(ص 1 - 42)

 بحوث مقارنة في النظرية الاجتماعية

النظام القضائي ..

وفلسفة حل الخصومات في الاسلام

 

السيد زهير الاعرجي

-------------------------------

 بسم الله الرحمن الرحيم

(ولن ترضى عنكَ اليهودُ ولا النصارى حتى تتبعَ ملَّتهم قُل إنَّ هُدى اللهِ هو الهدى ولئِن اتَّبعتَ اهواءهم بعدَ الذي جاءك من العلم ما لك من الله من وليٍّ ولا نصير) سورة البقرة:120 .

 -------------------------------

 الطبعة: الاولى، 1415 هـ / 1994م.

تنضيد الحروف: المشرق الاسلامي. المطبعة: امير ـ قم المشرفة.

 -------------------------------

 المقدمة

           يرتبط تصور فكرة القضاء دائماً بمصاديق العدالة الجنائية والحقوقية التي يفترض تحقيقها بين جميع الافراد دون تمييز. وما المحاكمة الجنائية والحكم على الجاني بالعقوبة، الا انتصارٌ لمصالح الجماعة التي يتعهد النظام القضائي بحفظها من عبث الجناة. والقاضي الذي يجلس على منصة القضاء لايستطيع ان يحكم بان جميع الافراد متساوون في الحقوق والواجبات، ولكنه يستطيع ان يحكم فقط من خلال فوارقهم في قضية ذلك الحق المهدور على تلك القضية الجنائية او الحقوقية. وهذا هو معنى حق الجاني والمجني عليه في (وجوب مساواة القاضي بين الخصمين) ـ التي آمنت بها النظرية القضائية الاسلامية على مذهب اهل البيت (ع) ـ حتى يثبت الفارق الجنائي بين الجاني والمجني عليه. وعندئذ يتصرف القاضي على ضوء واجبه الشرعي، وهو اما اصدار العقوبة بحق الجاني وتنفيذها او تعويض الضحية او كلاهما او تبرئة ساحة المتهم البريء من الجناية. الا ان الحكم الذي يصدره القاضي ينبغي ان لايكون حكماً عقلائياً فحسب، بل لابد ان يكون حكماً اخلاقياً. بمعنى ان العدالة الجنائية قد تستدعي احياناً الرحمة بالجاني واحياناً اخرى القسوة، فكيف يستطيع القاضي الموازنة بين قطبي الرحمة والقسوة في تلك القضية الجنائية ؟ والجواب على ذلك يكمن في ان القاضي يجب ان يجد تبريراً اخلاقياً وشرعياً ـ نابعاً بالاصل من روح الشريعة الاسلامية ـ للحكم الذي يصدره.

          ان فكرة العدالة الجنائية والحقوقية تنبع من اعتراف الافراد بان لهم مصالح مشتركة ضمن نطاق الجماعة، فلايستطيع الفرد ان يقوم بعمل ما ينتهك فيه مصلحة المجموع او مصلحة فرد آخر له نفس الحقوق وعليه نفس الواجبات. والدولة ـ بنظامها القضائي ـ ينبغي ان تكون لها القوة التنفيذية الكافية لمنع ذلك الفرد من انتهاك حقوق بقية الافراد ضمن نطاق الجماعة.

          ان العدالة الحقوقية تتحقق عندما يدرك الافراد ان ما يبذلونه من جهد تجاه الآخرين ينبغي ان يرجع بمنفعة ما عليهم. اي ان الفرد لايستطيع ان يخطف منفعة اضافية على حساب منافع الآخرين. وهذا عين ما نادت به الرسالة الاسلامية فيما يتعلق بالحقوق والواجبات.

