|
(ص 43 - 73) القسم الاول النظام القضائي في النظرية الرأسمالية الغربية التركيبة القضائية في النظام الرأسمالي * اطراف العملية القضائية: النائب العام. محامي الدفاع. الحاكم او القاضي* اجراءات ما قبل المحاكمة: الكفالة. المساومة على الاقرار بالذنب. بدائل الملاحقة القضائية *المحاكمة الجنائية: اختيار هيئة المحلَفين. العملية الاجرائية للمحاكمة. الحقوق الدستورية للمتهم* نظام العقوبات الرأسمالي* اختلاف العقوبات ضد الجنايات المتشابهة* نقد النظام القضائي الرأسمالي الامريكي* ------------------------- التركيبة القضائية في النظام الرأسمالي يفترض ـ من الناحية النظرية ـ ان النظام القضائي قد صمم اصلاً على ان يكون منبراً نزيهاً للحكم بين الاطراف المتنازعة، وكلمة حق تميّز الجاني عن المجني عليه، والقانون عن الفرد الذي ينتهكه، والدولة وعن الخارج عليها. وبغض النظر عن الاسباب المتعلقة بالدعاوى، فان القانون ينبغي ان يضمن بشكل صريح بان كل الاطراف المتنازعة في قضية من القضايا يجب ان تخضع لعدالة المحكمة ونزاهة النظام القضائي[1]. ولكن اذا شعر المدعي او المدعى عليه بان حقوقه قد هدرت في العملية القضائية الابتدائية، فانه يستطيع ـ نظرياً ـ نقل قضيته الجنائية او الحقوقية الى محكمة عليا لاستئناف ذلك الحكم[2]. وحتى تتحقق العدالة الجنائية والحقوقية بين الافراد المتخاصمين، على الصعيد العملي، فان جهاز المحكمة لابد وان يضم مجموعة من المؤسسات الصغيرة المتضافرة لانجاح العملية القضائية كقسم جهاز الشرطة، ومكاتب النائب العام ومحامي الدفاع والحاكم، والقسم الخاص بتعليق العقوبة الصادرة بحق المتهم[3]. حيث تقوم هذه الوحدات مجتمعةً بتنفيذ عمليات الاعتقال، وانتخاب هيئة المحلفين، والمحاكمة، وايقاع العقوبة المناسبة للجناية بالجاني. ولتيسير وظيفة النظام القضائي، وتثبيت مهمته في فصل الخصومات لمختلف شرائح وطبقات المجتمع، فقد قُسِّمت المحاكم القضائية الى مستويات مختلفة[4]. فاندرجت تحت عنوان النظام القضائي الامريكي محاكم على درجات متفاوتة في الاهمية والقصد تبدأ بالمحاكم البلدية، ثم محاكم المقاطعات، ومحاكم الولايات، والمحاكم الفيدرالية، وتنتهي بالمحكمة العليا، التي تكون قراراتها القضائية نهائية[5]؛ لانها حسب زعم النظرية القضائية الغربية، اعلى محكمة على التراب القومي للدولة الرأسمالية. ومحاكم الولايات، تتألف من ثلاث طبقات مختلفة في التصميم، وهي، اولاً: المحاكم الدنيا، كالمحاكم البلدية التي تنظر في الجنح والجرائم الصغيرة كمخالفات انظمة السير او المرور، والتخاصم حول اجور العمل والمكافأة الاجتماعية، واجراءات عملية الزواج والطلاق[6]. ثانياً: المحاكم العليا في الولاية، ولها سلطة الحكم على الجرائم الجنائية الكبيرة كالقتل والاغتصاب[7]. ثالثاً: محاكم الاستئناف ووظيفتها دراسة اسلوب سير المحاكمات في المحاكم الدنيا للولاية لضمان عدالة الاحكام الصادرة فيها بحق المتهمين، واستئناف القضايا الجنائية التي لم تتحقق فيها المقدمات القضائية الدستورية في الحكم[8]. والمحاكم الفيدرالية تتألف من ثلاث طبقات ايضاً[9]. وتبدأ بالمحاكم المحلية التي تنظر في انتهاك القوانين الفيدرالية مثل نقل البضائع المسروقة من ولاية الى اخرى، وانتقال المجرمين من ولاية الى ولاية ثانية، ونشاط