|
(ص 43 - 73) القسم الاول النظام القضائي في النظرية الرأسمالية الغربية التركيبة القضائية في النظام الرأسمالي * اطراف العملية القضائية: النائب العام. محامي الدفاع. الحاكم او القاضي* اجراءات ما قبل المحاكمة: الكفالة. المساومة على الاقرار بالذنب. بدائل الملاحقة القضائية *المحاكمة الجنائية: اختيار هيئة المحلَفين. العملية الاجرائية للمحاكمة. الحقوق الدستورية للمتهم* نظام العقوبات الرأسمالي* اختلاف العقوبات ضد الجنايات المتشابهة* نقد النظام القضائي الرأسمالي الامريكي* ------------------------- التركيبة القضائية في النظام الرأسمالي يفترض ـ من الناحية النظرية ـ ان النظام القضائي قد صمم اصلاً على ان يكون منبراً نزيهاً للحكم بين الاطراف المتنازعة، وكلمة حق تميّز الجاني عن المجني عليه، والقانون عن الفرد الذي ينتهكه، والدولة وعن الخارج عليها. وبغض النظر عن الاسباب المتعلقة بالدعاوى، فان القانون ينبغي ان يضمن بشكل صريح بان كل الاطراف المتنازعة في قضية من القضايا يجب ان تخضع لعدالة المحكمة ونزاهة النظام القضائي[1]. ولكن اذا شعر المدعي او المدعى عليه بان حقوقه قد هدرت في العملية القضائية الابتدائية، فانه يستطيع ـ نظرياً ـ نقل قضيته الجنائية او الحقوقية الى محكمة عليا لاستئناف ذلك الحكم[2]. وحتى تتحقق العدالة الجنائية والحقوقية بين الافراد المتخاصمين، على الصعيد العملي، فان جهاز المحكمة لابد وان يضم مجموعة من المؤسسات الصغيرة المتضافرة لانجاح العملية القضائية كقسم جهاز الشرطة، ومكاتب النائب العام ومحامي الدفاع والحاكم، والقسم الخاص بتعليق العقوبة الصادرة بحق المتهم[3]. حيث تقوم هذه الوحدات مجتمعةً بتنفيذ عمليات الاعتقال، وانتخاب هيئة المحلفين، والمحاكمة، وايقاع العقوبة المناسبة للجناية بالجاني. ولتيسير وظيفة النظام القضائي، وتثبيت مهمته في فصل الخصومات لمختلف شرائح وطبقات المجتمع، فقد قُسِّمت المحاكم القضائية الى مستويات مختلفة[4]. فاندرجت تحت عنوان النظام القضائي الامريكي محاكم على درجات متفاوتة في الاهمية والقصد تبدأ بالمحاكم البلدية، ثم محاكم المقاطعات، ومحاكم الولايات، والمحاكم الفيدرالية، وتنتهي بالمحكمة العليا، التي تكون قراراتها القضائية نهائية[5]؛ لانها حسب زعم النظرية القضائية الغربية، اعلى محكمة على التراب القومي للدولة الرأسمالية. ومحاكم الولايات، تتألف من ثلاث طبقات مختلفة في التصميم، وهي، اولاً: المحاكم الدنيا، كالمحاكم البلدية التي تنظر في الجنح والجرائم الصغيرة كمخالفات انظمة السير او المرور، والتخاصم حول اجور العمل والمكافأة الاجتماعية، واجراءات عملية الزواج والطلاق[6]. ثانياً: المحاكم العليا في الولاية، ولها سلطة الحكم على الجرائم الجنائية الكبيرة كالقتل والاغتصاب[7]. ثالثاً: محاكم الاستئناف ووظيفتها دراسة اسلوب سير المحاكمات في المحاكم الدنيا للولاية لضمان عدالة الاحكام الصادرة فيها بحق المتهمين، واستئناف القضايا الجنائية التي لم تتحقق فيها المقدمات القضائية الدستورية في الحكم[8]. والمحاكم الفيدرالية تتألف من ثلاث طبقات ايضاً[9]. وتبدأ بالمحاكم المحلية التي تنظر في انتهاك القوانين الفيدرالية مثل نقل البضائع المسروقة من ولاية الى اخرى، وانتقال المجرمين من ولاية الى ولاية ثانية، ونشاط الجريمة المنظّم المنتشر بين الولايات المختلفة. ثم المحاكم الفيدرالية الاستئنافية الطوافة التي تنعقد في فترات مختلفة، وتنظر في سير عدالة محاكم المناطق المحلية. وينتهي سلّم المحاكم الفيدرالية باعلى المحاكم القضائية في البلاد، وهي المحكمة العليا للولايات المتحدة. والمحكمة العليا، هي سدرة المنتهى في القضاء الرأسمالي الامريكي، فهي اعلى محكمة استئنافية في البلاد[10]، وهي آخر حل للمشاكل القانونية الفيدرالية والمحلية. وتضم هذه المحكمة بين جدرانها القضائية، تسعة قضاة يُعيَّنون من قبل رئيس السلطة التنفيذية وموافقة الكونغرس[11]، ويجلسون على منصة قضاء تلك المحكمة مدى الحياة[12]. ولما كان لهذه المحكمة تأثير فعال على قوانين البلاد الاساسية، اصبح لها صلاحية اختيار نوع المرافعات التي تؤثر تأثيراً اجتماعياً واضحاً على النظام الاجتماعي والسياسي[13]، وصلاحية الحكم على الخصومات بين الافراد انفسهم، او الخصومات بين الافراد والدولة[14]. فهي تحكم على دستورية اعمال الكونغرس، ودستورية محاكم الاستئناف، وصلاحية القوانين الفيدرالية دستورياً، ودستورية رفض المتهمين لقرارات محاكم الولايات العليا[15]. وعلى صعيد ثان، فان المحكمة العليا اذا اصدرت حكمها في قضية معينة، فان هذا الحكم يصبح قانوناً وتشريعاً لجميع المحاكم الدنيا، حيث يتحتم عليها الاخذ به وتنفيذه[16]. فعلى سبيل المثال، اذا منحت المحكمة العليا لفرد متهم، حق استشارة محامي الدفاع قبل المحاكمة، فان هذا الحق يصبح قانوناً يحكم كل الافراد المتهمين الذين تنطبق حالاتهم على حالة ذلك الفرد المشار اليه من قبل المحكمة العليا. بمعنى آخر، ان قرارات المحكمة العليا هي الاصل في تطبيق القانون الرأسمالي على جميع الافراد[17]. وعلى ضوء ذلك، فان لها قوة تأثير كبرى على اجهزة الشرطة، واروقة المحاكم، واجهزة السجون، ومؤسسات اصلاح المنحرفين؛ بل لها تأثير عظيم على النظام السياسي والاجتماعي للولايات المتحدة. ومن اجل فهم حجم تأثير النظام القضائي على النظام الرأسمالي الامريكي، ومعرفة قوة مؤسسة القضاء الاجتماعية، لابد لنا من القاء نظرة خاطفة على الاحصاءات