          الا ان تحقق العدالة القضائية بين الافراد لايتم ما لم يدحر الشر بالشر، ويقابَل الخير بالخير. بمعنى ان العقوبة الجنائية الشديدة ـ ضمن هذا الاطار ـ تستطيع ان تحقق العدالة القضائية. وحتى ان الذين انكروا على الاسلام فكرة العقوبة الجنائية لم يستطيعوا ان يتخلوا عن فكرة (الانتقام الاخلاقي)، فقالوا على لسان زعيمهم الفيلسوف (جي. اس. ميل) بان الانتقام عملية طبيعية اذا كانت الجناية المرتكبة قد سببت جرحاً معتبراً للمجتمع الكبير[1]. مع العلم بان الاسلام لم يجعل العقوبة الجنائية بهدف الانتقام بل جعل لها وظيفة ردعية في النظام الاجتماعي. وذهب (ديفيد هيوم) الى القول بان القوانين القضائية بما فيها العقوبات مرتبطة بالاساس بالعرف العقلائي والعادات الاجتماعية، وليس للعدالة القضائية تبرير اخلاقي بقدر ما انها تعبّر عن الارادة الجدية للنظام الاجتماعي بتطبيقها[2]. وهو افتراض محض يناقض مبادئ الاديان السماوية. فالنظرية الدينية جعلت العدالة القضائية جوهر القضاء، ولا دخل للارادة الجدية او الاستعمالية في تصميم نظرية العدالة القضائية. فاننا نفترض ان الالزام الشرعي هو الذي يؤدي الى تطبيق النظرية القضائية، ولايمكن ان نفترض العكس. اي لايمكن ان يؤدي التطبيق القضائي الى انشاء نظرية في العدالة الجنائية بما فيها من الزام شرعي او اخلاقي. وقد حاولنا في هذا البحث التأكيد على هذه الاطروحة السماوية عبر دراسة نظامين قضائيين احدهما من صنع الانسان والآخر من صنع الله سبحانه وتعالى. فقسمنا الكتاب الى قسمين. القسم الاول: النظام القضائي في النظرية الرأسمالية الغربية وتطبيقاتها. والقسم الثاني: النظام القضائي في النظرية الاسلامية. وقد افردنا فصلاً مستقلاً لدراسة (فلسفة القضاء في النظرية الامامية). وهذا البحث ماهو الا جزء من بحوث في الفقه الاجتماعي ودراسة النظرية الاجتماعية الاسلامية دراسة مقارنة.

          ان هذا الكتاب يعبّر عن محاولة اولية لدراسة النظرية القضائية الاسلامية طبقاً لمذهب اهل بيت النبوة (ع). ولاشك فاننا بحاجة ماسة الى دراسات تحليلية اخرى لاغناء الموضوع.

          ربي انت المستعان، ولك الحمد في الاولى والآخرة، وما توفيقي الا بالله عليه توكلت واليه انيب.

 زهير الاعرجي 

قم المشرفة / جمادي الثاني 1415 هـ .

 -----------------------

فلسفة القضاء في النظرية الامامية[3]

           ان توسع وتعقد الحياة الاجتماعية انتج حاجة ملّحة لاشكال مختلفة من العلوم القانونية او الشرعية، كالقانون الجنائي، وقانون العقود، والقانون الخاص بالاضرار. ولاشك ان ظهور هذه القوانين كان قد تزامن مع بروز افكار فلسفية لها علاقة وثيقة بالقانون او الشريعة كفلسفة الحقوق، والواجبات، والالتزامات، والشخصية الحقوقية، والتملك، واليد؛ وادى الى مناقشة عناصر اخرى لها علاقة مباشرة بالاحكام القانونية ايضاً كطبيعة الفعل والنية او القصد.

          الا ان الحدود الفكرية بين فلسفة القانون، وبين النظرية الفقهية او القانونية ليست واضحة بالشكل الذي نتصوره للوهلة الاولى. فالاحكام والقوانين تختلف بالمحتوى والطرق التي انشئت فيها، وتتباين في المقاصد والاهداف التي صممت من اجلها. ومع انها تمتلك تركيبة متناسقة في الاطار الفني، الا انها تتداخل بشكل معقد في بعض المراحل النظرية.

          والنظام القانوني يكشف لنا عن مشكلة فلسفية معقدة. فالقانون اداة فعاّلة من ادوات التأثير على السلوك الانساني؛ فهو من جهة يستخدم القوة والاكراه لتغيير سلوك الافراد ومن جهة اخرى يرفع شعار العدالة والفلسفة الاخلاقية.

          والمشكلة التي يطرحها الفلاسفة المتأخرون تنعكس في محتوى السؤال التالي: كيف نستطيع ان نجمع ما بين الشريعة او القانون، وما بين الاكراه، والنظرة الاخلاقية في وقت واحد؟ خصوصاً إذا ما وضعنا بالحسبان عقائد القانون الطبيعي، والفلسفة الوضعية، والطاعة والعصيان، فان العلاقة بين القانون والنظرة الاخلاقية من جهة، والقانون والاكراه من جهة اخرى تصبح اكثر تعقيداً واصعب منالاً.