الجريمة المنظّم المنتشر بين الولايات المختلفة. ثم المحاكم الفيدرالية الاستئنافية الطوافة التي تنعقد في فترات مختلفة، وتنظر في سير عدالة محاكم المناطق المحلية. وينتهي سلّم المحاكم الفيدرالية باعلى المحاكم القضائية في البلاد، وهي المحكمة العليا للولايات المتحدة. والمحكمة العليا، هي سدرة المنتهى في القضاء الرأسمالي الامريكي، فهي اعلى محكمة استئنافية في البلاد[10]، وهي آخر حل للمشاكل القانونية الفيدرالية والمحلية. وتضم هذه المحكمة بين جدرانها القضائية، تسعة قضاة يُعيَّنون من قبل رئيس السلطة التنفيذية وموافقة الكونغرس[11]، ويجلسون على منصة قضاء تلك المحكمة مدى الحياة[12]. ولما كان لهذه المحكمة تأثير فعال على قوانين البلاد الاساسية، اصبح لها صلاحية اختيار نوع المرافعات التي تؤثر تأثيراً اجتماعياً واضحاً على النظام الاجتماعي والسياسي[13]، وصلاحية الحكم على الخصومات بين الافراد انفسهم، او الخصومات بين الافراد والدولة[14]. فهي تحكم على دستورية اعمال الكونغرس، ودستورية محاكم الاستئناف، وصلاحية القوانين الفيدرالية دستورياً، ودستورية رفض المتهمين لقرارات محاكم الولايات العليا[15]. وعلى صعيد ثان، فان المحكمة العليا اذا اصدرت حكمها في قضية معينة، فان هذا الحكم يصبح قانوناً وتشريعاً لجميع المحاكم الدنيا، حيث يتحتم عليها الاخذ به وتنفيذه[16]. فعلى سبيل المثال، اذا منحت المحكمة العليا لفرد متهم، حق استشارة محامي الدفاع قبل المحاكمة، فان هذا الحق يصبح قانوناً يحكم كل الافراد المتهمين الذين تنطبق حالاتهم على حالة ذلك الفرد المشار اليه من قبل المحكمة العليا. بمعنى آخر، ان قرارات المحكمة العليا هي الاصل في تطبيق القانون الرأسمالي على جميع الافراد[17]. وعلى ضوء ذلك، فان لها قوة تأثير كبرى على اجهزة الشرطة، واروقة المحاكم، واجهزة السجون، ومؤسسات اصلاح المنحرفين؛ بل لها تأثير عظيم على النظام السياسي والاجتماعي للولايات المتحدة. ومن اجل فهم حجم تأثير النظام القضائي على النظام الرأسمالي الامريكي، ومعرفة قوة مؤسسة القضاء الاجتماعية، لابد لنا من القاء نظرة خاطفة على الاحصاءات القضائية لمنتصف الثمانينيات من القرن الماضي. فقد وصلت عدد الدعاوى المُقدّمة الى المحاكم الامريكية بقسميها الدنيا والعليا سنوياً الى اكثر من ثمانين مليون دعوى قضائية بين المتخاصمين[18]. ووصل من هذه الدعاوى حوالي مائتي الف دعوى الى المحاكم الاستئنافية للولايات[19]. واختارت المحكمة العليا حوالي مائتي قضية سنوياً للبت في الحكم عليها[20]. وبذلك تصبح قرارات المحكمة العليا القضائية في هذه الدعاوى، مصابيح هداية واصول عملية لبقية المحاكم الفيدرالية والمحلية في معالجة الدعاوى المقدمة لها[21]. ونظامٌ قضائيٌ بهذا الحجم والتأثير، لابد وان تسيطر عليه طبقة اجتماعية عليا لانه يمثل مؤسسة مالية تدر ارباحاً عظيمةً، اولاً. ولان السيطرة عليه تعني تغيير ميول القضاء نحو توجهات تلك الطبقة ضد الطبقات الاجتماعية الاخرى، ثانياً. ولان ادعاء عدالة ونزاهة النظام القضائي انما تعكس ـ ظاهرياً ـ عدالة ونزاهة النظام الاجتماعي الرأسمالي بصورته الكلية، ثالثاً. اطراف العملية القضائية ولما كانت العملية القضائية تستدعي وجود افراد يمثلون الاطراف المتنازعة فان ادوارهم الدستورية