، لان في كتمانها او الامتناع عن ادائها ضرر عام على النظام الاجتماعي ، ومفسدة خاصة على العدالة القضائية . ولكن كتمان الشهادة لايوجب الضمان المالي ، بل يوجب العقاب من الله سبحانه وتعالى ، لقوله عز من قائل : (ولاتكتموا الشهادةَ ومن يكتمها فانه آثمٌ قلبُهُ)[13] .

          اما في حالة موت احد الشاهدين او كليهما بعد اداء الشهادة وقبل الحكم ، فان شهادتهما تبقى صالحة ، «بلا خلاف اجده ، لاصالة بقاء صحتها بعد عدم ما يدلّ على بطلانها بذلك»[14] ، ولان الحكم يستند الى الاداء ، وقد حصل . واذا مات الشاهدان المجهولي الحال ، ثم زكيا بعد الموت ، كشفت التزكية عن صحة الشهادة ، ولزم الحكم بموجبها .

          اما طروء الفسق على العدلين او احدهما ، بعد الشهادة وقبل الحكم ، فينفي جواز الحكم على المدعى عليه اذا كان المشهود به حقاً من حقوق الله ، كحدود الزنا وشرب المسكر ، لظهور الشبهة الدارئة للحدود . واذا كان المشهود به حقاً من حقوق الناس ، كالدين او القرض مثلاً ، اختلف الفقهاء فيه ، ولكن المشهور انه ينفي جواز الحكم ايضاً .

          وعلى صعيد آخر ، فاذا شهد شاهد لقريبه بمال ، وقبل ثبوت الحكم مات المشهود له وانتقل المال المشهود به للشاهد ، تسقط الشهادة ولايجوز الحكم اجماعاً ، لان احد شروط قبول الشهادة ان لاتجلب نفعاً للشاهد .

          ولاريب ان شهادة الزور ، يترتب عليها اضطراب العدالة وفساد الاجتماع الانساني ، ولذلك شدد الاسلام على تحريمها ، كما ورد في قوله تعالى في التعرض لصفة المؤمنين : (والذين لايشهَدُون الزُّور)[15]؛ ويثبت الزور في الشهادة بالقرينة التي تفيد القطع ، بحيث يتيقن القاضي قطعاً بكذب الشاهد بطريقة من الطرق . واذا ثبت الزور في الشهادة انتقض الحكم ، قبل التنفيذ او بعده ، لان الحكم بُني على الفساد. ويضمن الشاهد بسبب ما اتلف في شهادته ، للرواية الواردة عن الامام الصادق (ع) عندما سئل عن شاهد الزور ؟ قال : (ان كان الشيء قائماً بعينه رد على صاحبه ، وان لم يكن قائماً ضمن الشاهد بقدر ما اتلف من مال الرجل)[16] . واذا كان المشهود قتلاً يفعل بالشاهد ما فُعِل بالمشهود عليه .

          ولكن اذا رجع الشاهد عن شهادته قبل الحكم وشهد مرة اُخرى ، لايقضى بشهادته لمكان التناقض بين شهادته الاولى والثانية . واذا حصل الرجوع بعد الحكم وقبل التنفيذ ، وكان المحكوم به حقاً لله سبحانه كحد الزنا ، انتقض الحكم ، لان الحدود تدرأ بالشبهات . واذا حصل الرجوع بعد الحكم والقضاء بالشهادة ، وكان المحكوم به من حقوق الناس المالية ، بقي الحكم على حاله ، لانه قد ثبت بالقضاء . ولكن يضمن الشاهد الراجع لمن شهد عليه عوض ما اخذ منه مثلاً او قيمة ، كما جاء في الرواية عن الامام (ع) في الشهود : (اذا رجعوا عن شهادتهم ، وقد قضى [القاضي] على الرجل ضمنوا ماشهدوا به وغرموا ، وان لم يكن قضى طرحت شهادتهم ، ولم يغرموا شيئاً)[17] . واذا رجع الشهود بعد القضاء وتنفيذه ، وقد اقتص من المشهود به قتلاً او جرحاً ، فاذا اقروا بتعمد الكذب اقتص من كل واحد منهم ، تماماً كما اقتص من المشهود به ، «لقاعدة قوة السبب على المباشر ، وعمومات القصاص مضافاً الى خصوص نصوص المقام . ومنها ان الامام الصادق (ع) سئل عن اربعة شهدوا على رجل محصن بالزنا ، ثم رجع احدهم بعدما قتل الرجل ؟ فقال (ع) : ان قال الراجع : أوهمت ضرب حد [القذف] واغرم الدية ، وان قال : تعمدت ، قُتِل»[18] .

