|
(ص 74 - 104) المحاكمة الجنائية وتعتبر عملية المحاكمة من اهم اركان نظام القضاء الجنائي، لانها حق من الحقوق الدستورية لكل من الجاني والمجني عليه، ولانها مسرح يتبارى فيه النائب العام ضد محامي الدفاع لتجريم المتهم، وانزال العقوبات التي يستحقها ضده. وبالتالي، فان المحاكمة الجنائية فرصة ثمينة لاظهار عدالة النظام القضائي امام نظر افراد المجتمع. فمن الارجح اذن، ان نناقش في هذا القسم النقاط المتعلقة بالمحاكمة الجنائية، وهي: اختيار هيئة المحلفين، والعمليات الاجرائية للمحاكمة الجنائية، والحقوق الدستورية للمتهم. اختيار هيئة المحلَفين: ويتم اختيار هيئة المحلَفين في المحاكمات المدنية والجنائية من عامة الافراد الذين يدفعون الضريبة السنوية او يسجلون اسماءهم للانتخابات، ويسكنون ضمن المنطقة الادارية للمحكمة الحقوقية او الجنائية[1]. فيتم استدعاؤهم واختيار الصالحين منهم لعضوية هيئة المحلفين المتكونة من اثني عشر عضواً اصلياً وعضوي احتياط[2]. ويحرّم القانون على الاطباء، ورجال الدين، وموظفي الحكومة الانتساب لعضوية هيئة المحلفين في اية قضية جنائية او مدنية[3]. بمعنى ان المؤسسة الدينية والحكومية والخبرة الطبية بالخصوص منفصلة عن القضاء الرأسمالي فيما يخص الحكم والمرافعات. وعندما ينتهي اختيار اعضاء الهيئة الاثنَيْ عشر ـ قضائياً ـ يتم استجوابهم من قبل النائب العام ومحامي الدفاع حول مستنداتهم الفكرية والعقائدية، ووظائفهم، وسكناهم، ومدى علمهم بالجناية[4]. ويلزم عليهم قبل كل ذلك حلف اليمين القانونية، ولذلك تسمى هيئتهم بهيئة المحلَفين[5]. واذا كان ثبت انتساب احد المحلفين بالجاني عن طريق قرابة او علاقة ما، أو كان له رأي مسبق بالحكم على الجاني، ينتزع حقه من عضوية الهيئة. ويقوم محامي الدفاع بنشاط محموم لمعرفة توجهات هؤلاء الافراد حول الجناية والجاني، فاذا احس منهم عدم الحياد كان له مطلق الحق باستبدالهم بافراد آخرين؛ فلمحامي الدفاع صلاحية طلب استبدال الرجال بالنساء في هيئة المحلفين مثلاً، اذا كان الجاني امرأة، بحجة ان النساء اعرف بدوافع الجريمة وظروفها، وعلى ضوء ذلك فانهن اعدل في الحكم من الرجال بخصوصية تلك القضية. بل يستطيع محامي الدفاع استبدال اعضاء هيئة المحلفين، اذا احس منهم التمييز العرقي تجاه موكله. العمليات الاجرائية للمحاكمة: وتتطلب المحاكمة في القضايا الجنائية سلوكاً ونشاطاً خاصاً يقوم به النائب العام ومحامي الدفاع امام القاضي وهيئة المحلفين[6]. فيقوم كل طرف بتقديم كل الاثباتات والادلة والشهادات التي تسلط ضوءاً ساطعاً على عدالة القضية التي يؤمن بها ذلك الطرف ضد الطرف الآخر. حيث يمنح القانون صلاحية الاعتراض على اي مسألة يمكن ان تؤثر على قرار النائب العام او محامي الدفاع بشأن الجناية[7]. فيقوم محامي الدفاع بالاعتراض على الاستفسارات التي يواجهها الشهود مثلاً من قبل النائب العام، محتجاً بخروجها عن موضوعية المحاكمة[8]. عندها يقرر الحاكم او القاضي تحذير النائب العام وايقافه عند حدّه القانوني، وعدم منحه الفرصة في الاستمرار بهذا اللون من الانتهاك الدستوري لحقوق الافراد. ويستخدم