(ص 105 - 129)

القسم الثاني

النظام القضائي في النظرية الاسلامية

اهمية القضاء في النظام الاسلامي * شروط وصفات القاضي * ملحق : النظر في صفات القاضي  * الدعوى واركانها : المدعي . المدعى عليه . المدعى به  *اصول الاثبات . اولاً : الاقرار . ثانياً : الكتابة . ثالثاً : القرائن الشرعية والموضوعية . رابعاً : الشهادة وشروط الشاهد  * ملحق : بحث في عدالة الشاهد  * اصول الشهادة في الحقوق والحوادث * دور القاضي في قبول اهلية الشهود * حالات الطوارئ بعد الشهادة  *اليد * اليمين الشرعية * العرف * الاستفاضة  *مشاكل قضائية * عقد الكفالة * عقد الصلح  *شخصية القاضي العلمية وتأثيرها على الحكم . اولاً : الاجتهاد . ثانياً : اصول القضاء وموارده . ثالثاً : تعارض الاصول . رابعاً : القضاء على اساس العلم والقرائن الموضوعية * خصائص النظام القضائي الاسلامي *

 --------------------------

 اهمية القضاء في النظام الاسلامي

          تنبثق اهمية القضاء في النظام الاجتماعي من النظر لحقيقتين في غاية الاهمية ، وهما : اولاً : الاشراف على سلوك الافراد لمنع اي تعارض بين حق الفرد الشخصي وحقوق الآخرين ، عن طريق بسل السلوك المنحرف عن السلوك المتعارف عليه اجتماعياً ودينياً . ثانياً : انزال عقوبة المقاطعة الاجتماعية ، او القصاص ، او النفي بحق المنحرفين . وهذان العاملان يحددان دور القضاء في المجتمع الانساني . فالقضاء بمعاقبته المنحرف عن الخط الاجتماعي العام يدعم بالدرجة الاولى المصلحة الاجتماعية العليا ، وبالدرجة الثانية مصلحة الافراد باعتباراتهم الشخصية .

          ولاريب ان اهم ما يميز النظام القضائي الاسلامي عن مثيله في النظام الرأسمالي ، هو انشاؤه وتصميمه من قبل الخالق عز وجل لتحقيق العدالة الجنائية والحقوقية بين الافراد ، كما جاء في قوله تعالى : (فان تنازعتم في شيء فردوه الى الله والرسول)[1] ، (واذا حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل)[2]. ويتمثل ذلك بتقديم منصة القضاء للعارف باحكام الله ، المجتهد العادل الامين الثقة الذي يستطيع استرجاع الحق المغصوب من الظالم ، او انزال القصاص العادل بالجاني ، او اجبار المعتدي على تعويض الضحية مالياً . وفي كل ذلك يكون الجهاز القضائي ميزاناً للحق ، ووسيلة رادعة لحفظ النظام الاجتماعي . فالقضاء لايحل التنازع الشخصي بين المتخاصمَين فحسب ، بل يؤثر في قراراته على النظام التجاري والاقتصادي والسياسي للدولة ، وعلى الحياة العائلية ، وعلى نقل الملكية ، والارث ، وتحصيل العلوم ، وعلى كل انواع العلاقات التي تعارف الاجتماع الانساني على الاقرار بها .