 اليـد:

          واتفق فقهاء الامامية على ان وضع اليد يدل على الملك ، لتباني العرف وطريقة العقلاء . وقد جاء الشرع فامضى هذا التباني لحفظ الحياة الاجتماعية من الخلل والاضطراب . بمعنى ان وضع اليد على الشيء هو استطاعة صاحبها التصرف فيه تصرف المالك في ملكه دون معارضة احد ، كالسكن في الدار ، والزراعة في الارض ، وسياقة المركبة . وعلى ضوء ذلك ، يستطيع المالك ان يبيع العين او يهبها ، او يؤجرها ، او يعيرها بكل حرية ودون قيد . والعبرة في ذلك ، الصدق العرفي ، وفي ذلك رواية مروية عن الامام جعفر الصادق (ع) عندما سأله حفص بن غياث : اذا رأيت شيئاً في يدي رجل أيجوز لي ان اشهد انه له ؟ قال الامام: نعم. قال حفص : اشهد انه في يده ، ولا اشهد انه له ، فلعله لغيره . قال الامام : أفيحل الشراء منه ؟ قال: نعم. قال ابو عبد الله : (فلعله لغيره ! فمن اين جاز لك ان تشتريه وتصيّره ملكاً لك ، ثم تقول بعد الملك: هو لي، وتحلف عليه ، ولايجوز ان تنسبه الى من صار ملكه من قبل اليك ؟ لو لم يجز هذا ما قام للمسلمين سوق)[19] .

          ولا تدل اليد على الاختصاص الاّ في الاموال والمنافع كالبيوت والمصانع والمزارع . فوضع اليد على المال دليل على الملك ، سواءً كانت العين منقولة او غير منقولة . فلو وقع التخاصم بين ساكن الدار ، وفرد آخر ادعى ملكيتها ، فعلى المدعي البينة ، وليس على الساكن الاثبات لان يده تشهد له بذلك . اما اذا وقع التخاصم بين المالك والمستأجر ، فيكون المستأجر مدعياً وعليه الاثبات او البينة ، والمالك منكِراً لايكلف الاّ باليمين ; لان دلالة اليد على عدم ملكية المنافع مشروطة بعدم معارضة المالك .

          واذا كانت اليد مختصة في الاموال والمنافع ، فانها لاتختص في ثبوت الانساب والاعراض . فلاتدل اليد على ان المرأة هي زوجة الذي تسكن معه ، بل الذي يدل على ذلك قاعدة حمل فعل المسلم على الصحة . ولاتدل اليد على ان الصبي هو ابن الذي يسكن في بيته ، بل الذي يدل على ذلك هو الاقرار . فلا اثر لليد في ثبوت الانساب والاعراض .

          ويشترط في وضع اليد على ثبوت الملك امران رئيسيان . اولهما : الجهل بابتداء وضع اليد على العين . فاذا كانت الدار لخالد مثلاً ، ثم بعد فترة انتقل اليها احمد واخذ يتصرف فيها تصرف المالك ولم يعارضه احد ، دل ذلك التصرف على ان الملك لاحمد . اما اذا اعترض المالك الحقيقي على احمد ، فعلى المدعي ـ وهو احمد ـ البينة ؛ وعلى المنكِر اليمينُ . ثانيهما : ان تكون العين بطبيعتها قابلة للتملك والتمليك ، وامثالها البيوت والمصانع والمزارع . اما الاوقاف فانها لاتقبل التملك والتمليك ، فتسقط اليد عن الدلالة على ملكيتها .

 اليمين الشرعية:

          وهي وسيلة مهمة من وسائل ثبوت الحكم ضد احد المتخاصمين . وهي كما ترى لاتكشف الواقع ، وانما شرعت لفصل الخصومات بين الافراد في النظام القضائي الاسلامي ، لما لها من قوة ردعية داخلية .

          ويكون الحالف ـ على الاعم الاغلب ـ منكِراً ، لان وظيفة المنكِر حلف اليمين . وفي بعض الاستثناءات تتجه اليمين على المدعي ، ومثالها الشخص المؤتمن على عين قد تلفت في يده بلا تعدٍّ ولاتفريط ; وقد ترفض اليمين من المنكِر ، كما لو كان وصياً او وكيلاً او ولياً .

          ويشترط في الحالف : العقل ، والبلوغ ، والاختيار ، وحق الاسقاط فلا تصح اليمين من الوصي والوكيل والولي ، والتبرع فلاتصح من السفيه فيما لاينفذ تصرفه فيه .