          ومع ان الاحكام  تختلف في الرتبة، الا ان مكوناتها الجوهرية مشتركة. فالتشريع او الحكم يولد ظروفاً وعلاقات خاصة للافراد او المجاميع. وهذه الظروف والعلاقات لها تأثير واضح على السلوك في الحياة الاجتماعية. ولعل القاسم المشترك الذي تنتجه الفكرة القضائية بين القاضي والجاني والمجني عليه، بل عموم الافراد، هو ان هؤلاء جميعاً لابد ان يفهموا اللغة والمصطلحات الشرعية او القانونية التي وضعت لهم؛ وعلى ضوء ذلك، فلابد ان يفهموا ـ وكنتيجة طبيعية لفهم تلك المصطلحات ـ فكرة (الحقوق) و(الواجبات).

          ان قضايا الحقوق والواجبات هي التي تدفع الافراد للتوجه نحو المحاكم والتماس القضاة لتحقيق العدالة الجنائية او الحقوقية، او بتعبير ادق لتبيين الخط الفاصل ما بين انتزاع الحقوق وفرض الواجبات. ولاشك ان فكرة (الاحكام الشرعية) الخاصة بالقضاء تنبثق منها ثلاثة عناصر قانونية مهمة، وهي:

           1 ـ الالزام الشرعي او الواجبات.

          2 ـ الاجراءات القانونية (او الشرعية).

          3 ـ دور النية او القصد في العمل الجنائي.

 الالزامات والواجبات الشرعية:

          ان الالزام الشرعي والمسؤولية القانونية للفرد مرتبطة اصلاً بالحق، او الشخصية الحقوقية، او السلطة، او الاجراءات القضائية. فعندما تكون العقوبة الجسدية او المعنوية احدى ادوات النظام القضائي الفعاّلة تجاه الذين لاينصاعون للاوامر الالهية، فان فكرة (الواجبات والالزامات) الشرعية سوف تحتل مكانها الطبيعي على المسرح الاجتماعي. وهذا القدر مسلّم به عند معظم الفلاسفة المعاصرين؛ الا ان الخلاف دبّ في حدود الواجبات والالزامات الشخصية لا في القانون الجنائي فحسب، بل حتى في قانوني العقود والاضرار. بمعنى، اننا كيف نحدد حجم الالزام القانوني المفروض على الافراد؟ وهل ان الشريعة وحدها المسؤولة عن ذلك التحديد، او ان القاضي المجتهد يستطيع ـ بعدالة واقعية ـ تحديد ذلك؟

          والجواب على ذلك ان الشريعة تمنح المجتهد صلاحية استخراج الحكم الشرعي المقرر من منابعه الاساسية. فالقاضي المجتهد ـ بقدرته الفكرية التحليلية ـ يستطيع ان يصل الى منابع القرار القضائي العادل. ولاشك ان العدالة القضائية تعكس جوهر الالزام الشرعي في النظرية الاسلامية. فمن المسلّم به ان الالزام الشرعي او القانوني يؤخذ من منظارين. الاول: المنظار التنبؤي، وهو ان الواجب الشرعي اذا لم يتم تنفيذه، فان الفرد لابد ان يتوقع عقوبة يستحقها على تخلفه عن اداء ذلك الواجب. والثاني: المنظار المعياري (او العقلائي)، وهو ان الواجب ـ بموجب ارتكاز العقلاء ـ عمل يستحق بحق ان ينفّذ من قبل المكلّف، والا فان الفشل في تحقيقه يجعل العقوبة قضية عقلائية، ويجعل للمعاناة الناتجة من تلك العقوبة تبريراً مقبولاً.

          الا ان المنظار التنبؤي كان قد فسح المجال لفلاسفة الغرب من تحرير فكرة الالزام القانوني من الاطار الديني، بل شجعهم على تقديم نظام قانوني وضعي يفرض حياة من نوع ما تعيش تحت ظل القانون. وهذا المنحى الفلسفي هو الذي ادى الى تكوين رؤية جديدة حول فكرة المعاناة الانسانية، وبالخصوص المعاناة التي يمر بها الجاني خلال العمليات الاجرائية للمحاكمة والتجريم !

