|
(ص 74 - 104) المحاكمة الجنائية وتعتبر عملية المحاكمة من اهم اركان نظام القضاء الجنائي، لانها حق من الحقوق الدستورية لكل من الجاني والمجني عليه، ولانها مسرح يتبارى فيه النائب العام ضد محامي الدفاع لتجريم المتهم، وانزال العقوبات التي يستحقها ضده. وبالتالي، فان المحاكمة الجنائية فرصة ثمينة لاظهار عدالة النظام القضائي امام نظر افراد المجتمع. فمن الارجح اذن، ان نناقش في هذا القسم النقاط المتعلقة بالمحاكمة الجنائية، وهي: اختيار هيئة المحلفين، والعمليات الاجرائية للمحاكمة الجنائية، والحقوق الدستورية للمتهم. اختيار هيئة المحلَفين: ويتم اختيار هيئة المحلَفين في المحاكمات المدنية والجنائية من عامة الافراد الذين يدفعون الضريبة السنوية او يسجلون اسماءهم للانتخابات، ويسكنون ضمن المنطقة الادارية للمحكمة الحقوقية او الجنائية[1]. فيتم استدعاؤهم واختيار الصالحين منهم لعضوية هيئة المحلفين المتكونة من اثني عشر عضواً اصلياً وعضوي احتياط[2]. ويحرّم القانون على الاطباء، ورجال الدين، وموظفي الحكومة الانتساب لعضوية هيئة المحلفين في اية قضية جنائية او مدنية[3]. بمعنى ان المؤسسة الدينية والحكومية والخبرة الطبية بالخصوص منفصلة عن القضاء الرأسمالي فيما يخص الحكم والمرافعات. وعندما ينتهي اختيار اعضاء الهيئة الاثنَيْ عشر ـ قضائياً ـ يتم استجوابهم من قبل النائب العام ومحامي الدفاع حول مستنداتهم الفكرية والعقائدية، ووظائفهم، وسكناهم، ومدى علمهم بالجناية[4]. ويلزم عليهم قبل كل ذلك حلف اليمين القانونية، ولذلك تسمى هيئتهم بهيئة المحلَفين[5]. واذا كان ثبت انتساب احد المحلفين بالجاني عن طريق قرابة او علاقة ما، أو كان له رأي مسبق بالحكم على الجاني، ينتزع حقه من عضوية الهيئة. ويقوم محامي الدفاع بنشاط محموم لمعرفة توجهات هؤلاء الافراد حول الجناية والجاني، فاذا احس منهم عدم الحياد كان له مطلق الحق باستبدالهم بافراد آخرين؛ فلمحامي الدفاع صلاحية طلب استبدال الرجال بالنساء في هيئة المحلفين مثلاً، اذا كان الجاني امرأة، بحجة ان النساء اعرف بدوافع الجريمة وظروفها، وعلى ضوء ذلك فانهن اعدل في الحكم من الرجال بخصوصية تلك القضية. بل يستطيع محامي الدفاع استبدال اعضاء هيئة المحلفين، اذا احس منهم التمييز العرقي تجاه موكله. العمليات الاجرائية للمحاكمة: وتتطلب المحاكمة في القضايا الجنائية سلوكاً ونشاطاً خاصاً يقوم به النائب العام ومحامي الدفاع امام القاضي وهيئة المحلفين[6]. فيقوم كل طرف بتقديم كل الاثباتات والادلة والشهادات التي تسلط ضوءاً ساطعاً على عدالة القضية التي يؤمن بها ذلك الطرف ضد الطرف الآخر. حيث يمنح القانون صلاحية الاعتراض على اي مسألة يمكن ان تؤثر على قرار النائب العام او محامي الدفاع بشأن الجناية[7]. فيقوم محامي الدفاع بالاعتراض على الاستفسارات التي يواجهها الشهود مثلاً من قبل النائب العام، محتجاً بخروجها عن موضوعية المحاكمة[8]. عندها يقرر الحاكم او القاضي تحذير النائب العام وايقافه عند حدّه القانوني، وعدم منحه الفرصة في الاستمرار بهذا اللون من الانتهاك الدستوري لحقوق الافراد. ويستخدم النائب العام الادلة الاولية، والثبوتات العينية والاعترافات، لاقناع هيئة المحلفين بتجريم المتهم دون دنى شك بجريمته[9]. اما محامي الدفاع، فانه يقوم برد حجج النائب العام وادعاءاته، ويؤكد ان للمتهم، في الساحة القضائية، حقوقاً دستورية خلال جميع مراحل المحاكمة، ويلمّح لهيئة المحلفين بان المتهم اذا جُرّم، فانه يستطيع طلب استئناف الحكم في محكمة عليا[10]. اما دور القاضي خلال مراحل المحاكمة، فهو الاشراف على نظام كامل وعادل للمحاكمة بكل اطرافها المتنازعة والحيادية وهي: النائب العام، ومحامي الدفاع، والجاني، والمجني عليه، والشهود، وهيئة المحلفين[11]. ولما كان القانون الفيدرالي يضمن تنظيم العمليات الاجرائية للمحاكمة في الولايات المتحدة، فان سلوك المحاكم الفيدرالية وضباطها ـ وهم القاضي والنائب العام ومحامي الدفاع ـ ينبغي ان يتم ضمن صيغة موحدة مقررة من قبل السلطة القضائية العليا، تسير عليها كل المحاكم القضائية في البلاد[12]. وهذه الصيغة التي تعمل بها المحاكم الفيدرالية والمحلية كان قد وضع اسسها وقواعدها القانون الرأسمالي، وهي تمثل الخطوات التالية: اولاً: تبدأ المحاكمة بالقاء كلمات افتتاحية من قبل كل من النائب العام، ومحامي الدفاع، لعرض قضية موكليهما المتنازع عليها[13]. فيقومان، كل على حدة، بتنبيه هيئة المحلفين بضرورة الالتزام بحيثيات القضية الجنائية بخصوص الامور المراد اثباتها، والحقائق المراد التركيز على صحتها وصلاحيتها في الحكم. ثم يقدم كل منهما شهوده، ويدعو كل منهما هيئة المحلفين للاستماع للشهادات الخاصة بالقضية. والاصل في اطروحة محامي الدفاع، وهو مايؤكد عليه في كل مناسبة امام هيئة المحلفين، ان اي شك في تجريم المتهم يجب ان يترجم الى تبرئة لساحته من الجناية المتهم بها[14]. ثانياً: وعندما تنتهي الكلمات الافتتاحية، تقوم الحكومة ممثلة بالنائب العام بعرض القضية، عن طريق عرض الشهود وشهاداتهم، امثال جهاز الشرطة، والمجني عليه، والخبراء المختصين بالقضية كالاطباء والمحللين الكيميائيين، وتجار الادوات الجرمية[15]. والاصل في الشهادات المقبولة لدى هيئة المحلفين، ان الشاهد المحلّف يجب ان يرى، أو يسمع، أو يلمس متعلقات الجناية، وما عدا ذلك لا تقبل فيه الشهادة[16]. فاذا ذكر الشاهد