النائب العام الادلة الاولية، والثبوتات العينية والاعترافات، لاقناع هيئة المحلفين بتجريم المتهم دون دنى شك بجريمته[9]. اما محامي الدفاع، فانه يقوم برد حجج النائب العام وادعاءاته، ويؤكد ان للمتهم، في الساحة القضائية، حقوقاً دستورية خلال جميع مراحل المحاكمة، ويلمّح لهيئة المحلفين بان المتهم اذا جُرّم، فانه يستطيع طلب استئناف الحكم في محكمة عليا[10]. اما دور القاضي خلال مراحل المحاكمة، فهو الاشراف على نظام كامل وعادل للمحاكمة بكل اطرافها المتنازعة والحيادية وهي: النائب العام، ومحامي الدفاع، والجاني، والمجني عليه، والشهود، وهيئة المحلفين[11]. ولما كان القانون الفيدرالي يضمن تنظيم العمليات الاجرائية للمحاكمة في الولايات المتحدة، فان سلوك المحاكم الفيدرالية وضباطها ـ وهم القاضي والنائب العام ومحامي الدفاع ـ ينبغي ان يتم ضمن صيغة موحدة مقررة من قبل السلطة القضائية العليا، تسير عليها كل المحاكم القضائية في البلاد[12]. وهذه الصيغة التي تعمل بها المحاكم الفيدرالية والمحلية كان قد وضع اسسها وقواعدها القانون الرأسمالي، وهي تمثل الخطوات التالية: اولاً: تبدأ المحاكمة بالقاء كلمات افتتاحية من قبل كل من النائب العام، ومحامي الدفاع، لعرض قضية موكليهما المتنازع عليها[13]. فيقومان، كل على حدة، بتنبيه هيئة المحلفين بضرورة الالتزام بحيثيات القضية الجنائية بخصوص الامور المراد اثباتها، والحقائق المراد التركيز على صحتها وصلاحيتها في الحكم. ثم يقدم كل منهما شهوده، ويدعو كل منهما هيئة المحلفين للاستماع للشهادات الخاصة بالقضية. والاصل في اطروحة محامي الدفاع، وهو مايؤكد عليه في كل مناسبة امام هيئة المحلفين، ان اي شك في تجريم المتهم يجب ان يترجم الى تبرئة لساحته من الجناية المتهم بها[14]. ثانياً: وعندما تنتهي الكلمات الافتتاحية، تقوم الحكومة ممثلة بالنائب العام بعرض القضية، عن طريق عرض الشهود وشهاداتهم، امثال جهاز الشرطة، والمجني عليه، والخبراء المختصين بالقضية كالاطباء والمحللين الكيميائيين، وتجار الادوات الجرمية[15]. والاصل في الشهادات المقبولة لدى هيئة المحلفين، ان الشاهد المحلّف يجب ان يرى، أو يسمع، أو يلمس متعلقات الجناية، وما عدا ذلك لا تقبل فيه الشهادة[16]. فاذا ذكر الشاهد مثلاً رأيه الشخصي في كيفية وقوع الجريمة، تسقط الشهادة، لانها ليست دليلاً على الحق. فاذا قال الشاهد: انا اتصور، أو اعتقد ان الجاني قد قتل المجني عليه لا تؤخذ شهادته، بل عليه ان يرى العمل الجنائي أو يسمع طلقات الرصاص وقت الجناية مثلاً. ويقبل الرأي الشخصي للشاهد في حالات استثنائية، واصفاً حركة سيارة أو ضجيج قطار مثلاً، أو واصفاً حالة الجاني حين الجناية، مخموراً كان أو مجنوناً. ويستطيع الشاهد الخبير، الشهادة امام هيئة المحلفين باعتباره من أهل الخبرة فحسب، فتؤخذ شهادة الطبيب النفساني مثلاً عن حالة المتهم العقلية حين الجناية[17]. وعندما ينتهي النائب العام من استجواب الشهود المقدّمين من قبله، يقوم محامي الدفاع باستجواب نفس الشهود ملاحظاً مصلحة الجاني هذه المرة، في محاولة منه لكشف دور المتهم