القضائية لمنتصف الثمانينيات من القرن الماضي. فقد وصلت عدد الدعاوى المُقدّمة الى المحاكم الامريكية بقسميها الدنيا والعليا سنوياً الى اكثر من ثمانين مليون دعوى قضائية بين المتخاصمين[18]. ووصل من هذه الدعاوى حوالي مائتي الف دعوى الى المحاكم الاستئنافية للولايات[19]. واختارت المحكمة العليا حوالي مائتي قضية سنوياً للبت في الحكم عليها[20]. وبذلك تصبح قرارات المحكمة العليا القضائية في هذه الدعاوى، مصابيح هداية واصول عملية لبقية المحاكم الفيدرالية والمحلية في معالجة الدعاوى المقدمة لها[21]. ونظامٌ قضائيٌ بهذا الحجم والتأثير، لابد وان تسيطر عليه طبقة اجتماعية عليا لانه يمثل مؤسسة مالية تدر ارباحاً عظيمةً، اولاً. ولان السيطرة عليه تعني تغيير ميول القضاء نحو توجهات تلك الطبقة ضد الطبقات الاجتماعية الاخرى، ثانياً. ولان ادعاء عدالة ونزاهة النظام القضائي انما تعكس ـ ظاهرياً ـ عدالة ونزاهة النظام الاجتماعي الرأسمالي بصورته الكلية، ثالثاً. اطراف العملية القضائية ولما كانت العملية القضائية تستدعي وجود افراد يمثلون الاطراف المتنازعة فان ادوارهم الدستورية لابد وان تكون مكملة لبعضها البعض. واهم اطراف العملية القضائية قبل وخلال اجراء المحاكمة، وفترة اصدار الحكم، ثلاثة افراد يمثلون ثلاث جهات وهم: ممثل المدعي او النائب العام، ومحامي الدفاع، والقاضي. النائب العام: فالنائب العام، يمثل حكومة الولاية في القضايا الجنائية التي تطرح امام المحكمة، ويمثل في الوقت نفسه المجني عليه[22]. لان الجناية على الفرد ما هي الا جناية على الحكومة التي انتخبها[23]. وعلى ضوء ذلك، يحدد القانون وظائفه الرئيسية التي تشمل: اولاً: اجراء التحريات الخاصة حول انتهاك القانون. فللنائب العام السلطة في اجراء تحرياته الخاصة حول سلوك الفرد الجنائي، ومدى مطابقة ذلك السلوك مع القانون المتفق عليه اجتماعياً[24]. حيث يستخدم في تحرياته جهازه الامني الخاص، وجهاز الشرطة والمخابرات، وهيئة المحلَفين للبحث عن حقيقة ذلك الجرم او السلوك، ومدى انتهاكه للقانون. فيقوم هؤلاء المكلّفون من قبله بجمع المعلومات المتعلقة بالحادث، ومقابلة الشهود، ثم دراسة القضية من الناحية القانونية. فاذا كانت هذه الوقائع تنهض الى اتهام الفرد بالعمل الجنائي، يتم ـ حينئذ ـ اتهامه من قبل النائب العام. ثانياً: التعاون مع جهاز الشرطة[25]. فالنائب العام لايستطيع اتهام الفرد بالعمل الجنائي ما لم يقدم له جهاز الشرطة تقريراً مفصلاً عن وقوع الجريمة. ولايستطيع جهاز الشرطة القيام بالتحري بعد وقوع الجناية ما لم يؤخذ اذن النائب العام من الناحية القانونية، عن طريق منح ذلك الجهاز شهادة خطية تسمح لافراده بالدخول الى البيوت واماكن العمل التي لها علاقة بوقوع تلك الجناية. وبموجب ذلك فان النائب العام هو الذي يحدد الصلاحيات القانونية لجهاز الشرطة بخصوص الاعتقال، والاستجواب، وتقديم الفرد المتهم الى المحاكمة[26]. ثالثاً: تعيين التهمة. فهو المسؤول عن تحديد التهمة النهائية ضد المتهم، حتى تتم على ضوئها المرافعات المتوقعة[27]. والاصل ان المُشتَبَه به يحاكم على ضوء التهمة الموجهة له. ولكن اذا حصل ان المتهم اعترف خلال التحقيق بارتكابه جريمة اخرى اشنع من تلك التي أتُّهِم بها بالاساس، يقوم النائب العام ـ عندئذ ـ باسقاط التهمة الاساسية، واتهامه بالجريمة التي اعترف بارتكابها[28]. ومثال ذلك: لو ان فرداً كان قد اعتقل للاشتباه بكونه قد سرق اموالاً من مصرف ما، ولكنه اعترف خلال التحقيق بقتل فرد بريء قبل عدة سنوات مثلاً؛ فحينئذ يُسقِط النائب العام تهمة السرقة، ويثبت تهمة القتل. وعلى ضوء ذلك يساق الى المحكمة لمحاكمته. بمعنى ان الضحية في الجناية الصغيرة يسقط حقه بمجرد اعتراف الجاني بجناية اعظم، فتتوجه الانظار القضائية ـ حينئذ ـ نحو الجناية الكبيرة. رابعاً: تمثيل الحكومة خلال التحقيق، والاستجواب، والوقائع الحاصلة قبل اجراء المحاكمة[29]. فمسؤولية وضع المتهم على كرسي الاتهام امام المحكمة هي من واجبات النائب العام. وكذلك احضار الشهود الى المحكمة وسماع شهاداتهم، وضمان بينة حقيقية صالحة للقضية، ومطالعة شهادات المدعي، تعتبر كلها جزءً لايتجزأ من واجباته الرئيسية ايضاً. وبالاجمال، فان اهم وظيفة يقوم بها النائب العام هي تمثيل الحكومة والمصلحة العامة في القضية الجنائية المطروحة. خامساً: المساومة مع المتهم على الاقرار بالذنب[30]. فاذا اقر المتهم بالذنب امام النائب العام، انتهت عملية المقاضاة والمحاكمة الرسمية، وترك للقاضي اصدار الحكم على المتهم. سادساً: تحديد العقوبة. فالنائب العام يوصي بالعقوبات التي يستحقها المتهم، ويبلغها للحاكم قبل انتهاء المحاكمة[31]. ولكن تحديد العقوبة الموصاة لايخضع كلية لاستحسان النائب العام، بل تتدخل في انشائه عوامل عديدة: كخطورة الجريمة، وتأثير الحكم القضائي على الرأي العام، والمساومة التي عقدها النائب العام مع المتهم حول الاقرار بالذنب، وتاريخ المتهم الجنائي وسوابقه الاجرامية. سابعاً: تمثيل الحكومة في محاكم الاستئناف[32]. فاذا رفع المتهم قضيته الى محكمة الاستئناف بدعوى عدم عدالة المحاكمة في المحاكم الدنيا، فان النائب العام ينبغي تمثيل الحكومة ايضاً في محاكم الاستئناف. وفي المحاكم الفيدرالية، يُعيَّن النائب العام من قبل رئيس الجهاز التنفيذي للنظام الرأسمالي[33]، ووظيفته الاساسية تمثيل الحكومة ايضاً في المحاكم الفيدرالية للمقاطعات، حيث تقوم بالاشراف