مثلاً رأيه الشخصي في كيفية وقوع الجريمة، تسقط الشهادة، لانها ليست دليلاً على الحق. فاذا قال الشاهد: انا اتصور، أو اعتقد ان الجاني قد قتل المجني عليه لا تؤخذ شهادته، بل عليه ان يرى العمل الجنائي أو يسمع طلقات الرصاص وقت الجناية مثلاً. ويقبل الرأي الشخصي للشاهد في حالات استثنائية، واصفاً حركة سيارة أو ضجيج قطار مثلاً، أو واصفاً حالة الجاني حين الجناية، مخموراً كان أو مجنوناً. ويستطيع الشاهد الخبير، الشهادة امام هيئة المحلفين باعتباره من أهل الخبرة فحسب، فتؤخذ شهادة الطبيب النفساني مثلاً عن حالة المتهم العقلية حين الجناية[17]. وعندما ينتهي النائب العام من استجواب الشهود المقدّمين من قبله، يقوم محامي الدفاع باستجواب نفس الشهود ملاحظاً مصلحة الجاني هذه المرة، في محاولة منه لكشف دور المتهم الايجابي في الجناية[18]. واذا لم تكتمل الصورة لدى المحلفين يقوم النائب العام مرّة اخرى باستجواب الشهود ليدحض آراء محامي الدفاع، ويقنع هيئة المحلفين بصواب رأيه في الجناية. واخيراً، يستطيع محامي الدفاع استجواب الشهود مرة ثانية وأخيرة، لدحض آراء النائب العام[19]. ثالثاً: وعندما ينتهي النائب العام من قضيته بكل ما تتضمن من افادات واثباتات وشهادات، يطلب محامي الدفاع من القاضي باقتراح اصدار حكم من قبل هيئة المحلفين، فاذا قبلت هيئة المحلفين ذلك، اصدر القاضي تعليماته لتلك الهيئة بتبرئة ساحة المتهم فوراً، وعندها تنتهي المحاكمة[20]. لان الحكم المباشر الصادر من هيئة المحلفين يعني ان النائب العام لم يقدم في عرضه للقضية الجنائية الاثباتات اللازمة لتجريم المتهم. اما اذا رفضت هيئة المحلفين ذلك، أمر القاضي استمرار المحكمة، فيتقدم محامي الدفاع لعرض قضيته طالباً مثول جميع الشهود الذين اختارهم النائب العام[21]. وعندما ينتهي محامي الدفاع من عرض القضية والاستماع الى الشهود، يقوم النائب العام بدحض الادلة والحجج المعروضة من قبل محامي الدفاع[22]. وهذا يعني ان النائب العام يقوم في هذه المرحلة بعرض افادات وادلة جديدة لم تعرض سابقاً في المحاكمة. ويستطيع محامي الدفاع ـ في هذه المرحلة ـ دحض ادلة النائب العام ايضاً، وتقديم ادلة جديدة لم تقدم سابقاً. وبعد تقديم كل الادلة والحجج الى المحكمة، يقوم محامي الدفاع مرة اخرى باقتراح اصدار حكم مباشر من قبل هيئة المحلفين. فاذا رفضت الهيئة ذلك، أصبح جلياً ان النائب العام ومحامي الدفاع يئسا من اقناع الهيئة باصدار الحكم المباشر، ولابد لهما من القاء خطابي النهاية، ويكون الحكم النهائي لهيئة المحلفين[23]. رابعاً: وفي الخطاب النهائي للطرفين ـ اي محامي الدفاع والنائب العام ـ امام هيئة المحلفين، يقوم كل منهما بعرض ملخص للحقائق والادلة المعروضة خلال سير المحاكمة كلٌ بما يناسب او يلائم موقف موكله[24]. فيسمح لهما القانون، بابداء استدلالهما الموضوعي النـزيه، واثبات ان الحقائق تبرهن أو تدحض ذنب المتهم، على شرط ان لا تخرج تلك الاستدلالات والاستنتاجات عن البراهين والحجج المقدمة خلال مراحل المحاكمة[25]. خامساً: وفي المحاكمة الجنائية، يقوم القاضي باصدار تعليماته لهيئة المحلفين فيما يخص مبادئ القانون حول تجريم المتهم. فالعضو المحلّف ينبغي ـ نظرياً ـ ان يدرك عناصر الجريمة والاتهام، ونوع الادلة والبراهين المطلوبة لاثبات الجرم، وطريقة اثبات الجرم على المتهم[26]. ولابد للقاضي في تعليماته ان يُعلم اعضاء هيئة المحلفين عن مستوى الدليل المطلوب اثباته لتجريم المتهم. فاذا كان هناك ادنى شك بتجريم المتهم يحكم ببراءته من الجريمة، كما ذكرنا ذلك سابقاً. وليس على المتهم ان يثبت براءته او جرمه، لان هذا هو اصل عمل هيئة المحلفين[27]. سادساً: وعندما تنتهي المرافعات، تخلد هيئة المحلفين لدراسة الحكم بتجريم المتهم او تبرئة ساحته. ويجب ـ حسب القانون القضائي الرأسمالي ـ ان يكون حكم الهيئة بالاجماع[28]. فاذا تخلف احد الاعضاء الاثنيْ عشر عن موافقة زملائه في الحكم بالتجريم او البراءة، اصدرت الهيئة حكماً معلقاً[29]، فيكون للنائب العام ـ حينئذ ـ صلاحية اعادة المحاكمة من البداية بهيئة محلفين جديدة[30]. اما اذا اجمع الاعضاء على تجريم المتهم ، فان قضية تحديد العقوبة ترفع ـ عندئذ ـ الى القاضي، الذي يقوم بدوره باستشارة ضباط المحكمة، بتعليق الحكم او المضي بتنفيذ العقوبة[31]. وعند اصدار العقوبة بالسجن او الغرامة او الاعدام، يحق للمتهم الطلب من المحكمة العليا استئناف الحكم على اساس ان المحاكمة الاولى لم تتمتع بدستورية كاملة[32]. وعندها تبدأ المحاكمة من جديد في محكمة الاستئناف. الحقوق الدستورية للمتهم: ولما كانت المحاكمة اثراً من آثار تطبيق احكام الدستور على الافراد، فان تفسير التشريعات، واحكام المحاكم، والعمليات القضائية، كلها مصممة على التأكيد على ان للمتهم الحق في محاكمة عادلة نزيهة[33]. ولاشك ان الدستور الامريكي يمنح المتهمين حقوقاً قانونية حتى يثبت تجريمهم[34]. ومن هذه الحقوق: 1 ـ الحق في محاكمة علنية سريعة[35]، حيث يؤكد ذلك التعديل السادس للدستور الامريكي. بمعنى ان المتهم يجب ان يحاكم خلال مدة معقولة. واذا ما انتهكت المحكمة هذا الحق بطل اتهام ذلك الفرد بارتكاب الجناية، وعندها ينبغي اطلاق سراحه فوراً. ولكن اذا تحقق انتهاك حق الفرد في محاكمة سريعة، فانه لابد ان ينظر الى الضوابط القضائية التي سببت هذا الانتهاك، كطول مدة التأخير، والتمييز العرقي ضد المتهم، وعدد الحالات الجنائية التي لازالت على قائمة الانتظار. وعلى ضوء ذلك تتخذ المحاكم العليا الاجراءات المناسبة. ولكن ـ ومن اجل تيسير العمل القضائي ـ فانه يجوز للمتهم الموافقة على اسقاط حقه الدستوري في المحاكمة السريعة[36]، بمعنى انه يجوز له تأخير محاكمته عن موعدها المحدد في الفترة المذكورة في الدستور. والسؤال المطروح في هذا الباب هو: كم يستغرق ـ دستورياً ـ اعتقال المتهم ابتداءً من وقوع الجناية وحتى انتهاء المحاكمة؟ والجواب على ذلك انه ليس هناك مايشير الى تحديد تلك الفترة في الدستور، ولكن السلطة التشريعية المتمثلة بالكونغرس قررت تحديدها بثلاثين يوماً من بدء وقوع الجريمة والاعتقال وحتى صدور الاتهام، وسبعين يوماً من صدور الاتهام وحتى المحاكمة[37]، أي يستغرق صدور الحكم على الجاني نظرياً، من وقوع الجناية مائة يوم. ولكن هذه الفترة غير ملزمة للمحاكم الدنيا، لان التشريع البرلماني الزام قانوني وليس دستورياً، فقد تستغرق محاكمة الجرائم الجنائية عدة سنوات[38]. 2 ـ الحق في محاكمة هيئة المحلفين[39]. وهذا الحق مثبت في التعديل الرابع عشر للدستور الامريكي، حيث تفسره المحكمة العليا بقولها: ان كل متهم يحتمل ان يواجه عقوبة سجن قدرها ستة اشهر أو اكثر له الحق في محاكمة تقرر مصيرها هيئة المحلفين المتكونة من اثني عشر محلّفاً، باجماع الاصوات. 3 ـ الحق في محاكمة جنائية واحدة فقط[40]. فلا يجوز ـ حسب التعديل الخامس للدستور ـ محاكمة متهم مرتين لنفس التهمة الموجهة له. فاذا حوكم المتهم وجرّم في جناية قتل في احدى الولايات، فلا يجوز لايّ محكمة اخرى في نفس الولاية محاكمته مرة اخرى لنفس الجناية التي ارتكبها وحوكم عليها. 4 ـ الحق في استشارة قانونية[41]. فبغض النظر عن كل الحقوق القانونية الممنوحة للافراد في المحاكمة، الا ان وقوف المتهم امام هيئة المحلفين والقاضي والنائب العام دون استشارة قانونية يعدّ انتهاكاً دستورياً لحق الفرد في الدفاع عن نفسه. ولذلك، فان التعديل السادس للدستور يمنح كل متهم في القضية الجنائية حق التمثيل من قبل محامي الدفاع[42]. واذا عجز الفرد عن تسديد اجور محامي الدفاع، فان الحكومة المحلية او الفيدرالية مكلّفة بتقديم خدمات قانونية مجانية للمتهم[43]، كما ذكرنا ذلك سابقاً. حيث يمنح القانون الرأسمالي للمتهم، مهما كان نوع التهمة التي اتهم بها ـ جنائيةً كانت او مدنية ـ حق تكليف محامي الدفاع من زمن الاعتقال وحتى الحكم النهائي والمحاكمة الاستئنافية. ويجب ـ بموجب الدستور ـ ان يُمنَح المتهم الاستشارة القانونية الكفوءة[44]. بمعنى انه لو تطلبت القضية الجنائية كلفة اضافية بتأجير محامي كفوء، فان على الحكومة الاذعان لطلب المتهم، بتأجير ذلك المحامي ودفع كلفة تأجيره المالية، شرط ان يكون المتهم عاجزاً عن دفع تلك الاجور. واذا جرّم المتهم، فان له الحق في التماس المحكمة وقضاتها باسقاط الحكم الصادر ضده بدعوى عدم كفاءة محامي الدفاع[45]. وهو حق مضمون في التعديل السادس من الدستور الامريكي ايضاً. نظام العقوبات الرأسمالي وبعد تجريم المتهم بارتكابه الجناية، أو اقراره بالذنب على نفسه، يُدخل الى قاعة المحكمة للاستماع الى العقوبة الجنائية المختومة بختم القاضي[46]. والعقوبة، بمفهومها الردعي الواسع وتفاصيلها المتشعبة تهدف الى تثبيت حقائق على درجة كبيرة من الاهمية، منها: اولاً: ردع بقية الافراد عن ارتكاب جنايات متشابهة. ثانياً: اعادة تأهيل الجاني حتى يصبح فرداً صالحاً يطمح بالرجوع الى المجتمع الكبير وخدمته. ثالثاً: الانتقام من الجاني بما يناسب الجناية. وهذه المفاهيم تتناغم مع زعم النظرية الرأسمالية في العقوبات بان السجن اداة وقائية لحفظ المجتمع وافراده من شرور الجناة[47]، لان اطلاق سراحهم ـ بزعمها ـ يعطي فرصة نموذجية للمنحرفين لتخريب الحياة الاجتماعية، وزعزعة النظام الاجتماعي[48]. ولذلك، فان فكرة السجون انما جاءت لتحصر المجرمين والمنحرفين عموماً في حيز ضيق، حتى لايمتد تأثيرهم الانحرافي الى الساحة الاجتماعية[49]. اما تأهيل الجناة، عن طريق ادخالهم المعاهد المهنية، وتعليمهم الثقافة الاجتماعية، وتمرينهم على التعامل مع العواطف المنكسرة والقلق النفسي، فهو اتجاه حديث[50] يهدف بالدرجة الاولى الى تهذيب المنحرفين بدل انزال العقوبة بهم. وهذا الاتجاه يناقض الاتجاه الاول الذي يصر على ان نظرية الردع افضل النظريات خدمة للنظام الاجتماعي. وما بين نظريتي التأهيل والردع تضيع العدالة الجنائية، لان الضحية تخسر دورها الاساسي وحقها الطبيعي المغصوب في هذا الصراع. وبموجب نظرية الردع فان للمحكمة الجنائية الحق في اختيار اربعة انواع من العقوبات ضد الجاني[51]، وهي: 1 ـ الغرامة المالية. 2 ـ تعليق العقوبة. 3 ـ اطلاق سراح الجاني مع مراقبته، وتقييده بالشروط. 