الايجابي في الجناية[18]. واذا لم تكتمل الصورة لدى المحلفين يقوم النائب العام مرّة اخرى باستجواب الشهود ليدحض آراء محامي الدفاع، ويقنع هيئة المحلفين بصواب رأيه في الجناية. واخيراً، يستطيع محامي الدفاع استجواب الشهود مرة ثانية وأخيرة، لدحض آراء النائب العام[19]. ثالثاً: وعندما ينتهي النائب العام من قضيته بكل ما تتضمن من افادات واثباتات وشهادات، يطلب محامي الدفاع من القاضي باقتراح اصدار حكم من قبل هيئة المحلفين، فاذا قبلت هيئة المحلفين ذلك، اصدر القاضي تعليماته لتلك الهيئة بتبرئة ساحة المتهم فوراً، وعندها تنتهي المحاكمة[20]. لان الحكم المباشر الصادر من هيئة المحلفين يعني ان النائب العام لم يقدم في عرضه للقضية الجنائية الاثباتات اللازمة لتجريم المتهم. اما اذا رفضت هيئة المحلفين ذلك، أمر القاضي استمرار المحكمة، فيتقدم محامي الدفاع لعرض قضيته طالباً مثول جميع الشهود الذين اختارهم النائب العام[21]. وعندما ينتهي محامي الدفاع من عرض القضية والاستماع الى الشهود، يقوم النائب العام بدحض الادلة والحجج المعروضة من قبل محامي الدفاع[22]. وهذا يعني ان النائب العام يقوم في هذه المرحلة بعرض افادات وادلة جديدة لم تعرض سابقاً في المحاكمة. ويستطيع محامي الدفاع ـ في هذه المرحلة ـ دحض ادلة النائب العام ايضاً، وتقديم ادلة جديدة لم تقدم سابقاً. وبعد تقديم كل الادلة والحجج الى المحكمة، يقوم محامي الدفاع مرة اخرى باقتراح اصدار حكم مباشر من قبل هيئة المحلفين. فاذا رفضت الهيئة ذلك، أصبح جلياً ان النائب العام ومحامي الدفاع يئسا من اقناع الهيئة باصدار الحكم المباشر، ولابد لهما من القاء خطابي النهاية، ويكون الحكم النهائي لهيئة المحلفين[23]. رابعاً: وفي الخطاب النهائي للطرفين ـ اي محامي الدفاع والنائب العام ـ امام هيئة المحلفين، يقوم كل منهما بعرض ملخص للحقائق والادلة المعروضة خلال سير المحاكمة كلٌ بما يناسب او يلائم موقف موكله[24]. فيسمح لهما القانون، بابداء استدلالهما الموضوعي النـزيه، واثبات ان الحقائق تبرهن أو تدحض ذنب المتهم، على شرط ان لا تخرج تلك الاستدلالات والاستنتاجات عن البراهين والحجج المقدمة خلال مراحل المحاكمة[25]. خامساً: وفي المحاكمة الجنائية، يقوم القاضي باصدار تعليماته لهيئة المحلفين فيما يخص مبادئ القانون حول تجريم المتهم. فالعضو المحلّف ينبغي ـ نظرياً ـ ان يدرك عناصر الجريمة والاتهام، ونوع الادلة والبراهين المطلوبة لاثبات الجرم، وطريقة اثبات الجرم على المتهم[26]. ولابد للقاضي في تعليماته ان يُعلم اعضاء هيئة المحلفين عن مستوى الدليل المطلوب اثباته لتجريم المتهم. فاذا كان هناك ادنى شك بتجريم المتهم يحكم ببراءته من الجريمة، كما ذكرنا ذلك سابقاً. وليس على المتهم ان يثبت براءته او جرمه، لان هذا هو اصل عمل هيئة المحلفين[27]. سادساً: وعندما تنتهي المرافعات، تخلد هيئة المحلفين لدراسة الحكم بتجريم المتهم او تبرئة ساحته. ويجب ـ حسب القانون القضائي الرأسمالي ـ ان يكون حكم الهيئة بالاجماع[28]. فاذا تخلف احد الاعضاء الاثنيْ عشر عن موافقة زملائه في الحكم بالتجريم او