على سير الاعتقالات، والاستجوابات، والمحاكمات. اما على المستوى المحلي، فان النائب العام للمحاكم الفرعية الدنيا، يُنتَخب من قبل الافراد عن طريق الانتخاب الحر[34]. ولكن درجته القانونية والاجتماعية تعتبر اقل من درجة النائب العام في المحاكم الفيدرالية[35]. وبذلك، فان المحاكم القروية تعتبر اقل تخصصاً من المحاكم الحضرية في المدن، حيث يتم في المحاكم الحضرية فصل الجنايات الكبيرة عن الجنح الصغيرة. وبعدها تلحق الجنايات الكبيرة بالمحاكم الخاصة بها، بينما لايوجد مثل هذا التخصص في المحاكم القروية الريفية. بمعنى ان الحكم الذي تصدره المحكمة القروية قد يختلف عن الحكم الذي تصدره المحكمة الحضرية المتخصصة ، لنفس النوع من الجنايات. ولاشك ان للنائب العام صلاحية اختيار الجرائم الجنائية التي يرى في ملاحقتها مصلحة اجتماعية، ومن ثم تقديم المتهمين فيها الى المحاكمة[36]. بل يستطيع اهمال الجرائم الجنائية التي يزعم انها لاتخدم مصلحة الدولة او المصلحة الاجتماعية العليا[37]. فاول ما يفكر النائب العام فيه عند ظهور الجناية هو: هل يلاحق القضية الجنائية هذه ام لا؟ واذا لاحقها فما هي النتيجة؟ هل سيكون ضياعاً للوقت وخسارة لاموال الدولة؟ وهل سيقع الظلم على الجاني ام على المجني عليه؟ وهل ستحدث تلك القضية الجنائية ضجة سياسية ام لا؟ وهل تنـزل تلك القضية ظلماً ما بمن له علاقة رحمية أو اجتماعية بالمدعي العام ام لا؟ ولاريب ان هذا الاسلوب القضائي الذي يفتح آفاق الفرص للنائب العام، قد يظلم الضحية اكثر مما ينـزل سيف العدالة على الجاني. فان بمقدور النائب العام ـ بعد استلامه المعلومات الخاصة بالجريمة ـ اسقاط اتهام الجاني بالجناية من الاصل. وبمقدوره ايضاً اتهام الجاني بالجناية ثم بعد فترة زمنية يُسقط القضية كلية بحجة عدم تكامل اثباتات الجناية. وبذلك، تكون القضية الجنائية ـ في كل الاحوال ـ تحت رحمة النائب العام قبل ان تصل الى القاضي. ويزعم النظام القضائي الامريكي بان صلاحية انتقاء النائب العام للجرائم الجنائية أمر صحي وسليم، لانه لولا ذلك الانتقاء لاصبحت قاعات المحاكم مثقلة بالمرافعات ليلاً ونهاراً دون الوصول الى تجريم عادل للجناة الذين يستحقون التجريم[38]. الا ان الانتقاء ـ بزعمه ـ يسمح للجرائم والجنايات الخطيرة فقط من المرور في اروقة المحاكم. اما الجنح البسيطة فتكون عرضة للاهمال. وعلى ضوء ذلك، فان النائب العام ينظر في انتقائه الجريمة الصالحة للمحاكمة الى امور وهي: 1 ـ اصرار المجني عليه. فاذا كان المجني عليه مصرّاً على رفع القضية للمحاكمة، جازماً في دعواه، فان ذلك الاصرار يولد ضغطاً على النائب العام للاخذ بالقضية قضائياً. 2 ـ كلفة الاعتقال والمحاكمة والعقوبة على النظام القضائي. فاذا كانت الكلفة باهضة على الدولة مثلاً، فان القضية قد لا تأخذ مجراها الطبيعي الى المحكمة. 3 ـ امكانية الحاق الضرر غير الضروري بالمتهم، وعندها تسقط القضية. 4 ـ اذا كان حل القضية يستدعي علاج المتهم لا عقوبته، اُخذ العلاج. ومثال ذلك، ان المجرمين المصابين بالاضطرابات العقلية يتم معالجتهم في المستشفيات بدلاً من حبسهم في السجون. 5 ـ اذا كان المتهم مستعداً للتعاون مع السلطة المحلية او الفيدرالية، أخذ ذلك بنظر الاعتبار. وقد يسقط النائب العام، القضية عن الملاحقة القضائية. 6 ـ اذا كانت المقاطعة المدنية ضد المتهم موجودة في الواقع الخارجي، فلا يُنظر في القضية الجنائية. فالمقامر المقاطَع اجتماعياً من قبل ابناء المحلة او الادارة المحلية تسقط قضيته من قبل النائب العام، فلا يحاكم لان مقاطعته الاجتماعية تعتبر عقوبة كافية ـ بموجب النظرية القضائية الرأسمالية ـ لردعه عن الانحراف. ولاشك ان النائب العام يلاحظ ـ نظرياً ـ اموراً اخرى خلال انتقائه القضية الجنائية للترافع، منها: التوثق من اثباتات الشهود وتواجدهم وقت المحاكمة، ووضع اليد على المواد الجنائية المستعملة في الجريمة، وعدم انتهاك حرمة الدستور من خلال الاستجواب والاعتقال[39]. ولكن الانتقاء سيف ذو حدين، فالنائب العام يستطيع انزال اقصى العقوبات بالمتهم الذي يرفض التعاون مع النظام القضائي او السياسي المتمثل بالسلطة المحلية والفيدرالية. ويستطيع في الوقت نفسه غض النظر عن الجناية والجاني من خلال تعاون الجاني مع الحكومة المحلية او الفيدرالية، فلا تدخل تلك القضية الجنائية اروقة المحاكم بسبب نظرية الانتقاء. ولاشك ان هذا الانتقاء يقتل روح العدالة بين الافراد في النظام القضائي. لان مجرد تعاون الجاني مع السلطة القضائية او السياسية لا يردع بقية الجناة عن ارتكاب الجريمة مستقبلاً، ولا يشفي غليل المجني عليه في الاقتصاص من الجاني، ولا يضمن حق الضحية في التعويض المالي. محامي الدفاع: ويقوم محامي الدفاع بوظائف محددة خلال تمثيله المتهم في العملية التجريمية[40]، كالتحقيق في الجناية، ومقابلة المتهم والشهود ورجال الشرطة، ومناقشة حادث الجناية مع النائب العام، وتمثيل المدعى عليه خلال مراحل العملية القضائية كالاعتقال والاستجواب والاستدعاء الى المحكمة والمحاكمة، وتحضير القضية ورسم خطط الدفاع عن المتهم امام المحكمة، والمساعدة في تخفيف الحكم الصادر على المتهم، وتحضير القضية للاستئناف لاحقاً. ومع ان عدد محامي الولايات المتحدة يمثلون ثلاثة ارباع محامي العالم مجتمعاً[41]، الا ان اغلب المتهمين الماثلين امام المحكمة الامريكية لايستطيعون توكيل محامين يدافعون عن قضاياهم الجنائية[42]. وعلى ضوء هذا الخلل، فقد