          واذا كانت النظرية الرأسمالية الغربية ، لاتزال الى حد اليوم ، منقسمة على ذاتها في تشخيص من الذي يحدد الانحراف والمنحرفين ، حيث يدعي الجناح اليساري بان الطبقة الرأسمالية الغنية هي التي وضعت القوانين الجنائية لحماية مصالحها ضد الفقراء . ويدعي الجناح اليميني بان العقلاء في النظام الاجتماعي هم الذين وضعوا القوانين لحماية المصلحة الاجتماعية العليا[3]. في جو هذا الاضطراب الفكري الرأسمالي ، يقف الاسلام ونظامه القضائي شامخاً في تحديد الانحراف وتعريف المنحرف على اصول وقواعد شرعية ثابتة . حيث تصرح القواعد الدينية بان الخالق سبحانه هو الذي يحدد طبيعة الانحراف ، وهو الذي يعاقب عليه ، وهو الذي يضع لكل واقعة حكماً يؤخذ من خلاله حق المظلوم . ذلك انه ارسل الرسل والانبياء لهداية الناس الى تعيين ميزان القضاء العادل ، كما يقول تعالى في كتابه المجيد : (لقد ارسلنا رسُلنَا بالبيناتِ وانزلنا معهم الكتابَ والميزانَ ليقومَ الناسُ بالقسطِ وانزلنا الحديدَ فيه بأسٌ شديدٌ ومنافعُ للناسِ وليعلم اللهُ من ينصره ورسُلَهُ بالغيبِ ان اللهَ قوي عزيز)[4] . فالقضاء الاسلامي لايضمن حقوق الافراد الشخصية فحسب ، بل يربط الجهاز القضائي بما فيه من قضاة وشهود ، ودعاوى ومن يرتبط بها ، بالله سبحانه وتعالى ، لانه هو مصدر كل الاحكام الشرعية التي يتعامل بها القاضي مع المدعي والمدعى عليه والشهود . فيكون القضاء في الاسلام وسيلة من وسائل التعبد لله عز وجل ، وليس وسيلة من وسائل الاثراء وجمع المال والسيطرة السياسية كما هو المعمول به في النظام الرأسمالي .

          واذا كان من مهمة القضاء وضع الخط الفاصل بين الاعتدال والانحراف ، والتمييز بين السلوك الطبيعي والجنائي ، فان الاسلام باعتباره دين العدالة والمساواة اعتبر القضاء جزءً من رسالته الكلية التي تمتد مع امتداد تطلعات الانسان ، ونظرته الشمولية حول الكون والحياة . فلايحتاج الفرد في النظام الاسلامي الى خبراء يصممون له قوانين قضائية ، لتجعله اشد تماسكاً مع بقية الافراد في النظام الاجتماعي ، فان ذلك قد ترك للرسالة الاسلامية بابعادها المختلفة لتعمل عملها بتغيير نفسية الفرد ، وتشكليه من جديد على اساس حب الخير والتعاون والتآزر مع النظام الاجتماعي . بمعنى ان الجريمة اذا وقعت في المجتمع الاسلامي ، فانها لاتعتبر عاملاً من عوامل تماسك المجتمع ، بل لابد من استئصالها بانزال اقصى العقوبات التي شرعها الخالق عز وجل ، وهي عقوبات القصاص والحد والدية ونحوها . وهذا الرأي معاكس تماماً لرأي النظرية الرأسمالية ، التي ترى على ضوء افكار اميلي ديركهايم ، بان الجريمة ضرورية لتماسك المجتمعات الانسانية ، لانها تعرّف حدود السلوك المقبول[5]. وهذه الفكرة الغربية يرفضها الاسلام ، لان هذه الرسالة السماوية كانت قد حددت ابعاد السلوك المقبول اجتماعياً عبر النصوص الشرعية في القرآن الكريم والسنة النبوية ، دون ضرورة الرجوع الى تشجيع الجريمة في النظام الاجتماعي . فاذا كانت عقوبة جناية القتل ، واضحة للافراد وهو القصاص في حكم الله ، فكيف يكون وقوع هذه الجناية سبباً لتماسك النظام الاجتماعي ؟ الا تكفي جدية النظام الاجتماعي في انزال العقوبة بالمخالفين ـ عملياً ـ ، سبباً في الردع والتماسك الاجتماعي ؟ واذا كانت ابعاد السلوك المقبول معرّفة في الرسالة التي يؤمن بها افراد النظام الاجتماعي ، فكيف يكون ارتكاب الجريمة تعريفاً لحدود السلوك المقبول ؟ اليس هذا دليلاً على ضعف النظام الاجتماعي الذي لايتماسك افراده الاّ بمشاهدة الجريمة والعقوبة التي تلحقها ؟