البراءة، اصدرت الهيئة حكماً معلقاً[29]، فيكون للنائب العام ـ حينئذ ـ صلاحية اعادة المحاكمة من البداية بهيئة محلفين جديدة[30]. اما اذا اجمع الاعضاء على تجريم المتهم ، فان قضية تحديد العقوبة ترفع ـ عندئذ ـ الى القاضي، الذي يقوم بدوره باستشارة ضباط المحكمة، بتعليق الحكم او المضي بتنفيذ العقوبة[31]. وعند اصدار العقوبة بالسجن او الغرامة او الاعدام، يحق للمتهم الطلب من المحكمة العليا استئناف الحكم على اساس ان المحاكمة الاولى لم تتمتع بدستورية كاملة[32]. وعندها تبدأ المحاكمة من جديد في محكمة الاستئناف. الحقوق الدستورية للمتهم: ولما كانت المحاكمة اثراً من آثار تطبيق احكام الدستور على الافراد، فان تفسير التشريعات، واحكام المحاكم، والعمليات القضائية، كلها مصممة على التأكيد على ان للمتهم الحق في محاكمة عادلة نزيهة[33]. ولاشك ان الدستور الامريكي يمنح المتهمين حقوقاً قانونية حتى يثبت تجريمهم[34]. ومن هذه الحقوق: 1 ـ الحق في محاكمة علنية سريعة[35]، حيث يؤكد ذلك التعديل السادس للدستور الامريكي. بمعنى ان المتهم يجب ان يحاكم خلال مدة معقولة. واذا ما انتهكت المحكمة هذا الحق بطل اتهام ذلك الفرد بارتكاب الجناية، وعندها ينبغي اطلاق سراحه فوراً. ولكن اذا تحقق انتهاك حق الفرد في محاكمة سريعة، فانه لابد ان ينظر الى الضوابط القضائية التي سببت هذا الانتهاك، كطول مدة التأخير، والتمييز العرقي ضد المتهم، وعدد الحالات الجنائية التي لازالت على قائمة الانتظار. وعلى ضوء ذلك تتخذ المحاكم العليا الاجراءات المناسبة. ولكن ـ ومن اجل تيسير العمل القضائي ـ فانه يجوز للمتهم الموافقة على اسقاط حقه الدستوري في المحاكمة السريعة[36]، بمعنى انه يجوز له تأخير محاكمته عن موعدها المحدد في الفترة المذكورة في الدستور. والسؤال المطروح في هذا الباب هو: كم يستغرق ـ دستورياً ـ اعتقال المتهم ابتداءً من وقوع الجناية وحتى انتهاء المحاكمة؟ والجواب على ذلك انه ليس هناك مايشير الى تحديد تلك الفترة في الدستور، ولكن السلطة التشريعية المتمثلة بالكونغرس قررت تحديدها بثلاثين يوماً من بدء وقوع الجريمة والاعتقال وحتى صدور الاتهام، وسبعين يوماً من صدور الاتهام وحتى المحاكمة[37]، أي يستغرق صدور الحكم على الجاني نظرياً، من وقوع الجناية مائة يوم. ولكن هذه الفترة غير ملزمة للمحاكم الدنيا، لان التشريع البرلماني الزام قانوني وليس دستورياً، فقد تستغرق محاكمة الجرائم الجنائية عدة سنوات[38]. 2 ـ الحق في محاكمة هيئة المحلفين[39]. وهذا الحق مثبت في التعديل الرابع عشر للدستور الامريكي، حيث تفسره المحكمة العليا بقولها: ان كل متهم يحتمل ان يواجه عقوبة سجن قدرها ستة اشهر أو اكثر له الحق في محاكمة تقرر مصيرها هيئة المحلفين المتكونة من اثني عشر محلّفاً، باجماع الاصوات. 3 ـ الحق في محاكمة جنائية واحدة فقط[40]. فلا يجوز ـ حسب التعديل الخامس للدستور ـ محاكمة متهم مرتين لنفس التهمة الموجهة له. فاذا حوكم المتهم وجرّم في جناية قتل في احدى الولايات، فلا يجوز لايّ محكمة اخرى في نفس الولاية محاكمته مرة اخرى لنفس الجناية التي ارتكبها وحوكم عليها. 