          وموضوع اليمين هو الحقّ المحلوف من اجله ، حيث يشترط صحة الحكم به نفياً او اثباتاً . فلو حلف المنكِر حَكَمَ القاضي ببراءته ، ولو حلف المدعي حكم بثبوت حقه عيناً ، او ديناً ، او ديةً ، او قصاصاً ، عدا حق الله عز وجل .

          واتفق الفقهاء على ان صيغة اليمين الشرعية محددة شرعاً بوجوه ، مثل : اليمين المقتصر على اسم الجلالة فقط وهو (والله) ، واليمين المفصل : (والله الذي لا اله الا هو السميع العليم) ، لقوله (ص) : (لاتحلفوا الاّ بالله ، ومن حلف فليصدق ، ومن حُلِفَ له فليرض ، ومن لم يرض فليس من الله في شيء)[20] . ويستحب التغليظ في اليمين ، كقوله (والله الذي لا اله الاّ هو الرحمن الرحيم ، الطالب الغالب الضار النافع ، المدرك المهلك ، الذي يعلم من السر ما يعلمه من العلانية ، ما لهذا المدعي عليّ شيء مما ادعاه)[21] . ولايجوز الحلف بغير الصيغة الشرعية .

          ولايكون الحلف شرعياً ، ما لم يؤديه الحالف مع اذن الحاكم ـ في المحكمة او في اي مكان آخر ـ ; فاذا تعذر حضور الاصل الى المحكمة لعذر شرعي كالمرض مثلاً ، استناب الحاكم من يحلفه اياها ، فيقبل ذلك التحليف كما لو كان في المحكمة .

          وتنقسم اليمين الى قسمين ، الاول : يمين الانكار . والثاني : يمين الاثبات . وينظوي تحت عنوان يمين الاثبات : اليمين المردودة ، والمنضمة ، والاستظهار .

          الاول : يمين الانكار ، وهو اجابة المدعى عليه بالسلب والانكار لما يدعيه المدعي . وفي هذه الحالة يقوم القاضي بالاستفسار من المدعي مرة اخرى ، هل لديك بيّنةٌ ام لا ؟ فاذا عرض البينة فذاك ، والاّ عرض القاضي على المدعى عليه الحلف على خصمه . والطلب من المدعى عليه بالحلف ، حق من حقوق المدعي ، فلايجوز للحاكم اجبار المدعى عليه باداء اليمين الشرعية . وكذلك لايجوز للمنكِر التسرع باليمين دون طلب القاضي . بمعنى ان تحليف المدعى عليه يجب ان يقع ضمن الضوابط القضائية التي شرعها الاسلام ، ولاريب ان ذلك يحفظ حقوق الطرفين ; لان اعتبار تحليف المدعى عليه كحق خاص بالمدعي ، وعدم جواز تبرع المدعى عليه بالحلف ، يؤدي ـ ربما ـ الى عقد الصلح ، او الى رجوع المنكِر عن موقفه ، او الى غير ذلك مما له مصلحة واقعية في احقاق الحق .

          واذا حلف المدعى عليه بطلب من المدعي والحاكم سقطت الدعوى ، ولايحق للمدعي المطالبة باي حق من الحقوق ، لقوله (ع) : (ذهبت اليمين بحق المدعي فلا دعوى له)[22] . وفي رواية اخرى ان سائلاً سأله قائلاً : كانت بيني وبين رجل من اليهود معاملة فخانني بالف درهم ، فقدّمته الى الوالي فاحلفته فحلف ، وقد علمت انه حلف يميناً فاجرة ، فوقع له بعد ذلك عندي ارباح ودراهم كثيرة ، فهل اخذها عوضاً عن مالي ؟ فكتب (ع) : (لاتأخذ منه شيئاً ، ان كان ظلمك فلاتظلمه . ولولا انك رضيت بيمينه فحلفته لامرتك ان تأخذ مما تحت يدك ، ولكنك رضيت بيمينه ، وقد ذهبت اليمين بما فيها)[23] .

          والخلاصة ، ان للمدعي ثلاثة خيارات . الاول : ان يبرز البينة على دعواه . والثاني : القبول بيمين المنكِر . والثالث : اسقاط الدعوى ورفع يده عنها . وللمدعى عليه خياران . الاول : حلف اليمين . والثاني: النكول عن اليمين. وبالتالي فليس للمدعي رفض يمين خصمه وعدم اقامة البينة ، وليس للمدعى عليه النكول ورفض بيّنة المدعي. بمعنى ان القاضي لابد ان يصل الى الحكم باي شكل من الاشكال. وبتعبير ثالث ان الحاكم ولي عن المنكِر ، فان امتنع عن اداء الحق قهره عليه لصالح المدعي . فان حلف المنكِر سقطت الدعوى ، وان اقام المدعي البينة وحلف كان الحق الى جانبه .