          ومع ان الرسالة السماوية العظيمة ، كانت قد حددت وعرّفت السلوك المقبول شرعياً ، وعلى اساسه وضعت مباني الثواب والعقاب ، الا انها مع ذلك ، صممت نظاماً قضائياً فريداً لم تشهد له البشرية مثيلاً في تاريخها الطويل . فوضعت شروطاً للقاضي ، والمدعي ، والمدعى عليه ، والشهود . واوجبت ، واكدت وجوبها مراراً على اجتهاد وعدالة القاضي ، لان المظلوم يرى فيه صوت الحق والعدالة الالهية . واوجبت في المدعي : العقل ، والبلوغ ، والرشد ، والاصالة ، والجزم . وفي المدعى عليه : البلوغ ، والتعيين . وفي المدعى به : المعلومية ، والشرعية . ووضعت اصولاً للاثبات كالاقرار ، والكتابة ، والقرائن الشرعية والموضوعية ، والشهادة ، والبينة ، واليمين ، واليد ، والعلم ، والاستفاضة . واوجبت في الشهادة : الوضوح ، والمطابقة ، والعلم ، وعدم النفي . واوجبت في الشاهد : العقل ، والبلوغ ، والاسلام ، والعدالة ، والضبط . وشجعت على الصلح بين المتخاصمَين اذا كان لايحل حراماً ولايحرم حلالاً . ونظام كهذا لابد له من تحقيق العدالة القضائية التي تعتبر جزءً لايتجزأ من العدالة الاجتماعية بصورتها الشمولية الواسعة . ولاشك ان الاسلام سعى بكل جد لتحقيق تلك العدالة الاجتماعية ، منذ ان ارعبت كلماته الصاعقة بطون مكة ونظامها الجاهلي الظالم.

 شروط القاضي  وصفاته

          ولما كان اختلاف الاهواء والمصالح والرغبات بين الافراد في النظام الاجتماعي امراً طبيعياً بسبب طبيعة الانسان المزاحمة لمصالح الآخرين ، اصبح وجود القضاء والقاضي الذي يحكم بين المتخاصمَين امراً حتمياً لا مفرّ منه . والاصل فيه احقاق الحق ، تعويضاً كان او ردعاً . وقد اجمع فقهاء الامامية على ان لله في كل واقعة حكماً ثابتاً ، كما ورد في النصوص الشرعية : (ما من شيء الاّ وفيه كتاب أو سنّة) ، و(ان الله تعالى انزل في القرآن تبيان كل شيء ، حتى والله ما ترك شيئاً يحتاج اليه العباد ، فلايستطيع عبد ان يقول : لو كان هذا انزل في القرآن). فهيأ رجالاً يجدّون باعمارهم في طلب العلم والاجتهاد فيه . وجعل المجتهد قاضياً يقضي بين الناس ، فاذا اخطأ القاضي المجتهد الحكم ، كتب له اجر واحد ، واذا اصاب كتب له اجران . ولما كان القضاء من مناصب الاسلام الرفيعة ، فلايجلس على منصته الا من توفرت فيه الشروط الشرعية التي حددها الاسلام ، كان المدار في القضاء بين المتخاصمَين التسلط على الحق المسلوب من قبل الظالم وارجاعه الى المظلوم . فينبغي اذن على الصعيد الشرعي ، ان يكون القاضي مؤهلاً لاسترجاع الحقوق الشخصية المغتصبة ; وان تكون له شخصية علمية ومعنوية تستطيع انزال القصاص بالجاني والزامه بدفع التعويضات الجنائية او الحقوقية . وعلى ضوء ذلك ، فان الشروط التي ينبغي ان يتمتع بها ذلك الفرد الذي يحق له التربع على منصة القضاء ، ان يكون جامعاً لصفات العدالة الواقعية ، وهي :

          1 ـ العقل : لان الحاكم يجب ان يميز بين المدعي والمدعى عليه والمدعى به ، وان يكون على علم بالاحكام الشرعية المتعلقة بالقضاء وغيره ، وهو واضح .