لابد وان تكون مكملة لبعضها البعض. واهم اطراف العملية القضائية قبل وخلال اجراء المحاكمة، وفترة اصدار الحكم، ثلاثة افراد يمثلون ثلاث جهات وهم: ممثل المدعي او النائب العام، ومحامي الدفاع، والقاضي. النائب العام: فالنائب العام، يمثل حكومة الولاية في القضايا الجنائية التي تطرح امام المحكمة، ويمثل في الوقت نفسه المجني عليه[22]. لان الجناية على الفرد ما هي الا جناية على الحكومة التي انتخبها[23]. وعلى ضوء ذلك، يحدد القانون وظائفه الرئيسية التي تشمل: اولاً: اجراء التحريات الخاصة حول انتهاك القانون. فللنائب العام السلطة في اجراء تحرياته الخاصة حول سلوك الفرد الجنائي، ومدى مطابقة ذلك السلوك مع القانون المتفق عليه اجتماعياً[24]. حيث يستخدم في تحرياته جهازه الامني الخاص، وجهاز الشرطة والمخابرات، وهيئة المحلَفين للبحث عن حقيقة ذلك الجرم او السلوك، ومدى انتهاكه للقانون. فيقوم هؤلاء المكلّفون من قبله بجمع المعلومات المتعلقة بالحادث، ومقابلة الشهود، ثم دراسة القضية من الناحية القانونية. فاذا كانت هذه الوقائع تنهض الى اتهام الفرد بالعمل الجنائي، يتم ـ حينئذ ـ اتهامه من قبل النائب العام. ثانياً: التعاون مع جهاز الشرطة[25]. فالنائب العام لايستطيع اتهام الفرد بالعمل الجنائي ما لم يقدم له جهاز الشرطة تقريراً مفصلاً عن وقوع الجريمة. ولايستطيع جهاز الشرطة القيام بالتحري بعد وقوع الجناية ما لم يؤخذ اذن النائب العام من الناحية القانونية، عن طريق منح ذلك الجهاز شهادة خطية تسمح لافراده بالدخول الى البيوت واماكن العمل التي لها علاقة بوقوع تلك الجناية. وبموجب ذلك فان النائب العام هو الذي يحدد الصلاحيات القانونية لجهاز الشرطة بخصوص الاعتقال، والاستجواب، وتقديم الفرد المتهم الى المحاكمة[26]. ثالثاً: تعيين التهمة. فهو المسؤول عن تحديد التهمة النهائية ضد المتهم، حتى تتم على ضوئها المرافعات المتوقعة[27]. والاصل ان المُشتَبَه به يحاكم على ضوء التهمة الموجهة له. ولكن اذا حصل ان المتهم اعترف خلال التحقيق بارتكابه جريمة اخرى اشنع من تلك التي أتُّهِم بها بالاساس، يقوم النائب العام ـ عندئذ ـ باسقاط التهمة الاساسية، واتهامه بالجريمة التي اعترف بارتكابها[28]. ومثال ذلك: لو ان فرداً كان قد اعتقل للاشتباه بكونه قد سرق اموالاً من مصرف ما، ولكنه اعترف خلال التحقيق بقتل فرد بريء قبل عدة سنوات مثلاً؛ فحينئذ يُسقِط النائب العام تهمة السرقة، ويثبت تهمة القتل. وعلى ضوء ذلك يساق الى المحكمة لمحاكمته. بمعنى ان الضحية في الجناية الصغيرة يسقط حقه بمجرد اعتراف الجاني بجناية اعظم، فتتوجه الانظار القضائية ـ حينئذ ـ نحو الجناية الكبيرة. رابعاً: تمثيل الحكومة خلال التحقيق، والاستجواب، والوقائع الحاصلة قبل اجراء المحاكمة[29]. فمسؤولية وضع المتهم على كرسي الاتهام امام المحكمة هي من واجبات النائب العام. وكذلك احضار الشهود الى المحكمة وسماع شهاداتهم، وضمان بينة حقيقية صالحة للقضية، ومطالعة شهادات المدعي، تعتبر كلها جزءً لايتجزأ من واجباته الرئيسية ايضاً. وبالاجمال، فان اهم وظيفة يقوم بها النائب العام هي تمثيل الحكومة والمصلحة العامة في القضية الجنائية المطروحة. خامساً: المساومة مع المتهم على الاقرار بالذنب[30]. فاذا اقر المتهم بالذنب امام النائب