4 ـ السجن أو العزل الاجتماعي. فالغرامة المالية تفرض اما على الجنح الصغيرة، أو انها تلازم عقوبات اخرى اضافية[52]. اما العقوبات المعلّقة[53]، فهي التي تفرض على الجاني الذي لاتنوي المحكمة الاقتصاص منه، فبعد ان تعلّق عقوبته، يصبح حراً طليقاً كبقية الافراد. واكبر نسبة من العقوبات التي تفرض على الجناة في النظام الرأسمالي الامريكي، هي من نوع العقوبات المعلّقة، وهي اطلاق سراحهم مع تقييدهم بشرط المحكمة المتمثل بمراقبة سلوكهم. اما عقوبة السجن[54]، فانما تنـزل بالجناة الذين يشكلون خطراً على النظام الاجتماعي بسبب خطورة انحرافهم. وغالباً ما يقوم القاضي بتعيين نوع ومدة العقوبة، ولكن لهيئة المحلفين الحق في تعيين عقوبة الجاني ايضاً[55]. ويعتمد تعيين العقوبة على تاريخ الجاني الشخصي والاجتماعي، وتقرير الجريمة، وتوصية النائب العام، ورأي القاضي الشخصي بالجناية[56]. وبالاجمال، فان للقاضي ـ في موارد معينة ـ صلاحيات في تعيين العقوبة التي تمتد من انزال اقصى الغرامات بالجاني الى نفي الجناية عنه واطلاق سراحه. واذا اخذنا منشأ العقوبة التشريعي بنظر الاعتبار، استطعنا تقسيم العقوبات في النظام القضائي الرأسمالي، الى أربعة اقسام وهي: العقوبات المحددة، وغير المحددة، والاجبارية، والافتراضية. فالعقوبات المحددة[57]، هي العقوبات التي يحددها مجلس المشرّعين (الكونغرس) كحد اقصى ويترك صلاحية تخفيضها للحاكم. فاذا كانت عقوبة السطو المسلح عشر سنوات سجن كحدّ اقصى مثلاً، جاز للحاكم تنـزيل العقوبة لسنة واحدة وهي عقوبة الحد الادنى. اما العقوبات غير المحددة[58] ، فقد اقترحها اصلاحيو القرن الثامن عشر الميلادي امثال (انيوخ واينز) و(زبلون بروكوي)، واكدوا فيها على ان عقوبة السجن يجب ان تصمم لمقابلة حاجة الجاني الشخصية . فالجاني ينبغي ان لا يدخل السجن ، الا اذا قرر الخبراء بان السجن هو الوسيلة الوحيدة للتأهيل الاجتماعي لذلك المنحرف[59]. وقد ناصر هذه الفكرة الكثير من علماء الجنايات الرأسماليين المعاصرين[60] . والاصل فيها ان الجناة افراد يعانون من امراض نفسية تعالجها السجون. فاذا كان السجن هو مركز العلاج، فان تغير سلوك الجاني وتناسبه مع الخط الاجتماعي المعتدل يمنح الحاكم فرصة مناسبة لاطلاق سراحه ، لان الجاني ـ بعد التعافي والشفاء ـ يصبح فرداً لايمكن ان يشكل خطراً او تهديداً على النظام الاجتماعي[61]. بمعنى اننا نستطيع ان نعتبر السجن كمستشفى مخصصة للعلاج ، فاذا كان مرض الفرد يستدعي بقاءه تحت العلاج اسبوعاً ، قضى المريض ذلك الاسبوع في المستشفى . واذا استدعى العلاج بقاءه عشر سنوات ، بقي المريض في المستشفى تلك الفترة كاملة . وهذا ، حسب النظرية الاصلاحية لـ (واينـز) و(بروكوي) ، ينطبق تماماً على السجون ، فهي مستشفيات خاصة بالمنحرفين[62]. والعقوبات الاجبارية[63]، تختص بالجرائم ذات الابعاد الخطيرة غير الاعتيادية . كوثوق المحكمة بان الجاني له نزعة قوية بالعودة الى الاجرام قبل انتهاء مدة العقوبة . فامثال هؤلاء ينبغي ـ حسب نظرية العقوبات الرأسمالية ـ ان يُرزحوا في السجون حتى انتهاء مدد احكام عقوباتهم[64] . فالذي يقتل عشرة افراد ويمثّل بهم على سبيل الافتراض ، يستلم حكماً بعقوبة مؤبدة ، نظرياً على الاقل . وهذه العقوبة اجبارية لايستطيع الافلات منها باي شكل من الاشكال . والعقوبات الافتراضية[65]، وهي عقوبات هدفها الردع ، والاصل في تشريعها ان الافراد المتهمين في جناية معينة ، عليهم الافتراض فيما اذا تم تجريمهم ، بان العقوبة التي ستنالهم ـ نظرياً ـ هي اقصى ما يمكن للقاضي ان يفرضه ضمن حدود القانون . فاذا كان التشريع مثلاً يفرض على السارق ست سنوات سجن كحد اقصى ، فعلى الجاني الافتراض ان هذا الحد الاقصى هو في الواقع العقوبة المفترض انزالها به . فاذا كان القاضي رحيماً بالجاني استطاع تخفيض العقوبة ، والا فان المفترض انزال العقوبة الكاملة بصاحب الجناية[66]. وهذا النظام في العقوبات الغربية كله من وضع الانسان ، بملاحظة تجاربه الفردية والاجتماعية على مدى السنوات الطويلة . ولا يُلحظ هنا الجانب الديني اصلاً . ولذلك فان الاخطآء والهفوات المتوقعة في هذا النظام تعالَج بتعديلات مستمرة في الدستور والقوانين المنبثقة عنه . وان اقل ما يقال بشأن نظام العقوبات الوضعي الغربي هو انه متخلف عن نظام العقوبات في النظرية الدينية عموماً ، والاسلامية بالخصوص ، كما سنرى لاحقاً في القسم الثاني من الكتاب . اختلاف العقوبات ضد الجنايات المتشابهة ومن اهم الانتقادات التي توجه للنظرية القضائية الامريكية ، هو اختلاف حجم العقوبات المُنزلة ضد الجنايات او الجرائم المتشابهة[67]. وهو يتناقض بشكل واضح مع عدالة النظام القضائي المفترض فيه المساواة بين الاحكام تجاه الجنايات المتشابهة المرتكبة من قبل الافراد . ويرجع الاختلاف في الحكم لنفس الجنايات الى اختلاف ثقافة القضاة وتباين خلفياتهم الفكرية[68]. وقد حاول النظام القضائي اصلاح هذا الخلل عن طريق تقديم اقتراحات عديدة ، لكنها جميعاً باءت بالفشل الذريع ، لانها لم تعالج المشكلة الاساسية في القضاء الامريكي ، وهي شخصية القاضي القانونية والعلمية . ومن هذه الاقتراحات تشريع قانون بعقوبات اجبارية محددة بدقة وغير خاضعة لاي تغيير او تبديل، ومثالها معاقبة اللصوص جميعاً بالسجن لمدة سنة واحدة ، مهما كان حجم السرقة ولونها[69]. ولكن تعدد نوعية السرقات واختلاف درجات خطورتها ، جعل هذا الحكم فاشلاً من الناحية الموضوعية . واقتراح آخر بتشكيل مجلس للقضاة يجتمعون فيه بشكل دوري لمناقشة العقوبات المفروضة على الجناة[70]، ولكن هذا الاقتراح مردود ايضاً لان الحكم على القضية الجنائية الخاصة يحتاج الى قاضي واحد له اهلية القضاء والحكم ، واجتماع القضاة دون تأهيل علمي شخصي لايحل المشكلة القضائية . واقتراح ثالث باصدار توصيات من المحاكم العليا حول اسلوب انشاء العقوبة[71]، وذلك بملاحظة العوامل الشخصية للجاني كالعمر ، وتاريخه الاجرامي ، وارتباطه بالافراد في المجتمع ، وسلوكه الحالي؛ وعلى ضوء ذلك يقدر الحاكم العقوبة التي يستحقها . ولكن هذا الاسلوب في العقوبة مع كونه سليماً في بعض الاحيان ، الا انه يساعد على صرف نظر القاضي الموجّه للجناية الاخيرة التي ينبغي التعامل معها كحالة موضوعية منفردة . واقتراح رابع يقول بان انشاء العقوبة يجب ان تُلاحظ فيه قضيَّتان : خطورة الجناية اولاً ، والعنف والسلاح الناري المستخدم في الجريمة ثانياً[72]. ويرد على هذا الاقتراح بان هناك جرائم خطيرة ولكن لايستخدم فيها العنف ، ولا السلاح الناري ، كالاختلاسات الرسمية الكبيرة مثلاً . فكيف يعاقب الجاني على هذه الجناية ، مع انه لم يستخدم العنف ولا السلاح ، وليس له تاريخ اجرامي مسبق ؟ وهكذا ترى ان كل المحاولات لاصلاح هذا الخلل قد باءت بالفشل . والسبب في ذلك ان القضاء والحكم بين المتخاصمين من اخطر المهام التي يتولاها الفرد في حياته العملية والاجتماعية. فالانسان، مهما اوتي من قوة في الفكر والادراك ، لايستطيع ان يضمن عدالة الحكم الصادر عنه ، ما لم يستند في حكمه على شريعة سماوية تقيم اسس القضاء العادل ، وتبني صرح المساواة بين جميع الافراد . نقد الفكرة القضائية الرأسمالية الغربية ولاريب ان العبارات البراقة التي يصف بها مناصرو الفكرة الرأسمالية ، النظام القضائي الغربي ويوسمونه بالعدالة والنـزاهة والقوة في الحكم بين المتخاصمين واحقاق الحق ، ما هي الا عبارات يراد منها ايهام الناس بتكامل ذلك النظام القضائي حقيقةً وواقعاً ، وخدعهم بان قضاءً عظيماً ، كالقضاء الامريكي ، لابد وان يكون وليد حضارة عظيمة ، كالحضارة الرأسمالية الغربية . ولكن نظرة منصفة سريعة تبين لنا ان النظام القضائي الامريكي بعيد كل البعد عن التكامل والعدالة والنزاهة المزعومة . ولتوضيح القصد من قولنا هذا لابد من تبيين المؤاخذات التي نؤاخذها على النظام القضائي الامريكي في الموارد التالية : اولاً : ان منصب النائب العام ، في النظام الرأسمالي ، الذي يمثل الدولة في الاعتقال ، والاستجواب ، والمحاكمة ، واصدار العقوبة ، يشغل من قبل فرد يعينه رئيس الجهاز التنفيذي على مستوى المحاكم الفيدرالية ، او يشغل عن طريق الانتخاب من قبل الناخبين على مستوى المحاكم المحلية . بمعنى ان الدولة بطبقتها الرأسمالية الحاكمة هي التي تحدد طبيعة اعتقال ومحاكمة المتهمين . والا ، فلماذا هذا التمييز في منصب النائب العام ؟ فلو كان الحق مخبوئاً في عملية الانتخاب ، فلماذا لاينتخب النائب العام الفيدرالي ؟ واذا كان الحق مع التعيين ، فلماذا لايعين النائب العام المحلي ؟ ولاشك ان قرار النائب العام المُنتخب على المستوى المحلي محكوم بقرار النائب العام على المستوى الفيدرالي . وبذلك فان النظام الرأسمالي ، بجعله منصب النائب العام المحلّي انتخابياً ومنصب النائب العام الفيدرالي تعينياً ، اراد ـ ظاهراً ـ ارضاء طرفين هما : الحكومة والناخبين في العملية القضائية؛ واضمر ، في واقع الامر ، هدفاً يتمثل في تثبيت سلطة الطبقة الرأسمالية الحاكمة وذلك بمنح السلطة الفيدرالية قوة قضائية اعظم من قوة السلطة المحلية . ثانياً : يمنح النظام القضائي الرأسمالي للنائب العام صلاحية اختيار وانتقاء الجرائم التي يرى في ملاحقتها مصلحة اجتماعية عليا . بمعنى ان للنائب العام سلطة اهمال جرائم معينة بحجة ان كشفها للرأي العام، وملاحقة المجرمين المتورطين في وقائعها ليس من المصلحة الاجتماعية . وهذا شرخ خطير في العدالة القضائية. فكيف يستطيع النائب العام الفيدرالي مثلاً ، تحديد المصلحة الاجتماعية ، خصوصاً اذا كانت تلك المصلحة متعلقة بالطبقة الفقيرة ، وهو المعيّن من قبل رئيس الجهاز التنفيذي الرأسمالي ؟ وكيف يستطيع النائب العام المحلي ، الذي له طموحات شخصية سياسية او قضائية كالتدرج الى المحاكم الفيدرالية ، العدالة بين الاغنياء والفقراء في اختيار الجرائم الجنائية الصالحة للمحاكمة ؟ وهل هناك جرائم صالحة للمحاكمة واخرى غير صالحة ؟ اليس الانحراف اصل من الاصول الاجرامية التي تستحق عقوبة رادعة للجاني حتى يعيش المجتمع الانساني في امان ، وثقة بان الحق يرد حتماً فيما اذا اغتصب ؟ واذا كان ادعاء النظام القضائي بان الانتقاء يرشح الجرائم الخطيرة ويوصلها الى اروقة المحاكم ، فمن الذي يعيّن ـ ودون مصلحة شخصية ـ حدود الجرائم الخطيرة عن غيرها ؟ واذا كان النظام القضائي لايستطيع معالجة جميع الجرائم ، فاين العدالة في التمييز بين ضحايا الجرائم الصغيرة وضحايا الجرائم الكبيرة بدعوى ان النائب العام هو اعرف بالمصلحة الاجتماعية من غيره ؟ ثالثاً : ويقف محامي الدفاع في القضية الجنائية الخطيرة موقفاً متناقضاً . فاذا كان المتهم جانياً في الواقع، فكيف يحق له مساندة ذلك المتهم ، والدفاع عن قضيته ضد المجني عليه ؟ اليس هذا مناقضاً لمفهوم العدالة الجنائية ؟ واذا كان الشاهد صادقاً في شهادته ضد الجاني ، فهل من الاخلاقية القانونية ان يقوم محامي الدفاع بتكذيب الشاهد او الاساءة الى شهادته بهدف تقوية موقف موكله (الجاني)؟ واذا كان محامي الدفاع يعلم علم اليقين ان الشاهد الواقف الى جانب الجاني يشهد شهادة كاذبة ، فهل يحق لمحامي الدفاع ان يجدّ في اقناع المحكمة بتصديق شهادة الزور ؟ وهل من الحكمة والعدالة ان يعطي محامي الدفاع الجاني معلومات قانونية تشجعه على تزوير وقائع الجناية ؟ بمعنى ان محامي الدفاع لو كان يعلم يقيناً ان موكله كان قد ارتكب الجريمة المُتهم بها ، ولكن وقائع الحادث والشهود لاتنهض بمرافعة عادلة ، فهل من العدالة ان يقوم محامي الدفاع بالدفاع عن الجاني ، وانقاذ رقبته من سيف العدالة ؟ وبالاجمال ، فان موقف محامي الدفاع المنافح عن المتهم يتناقض مع العدالة الجنائية ، خصوصاً اذا دلت كل الشواهد على ان المتهم هو الجاني . اما اذا كان المتهم بريئاً ، وكانت نوايا السلطة تجريم ذلك المتهم ، فان موقف محامي الدفاع المساند للنظام القضائي سيكون مناقضاً للعدالة الجنائية ايضاً . فمحامي الدفاع اذن ، على الاغلب ، موظف يعمل للنظام السياسي ، وليس رجل مبادئ يقف مع الحق بقوة وصلابة بغض النظر عن مصالح النظام القضائي . وبالتأكيد فان لهذا المحامي ارتباطات قانونية واقتصادية ومهنية وثقافية مع بقية اركان النظام القضائي ، وهي بالتأكيد اقوى من ارتباطاته بموكله المتهم بالقضية الجنائية . وليس غريباً ان يكون ولاؤه القانوني والاقتصادي للمحكمة والنظام اكثر من ولائه لموكله ، لان ذلك يدر عليه مالاً ويرفعه في السلّم الاجتماعي منازل ، ما كانت تحصل لو وقف مع الحق المغصوب . رابعاً : اقناع محامي الدفاع للمتهم ، بشتى الوسائل النفسية ، على الاقرار بالذنب . وهذه المساومة التي يحاول النائب العام بالتعاون مع محامي الدفاع ، ايقاع المتهم في شراكها قبل اجراء المحاكمة ، تتناقض مع ابسط مفاهيم العدالة القانونية ، وتعتبر من اكبر المظالم التي تدين النظام القضائي الرأسمالي في الولايات المتحدة. فيعتبر اقرار المتهم بالذنب ، حتى لو كان المتهم بريئاً ، انتصاراً لمحامي الدفاع امام اقرانه في المحكمة من المحامين، والقاضي ، والنائب العام . بل ان الاقرار بالذنب يصمم وينظم من قبل محامي الدفاع ، بحيث يكون مناسباً لمتطلبات النائب العام ومتناسباً مع المصلحة الاجتماعية ! ولاجل ذلك يستخدم محامي الدفاع شتى الاساليب النفسية لانتزاع الاقرار بالذنب من المتهم ، مستعملاً الاساليب العاطفية والسايكولوجية لكسر صمود المتهم ، الى ان يضمن امضاءه على لائحة الاقرار بالذنب عن طريق الايحاء بان العقوبة ستُخَفّف الى ادنى قدر يسمح به القانون . واذا كان المتهم جانياً في الواقع ، وكانت الاثباتات والشهادات تثبت قيامه بارتكاب الجناية ، فما معنى تخفيف عقوبته مقابل اقراره بالذنب . اليس هذا ظلماً واجحافاً بحق الضحية ؟ واذا كان المتهم بريئاً في الواقع ، ولكن الافادات والشهادات لاتثبت براءته ولاتجريمه ، اليس من الظلم اقناعه او اكراهه بالاقرار بالذنب مقابل تخفيف العقوبة الصادرة بحقه ؟ واذا كان المتهم البريء يقبل المساومة على الاقرار بالذنب ، لانه يخشى صرامة العقوبة الصادرة بحقه فيما اذا جرت المحاكمة ، اذن ، او ليس هذا شرخاً في عدالة النظام الرأسمالي ؟ واذا كان المفترض في محامي الدفاع ، نزاهته وتفانيه في الدفاع عن موكله ، فكيف يفسر النظام القضائي الرأسمالي لهث ذلك المحامي وراء اقناع موكله بالاقرار بالذنب ، بريئاً كان او جانياً ، اليس هذا تناقضاً مع ادعاءات النظام بأحقّية المتهم في التمثيل القانوني العادل ؟ بل ما معنى التمثيل القانوني اذا كان لايصب في مصلحة المتهم البريء ؟ وما معنى التمثيل القانوني اذا كان يصب في مصلحة الجاني ضد المجني عليه؟ خامساً : ان النظام القضائي الرأسمالي في الولايات المتحدة ، لايطلب من القاضي ان يكون حقوقياً او قانونياً او حتى حاملاً لاي شهادة جامعية . لان الذي يقوم بتحضير مستلزمات القضية الجنائية هو النائب العام مستعيناً بجهاز الشرطة والاستخبارات . اما الذي يحكم في القضية الجنائية فهو اعضاء هيئة المحلفين بالاجماع ، وما على الحاكم الا قراءة الحكم الصادر بصورة شفهية . بمعنى ان الحاكم او القاضي الرأسمالي هو مجرد اداري يشرف على سير المحاكمة الجنائية وصياغة الفاظ الحكم . ولايستطيع بحضور هيئة المحلفين ان ينشئ حكماً ضد المتهم ، بل له فقط تحديد العقوبة ، او تعليقها . والاصل في النظام القضائي الامريكي ان المحكمة جهاز اداري يفصل بين الخصومات على اساس النظر الشخصي لاعضاء هيئة المحلفين ، او النظر الشخصي للحاكم دون الاخذ بنظر الاعتبار ، درجة هؤلاء الافراد بالقضايا القانونية والادارية . وهذا شرخ خطير آخر في عدالة النظام القضائي الرأسمالي للولايات المتحدة . سادساً : ان الكفالة المالية التي اقرها الدستور الامريكي في التعديل الثامن ، انما جاءت للتأكيد على ضمان اطلاق سراح المتهمين من افراد الطبقة الغنية لحين ورود موعد المحاكمة . اما افراد الطبقة الفقيرة ، فليس لهم من يكفلهم ، لان اقرانهم وذويهم لايملكون المال الكافي لدفع الكفالة المالية ، فيبقى المتهمون في السجون فترة غير قصيرة ، ينقطعون فيها عن الانتاج ويحرمون فيها من ولاية متعلقيهم من القاصرين . والكفالة المالية اسلوب آخر من اساليب التمييز بين الفقراء والاغنياء ، لان المال هنا يستثمر كخط احمر يفصل بين الحرية والانعتاق ، والعبودية والتقييد . فالثري يخرج حراً مزاولاً عمله الانتاجي حتى يحين موعد المحاكمة ، والفقير يخسر عمله وحريته الى وقت المحاكمة . واذا كان النظام القضائي الرأسمالي يزعم بنزاهة نظامه ، فاين العدالة بين الافراد في استخدام المال في كفالة المتهمين ؟ سابعاً : ان البديل العلاجي ـ من الناحية النظرية ـ من اروع الافتراضات التي تهتم بتصحيح مسار الجريمة والانحراف في المجتمع الانساني . ولكن هذا البديل لايبدأ بعد انتهاء الجريمة ـ كما يدعو اليه الاتجاه الجديد في النظام الرأسمالي ـ بل ينبغي ان يبدأ قبل شروع الفرد في الانحراف. فان علاج الانحراف الاجتماعي لايتم الا عن طريق انشاء نظام العدالة الاجتماعية بين الافراد ، ودراسة منشأ الانحراف بعد اشباع حاجات الفرد الاساسية . بل ان علاج الانحراف المزعوم في النظام الامريكي لايخدم الا الطبقة الرأسمالية ، فمن خلاله يستطيع النائب العام بالاتفاق مع محامي الدفاع ، ادخال المتهمين الاثرياء من الطبقة الرأسمالية المعاهد العلاجية وتجنيبهم فضيحة المحاكمة والمكث في السجون . اما الافراد من الطبقة الفقيرة ، فقد تكون السجون ، حسب زعم النظرية الاصلاحية الرأسمالية ، افضل اماكن العلاج لهم ضد الانحراف الاجتماعي . ثامناً : ان اختيار هيئة المحلفين من دفاتر الضريبة ، دون النظر لعلمهم بالقضاء والحكم ، هو من اخطر هفوات النظام القضائي الرأسمالي . فكيف يستطيع اثنا عشر فرداً من عامة الناس الحكم على قضية جنائية تتعلق بالقتل او الغصب او السرقة ؟ بل كيف يجلس هؤلاء عملياً ، وقد يكون بعضهم لايعرف القراءة ولا الكتابة ، مجلس القاضي في الحكم بين المتخاصمين ، ويصدرون قراراتهم بتجريم المتهم او اعلان تبرئته ؟ اما الشروط التي تحدد انتقاء هؤلاء فهي لاتتعدى في الواقع الملكية الخاصة والقدرة العقلية العامة على الفهم الخارجي ، وهل هذه الشروط العامة تنهض الى مقام القضاء الرفيع ؟ بل كيف يؤمن الانسان اذا أتُّهِم وقُدِّم الى المحاكمة بعدالة حكم هيئة المحلفين ، التي يستند عليها القاضي في اصدار العقوبة بحق المتهم ؟ ومع افتراض حسن اطلاع هؤلاء على اسس العدالة ، فمن الذي يضمن ضبط ميولهم غير العلمية من طرف الى آخر في القضية الجنائية ؟ وبالتالي من يضمن عدالة النظام القضائي بخصوص معاقبة الجاني وتعويض المجني عليه؟ تاسعاً : ان نظام العقوبات غير المحددة التي اقترحها اصلاحيّو القرن الثامن عشر الميلادي وادعوا فيها ان عقوبة السجن ينبغي ان تصمم لمقابلة حاجة الجاني الشخصية ، بعيد كل البعد عن نظام العدالة القضائية ، فكيف يستطيع قضاة النظام الرأسمالي تحقيق العدالة بين فردين ارتكبا نفس الجناية ، ولكن احدهما عوقب بالسجن لمدة سنة واحدة ، والآخر بالسجن لمدة عشر سنوات ؟ ومن الذي يحدد حاجة الجناة الشخصية للعقوبة ؟ ثم الا يعدّ اعطاء حق القضاء للطب النفساني ظلماً واجحافاً بالجاني والمجني عليه ؟ ثم الا تعد فكرة عدم معاقبة الجاني معاقبة صارمة إضعافاً لقوة النظام القضائي وقدرته على مكافحة الاجرام والانحراف ؟ اضف الى ذلك ان هذا النظام الاصلاحي المزعوم يسلب حق العقوبة من النظام القضائي ،ويضعه بيد نظام آخر كالنظام الطبي النفساني ـ على افتراض ان علم النفس هو الذي يحدد حاجة الجاني للعقوبة ـ وهو اصلاح ينافي بالتأكيد كل معاني العدالة الاجتماعية والقضائية . (نهاية ص 104)
[1] جيمس ايسنشتاين، وجاكوب هربرت. العدالة الجنائية. بوستن: ليتل براون، 1977م. [2] كليرنس شراك. الجريمة والعدالة: الطريقة الامريكية. واشنطن دي سي: مطبعة الحكومة، 1970م. [3] كادش سانفورد، ومونراد بولسن. القانون الجنائي وعملياته. بوستن: ليتل براون، 1975م. [4] نيومان بيكر. شروع النائب العام في الملاحقة القضائية. مقالة علمية في مجلة القانون الجنائي، علم الاجرام، وعلم الشرطة، عدد 23، 1933م. ص 770- 781. [5] فريد انبارو، وآخرون. القانون الجنائي وادارته. نيويورك: المؤسسة، 1974م. [6] والتر ميرفي. عناصر الاستراتيجية القضائية. شيكاغو: مطبعة جامعة شيكاغو، 1964م. [7] جوناثان كاسبر. سياسة الحريات المدنية. نيويورك: هاربر ورو، 1972م. [8] سيدني المر. المحاكم، القانون، والعمليات القضائية. مصدر سابق. [9] فرانك ميلر. النيابة العامة: القرار لاتهام المشكوك فيه بالجريمة. بوستن: ليتل براون، 1970م. [10] هاريل روجرز، وجارلس بولوك. القانون والتغير الاجتماعي: قانون الحقوق المدنية وتبعاته. نيويورك: ماكرو- هيل، 1972م. [11] والتر ميرفي، وهيرمان بريشت. المحاكم، القضاة والسياسة: مقدمة في العملية القضائية. مصدر سابق. [12] ريتشارد بوسنر. المحاكم الفيدرالية. نيويورك: مطبعة جامعة هارفارد، 1985م. [13] نيومان بيكر. شروع النائب العام في الملاحقة القضائية. مصدر سابق. [14] جيمس ايسنشتاين، وجاكوب هربرت. العدالة الجنائية. مصدر سابق. [15] وين لافيف – انتقاء النائب العام للجنايات في الولايات المتحدة. مقالة علمية في (المجلة الامريكية للقانون المقارن)، عدد 18 ، 1970م. ص 532- 548. [16] كليرنس شراك – الجريمة والعدالة: الطريقة الامريكية. واشنطن دي سي: مطبعة الحكومة، 1970م. [17] وين لافيف، واوستن سكوت – كتاب القانون الجنائي. سانت بول: ويست ، 1982م. [18] جيمس كونين –كيف تستطيع الدفاع عن هؤلاء؟ صناعة محامي القضايا الجنائية. نيويورك: راندوم هاوس، 1983م. [19] جورج كول – القرار في الملاحقة القضائية. مقالة علمية في (المجلة النقدية للقانون والمجتمع)، عدد 4، 1970م. ص 331- 343. [20] مونرو فريدمان – المسؤولية الاحترافية لمحامي الدفاع الجنائي: الاسئلة الثلاثة الصعبة. مقالة علمية في (المجلة القانونية النقدية لجامعة ميشيغان)، عدد 64، 1966م. ص 1468- 1478. [21] هربرت جاكوب – العدالة في امريكا: المحاكم، المحامون، والعملية القضائية. بوستن: ليتل براون، 1984م. [22] المكتب الاحصائي للعدالة – نظام الدفاع الجنائي. واشنطن دي سي: وزارة العدل، 1984م. [23] جون مكنـزي – ظهور العدالة. نيويورك: جارلس سكرايبنـرز، 1974م. [24] لاييف كارتر – صناعة القانون الدستوري المعاصر. نيويورك: بيركامون، 1985م. [25] روسيت