          2 ـ البلوغ : فلايجوز للصبي ، مميزاً كان او غير مميز ، الحكم بين المتخاصمَين ، اجماعاً .

          3 ـ الاسلام : وقد استدل الفقهاء على شرطيته ، للنص القرآني المجيد : (ولن يجعلَ اللهُ للكافرينَ على المؤمنين سبيلاً)[6] ، والنص الوارد عن الامام الصادق (ع) : (اياكم ان يحاكم بعضكم بعضاً الى اهل الجور، ولكن انظروا الى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا فاجعلوه بينكم ، فاني قد جعلته قاضياً ، فتحاكموا اليه)[7]. وتقييد صفة الرجل بـ (منكم) يراد منها الاسلام .

          4 ـ الذكورية : باجماع الفقهاء ، كما ورد في وصيته (ص) لعلي (ع) : (لاتولى [المرأة] القضاء)[8]، وفي مورد آخر: (لايفلح قوم وليتهم امرأة)[9]. وحرمان المرأة من مهمة القضاء يعني تخفيفاً لدورها الاجتماعي، ومحاولة لتوجيه انظارها نحو المهام التربوية الملقاة على عاتقها ، لان القضاء مهمة استثنائية لا في الحكم على الجاني فحسب ، بل في التحري والمرافعات والشهود .

          5 ـ العدالة : وهي من اهم الشروط المفترض تحققها في شخصية القاضي . وفي ذلك رواية عن الامام الصادق (ع) : (اتقوا الحكومة ، فان الحكومة انما هي للامام العالم بالقضاء العادل في المسلمين ، كنبي او وصي نبي)[10] . وقد اختلف الفقهاء في معناها ، فقيل انها ملكة راسخة في النفس تبعث على التقوى؛ وقيل انها صفة معاكسة للفسوق؛ وقيل انها صفة ملازمة لحسن السلوك والسيرة ; وقيل غير ذلك . ومما لاشك فيه ان التفسير المتفق عليه بينهم هو انها تتحقق بترك الكبائر ، وعدم الاصرار على الصغائر . وهو ـ كما ترى ـ ليس تعريفاً للعدالة ، ولكنه أثرٌ يترتب على وجودها في شخصية الفرد . ويمكن القول اجمالاً بان العادل هو الامين على تطبيق الشريعة على النطاقين الشخصي والاجتماعي . وعليه ، فان العدالة هي الامانة على تطبيق كل اركان وجزئيات الشريعة على الصعيدين الفردي والاجتماعي ، بما يتناسب مع التكليف الالهي والقدرة الشخصية . ويكمن السبب في اختلاف تعريف معنى العدالة الى انها ليست من الحقائق الشرعية ; بمعنى ان الشرع ارجع ضبط تعريفها الى اللغة والارتكاز العقلائي .

          وقد ذهب جمع من الفقهاء الى انه لايجوز لصاحب الحق الترافع الى القاضي غير العادل ، حتى لو انحصر ذلك الحق بذلك الترافع ، عملاً بقول الامام الصادق (ع) في رواية عمر بن حنظلة بخصوص صاحب الحق الذي ترافع الى الحاكم غير العادل مع امكانية حصوله على حقه من حاكم عادل : (فانما يأخذ سحتاً ، وان كان حقه ثابتاً)[11]. وقد «روى اصحابنا عن السيدين الباقر والصادق (ع) ان الطاغوت المعني به في قوله : (الم تر الى الذين يزعمون انهم آمنوا بما انُزِلَ اليك ، وما انُزِلَ من قبلك يريدون ان يتحاكموا الى الطاغوت وقد امروا ان يكفروا به)[12] ، كل من يتحاكم اليه ممن يحكم بغير الحق»[13]. وذهب جمع آخر من الفقهاء الى انه يجوز للمدعي اذا كان له حق ثابت ، عيناً كان او ديناً ، ولا سبيل للحصول عليه الا بهذا الترافع ، ان يترافع للحاكم الجائر ، لان دفع الضرر عن النفس جائز شرعاً ، بل قد يجب في بعض الاحيان . فلو «توقف حصول حقه ، ولو لامتناع الخصم عن المرافعة الاّ الى الجائر جاز ، كما يجوز الاستعانة بالظالم على تحصيل حقّه المتوقف على ذلك ، والاثم ـ حينئذ ـ على الممتنع . ويستدل على ذلك بان الامام (ع) سئل عن تفسير قوله تعالى : (ولا تأكلوا اموالكم بينكم بالباطل وتُدلُوا بها الى الحُكّام)[14] ، فكتب هو ان يعلم الرجل انه ظالم ، فيحكم له القاضي ، فهو غير معذور في اخذ ذلك الذي يحكم به اذا كان قد علم انه ظالم»[15].