العام، انتهت عملية المقاضاة والمحاكمة الرسمية، وترك للقاضي اصدار الحكم على المتهم. سادساً: تحديد العقوبة. فالنائب العام يوصي بالعقوبات التي يستحقها المتهم، ويبلغها للحاكم قبل انتهاء المحاكمة[31]. ولكن تحديد العقوبة الموصاة لايخضع كلية لاستحسان النائب العام، بل تتدخل في انشائه عوامل عديدة: كخطورة الجريمة، وتأثير الحكم القضائي على الرأي العام، والمساومة التي عقدها النائب العام مع المتهم حول الاقرار بالذنب، وتاريخ المتهم الجنائي وسوابقه الاجرامية. سابعاً: تمثيل الحكومة في محاكم الاستئناف[32]. فاذا رفع المتهم قضيته الى محكمة الاستئناف بدعوى عدم عدالة المحاكمة في المحاكم الدنيا، فان النائب العام ينبغي تمثيل الحكومة ايضاً في محاكم الاستئناف. وفي المحاكم الفيدرالية، يُعيَّن النائب العام من قبل رئيس الجهاز التنفيذي للنظام الرأسمالي[33]، ووظيفته الاساسية تمثيل الحكومة ايضاً في المحاكم الفيدرالية للمقاطعات، حيث تقوم بالاشراف على سير الاعتقالات، والاستجوابات، والمحاكمات. اما على المستوى المحلي، فان النائب العام للمحاكم الفرعية الدنيا، يُنتَخب من قبل الافراد عن طريق الانتخاب الحر[34]. ولكن درجته القانونية والاجتماعية تعتبر اقل من درجة النائب العام في المحاكم الفيدرالية[35]. وبذلك، فان المحاكم القروية تعتبر اقل تخصصاً من المحاكم الحضرية في المدن، حيث يتم في المحاكم الحضرية فصل الجنايات الكبيرة عن الجنح الصغيرة. وبعدها تلحق الجنايات الكبيرة بالمحاكم الخاصة بها، بينما لايوجد مثل هذا التخصص في المحاكم القروية الريفية. بمعنى ان الحكم الذي تصدره المحكمة القروية قد يختلف عن الحكم الذي تصدره المحكمة الحضرية المتخصصة ، لنفس النوع من الجنايات. ولاشك ان للنائب العام صلاحية اختيار الجرائم الجنائية التي يرى في ملاحقتها مصلحة اجتماعية، ومن ثم تقديم المتهمين فيها الى المحاكمة[36]. بل يستطيع اهمال الجرائم الجنائية التي يزعم انها لاتخدم مصلحة الدولة او المصلحة الاجتماعية العليا[37]. فاول ما يفكر النائب العام فيه عند ظهور الجناية هو: هل يلاحق القضية الجنائية هذه ام لا؟ واذا لاحقها فما هي النتيجة؟ هل سيكون ضياعاً للوقت وخسارة لاموال الدولة؟ وهل سيقع الظلم على الجاني ام على المجني عليه؟ وهل ستحدث تلك القضية الجنائية ضجة سياسية ام لا؟ وهل تنـزل تلك القضية ظلماً ما بمن له علاقة رحمية أو اجتماعية بالمدعي العام ام لا؟ ولاريب ان هذا الاسلوب القضائي الذي يفتح آفاق الفرص للنائب العام، قد يظلم الضحية اكثر مما ينـزل سيف العدالة على الجاني. فان بمقدور النائب العام ـ بعد استلامه المعلومات الخاصة بالجريمة ـ اسقاط اتهام الجاني بالجناية من الاصل. وبمقدوره ايضاً اتهام الجاني بالجناية ثم بعد فترة زمنية يُسقط القضية كلية بحجة عدم تكامل اثباتات الجناية. وبذلك، تكون القضية الجنائية ـ في كل الاحوال ـ تحت رحمة النائب العام قبل ان تصل الى القاضي. ويزعم النظام القضائي الامريكي بان صلاحية انتقاء النائب العام للجرائم الجنائية أمر صحي وسليم، لانه لولا ذلك الانتقاء لاصبحت قاعات المحاكم مثقلة بالمرافعات ليلاً ونهاراً دون الوصول الى تجريم عادل للجناة الذين يستحقون التجريم[38]. الا ان الانتقاء ـ بزعمه ـ يسمح للجرائم والجنايات الخطيرة فقط من المرور في اروقة المحاكم. اما الجنح البسيطة فتكون عرضة للاهمال. وعلى ضوء ذلك، فان النائب العام ينظر في انتقائه الجريمة الصالحة للمحاكمة الى امور وهي: 1 ـ اصرار المجني عليه. فاذا كان المجني عليه مصرّاً على رفع القضية للمحاكمة، جازماً في دعواه، فان ذلك الاصرار يولد ضغطاً على النائب العام للاخذ بالقضية قضائياً. 