قامت المحكمة العليا بموجب التعديل السادس في الدستور الامريكي، باصدار قانون يفرض على الولايات استحضار محامين للدفاع عن كل المتهمين العاجزين مالياً[43]، موصية الحكومات المحلية لتلك الولايات بسد نفقات هؤلاء المحامين. ومع ان النائب العام ومحامي الدفاع يمتلكان فهماً متقارباً للقضية الجنائية، الا انهما ـ على الصعيد النظري ـ يقفان موقف صراع. فالنائب العام يمثل الدولة او الحكومة ويتخذ موقفها. ومحامي الدفاع، يلتزم بالدفاع عن موكله، ويمثله في كل مراحل المحاكمة[44]. اما على الصعيد العملي، فان النائب العام ومحامي الدفاع يخدمان ـ كل بطريقته ـ النظام القضائي الرأسمالي[45]. اولاً: لان كليهما عضوان يعملان في نفس المهنة، وهي ممارسة المحاماة والقانون، وينضمّان لنفس المؤسسة القضائية. وثانياً: لان محامي الدفاع اكثر حرصاً على مساندة النظام القضائي من مساندة وكيله المتهم، لاسباب مالية وسياسية. وثالثاً: ان المتهم غالباً ما يكون جاهلاً بالقانون والنظام القضائي، فيقبل ارشادات محامي الدفاع لاعتقاده بانها تصبّ في صالحه، حتى لو كانت في واقع الامر، تضر بقضيته الجنائية[46]. وائتمان المتهم بنوايا محامي الدفاع، يفسح المجال للمحامي بالحركة ما بين الطرفين. الطرف الاول: النظام القضائي الرأسمالي وما يمثّله، والثاني: المتَّهم. فيستطيع محامي الدفاع عبر محاولاته المتكررة اقناع المتهم بالاقرار بالذنب، حتى لو كان ذلك المتهم بريئاً. وهذا الاقرار يخدم النظام القضائي اكثر مما يخدم المتهم؛ لان الاقرار بالذنب قبل المحاكمة ييسر تعيين حجم العقوبة المتوقع انزالها بالجاني دون ضرورة الخوض في اجراءات المحاكمة المكلفة مالياً. واذا ما تم اقناع المتهم بالاقرار بالذنب فقد نجح النظام القضائي الرأسمالي في اثبات زعمه القائل بان الطريقة الرأسمالية في معالجة الانحراف الاجتماعي هي من اعدل الطرق القضائية المتبعة في الانظمة الاجتماعية العالمية. القاضي: وهو احد المشاركين في المحكمة الجنائية، وارفع اعضاء محكمة القانون الجنائي والحقوقي سياسياً وقضائياً[47]. ولكنه ليس الحَكَم الوحيد في فصل الخصومات، فيما اذا أقرّت المحكمة تعيين هيئة المحلفين[48]. ومع ذلك، فان وظيفته تنحصر في النظام القضائي الرأسمالي في الاشراف على سير المحاكمة، وتذكير الاطراف المتنازعة ومحامي الدفاع والنائب العام بالسلوك الدستوري المقبول في اروقة المحاكم، والاشراف على قانونية الاسئلة الموجهة الى المتهم والشهود، وسماع افادات الشهود[49]. واذا كانت المحاكمة مبنية على اساس حكم هيئة المحلفين ، يقوم القاضي باصدار تعليماته القانونية الى اعضاء تلك الهيئة لفحص الاثباتات المهمة في القضية الجنائية واهمال الاثباتات الاخرى التي لاتلعب دوراً خطيراً في الحكم على تلك القضية. اما اذا كانت المحاكمة غير مستندة على حكم هيئة المحلفين، فان القاضي هو الذي يقرر من هو المذنب ومن هو البريء[50]. واذا ثبت الذنب على المدعى عليه، كان للقاضي صلاحية اصدار العقوبة، واختيار نوعها ومادتها. وللقاضي صلاحيات وواجبات اخرى تجاه قسم الشرطة، والنائب العام المحلي، وكتّاب المحكمة، وقسم تعليق العقوبة[51]. حيث يشرف احياناً اشرافاً مباشراً على كتّاب المحكمة، والقسم الخاص بتعليق العقوبة الصادرة بحق المتهمين وهو اطلاق سراحهم مع مراقبتهم[52]. ويؤثّر قراره على سلوك جهاز الشرطة تأثيراً مباشراً. ومثال ذلك، اذا اختار القاضي عقوبة مخففة ضد جريمة ما، فان جهاز الشرطة قد لا يندفع لاعتقال الجاني في حالات مماثلة لاحقة، لان الوقت والجهد المبذول على الاعتقال والاستجواب لايتناسب مع حجم العقوبة المفترض صدورها من النظام القضائي[53]. ويُلزم القاضي ـ اخلاقياً ـ بالتعهد الذي يقطعه جهاز الشرطة مع الجناة[54]؛ فاذا وعد جهاز الشرطة الجاني بتخفيف عقوبته مقابل اعطائه المعلومات اللازمة خلال الاستجواب، والتعاون مع السلطة، والاقرار بالذنب، التزم القاضي بوعود جهاز الشرطة مما يؤدي الى تخفيف العقوبة ضد الجاني. بمعنى ان القاضي لايمارس في احيان كثيرة دوره الحاسم في الحكم على المتخاصمين، بل يكون تابعاً لتصرفات جهاز الشرطة والنائب العام وهيئة المحلفين. ومن اجل اختيار القضاة لادارة المحاكم، فان النظام القضائي الرأسمالي يعتمد في ذلك على وسائل متعددة[55] منها: اولاً: تعيينهم من قبل حاكم الولاية مباشرة. ثانياً: رفع الكونغرس المحلي للولاية توصية بتعيينهم. ثالثاً: استشارة هيئة خاصة لتحديد الصالح من الافراد للقضاء. رابعاً: انتخاب مجلس لفحص ملفات الافراد وانتخاب الافضل ـ على الصعيد الاجتماعي ـ للقضاء. خامساً: انتخابهم من قبل عامة الافراد في الولاية. والطريقة الاخيرة هي الطريقة المستعملة في اغلب الولايات اليوم. وبالاجمال، فان المستوى العلمي للفرد ليس شرطاً من شروط اختيار القاضي في النظرية القضائية الامريكية. فلا يتطلب من القاضي (نظرياً على الاقل حسب النظام الرأسمالي) ان يكون حقوقياً او قانونياً، ما عدا اعضاء المحكمة العليا[56]. والكثير من القضاة في الولايات المتحدة لايتمتعون بدراسات قانونية، وليست لديهم شهادات جامعية[57]. بل ان التأهيل المطلوب للقضاء في النظام الرأسمالي، هو ان تكون للفرد خبرة في الامور الادارية والاشرافية والمام عام بالقوانين العامة وعقوبات مخالفيها. اجراءات ما قبل المحاكمة وبعد اعتقال المتهم ـ عن طريق «لائحة الاعتقال» الصادرة من النائب العام، المحددة فيها نوع التهمة وحقائق القضية الجرمية وظروف