          6 ـ الاجتهاد : وهي القدرة على استنباط الحكم الشرعي من مصدره المقطوع به على الصعيدين النقلي والعقلي ، وتطبيق هذا الحكم على مورده الخاص . ولايكون ذلك ممكناً الاّ بالاستناد على اساس الكتاب والسنة وادراك العقل القطعي ، كالقاعدة العقلية المشهورة (قبح العقاب بلا بيان) مثلاً . وهناك رأي يقول بان الاجتهاد  مطلق ومتجزئ ، ولكننا عندما نعبّر عن المجتهد في هذا الكتاب ، فاننا نعني صاحب الاجتهاد المطلق ، لان ملكة الاجتهاد والاستنباط تعني القدرة على استنباط جميع الاحكام الشرعية دون استثناء ، لان الاحكام الشرعية مترابطة بعضها ببعض ، فاذا جهّز الفرد بالقدرة على الاستنباط في حكم شرعي معين ، اصبحت له نفس القدرة على بقية الاحكام الشرعية . ولايجوز القضاء الا للمجتهد المطلق، فلا «يكفي التجزي اجماعاً ، كما هو ظاهر كتاب المسالك ، وكتاب الكفاية ، مضافاً الى قول الامام الصادق (ع) : انظروا الى من كان منكم قد روى حديثنا ، ونظر في حلالنا وحرامنا ، وعرف احكامنا ، فارضوا به حكماً . فاحكامنا جمع مضاف الى المعرفة يفيد العموم»[16].

          و«يجوز للحاكم [الشرعي] ان يحكم بعلمه في جميع الاشياء من الاموال والحدود والقصاص وغير ذلك وسواء في ذلك اعلمه في حال الولاية او قبلها بدليل اجماع الطائفة ، وايضاً قوله تعالى : (وان حكمت فاحكم بينهم بالقسط)[17] ، وقوله تعالى : (يا داودُ انا جعلناك خليفةً في الارض فاحكم بين الناس بالحق)[18] . ومن حكم بعلمه فقد حكم بالحق والعدل . وايضاً قوله تعالى : (الزانيةُ والزاني فاجلدوا كُلَّ واحد منهما مائةَ جلدة)[19] ، وقوله تعالى : (والسارقُ والسارقةُ فاقطعوا ايديَهُما)[20] ، ومن علمه الامام او الحاكم زانياً او سارقاً وجب عليه امتثال الامر . واذا ثبت ذلك في الحد ثبت في الاموال لان احداً لم يفرق بين الامرين»[21].

          وحكم المجتهد ، عند الشيعة الامامية ، لايغير الحكم الواقعي . فلو ظهر لمجتهد آخر خطأ المجتهد الاول بطريق القطع واليقين ، جاز له نقضه ، لان المدار في الاجتهاد الدليل القاطع كالآية الصريحة ، والاجماع المحصل ، والحديث المتواتر . والمعيار لنقض الحكم هو العلم اليقيني بمخالفته للواقع . اما اذا كان كلاهما يعتمد الظن ، والاجتهاد الذي يحتمل الصواب والخطأ ، فلايستطيع نقض احدهما الآخر ، لانه ترجيح بلا مرجح. بل يجوز نقض الحكم ، اذا علم تقصير الحاكم للاجتهاد ، واهماله للموازين الشرعية . ولايجوز للمحكوم له ، اذا علم بتقصير الحاكم ، اخذ الشيء المحكوم به لان حكم الحاكم لايغير الواقع الخارجي . وعليه ، فان «حكم الحاكم عندنا تبع للشهادة ، فان كانت محقة نفذ الحكم ظاهراً وباطناً والاّ نفذ ظاهراً لا باطناً ، وبالجملة فان الحكم ينفذ ظاهراً ، لا باطناً ، ولايستبيح المشهود له ما حُكِمَ له به الاّ مع العلم بصحة الشهادة ، او الجهل بحالها»[22] .