2 ـ كلفة الاعتقال والمحاكمة والعقوبة على النظام القضائي. فاذا كانت الكلفة باهضة على الدولة مثلاً، فان القضية قد لا تأخذ مجراها الطبيعي الى المحكمة. 3 ـ امكانية الحاق الضرر غير الضروري بالمتهم، وعندها تسقط القضية. 4 ـ اذا كان حل القضية يستدعي علاج المتهم لا عقوبته، اُخذ العلاج. ومثال ذلك، ان المجرمين المصابين بالاضطرابات العقلية يتم معالجتهم في المستشفيات بدلاً من حبسهم في السجون. 5 ـ اذا كان المتهم مستعداً للتعاون مع السلطة المحلية او الفيدرالية، أخذ ذلك بنظر الاعتبار. وقد يسقط النائب العام، القضية عن الملاحقة القضائية. 6 ـ اذا كانت المقاطعة المدنية ضد المتهم موجودة في الواقع الخارجي، فلا يُنظر في القضية الجنائية. فالمقامر المقاطَع اجتماعياً من قبل ابناء المحلة او الادارة المحلية تسقط قضيته من قبل النائب العام، فلا يحاكم لان مقاطعته الاجتماعية تعتبر عقوبة كافية ـ بموجب النظرية القضائية الرأسمالية ـ لردعه عن الانحراف. ولاشك ان النائب العام يلاحظ ـ نظرياً ـ اموراً اخرى خلال انتقائه القضية الجنائية للترافع، منها: التوثق من اثباتات الشهود وتواجدهم وقت المحاكمة، ووضع اليد على المواد الجنائية المستعملة في الجريمة، وعدم انتهاك حرمة الدستور من خلال الاستجواب والاعتقال[39]. ولكن الانتقاء سيف ذو حدين، فالنائب العام يستطيع انزال اقصى العقوبات بالمتهم الذي يرفض التعاون مع النظام القضائي او السياسي المتمثل بالسلطة المحلية والفيدرالية. ويستطيع في الوقت نفسه غض النظر عن الجناية والجاني من خلال تعاون الجاني مع الحكومة المحلية او الفيدرالية، فلا تدخل تلك القضية الجنائية اروقة المحاكم بسبب نظرية الانتقاء. ولاشك ان هذا الانتقاء يقتل روح العدالة بين الافراد في النظام القضائي. لان مجرد تعاون الجاني مع السلطة القضائية او السياسية لا يردع بقية الجناة عن ارتكاب الجريمة مستقبلاً، ولا يشفي غليل المجني عليه في الاقتصاص من الجاني، ولا يضمن حق الضحية في التعويض المالي. محامي الدفاع: ويقوم محامي الدفاع بوظائف محددة خلال تمثيله المتهم في العملية التجريمية[40]، كالتحقيق في الجناية، ومقابلة المتهم والشهود ورجال الشرطة، ومناقشة حادث الجناية مع النائب العام، وتمثيل المدعى عليه خلال مراحل العملية القضائية كالاعتقال والاستجواب والاستدعاء الى المحكمة والمحاكمة، وتحضير القضية ورسم خطط الدفاع عن المتهم امام المحكمة، والمساعدة في تخفيف الحكم الصادر على المتهم، وتحضير القضية للاستئناف لاحقاً. ومع ان عدد محامي الولايات المتحدة يمثلون ثلاثة ارباع محامي العالم مجتمعاً[41]، الا ان اغلب المتهمين الماثلين امام المحكمة الامريكية لايستطيعون توكيل محامين يدافعون عن قضاياهم الجنائية[42]. وعلى ضوء هذا الخلل، فقد قامت المحكمة العليا بموجب التعديل السادس في الدستور الامريكي، باصدار قانون يفرض على الولايات استحضار محامين للدفاع عن كل