         الثاني : يمين الاثبات ، وهي على ثلاثة اقسام كما ذكرنا : المردودة ، والمنضمة، والاستظهار.

          واليمين المردودة ، وهي اليمين التي يؤديها المدعي بعد ان رفضها المدعى عليه ، ونوضحها بالشكل التالي : اذا رد المنكِر ، اليمين على المدعي ، وكان المدعي جازماً بدعواه ، وكان اصيلاً اي لا وكيلاً ولا وصياً ولا ولياً ; فاذا حلف ذلك المدعي ، ثبتت دعواه وحكم القاضي بحقه على المدعى عليه . اما اذا نكل المدعي وامتنع عن حلف اليمين المردودة سقطت الدعوى بشكل نهائي . واذا نكل المنكِر ، وامتنع عن الحلف والرد معاً ، قال اكثر فقهاء الامامية ان الحاكم لايقضي بالنكول ، وان عليه رد اليمين من تلقائه على المدعي «ان اراد تحصيل حقه بلا خلاف اجده فيه ، بل للاجماع بقسميه عليه ، وهو الحجة بعد النصوص المستفيضة او المتواترة»[24] .

          واليمين المنضمة ، هي التي تضم الى شهادة شاهد واحد ، او الى شهادة امرأتين لاثبات الحقوق المالية، وهي الدين ، والغصب ، والرهن ، والوصية بالمال ، وعقد المعاوضة ، والجناية الموجبة للدية فقط ، للرواية القائلة بان رسول الله (ص) كان يقضي بشاهد واحد مع يمين المدعي ، ولايبطل حق مسلم ، ولايرد شهادة مؤمن[25] . ورواية ثانية بان رسول الله (ص) أجاز شهادة النساء مع يمين الطالب في الدَين يحلف بالله ان حقه لحق[26] .

          ويمين الاستظهار ، وكيفيتها : ان الميت لو ترك اموالاً في ايدي الورثة ، فان دعواهم على ذلك الميت تسمع بشأن الحقوق المالية ، ومثلها التثبت من بقاء الدَين في ذمة الميت الى حين الوفاة . ولكن لايثبت ذلك الدَين الاّ بالبينة ، ويمين المدعي معاً . وهذا هو معنى يمين الاستظهار . ويشترط فيها ان المدعي يجب ان يكون جازماً بدعواه وان يكون اصيلاً ، وتصح اذا كانت تلك اليمين بطلب الحاكم دون الوارث . واذا لم يكن لصاحب الدين على الميت الاّ شاهد واحد حُلّف مرتين ، الاولى : اليمين المتممة للبينة ، والثانية : يمين الاستظهار .

          واذا تبين كذب الحالف ، فان اقر بالكذب على نفسه انتقض الحكم المبني على اليمين ، وجاز لصاحب الحق مطالبة الحالف واستيفاء حقه . اما اذا عُلِم كذبه بدلائل اخرى غير الاقرار ، فلا يحق لصاحب الحق مطالبته ، الا اذا نقض القاضي الحكم .

 العرف:

          ولاشك ان الشريعة الاسلامية كانت قد لاحظت عادات الناس اثناء التشريع . فرفضت بعضها وأقرّت البعض الآخر . فاذا أمضت ما جرت عليه عادة الناس في بيعهم وشرائهم وسائر معاملاتهم ، اعتبر هذا الامضاء اجازة شرعية للعرف الاجتماعي . بمعنى انه لو جرت عادة العرف على الاقرار بممارسة معينة ، ولم يأت الردع من الشارع تجاه ذلك العمل ، اعتبر  ذلك امضاءً من الشارع . وعليه ، فان العرف ليس مصدراً من مصادر التشريع ، ولايعتبر حقيقة شرعية ؛ بل ان دوره هنا ، معرفة الموضوع وتشخيص المعنى الذي تعلّق به الحكم الشرعي . فيتعين في تفسير قوله (ص) : (لا ضرر ولا ضرار) مثلاً ، تشخيص الضرر بالرجوع الى العرف الاجتماعي ، لان تشخيص الضرر شبهة موضوعية موكولة الى ما تعارف الناس عليه .

          ولايعتبر العرف اصلاً من اصول الاثبات في القضاء ولا مصدراً من مصادر القضاء ، لانه ليس من الحقائق الشرعية ، بل يعتبر وسي