          7 ـ الضبط : وهو ان يكون القاضي في حالة صحية تساعده على الاحتراز من ضياع الحق عن اهله، فلا يغلب عليه الذهول ولا النسيان .

          8 ـ واشترط الفقهاء طهارة المولد ، ولكن لا دليل على ذلك الشرط نقلاً او عقلاً ، وانما «العمدة الاجماع المحكي وفحوى ما دل على المنع من امامته وشهادته ، مؤيداً بنفر طباع الناس منه ، والاّ فمقتضى العمومات دخوله»[23] . واشترطوا الحرية ايضاً ، فقد «قال جماعة [من الفقهاء] بان الحرية شرط ، بل نسب الى الاكثر ، ولا دليل على ذلك . فالاظهر عدم اشتراطها اذا اذن له مولاه»[24] . ولكن في المبسوط قال باشتراطها ، «بل في المسالك نسبته الى الاكثر ، لقصور العبد عن هذا المنصب العظيم واستغراق وقته بحقوق المولى»[25] .

          وافترض الفقهاء وجود قاضيين زمن حضور الامام (ع) . الاول : قاضي التحكيم ، والثاني : قاض خاص منصوب من قبله (ع) . وقاضي التحكيم هو القاضي الذي تراضى به الخصمان للحكم بينهما ، ويشترط فيه ما يشترط في غيره من الاجتهاد والعدالة. بمعنى انه «يشترط في [قاضي التحكيم] جميع ما يشترط في القاضي المنصوب عن الامام عدا الاذن ضرورة انه اذا كان المدرك له الاطلاق المزبور ، فليس في شيء منه ايماء الى الشرائط المزبورة ، خصوصاً مثل الكتابة والبصر ونحوهما . نعم ، يتجه اعتبار ما كان دليله عاماً لمثله من الشرائط كالبلوغ والاسلام ونحوها»[26] . اما القاضي الخاص فهو المنصوب من قبله (ع) مباشرة . وفي زمن الغيبة يشترط في قاضي الحق ، نفس الشروط المذكورة سابقاً لثبوت قوله (ع) : (انظروا الى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا ، فاجعلوه بينكم ، فاني قد جعلته قاضياً فتحاكموا اليه)[27].

          واذا تحاكم المتخاصمان من غير المسلمين ، عند القاضي المسلم ، فان كانا ذميين كان مخيراً بين ان يقضي بينهما بقضاء الاسلام ، او يعرض عنهما ، للنص المجيد : (فاحكم بينهم او أعرِض عنهم وإن تُعرِض عنهم فلن يضُرُّوك شيئاً . وان حكمت فاحكم بينهم بالقسط)[28]. واذا كانا حربيين فلايجب على القاضي المسلم الحكم بينهما . واذا كان التخاصم بين ذمي ومسلم ، او حربي ومسلم وجب على القاضي قبول الدعوى والحكم بينهما بما انزل الله ، كما ورد في النص القرآني : (وان احكم بينهم بما انزل اللهُ ولاتتبع اهواءهم واحذَرهُم ان يفتِنُوك عن بعض ما انزل الله اليك)[29] .

 ملحق : النظر في صفات القاضي

          و«فيها امور :

          الاول : القضاء لغة : الحكم ، ومنه قوله تعالى : (وقضى ربُّكَ الاّتعبدوا إلاّ إيّاهُ)[30] . واصطلاحاً : ولاية الحكم شرعاً لمن له الفتوى بجزئيات القوانين الشرعية على اشخاص متعلقة باثبات الحقوق واستيفاء ما للآدميين منها ، ومبدأ الامامة العامة وغايته قطع المنازعات .