4 ـ الحق في استشارة قانونية[41]. فبغض النظر عن كل الحقوق القانونية الممنوحة للافراد في المحاكمة، الا ان وقوف المتهم امام هيئة المحلفين والقاضي والنائب العام دون استشارة قانونية يعدّ انتهاكاً دستورياً لحق الفرد في الدفاع عن نفسه. ولذلك، فان التعديل السادس للدستور يمنح كل متهم في القضية الجنائية حق التمثيل من قبل محامي الدفاع[42]. واذا عجز الفرد عن تسديد اجور محامي الدفاع، فان الحكومة المحلية او الفيدرالية مكلّفة بتقديم خدمات قانونية مجانية للمتهم[43]، كما ذكرنا ذلك سابقاً. حيث يمنح القانون الرأسمالي للمتهم، مهما كان نوع التهمة التي اتهم بها ـ جنائيةً كانت او مدنية ـ حق تكليف محامي الدفاع من زمن الاعتقال وحتى الحكم النهائي والمحاكمة الاستئنافية. ويجب ـ بموجب الدستور ـ ان يُمنَح المتهم الاستشارة القانونية الكفوءة[44]. بمعنى انه لو تطلبت القضية الجنائية كلفة اضافية بتأجير محامي كفوء، فان على الحكومة الاذعان لطلب المتهم، بتأجير ذلك المحامي ودفع كلفة تأجيره المالية، شرط ان يكون المتهم عاجزاً عن دفع تلك الاجور. واذا جرّم المتهم، فان له الحق في التماس المحكمة وقضاتها باسقاط الحكم الصادر ضده بدعوى عدم كفاءة محامي الدفاع[45]. وهو حق مضمون في التعديل السادس من الدستور الامريكي ايضاً. نظام العقوبات الرأسمالي وبعد تجريم المتهم بارتكابه الجناية، أو اقراره بالذنب على نفسه، يُدخل الى قاعة المحكمة للاستماع الى العقوبة الجنائية المختومة بختم القاضي[46]. والعقوبة، بمفهومها الردعي الواسع وتفاصيلها المتشعبة تهدف الى تثبيت حقائق على درجة كبيرة من الاهمية، منها: اولاً: ردع بقية الافراد عن ارتكاب جنايات متشابهة. ثانياً: اعادة تأهيل الجاني حتى يصبح فرداً صالحاً يطمح بالرجوع الى المجتمع الكبير وخدمته. ثالثاً: الانتقام من الجاني بما يناسب الجناية. وهذه المفاهيم تتناغم مع زعم النظرية الرأسمالية في العقوبات بان السجن اداة وقائية لحفظ المجتمع وافراده من شرور الجناة[47]، لان اطلاق سراحهم ـ بزعمها ـ يعطي فرصة نموذجية للمنحرفين لتخريب الحياة الاجتماعية، وزعزعة النظام الاجتماعي[48]. ولذلك، فان فكرة السجون انما جاءت لتحصر المجرمين والمنحرفين عموماً في حيز ضيق، حتى لايمتد تأثيرهم الانحرافي الى الساحة الاجتماعية[49]. اما تأهيل الجناة، عن طريق ادخالهم المعاهد المهنية، وتعليمهم الثقافة الاجتماعية، وتمرينهم على التعامل مع العواطف المنكسرة والقلق النفسي، فهو اتجاه حديث[50] يهدف بالدرجة الاولى الى تهذيب المنحرفين بدل انزال العقوبة بهم. وهذا الاتجاه يناقض الاتجاه الاول الذي يصر على ان نظرية الردع افضل النظريات خدمة للنظام الاجتماعي. وما بين نظريتي التأهيل والردع تضيع العدالة الجنائية، لان الضحية تخسر دورها الاساسي وحقها الطبيعي المغصوب في هذا الصراع. وبموجب نظرية الردع فان للمحكمة الجنائية الحق في اختيار اربعة انواع من العقوبات ضد الجاني[51]، وهي: 1 ـ الغرامة المالية. 2 ـ تعليق العقوبة. 3 ـ اطلاق سراح الجاني مع مراقبته، وتقييده بالشروط. 