الاعتقال ـ يقوم النائب العام باصدار لائحة اخرى وهي «لائحة الاتهام» اذا كانت الجريمة جنحة مخلة بالشرف كالقتل والاغتصاب[58]. واذا صدرت لائحة الاتهام، فان هيئة المحلفين يجب ان تنظر بالقضية. اما اذا كانت حيثيات القضية الجنائية غير متكاملة، فان النائب العام يقوم ـ حينئذ ـ باصدار «لائحة الادعاء» ضد المتهم لاستجوابه، ثم اعتقاله عند اكتمال حيثياتها. وبعد تسجيل «لائحة الاتهام» في الجنح المخلة بالشرف في سجلات المحكمة الجنائية، يطلب من المتهم الوقوف امام الحاكم لابلاغه بالاستدعاء الى المحاكمة. وفي هذه الفترة ينتهز القاضي او الحاكم الفرصة للتأكيد للمتهم على شرعية تمثيله من قبل محامي الدفاع، وشرعية اطلاق سراحه مقابل كفالة او بدائل اخرى حتى يحين وقت المحاكمة[59]. واذا اقر المدعى عليه بالذنب في هذا الوقت، سقطت المحاكمة وبدأت المحكمة التحضير لاصدار الحكم والعقوبة التي يستحقها الجاني المقرّ بجنايته[60]. اما اذا انكر المتهم الذنب، فان المحكمة يجب ان تهيّئ كل الظروف المناسبة للمحاكمة النـزيهة العادلة. ولو تمت المساومة بين محامي الدفاع والنائب العام حول الاقرار بالذنب وتم الاقرار لاحقاً، سقطت المحاكمة ايضاً[61]. وفي هذه المرحلة من العملية القضائية تبرز ثلاثة مواضيع مهمة تؤثر لاحقاً وبدرجات متفاوتة على مجرى المحاكمة، وهي: الكفالة، والمساومة على الاقرار بالذنب، وبدائل الملاحقة الجنائية. وسنتعرض لكل منها بشيء من التفصيل والنقد. الكفالة المالية: والكفالة ضمان مادي او معنوي يقنع المحكمة الجنائية بامكانية حضور المتهم، وقت المحاكمة المقرر عقدها لاحقاً[62]. فيحدد القاضي او الحاكم مبلغ الكفالة الذي ينبغي ان يتناسب مع حجم وخطورة الجناية، وسوابق الجاني. فاذا عجز المتهم عن ايجاد الكفيل، اودعه الحاكم السجن حتى يحين موعد المحاكمة[63]. ولاشك ان احكام الكفالة الخاصة في النظام القضائي الامريكي، مستمدة من القانون الانكليزي الذي يسمى بـ «القانون العرفي» والذي ينص على ان الكفيل يجب ان يحاكم ويعاقب في حالة عجزه عن احضار المكفول وقت المحاكمة[64]. وبموجب ذلك، نص التعديل الثامن للدستور الامريكي، على ان المتهمين ينبغي اطلاق سراحهم بكفالة معقولة في كل الحالات الجنائية ما عدا جرائم القتل[65]. والاصل في الكفالة، ان للفرد المتهم الحق في العيش والانتاج الاجتماعي حتى ورود وقت المحاكمة. ولكن القضاء الرأسمالي الامريكي لايقر بالكفالة الشخصية التي جاء بها القانون الانكليزي، بل يؤمن بقوة بالكفالة المالية[66]. وهي اجبار المتهم على دفع مبلغ من المال، يكفله للحضور وقت المحاكمة. ولكن فكرة الكفالة المالية مثيرة للجدل والنقاش، لانها تميز بين الغني والفقير؛ وتخدم مصالح النظام الرأسمالي خدمة عظمى، لانها تطلق سراح رجال الاعمال والمستثمرين والساسة المتهمين، فتعيدهم لدائرة الانتاج حتى يحين موعد محاكمتهم. اما الفقراء الذين لا يستطيعون دفع مبلغ الكفالة، فان عليهم البقاء في السجون بعيداً عن اعمالهم وذويهم الى ان يحين موعد المحاكمة. واذا ما ثبتت براءتهم، فان خسارة رزحهم في السجون لا يعوضها النظام القضائي، فيزدادون فقراً وحرماناً على فقرهم وحرمانهم. وبسبب هذا الظلم القضائي فقد تعرضت فكرة الكفالة المالية في النظام الرأسمالي الى الكثير من النقد من مناصري النظرية الغربية انفسهم، لا لانها تميز بين الفقراء والاغنياء فحسب، بل لانها تكلف الدولة مبالغ طائلة تصرف على المتهمين المعتقلين في السجون بخصوص الاطعام والعناية الصحية والادارة والاشراف. ولاشك ان عجز الفرد عن دفع الكفالة المالية، يعرضه الى احتمال اكبر للتجريم خلال المحاكمة، والى زيادة في المدة التي يحتمل ان يقضيها في السجن[67]. ولذلك فان اتجاهاً جديداً برز على الساحة القضائية الغربية يدعو الى الغاء الكفالة المالية، ويطالب باطلاق سراح المتهم الموثوق من رجوعه حتى يحين موعد المحاكمة الاصلية[68]. ولكن هذا الاتجاه الجديد الذي طالب بالغاء الكفالة المالية، عجز عن تقديم بديل عادل لمشكلة الاعتقال قبل المحاكمة. بل اكد على ان وثوق المتهم بالرجوع الى المحكمة في الموعد المحدد، يجب ان تلاحظ فيه امور معينة تربطه بالنظام الاجتماعي كوظيفته المهنية، وطبقته الاجتماعية، وتملكه السكن اللائق بحاله، وارتباطه بالمؤسسات الاجتماعية وبقية الافراد في النظام الاجتماعي، وقيمة الضرائب التي يدفعها للحكومة، وتأريخه الشخصي المتعلق بالمحاكم والجنايات[69]. وهذه الشروط الجديدة في اعفاء المتهم عن دفع الكفالة ـ كما ترى ـ تنفع الطبقة الثرية في النظام الاجتماعي ايضاً اكثر مما تنفع الطبقة الفقيرة. وحتى يتم تسهيل دفع الكفالة المالية، فان النظرية القضائية الغربية أيدت شرعية (الاحتراف التكفلي) او شرعية عمل الكفيل المحترف. فعلى الصعيد العملي يدفع الكفيل المحترف تسعين بالمائة من مبلغ الكفالة للمحكمة، ويدفع المتهم عشرة بالمائة. وعندما يحين موعد المحاكمة، ويحضر المتهم، فان الكفيل المحترف يقبض مبلغ الكفالة كاملاً، فيحصل على ربح قدره عشرة بالمائة كعمولة[70]. اما اذا عجز الكفيل عن احضار المتهم في الموعد المحدد، فيتعين على ذلك الكفيل المحترف دفع الكفالة كاملاً، وهو نادراً ما يحصل لان الكفيل المحترف يطالب – على الاغلب - بضمانات اضافية قبل ضمان الكفالة، من ضمنها وضع اليد على ممتلكات المتهم المنقولة كالاموال، وغير المنقولة كالعقارات والابنية والبيوت[71]. ولضمان امن النظام الاجتماعي خلال الفترة الواقعة بين