          الثاني : للقضاء خواص :

          الاولى : ان حكمه لاينتقض باجتهاد ويصير اصلاً ينفذه غيره من القضاة وان كان مخالفاً لاجتهاد ذلك الغير ، لا انه دليل قطعي ، فانه اذا كان مخالفاً للدليل القطعي جاز للقاضي الآخر نقضه وعدم انفاذه .

          الثانية : ان للقاضي ولاية على كل مولى عليه مع فقد وليه ، في مواضع .

          الثالثة : ان القاضي يلزمه حكم البينة ، اعني اثبات الحق على الذي عليه البينة ، ويلزم الشهود بالشهادة بعد حكمه بشهادتهم ، ولذا يغرم الشاهد بالرجوع .

          الرابعة : ان البينة على حكمه كالبينة على الاصل ، بمعنى انه اذا شهد الشاهدان على القاضي انه حكم بثبوت المال مثلاً في ذمة زيد لعمرو كان ذلك بمنزلة شهادتهما على ثبوت المال في ذمة زيد ، بل البينة على حكمه اقوى لوجوب انفاذ اثرها وعدم جواز نقضه بخلاف بينة الاصل .

          الثالث : القضاء مما به يتم نظام النوع الانساني ، والاصل فيه الكتاب : في قوله تعالى : (يا داودُ إنا جعلناك خليفةً في الارضِ فاحكم بينَ الناسِ بالحقِ ولا تتبع الهوى فيُضِلَّكَ عن سبيلِ اللهِ)[31] ، الى غير ذلك من الآيات ; والسنّة ، فانه (ص) بعث علياً عليه السلام قاضياً الى اليمن[32]، وبعث علي (ع) عبد الله بن العباس قاضياً الى البصرة[33] ؛ والاجماع ، وهو ظاهر هنا فانه لم يختلف فيه احد من العلماء .

          الرابع : في القضاء ثواب جزيل . ففي الحديث انه صلى الله عليه وآله لما بعث علياً (ع) قاضياً قال له : لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم . وقال (ص) : اذا جلس القاضي في مجلسه هبط عليه ملكان يسددانه ويوفقانه ، فاذا جار عرجا وتركاه[34] .

          لايقال : قال (ص) : من جعل قاضياً فقد ذبح بغير سكين ، قيل يارسول الله وما الذبح ؟ قال : نار جهنم[35] . وهو من الاحاديث الحسنة ، وعنه (ص) : يؤتى بالقاضي العدل يوم القيامة فمن شدة ما يلقاه من الحساب يود ان لم يكن قد قضى بين اثنين في تمرة[36]. وقال علي (ع) : القضاة اربعة ، ثلاثة منهم في النار وواحد في الجنة : قاض قضى بالباطل وهو لا يعلم انه باطل فهو في النار ، وقاض قضى بالباطل وهو يعلم انه باطل فهو في النار ، وقاض قضى بالحق وهو لايعلم انه حق فهو في النار ، وقاض قضى بالحق وهو يعلم انه حق فهو في الجنة[37] .

          لاّنا نقول : انه ليس المراد من هذه الاحاديث ذم القضاء مطلقاً ، بل المراد اشتماله على المشقة والخطر العظيم لصعوبة شروطه من العلوم والاعمال ، فانه لا يجوز ان يتعرض له الا من كان عالماً بالاحكام الشرعية عن مآخذها التفصيلية ، ورعاً عن المحارم زاهداً في الدنيا متوفراً على الاعمال الصالحة مجتنباً للذنوب كبائرها وصغائرها شديد الحذر من الهوى حريصاً على التقوى ، ولشدة هذه الشروط كان السلف يمتنعون عنه.

          الخامس : انه من فروض الكفايات ، لما فيه من القيام بنظام اشخاص النوع والامر بالمعروف والنهي عن المنكر والانتصاف ل