4 ـ السجن أو العزل الاجتماعي. فالغرامة المالية تفرض اما على الجنح الصغيرة، أو انها تلازم عقوبات اخرى اضافية[52]. اما العقوبات المعلّقة[53]، فهي التي تفرض على الجاني الذي لاتنوي المحكمة الاقتصاص منه، فبعد ان تعلّق عقوبته، يصبح حراً طليقاً كبقية الافراد. واكبر نسبة من العقوبات التي تفرض على الجناة في النظام الرأسمالي الامريكي، هي من نوع العقوبات المعلّقة، وهي اطلاق سراحهم مع تقييدهم بشرط المحكمة المتمثل بمراقبة سلوكهم. اما عقوبة السجن[54]، فانما تنـزل بالجناة الذين يشكلون خطراً على النظام الاجتماعي بسبب خطورة انحرافهم. وغالباً ما يقوم القاضي بتعيين نوع ومدة العقوبة، ولكن لهيئة المحلفين الحق في تعيين عقوبة الجاني ايضاً[55]. ويعتمد تعيين العقوبة على تاريخ الجاني الشخصي والاجتماعي، وتقرير الجريمة، وتوصية النائب العام، ورأي القاضي الشخصي بالجناية[56]. وبالاجمال، فان للقاضي ـ في موارد معينة ـ صلاحيات في تعيين العقوبة التي تمتد من انزال اقصى الغرامات بالجاني الى نفي الجناية عنه واطلاق سراحه. واذا اخذنا منشأ العقوبة التشريعي بنظر الاعتبار، استطعنا تقسيم العقوبات في النظام القضائي الرأسمالي، الى أربعة اقسام وهي: العقوبات المحددة، وغير المحددة، والاجبارية، والافتراضية. فالعقوبات المحددة[57]، هي العقوبات التي يحددها مجلس المشرّعين (الكونغرس) كحد اقصى ويترك صلاحية تخفيضها للحاكم. فاذا كانت عقوبة السطو المسلح عشر سنوات سجن كحدّ اقصى مثلاً، جاز للحاكم تنـزيل العقوبة لسنة واحدة وهي عقوبة الحد الادنى. اما العقوبات غير المحددة[58] ، فقد اقترحها اصلاحيو القرن الثامن عشر الميلادي امثال (انيوخ واينز) و(زبلون بروكوي)، واكدوا فيها على ان عقوبة السجن يجب ان تصمم لمقابلة حاجة الجاني الشخصية . فالجاني ينبغي ان لا يدخل السجن ، الا اذا قرر الخبراء بان السجن هو الوسيلة الوحيدة للتأهيل الاجتماعي لذلك المنحرف[59]. وقد ناصر هذه الفكرة الكثير من علماء الجنايات الرأسماليين المعاصرين[60] . والاصل فيها ان الجناة افراد يعانون من امراض نفسية تعالجها السجون. فاذا كان السجن هو مركز العلاج، فان تغير سلوك الجاني وتناسبه مع الخط الاجتماعي المعتدل يمنح الحاكم فرصة مناسبة لاطلاق سراحه ، لان الجاني ـ بعد التعافي والشفاء ـ يصبح فرداً لايمكن ان يشكل خطراً او تهديداً على النظام الاجتماعي[61]. بمعنى اننا نستطيع ان نعتبر السجن كمستشفى مخصصة للعلاج ، فاذا كان مرض الفرد يستدعي بقاءه تحت العلاج اسبوعاً ، قضى المريض ذلك الاسبوع في المستشفى . واذا استدعى العلاج بقاءه عشر سنوات ، بقي المريض في المستشفى تلك الفترة كاملة . وهذا ، حسب النظرية الاصلاحية لـ (واينـز) و(بروكوي) ، ينطبق تماماً على السجون ، فهي مستشفيات خاصة بالمنحرفين[62]. والعقوبات الاجبارية[63]، تختص بالجرائم ذات الابعاد الخطيرة غير الاعتيادية . كوثوق المحكمة بان الجاني له نزعة قوية بالعودة الى الاجرام قبل انتهاء مدة العقوبة . فامثال هؤلاء ينبغي ـ حسب نظرية العقوبات الرأسمالية ـ ان يُرزحوا في السجون حتى انتهاء مدد احكام عقوباتهم[64] . فالذي يقتل عشرة افراد ويم |