بدء دفع الكفالة ولحين بدء المحاكمة، توصي المحكمة العليا الامريكية، المحاكم الدنيا بـ «الاعتقال الوقائي» للمتهمين الذين يخشى مشاركتهم في اعمال اجرامية تضر المجتمع ومؤسساته الحيوية[72]. وعلى ضوء ذلك ، فاذا قرر القاضي خطورة سلوك فرد متهم على بقية الافراد في المجتمع، فله الحق في ايداع ذلك المتهم السجن، بغض النظر عن قدرته على دفع مبلغ الكفالة[73]. وهذا التصريح القانوني يفتح الباب لانتقاء المتهمين الذين يشكلون خطراً على النظام لايداعهم السجون، حتى لو كانوا ابرياء وكانوا يملكون المال الكافي لدفع مبالغ الكفالات[74]. وما على النظام الا نصب الشراك لايقاعهم في مسرح الجريمة ! المساومة على الاقرار بالذنب: واغلب المتهمين في الجرائم الجنائية يجرمون انفسهم امام محامي الدفاع عن طريق «المساومة على الاقرار بالذنب»[75]، وهو تعهد محامي الدفاع والنائب العام بتخفيف الحكم القانوني وما يتبعه من عقوبة على الجاني مقابل الاعتراف بالذنب. حيث تحصل المساومة في الفترة الواقعة بين استدعاء المحكمة للمتهم وبداية المحاكمة، وتتم على اربعة اشكال. الاول: ان يتعهد المدعي العام لمحامي الدفاع بتقليل حجم الاتهامات الموجهة ضد المتهم، وبذلك ينخفض حجم العقوبة المتوقع صدورها من القاضي[76]. الثاني: ان يتعهد المدعي العام بحذف بعض الاتهامات، والابقاء على اتهامات اخرى، مما يقلل حجم العقوبة المتوقع صدورها بحق المتهم ايضاً[77]. الثالث: ان يوعد النائب العام بتخفيف العقوبة من السجن والاشغال الشاقة الى تعليق العقوبة واطلاق سراح المتهم ومراقبته[78]. الرابع: الوعد بتغيير الفاظ الاتهام الموجهة ضد المتهم، للتخفيف من العقوبة[79]، ومثالها: تغيير الاتهام من لفظ «الشروع بالقتل» الى لفظ «الاعتداء الجسدي». وكل هذه المحاولات التي يقوم بها محامي الدفاع بالاتفاق مع النائب العام هدفها استنطاق المتهم واقناعه بشتى الطرق للاعتراف بالذنب. ولاريب ان اقرار المتهم بالذنب، تصب بالاصل لصالح النائب العام لان اثباتات النائب العام قد تكون اضعف مما كان يأمل ان تكون[80]، وعليه فإن المساومة على الاقرار بالذنب، تجنّب النائب العام الدخول في تعقيدات المحاكمة واحتمال خسارته القضية الجنائية. اضف الى ذلك، ان النائب العام لو اعتقد بان جهاز الشرطة قد ارتكب خطأً في تحضير اثباتات ادانة الجريمة، فانه ليس من صالحه رفع القضية الى المحكمة؛ ولذلك فان المساومة على الاقرار بالذنب، ربما تكون فرصة لانقاذ النائب العام من اشكالات كشف الخطأ او الهفوة ووسيلة فعاّلة للرد على الانتقادات الموجهة اليه. وبهذا فان الاقرار بالذنب يبطل كل الاخطاء والانتهاكات التي ارتكبها جهاز الشرطة في التحقيق بالجناية[81]. نقطة ثالثة وهي ان الجناية ـ حتى لو كانت ادلة الادانة فيها قوية ونافذة ـ فانه يحتمل فيها الرد وتبرئة ساحة المتهم من قبل هيئة المحلفين[82]. وهذا يضعف موقف النائب العام قانونياً واجتماعياً وسياسياً. ولذلك، فان المساومة على الاقرار بالذنب ـ بريئاً كان المتهم او مذنباً ـ تصبّ في صالح النائب العام بالخصوص، والجهاز القضائي بالعموم. ويزعم مناصرو الفكرة الرأسمالية بان المساومة على الاقرار بالذنب بين المتهم والنائب العام، لها منافع جمة على المستويين الفردي (وهو المتهم) والجماعي(وهي الدولة)[83]. فالاقرار يوفر على الولاية الكثير من الاموال المصروفة في الملاحقة القضائية، ويرفع من مستوى اداء الجهاز القضائي المتمثل بالقاضي والنائب العام ومحامي الدفاع، ويعطي النائب العام فرصة للتعامل مع اكبر عدد ممكن من القضايا الجنائية. وعلى المستوى الفردي فانه يجنّب الجاني الاعتقال او الكفالة المالية والمحاكمة ويمنحه فرصة لعقوبة اخف. وبالجملة، فان المساومة على الاقرار بالذنب ـ حسب زعم النظرية القضائية الامريكية ـ تخدم مصالح النظام القضائي بغض النظر عن حجم العقوبة النازلة بالمتهم. ولكن الحقيقة ان المساومة على الاقرار بالذنب تخدم النظام السياسي دون ان تخدم فكرة العدالة القضائية بين الافراد، لان المساومة لا تخدم مصالح المجني عليه بالمرة. والاصل فيها انها تبطل الحق الدستوري للمجني عليه بمحاكمة الجاني، وانزال العقوبة التي يستحقها به. والخطورة في فكرة (المساومة على الاقرار بالذنب) تكمن في انها تنتج فرض عقوبات اخف على مجرم ارتكب جرماً مع ضرر معتد به لاحد افراد النظام الاجتماعي. اذن، فان فكرة المساومة القضائية تنافي ـ بكل تأكيد ـ عدالة الدولة ونزاهة النظام القضائي وما يمثله من قوانين وتشريعات، وتناقض اصل فكرة النظرية القضائية الغربية الزاعمة بان الاعتداء على احد افراد النظام الاجتماعي انما يمثل اعتداءً على الحكومة التي انتخبها! بدائل الملاحقة القضائية: وبسبب ارتفاع الكلفة المالية لنظام العقوبات الرأسمالي، فقد نشأ توجّه جديد في اوساط الساحة القضائية يفيد بان علاج الجاني افضل للنظام الاجتماعي من معاقبته[84]. ذلك لان تجريم المتهم وادخاله السجن يترك آثاراً خطيرة على شخصيته وتوجهه الفكري والحياتي لاحقاً[85]. وعلى ضوء ذلك فان البديل العلاجي لشخصية المجرم انفع من العقوبة الرادعة التي لاتزيده الا اجراماً وانحرافاً عن الخط الاجتماعي السليم. اضف الى ذلك ان علاج المجرم اقل كلفة من معاقبته، لان فترة العلاج اقصر طبيعياً من فترة العقوبة[86]. واخيراً، فان العلاج يلغي فكرة المساومة على الاقرار بالذنب بين النائب العام والمتهم؛ وهذا بحد ذاته يخفف من الضغط القانوني على المحاكم[87]. ومثال ذلك ان المتهم المدمن على تناول الكحول ـ الذي ارتكب سرقة ما ـ اذا وافق على العلاج من مرض الادمان على الكحول مثلاً في معهد صحي معين، الغى النائب العام اتهامه بالسرقة، واسقط القاضي الحكم والعقوبة المتوقع اصدارها ضده. وهذا البديل العلاجي يوفر للنظام القضائي تكاليف الاعتقال والمحاكمة والعقوبة. (نهاية ص 73)