آرثر، ودونالد كريسي – العدالة بالموافقة. نيويورك: ليبنكوت، 1976م. [26] بنجامين كاردوزو – طبيعة العملية القضائية. نيويورك: مطبعة جامعة ييل، 1921م. [27] جون بريكهام – اللغة الدستورية: تفسير القرارات القضائية. وستبورت، كانتيكت: مطبعة كرينوود، 1978. [28] هنري ابراهام – العملية القضائية. نيويورك: مطبعة جامعة اكسفورد، 1986م. [29] وليام لاين بيري – العدالة في امريكا: القانون، النظام، والمحاكم. نيويورك: ويلسون، 1972م. [30] كادش سانفورد، ومونراد بولسن – القانون الجنائي وعملياته. بوستن: ليتل براون، 1975م. [31] ديفيد فيلمان – حقوق المدعى عليه اليوم. ماديسون: مطبعة جامعة ويسكوانسون، 1976م. [32] وليام برينان – المحكمة القومية الاستئنافية: مخالفة اخرى. مقالة علمية في (المجلة القانونية النقدية لجامعة شيكاغو)، عدد 40، ربيع 1973م. ص 480- 490. [33] جون بريكهام – اللغة الدستورية: تفسير القررات القضائية. وستبورت، كانتيكت: مطبعة كرينوود، 1978م. [34] لاييف كارتر- صناعة القانون الدستوري المعاصر. نيويورك: بيركامون، 1985م. [35] مارك كانون، وديفيد اوبرين – آراء من المنصة: السلطة القضائية والسياسة الدستورية. نيويورك: جاثام هاوس، 1985م. [36] جوناثان كاسبر – سياسة الحريات المدنية. نيويورك: هاربر ورو، 1972م. [37] والتر ميرفي – الكونغرس والمحكمة. شيكاغو: مطبعة جامعة شيكاغو، 1962م. [38] جارلس جونسون، وبرادلي كانون – السياسة القضائية: االتنفيذ والتأثير. واشنطن دي سي: سي كيو، 1984م. [39] راؤول بيركر – الحكومة تحت السلطة القضائية: تحويل التعديل الرابع عشر. كامبردج: مطبعة جامعة هارفارد، 1977م. [40] خدمات ابحاث الكونغرس- دستور الولايات المتحدة: تحليل وتفسير. واشنطن دي سي: مطبعة الحكومة، 1982م. [41] لويس فيشر – الحوار الدستوري: تفسير كعملية سياسية. نيوجرسي: مطبعة جامعة برنستون، 1988م. [42] جويل كروسماس – المحامون والقضاة: مؤسسة بار الامريكية وسياسة الانتقاء القضائي. نيويورك: جون وايلي، 1965م. [43] دونالد هوروتيز – المحاكم والسياسة الاجتماعية. واشنطن دي سي: معهد بروكنكس، 1977م. [44] فيليب دوبويس – سياسة الاصلاح القضائي. ماساشوستس: هيث، 1982م. [45] هربرت جاكوب – العدالة في امريكا: المحاكم، المحامون، والعملية القضائية. بوستن: ليتل براون، 1984م. [46] ميرفي والتر – عناصر الاستراتيجية القضائية. شيكاغو: مطبعة جامعة شيكاغو، 1964م. [47] ليسلي ويلكنـز – مبادئ الهداية في العقوبات. واشنطن دي سي: مطبعة الحكومة، 1981م. [48] مارفين فرانكيل – العقوبات الجنائية: قانون بدون نظام. نيويورك: هيل ووانك، 1973م. [49] هربرت باكر- حدود المقاطعة الجنائية. ستانفورد، كاليفورنيا: مطبعة جامعة ستانفورد، 1968م. [50] جارلس جوت، ومارجوري بل – الجريمة، المحاكم، وتعليق العقوبة. نيويورك: ماكميلان، 1956م. [51] مالكولم فيلي – عملية العقوبة. نيويورك: مؤسسة رسل سيك، 1979م. [52] مارفين فرانكيل- العقوبات الجنائية: قانون بدون نظام. نيويورك: هيل ووانك، 1973م. [53] جارلس جوت، ومارجوري بل- الجريمة، المحاكم، وتعليق العقوبة. نيويورك: ماكميلان، 1956م. [54] تي ار كلير – العقوبات الثابتة والاختيارية: توزيعها، السيطرة عليها، وتأثيرها على المعتقلين لفترة معينة. مقالة علمية في مجلة (الجريمة والجنح المخلة بالشرف)، عدد 20، 1974م. ص 428- 445. [55] جوناثان كاسبر – سياسة الحريات المدنية. نيويورك: هاربر ورو، 1973م. [56] دونالد هوروتيز – المحاكم والسياسة الاجتماعية. واشنطن دي سي: معهد بروكنكس، 1977م. [57] كليك هنـري – المحاكم ، السياسة، والقضاة. نيويورك: ماكرو هيل، 1983م. مارفين زالمان – بروز فكرة العقوبة غير المعينة وسقوطها. مقالة علمية في (المجلة القانونية النقدية لجامعة وين)، عدد 24، 1978م. [58] [59] مالكوم فيلي – عملية العقوبة. نيويورك: مؤسسة رسل سيك، 1979م. [60] ليسلي ويلكنـز – مبادئ الهداية في العقوبات. واشنطن دي سي: مطبعة الحكومة، 1981م. [61] معهد فيرا لابحاث العدالة – مناهج في العدالة الجنائية. نيويورك: معهد فيرا، 1972م. [62] مارك توشنت – الاحمر، الابيض، والازرق: تحليل نقدي للقانون الدستوري. نيويورك: مطبعة جامعة هارفارد، 1988م. [63] هربرت باكر – حدود المقاطعة الجنائية. ستانفورد، كاليفورنيا: مطبعة جامعة ستانفورد، 1968م. [64] جون بريكهام – اللغة الدستورية: تفسير القرارات القضائية. وستبورت، كانتيكت: مطبعة كرينوود، 1978م. [65] ليسلي ويلكنـز – مبادئ الهداية في العقوبات. واشنطن دي سي: مطبعة الحكومة، 1981م. [66] تيموقب اونيل- لغة المساواة في النظام الديمقراطي. مقالة علمية في (المجلة النقدية للعلوم السياسية)، عدد 75، ايلول 1981م. ص 626- 635. [67] هربرت باكر – حدود المقاطعة الجنائية. ستانفورد، كاليفورنيا: مطبعة جامعة ستانفورد، 1968م. [68] والتر ميرفي، وهيرمان بريشت – المحاكم، القضاة ، والسياسة: مقدمة في العملية القضائية. نيويورك: راندوم هاوس، 1986م. [69] جوناثان كاسبر – سياسة الحريات المدنية. نيويورك: هاربر ورو، 1972م. [70] جويل كروسماس – المحامون والقضاة: مؤسسة بار الامريكية وسياسة الانتقاء القضائي. نيويورك: جون وايلي، 1965م. [71] لاييف كارتر – صناعة القانون الدستوري المعاصر. نيويورك: بيركامون، 1985م. [72] وليام مكدانالد – العدالة الجنائية والضحية: مقدمة . بيفرلي هيلز، كاليفورنيا: سيك، 1976م.
|