          ولاشك ان فكرة التجريم، والعقوبة، والتعويض كلها تنتج ـ ضمن المنظار المعياري ـ لوناً من الوان الاكراه ضد الجاني، الذي هو محط جدال ونقاش من قبل الفلاسفة المعاصرين. فالمنظار المعياري يسلك بالافراد ـ على الصعيدين القضائي والاخلاقي ـ مسلكاً نابعاً من ارشاد وتوجيه جهة مطلقة. وهذا المنظار يعتبر القانون او الشريعة او القضاء الحَكَم النهائي للسلوك؛ ويعتبر القواعد الشرعية نظاماً مسدداً من قبل الشارع المطلق، فتكون الحاجة للعقوبة والتعويض، واكراه الجاني على الرضوخ للحق والعدالة ـ حينئذ ـ قضية من قضايا الانسجام الاجتماعي التي لابد من تحقيقها في كل مجتمع انساني. ومن الواضح ان الاهتمام بمواصفات (الحقوق والواجبات) تجعل تطبيقات القانون او الشريعة اقرب فهماً للافراد والحياة الاجتماعية.

          وبالاجمال، فان الفرق الفلسفي بين المنظارين التنبؤي والمعياري، تكمن في ان الفرد المذنب ـ في المنظار المعياري ـ يستلم العقوبة باي شكل من الاشكال، بينما يُنذر الفرد ـ بالمنظار التنبؤي ـ ويحذّر بان المعاناة سوف تنـزل به في حالة عصيانه القانون المتفق عليه في النظام الاجتماعي. وهذا الفرق مهم للغاية بين المنظارين في حالات التطبيق؛ لان المنظار التنبؤي يرحم الجاني وبالتالي يظلم المجني عليه، بينما يعاقب المنظار المعياري الجاني وبالنتيجة يعدل ـ ولو نسبياً ـ مع المجني عليه.

 الاجراءات القانونية او الشرعية:

          ان سن القوانين او الافتاء ببعض الاحكام الشرعية، وانشاء العقود، ونقل الملكية، واحكام الارث، والايقاعات، كلها اشكال مختلفة من الاجراءات التي تقع تحت مظلة تلك الاحكام الشرعية او القانونية. وهذه الاجراءات جميعاً تهدف الى تغيير الوضع القانوني او الاجتماعي للافراد. وهذه التغييرات في وضع الافراد انما تنتج من اصطلاحات تحريرية او شفهية امثال: (بعتك ...)، او (زوجتك ...)، او (والله ...)، ونحوها. وهذه الاصطلاحات الشرعية تساهم بشكل حاسم في تغيير وضع الفرد الاجتماعي والقانوني. بينما لا تصلح كلمات اخرى قد تعطي نفس المعنى، للالزام الشرعي؛ بل قد لاتصلح بعض الافعال كالاتفاق القلبي او استخدام الاشارات مثلاً من تغيير وضع الافراد، لان هذه الافعال ليست لها قيمة شرعية ملزِمة، مع ان بعضها له صيغة وصفية.

          بيدَ ان اللغة الشرعية ليست لغة وصفية بقدر ما هي لغة الزامية. بمعنى ان اللغة العرفية تستطيع ان تصف لنا العقود والايقاعات ونحوها، الا انها لاتستطيع ان تضع لها الزاماً شرعياً ما لم تُنشئ الشريعة تلك اللغة الشرعية او تمضيها. ولذلك فان عقد الزواج لايتم ما لم نستخدم الاصطلاح الشرعي المأمورون نحن باستخدامه في ذلك النوع من العقود. لان ذلك الاصطلاح يولد الزاماً شرعياً، يؤدي الى تغيير وضع الفرد الاجتماعي والحقوقي والشرعي. وبذلك تكون للغة الشرعية قوة قضائية في تثبيت او تغيير وضع الافراد في النظام الاجتماعي. ولاشك ان اللغة الشرعية لاتفرض واجبات مجردة فحسب، بل تفرض معها حقوقاً متلازمة ايضاً.

          وبطبيعة الحال، فان اللغة الشرعية والاجراءات التي تتم ضمن اطارها تلحظ اموراً خاصة لاتلحظها اللغة العرفية والنشاط الاجتماعي الذي يتم ضمن اطارها. ومن تلك الامور الخاصة: العقل، وجدية القصد الى الفعل، والبلوغ، والاكراه. وبينما تلحظ اللغة الشرعية بدقة تلك العوامل، نرى ان اللغة العرفية والنشاط الاجتماعي لايكترثان على الاغلب بها. الا ان العين العرفية قد ترى اشياءَ لا تكترث لها العين الشرعية، ومنها القضايا النفسية التي اصبحت مخرجاً طبياً للتحلل من المسؤوليات الجنائية.

          فقد تجاوزت المدرسة السايكولوجية الغربية الحديثة حدود العقل والقصد والبلوغ والاكراه، وتناولت موضوع الامراض النفسية في القانون الجنائي، ودعت الى اعفاء الفرد المصاب بالمرض النفسي من المسؤولية الجنائية.