[1] بنجامين كاردوزو. طبيعة العملية القضائية. نيويورك:مطبعة جامعة ييل، 1921م. [2] وودفورد هاورد. محاكم الاستئناف في النظام القضائي الفيدرالي: دراسة في المحاكم الطوافة لمقاطعة كولومبيا الثانية والخامسة. برنستون: مطبعة جامعة برنستون، 1981م. [3] مارك كانون وديفيد اوبرين. آراء من المنصة: السلطة القضائية والسياسة الدستورية. نيويورك: جاثام هاوس، 1985م. [4] هنري ابراهام. العملية القضائية. نيويورك: مطبعة جامعة اكسفورد، 1986م. [5] جون فرانك. القصر الرخامي: المحكمة العليا في الحياة الامريكية. نيويورك: نوف، 1985م. [6] فيليب كوبر. الخيارات القضائية الصعبة: قضاة محكمة المقاطعات الفيدراليين. الولاية، والسلطات المحلية. نيويورك: مطبعة جامعة اكسفورد، 1988م. [7] دونالد هورووتيز. المحاكم والسياسة الاجتماعية. واشنطن دي سي: معهد بروكنكس، 1977م. [8] والتر ميرفي. عناصر الاستراتيجية القضائية. شيكاغو: مطبعة جامعة شيكاغو، 1964م. [9] روبرت كارب وسي كي رولاند. الخطة السياسية والسياسة في محاكم المقاطعات الفيدرالية. نوكسفيل: مطبعة جامعة تنسي، 1983م. [10] ديفيد فروت. المحكمة العليا في السياسة الامريكية: الفعالية القضائية ضد التقييد القضائي. ليكسنتون، ماساشوستس: هيث، 1972م. [11] هنري ابراهام. القضاة والرؤوساء: التاريخ السياسي لتعيين القضاة في المحكمة العليا. نيويورك: مطبعة جامعة اكسفورد، 1985م. [12] بول فرويد. حول فهم المحكمة العليا. نيويورك: ليتل براون، 1949م. [13] ثيودور بيكر، ومالكوم فيلي. تأثير قرارات المحكمة العليا. نيويورك: مطبعة جامعة اكسفورد، 1973م. [14] جيرهارد كاسبر، وريتشارد بوسنر. دراسة في الملفات القانونية للمحكمة العليا. مقالة علمية في مجلة الدراسات القضائية الامريكية، عدد 3، 1974م. ص 339-362. [15] جون بريكهام. اللغة الدستورية: تفسير القرارات القضائية. وستبورت: كانتيكت: مطبعة كرينوود، 1978م. [16] ديفيد رود، وهارولد سباث. صناعة قرارات المحكمة العليا. سان فرانسسكو: فريمان، 1976م. [17] ديفيد اوبرين. مركز العاصفة: المحكمة العليا في السياسة الامريكية. نيويورك: نورتن، 1990م. [18] مارك توشنت. الاحمر، الابيض، والازرق: تحليل نقدي للقانون الدستوري. نيويورك: مطبعة جامعة هارفارد، 1988م. [19] مارك كانون، وديفيد اوبرين. آراء من المنصة: السلطة القضائية والسياسة الدستورية. نيويورك: جاثام هاوس، 1985م. [20] ستيفن واسبي. المحكمة العليا في النظام القضائي الفيدرالي. نيويورك: نيلسون- هول، 1988م. [21] والتر ميرفي، وهيرمان بريشت. المحاكم، القضاة، والسياسة: مقدمة في العملية القضائية. نيويورك: راندوم هاوس، 1986م. [22] لاييف كارتر. صناعة القانون الدستوري المعاصر. نيويورك: بيركامون، 1985م. [23] هنري ابراهام. العملية القضائية. نيويورك: مطبعة جامعة اكسفورد، 1986م. [24] جوناثان كاسبر. سياسة الحريات المدنية. نيويورك: هاربر ورو، 1972م. [25] هربرت جاكوب. العدالة في امريكا: المحاكم، المحامون، والعملية القضائية. بوستن: ليتل براون، 1984م. [26] جارلس حونسون، وبرادلي كانون. السياسة القضائية: التنفيذ والتأثير. واشنطن دي سي: سي كيو، 1984م. [27] جيمس كونين. كيف تستطيع الدفاع عن هؤلاء؟ صناعة محامي القضايا الجنائية. نيويورك: راندوم هاوس، 1983م. [28] نيل ميلنر. المحكمة والشرطة المحلية. بيفرلي هيلز، كاليفورنيا: سيك، 1971م. [29] ريتشارد كلوكر. العدالة البسيطة. نيويورك: نوف، 1976م. [30] عناصر الاستراتيجية القضائية. شيكاغو: مطبعة جامعة شيكاغو، 1964م. [31] والتر ميرفي، وهيرمان بريشت. المحاكم، القضاة، والسياسة: مقدمة في العملية القضائية. نيويورك: راندوم هاوس، 1986م. [32] وليام برينان. المحكمة القومية الاستئنافية: مخالفة اخرى. مقالة علمية في المجلة القانونية النقدية لجامعة شيكاغو. عدد 40، ربيع 1973م. ص 480- 490. [33] جي دبليو بليتاسون. المحاكم الفيدرالية في العملية السياسية. نيويورك: دبل دي، 1955م. [34] جورج الن تار. التأثير القضائي والمحاكم العليا للولايات. ليكسنتنك، ماساشوستس: كتب ليكسنتنك، 1977م. [35] ريتشارد بوسنر. المحاكم الفيدرالية. نيويورك: مطبعة جامعة هارفارد، 1985م. [36] دونالد هورووتيز. المحاكم والسياسة الاجتماعية. واشنطن دي سي: معهد بروكنكس، 1977م. [37] هاريل روجرز، وجارلس بولوك. القانون والتغير الاجتماعي: فانون الحقوق المدنية وتبعاته. نيويورك: ماكرو – هيل، 1972م. [38] هربرت جاكوب. العدالة في امريكا: المحاكم، المحامون، والعملية القضائية. بوستن: ليتل براون، 1984م. [39] جارلس جونسون، وبرادلي كانون. السياسة القضائية: التنفيذ والتأثير. واشنطن دي سي: سي كيو، 1984م. [40] هنري ابراهام. العملية القضائية. نيويورك: مطبعة جامعة اكسفورد، 1986م. [41] جويل كروسماس. المحامون والقضاة: مؤسسة بار الامريكية وسياسة الانتقاء القضائي. نيويورك: جون وايلي، 1965م. [42] كليك هنري. المحاكم، السياسة، والقضاة. نيويورك: ماكرو- هيل، 1983م. [43] شيلدون كولدمان، وتوماس جاينكي. المحاكم الفيدرالية كنظام سياسي. نيويورك: هاربر