المتهمين العاجزين مالياً[43]، موصية الحكومات المحلية لتلك الولايات بسد نفقات هؤلاء المحامين. ومع ان النائب العام ومحامي الدفاع يمتلكان فهماً متقارباً للقضية الجنائية، الا انهما ـ على الصعيد النظري ـ يقفان موقف صراع. فالنائب العام يمثل الدولة او الحكومة ويتخذ موقفها. ومحامي الدفاع، يلتزم بالدفاع عن موكله، ويمثله في كل مراحل المحاكمة[44]. اما على الصعيد العملي، فان النائب العام ومحامي الدفاع يخدمان ـ كل بطريقته ـ النظام القضائي الرأسمالي[45]. اولاً: لان كليهما عضوان يعملان في نفس المهنة، وهي ممارسة المحاماة والقانون، وينضمّان لنفس المؤسسة القضائية. وثانياً: لان محامي الدفاع اكثر حرصاً على مساندة النظام القضائي من مساندة وكيله المتهم، لاسباب مالية وسياسية. وثالثاً: ان المتهم غالباً ما يكون جاهلاً بالقانون والنظام القضائي، فيقبل ارشادات محامي الدفاع لاعتقاده بانها تصبّ في صالحه، حتى لو كانت في واقع الامر، تضر بقضيته الجنائية[46]. وائتمان المتهم بنوايا محامي الدفاع، يفسح المجال للمحامي بالحركة ما بين الطرفين. الطرف الاول: النظام القضائي الرأسمالي وما يمثّله، والثاني: المتَّهم. فيستطيع محامي الدفاع عبر محاولاته المتكررة اقناع المتهم بالاقرار بالذنب، حتى لو كان ذلك المتهم بريئاً. وهذا الاقرار يخدم النظام القضائي اكثر مما يخدم المتهم؛ لان الاقرار بالذنب قبل المحاكمة ييسر تعيين حجم العقوبة المتوقع انزالها بالجاني دون ضرورة الخوض في اجراءات المحاكمة المكلفة مالياً. واذا ما تم اقناع المتهم بالاقرار بالذنب فقد نجح النظام القضائي الرأسمالي في اثبات زعمه القائل بان الطريقة الرأسمالية في معالجة الانحراف الاجتماعي هي من اعدل الطرق القضائية المتبعة في الانظمة الاجتماعية العالمية. القاضي: وهو احد المشاركين في المحكمة الجنائية، وارفع اعضاء محكمة القانون الجنائي والحقوقي سياسياً وقضائياً[47]. ولكنه ليس الحَكَم الوحيد في فصل الخصومات، فيما اذا أقرّت المحكمة تعيين هيئة المحلفين[48]. ومع ذلك، فان وظيفته تنحصر في النظام القضائي الرأسمالي في الاشراف على سير المحاكمة، وتذكير الاطراف المتنازعة ومحامي الدفاع والنائب العام بالسلوك الدستوري المقبول في اروقة المحاكم، والاشراف على قانونية الاسئلة الموجهة الى المتهم والشهود، وسماع افادات الشهود[49]. واذا كانت المحاكمة مبنية على اساس حكم هيئة المحلفين ، يقوم القاضي باصدار تعليماته القانونية الى اعضاء تلك الهيئة لفحص الاثباتات المهمة في القضية الجنائية واهمال الاثباتات الاخرى التي لاتلعب دوراً خطيراً في الحكم على تلك القضية. اما اذا كانت المحاكمة غير مستندة على حكم هيئة المحلفين، فان القاضي هو الذي يقرر من هو المذنب ومن هو البريء[50]. واذا ثبت الذنب على المدعى عليه، كان للقاضي صلاحية اصدار العقوبة، واختيار نوعها ومادتها. وللقاضي صلاحيات وواجبات اخرى تجاه قسم الشرطة، والنائب العام المحلي، وكتّاب المحكمة، وقسم تعليق العقوبة[51]. حيث يشرف احياناً اشرافاً مباشراً على كتّاب المحكمة، والقسم الخاص بتعليق العقوبة الصادرة بحق المتهمين وهو اطلاق سراحهم مع مراقبتهم[52]. ويؤثّر قراره على سلوك جهاز الشرطة تأثيراً مباشراً. ومثال ذلك، اذا اختار القاضي عقوبة مخففة ضد جريمة ما، فان |