          الا ان اشكالية المسؤولية الجنائية تبقى مرتبطة بكشف قضيتين مهمتين في شخصية الجاني، وهما: القصد او النية بارتكاب الفعل، وعلم الفاعل بان فعله مخالف للقانون او الشريعة. فهل هناك جنايات تعاقب عليها الشريعة، لكنها لاتحتاج الى نية وعلم مسبق؟ ام ان النية والقصد تؤخذان بنظر الاعتبار في كل الحالات الجنائية؟ وهل ان الاصطلاحات المستخدمة في العقود او الايقاعات تقوم بدور النية او القصد في كل الحالات؟

          لاشك ان النظرية القضائية الاسلامية تلحظ النية والدافع نحو ارتكاب العمل في عملية التجريم، الا انها تلحظ ظاهر الحال في العقود باعتبار ان النية من افعال القلوب ولايعلمها الا الخالق عز وجل. ومن الطبيعي فان شرط النية او القصد في الاحكام الشرعية يقودنا الى مناقشة (نظرية الارادة)، التي تعتبِر العقد حقيقة نفسية سايكولوجية معقدة. بمعنى ان العقد يتحقق فقط في الوجود عندما تتقابل العقول التي تريد ان تضع على صفحة الواقع حقوقاً وواجبات متبادلة. والكلمات او الاصطلاحات التي توضع في العقد هي مجرد شاهد على هذا الاختيار. الا ان (النظرية الموضوعية) تقف لـ (نظرية الارادة) بالمرصاد؛ فتزعم بان (العقد) ليس ظاهرة نفسية سايكولوجية، وان استعمال الاصطلاحات القانونية او الشرعية يعطي قوة الزامية لجوهر تلك الكلمات، ولايتعلق من قريب او بعيد بالحالة العقلية للمتعاقدين. وهو تلميح بانتفاء دور النية في انشاء العقود.

          الا ان كلا النظريتين تخطئان في تفسير طبيعة العقود والمشاكل القضائية التي تترتب على الاخلال بها. فمع ان العقود ليست حقائق نفسية سايكولوجية، الا اننا لانستطيع اهمال النية او القصد في انشاء العقد. ومع ان الاصطلاحات الشرعية في العقود لها قوة الزامية، الا ان الحالة العقلية للفرد هي التي تحدد الالتزام بمضامين وشروط العقد. والمجنون، والساهي، والمكره لايستطيعون ـ كل على انفراد ـ تحمل تلك المسؤولية.

 النية او القصد:

          ان الحالة العقلية في الاجراءات القضائية والمسؤولية الجنائية لها دور مهم في التجريم وتشخيص العقوبة. الا ان الوضع النفسي السايكولوجي للجاني هو الذي حيّر فلاسفة القانون والقضاء، وجعل مهمتهم في التمييز بين الارادة، والنية، والدوافع صعبة للغاية.

           ولكن قد يتسائل المرء: ما هي الحالة الطبيعية التي تكون فيها الشروط النفسية السايكولوجية مقياساً موضوعياً لمعاقبة الجاني؟ وما هي الحالات الاستثنائية التي تكون فيها الشروط النفسية السايكولوجية قد أخلّت بذلك المقياس؟

          من الواضح ان اللغة الشرعية تعاملت مع الجناية والجاني بتعابير او مصطلحات متعددة كـ (التعمد)، و(العلم او الاختيار)، و(النية او القصد). فوضعت لها احكاماً وعقوبات اشد من تلك الجنايات التي تكون نتيجة (شبه العمد)، أو (الخطأ)، أو (الجهل)، أو (الاكراه) . ومن البين ان (التعمد) و(الحرية) و(النية) هي اقرب المقاييس الموضوعية لتفسير الحالة الجنائية؛ وبذلك فان الحالة الطبيعية التي يجرّم بها الجاني هي عندما تكون قدرته العقلية والنفسية السايكولوجية على ارتكاب الجناية متوازية مع قدرته على تأدية بقية الافعال التي يقوم بتأديتها العقلاء في المجتمع. وتستثنى من ذلك حالات الاكراه والخطأ.