ورو، 1976م. [44] مارك كانون، وديفيد اوبرين. آراء من المنصة: السلطة القضائية والسياسة الدستورية. نيويورك: جاثام هاوس، 1985م. [45] جيرومي فرانك. المحاكم تحت المحاكمة. برنستون: مطبعة جامعة برنستون، 1950م. [46] دونالد هورو وتيز. المحاكم والسياسة الاجتماعية. واشنطن دي سي: معهد بروكنكس، 1977م. [47] هارولد جيس. القضاة الفيدراليون: عملية التعيين. مينيسوتا: مطبعة جامعة مينيسوتا، 1972م. [48] جون بريكهام. اللغة الدستورية: تفسير القرارات القضائية. وستبورت، كانتيكت: مطبعة كرينوود، 1978م. [49] هربرت جاكوب. العدالة في امريكا: المحاكم، المحامون، والعملية القضائية. بوستن: ليتل براون، 1984م. [50] فيليب دوبويس. سياسة الاصلاح القضائي. ماساشوستس: هيث، 1982م. [51] توماس جاهنكي، وشيلدون كولدمان. النظام القضائي الفيدرالي: قراءات في العملية والسلوك. نيويورك: هولت، راينهارت وونستن، 1968م. [52] معهد فيرا لابحاث العدالة. مناهج في العدالة الجنائية. نيويورك: معهد فيرا، 1972م. [53] روبرت جاكسون. الكفاح نحو السيادة القضائية. نيويورك: نوف، 1941م. [54] جون هارت إلي. الديمقراطية وانعدام الثقة: نظرية في النقد القضائي. ماساشوستس: مطبعة جامعة هارفارد، 1980م. وايضاً: نيل ميلنـر. المحكمة والشرطة المحلية. بيفرلي هيلز، كاليفورنيا: سيك، 1971م. [55] والتر ميرفي. الكونغرس والمحكمة. شيكاغو: مطبعة جامعة شيكاغو، 1962م. [56] والتر ميرفي، وهيرمان بريشت. المحاكم، القضاة، والسياسة: مقدمة في العملية القضائية. نيويورك: راندوم هاوس، 1986م. [57] سيدني المر. المحاكم، القانون، والعمليات القضائية. نيويورك: المطبعة الحرة، 1981م. وايضاً: جون هارت إلي. الديمقراطية وانعدام الثقة: نظرية في النقد القضائي. ماساشوستس: مطبعة جامعة هارفارد، 1980م. [58] هنري ابراهام. العملية القضائية. نيويورك: مطبعة جامعة اكسفورد، 1986م. [59] جوناثان كاسبر. سياسة الحريات المدنية. نيويورك: هاربر ورو، 1972م. [60] جون بريكهام. اللغة الدستورية: تفسير القرارات القضائية. وستبورت، كانيتكت: مطبعة كرينوود، 1978م. [61] سيدني المر. المحاكم، القانون، والعمليات القضائية. نيويورك: المطبعة الحرة، 1981م. [62] ستيفن كيتنجر. صلاحيات قانون الكفالة. فصل علمي في كتاب (العمليات القانونية والاصلاحية). تحرير: ان جونسون، وال سافيتنز. نيويورك: وايلي، 1982م. [63] جون كولد كامب. الاصلاحات القضائية في قضايا الكفالة: تجربة فيلادلفيا. مقالة علمية في مجلة ادارة المحكمة، عدد 75، 1983م. ص 16- 20. [64] اوليفر وينديل هولمز. القانون العرفي. تحرير: مارك دي وولف. بوستن: ليتل براون، 1881م. [65] نورفال موريس. العدالة بالتساوي تحت ظل القانون. واشنطن دي سي: مطبعة الحكومة، 1977م. [66] ديفيد فوجيل. العدالة كعدالة. سنسيناتي: اندرسون، 1981م. [67] معهد فيرا لابحاث العدالة. مناهج في العدالة الجنائية. نيويورك: معهد فيرا، 1972م. [68] ام اوزان وآخرون. تجاه نظرية في مخاطر الكفالة. مقالة علمية في مجلة علم الاجرام الامريكية، عدد 18، 1980م. ص 149- 160. [69] ستيفن كيتنجر. صلاحيات قانون الكفالة. فصل علمي في كتاب العمليات القانونية والاصلاحية. تحرير: ان جونسون، وال سافتيز. نيويورك: وايلي، 1982م. [70] مالكولم فيلي. اصلاحات المحاكم تحت المحاكمة. نيويورك: الكتب الاساسية، 1983م. [71] براين فورست وآخرون. ماذا يحصل بعد الاعتقال؟ واشنطن دي سي: انسلو، 1977م. [72] وليام لاين بري. العدالة في امريكا: القانون، النظام، والمحاكم. نيويورك: ويلسون، 1972م. [73] جوان بيترسيليا. الفوارق العرقية في نظام العدالة الجنائية. سانتا مونيكا، كاليفورنيا: مؤسسة راند، 1983م. [74] كينيث ديفز. الانتقاء الذي تمارسه الشرطة. سانت بول، مينيسوتا: ويست، 1975م. [75] المعهد القومي لتطبيق القانون والعدالة الجنائية. المساومة على الاقرار بالذنب في الولايات المتحدة. واشنطن دي سي: مطبعة جامعة جورج تاون، 1978م. [76] دونالد نيومان. عقد الصفقة. فصل علمي في كتاب العمليات القانونية والاصلاحية. تحرير: ان جونسون، وال سافيتنز. نيويورك: وايلي، 1982م. [77] ريتشارد كوه. التطبع مع قانون المساومة على الاقرار بالذنب. مقالة علمية في النشرة الدورية لمؤسسة بار، عدد 24، 1966-1967م. ص 160- 170. [78] مالكو فيلي. عملية العقوبة. نيويورك: مؤسسة رسل سيك، 1979م. [79] الن الشولر. دور لجنة الدفاع عن المتهم في المساومة على الاقرار بالذنب. مقالة علمية في المجلة القانونية لجامعة ييل، عدد 84، 1975م. ص 1179- 1185. [80] ميلتن هيومن. ملاحظة حول المساومة على الاقرار بالذنب والضغط على الحالة الجنائية. مقالة علمية في المجلة النقدية للقانون والمجتمع، عدد 9، 1975م. ص 515- 528. [81] جون برودريك. الشرطة في الزمن المتغير. موريستاون، نيوجرسي: مطبعة التعلم العام، 1977م. [82] والتر ميرفي، وهيرمان بريشت. المحاكم، القضاة، والسياسة: مقدمة في العملية القضائية. نيويورك: راندوم هاوس، 1986م. [83] مكتب احصاءات العدالة. سيطرة قانون المساومة على الاقرار بالذنب. واشنطن دي سي: وزارة العدل، 1984م. [84] مالكولم فيلي. عملية العقوبة. نيويورك: مؤسسة رسل سيك، 1979م. [85] ليسلي ويلكنـز. مبادئ الهداية في العقوبات. واشنطن دي سي: مطبعة الحكومة، 1981م. [86] مارفين فرانكيل. العقوبات الجنائية – قانون بدون نظام. نيويورك: هيل ووانك، 1973م. [87] دونالد نيومان. عقد الصفقة. مصدر سابق.
|