          وبطبيعة الحال، فان النية او القصد الى اداء الفعل هو محط اهتمام النظريات الفلسفية في القانون والقضاء. لان النية تعبّر عن الحالة العقلية والنفسية للفرد وقت ارتكاب الجناية، وبذلك فانها تعكس قدرة الفرد على تحمل المسؤولية الاجتماعية والجنائية. وهذا يعني ان قابلية الفرد على انشاء النية يجعله قادراً على التحكم بسلوكه الشخصي دون عوامل خارجية، الا اللهم في الحالات الاستثنائية كالاكراه والخطأ، فيتلاشى عندها دور النية وينتهي دور الارادة والتصميم.

          والنية أو القصد الى اداء الفعل لها ادوار ثلاثة، وهي:

          أ ـ النية الابتدائية في ارتكاب الجناية، ومثالها: قيام فرد بقتل فرد آخر، مع صورة واضحة لنيته بالاقدام على العمل.

          ب ـ النية الاستمرارية في ارتكاب الجناية، ومثالها: القيام بسطو مسلح على منـزل ليلاً لارتكاب الجريمة. فهو وان لم يقم بارتكاب الجريمة النهائية بعد، الا ان عمله هذا كان مقدمة لعمله الجنائي اللاحق.

          ج ـ النية المبيتة لارتكاب الجناية لاحقاً، ومثالها: قيام فرد بالاستدانة من فرد آخر، ولكنه لا ينوي دفع مبلغ الدين لاحقاً.

          ومن استعراض هذه الحالات الخاصة بالنية، يتسائل الفرد كيف يحدد الشرع السلوك الجنائي للفرد؟ والجواب على ذلك: ان الشرع يحمّل الفرد ـ ظاهراً ـ مسؤولية الجناية عندما يحرز وقوع تلك الجناية، فيعاقب عليها الجاني مباشرة. لان النية من الامور القلبية الذاتية التي يختبرها الفرد ولا يمكن احرازها من الخارج. الا ان الشريعة تفسح المجال للقاضي المجتهد بملاحظة النية المبيتة أو الاستمرارية، خصوصاً اذا كانت القرائن الموضوعية والعرف العقلائي يؤيدان خطورة ذلك العمل وجدية النية المبيتة نحوه.

 فلسفة الحجج والبراهين القضائية:

          ان دراسة القرائن الموضوعية وما يتعلق بها من حجج وبراهين لابد ان تهمّ جميع الفقهاء، باعتبار ان هذه الحجج والبراهين لاتختص بعلوم المنطق والبراهين الاستقرائية والاستدلالية، بل تتعدى الى علم الفقه ايضاً. الا ان هناك سؤالاً يتبادر الى الذهن، وهو ايهما اقرب في اصابة الواقع في قضايا حل التخاصم: فهم النظريات المنطقية وتطبيقها من قبل القاضي، أم الاعتماد على التجربة الشخصية للحاكم  في الحكم على المتخاصمين؟

          لاشك ان كلا المدرستين القضائيتين الغربيتين، المنطقية والتجاربية الشخصية اللتان تجيبان على هذا السؤال، تستندان في تبنيهما لفلسفتيهما على آراء متباينة. فالمدرسة التجاربية تتخذ من مقولة الفيلسوف الاوروبي (هولمز): (ان حياة القانون لم تكن يوماً منطقية، بل كانت تجاربية شخصية)[4] مناراً لها. والمدرسة المنطقية تعتمد على الاستدلالية والصورية (المنطق الصوري) من جهة، وعلى (الاختيار الابداعي) و(الحدس المناسب) من جهة اخرى.

          الا ان هذه النظريات لم تضع لها قاسماً مشتركاً يجمع ما بين حسنات المدرستين المنطقية والدينية، أو قل بين الفكرتين المنطقية والتجاربية الشخصية؛ ولذلك فانها بقيت نظريات مجردة لم تخضع للتطبيق، خصوصاً اذا اخذنا فكرة (هيئة المحلَفين) القضائية بنظر الاعتبار.

          وتعتمد فلسفة الحجج والبراهين القضائية على مبدأين، الاول: المبدأ الاستقرائي، وهو المبدأ الذي يقرر اعتماد القاضي في الحكم على القضية الجنائية من خلال استقراء حالات سابقة مشابهة للحالة الجنائية الحاضرة. والثاني: المبدأ الاستدلالي، وهو المبدأ الذي يقرر استنباط القاضي المجتهد الحكم على القضية الجنائية الحالية عن طريق الاستدلال لا الاستقراء.

 اولاً : المبدأ الاستقرائي

          هذا المبدأ يعطي القاضي الحق في استقراء الحالات السابقة. الا انه يتناقض مع النظرية الاستدلالية في مجال التطبيق. فبدلاً