(ص 1 - 42)

 بحوث مقارنة في النظرية الاجتماعية

النظام القضائي ..

وفلسفة حل الخصومات في الاسلام

 

السيد زهير الاعرجي

-------------------------------

 بسم الله الرحمن الرحيم

(ولن ترضى عنكَ اليهودُ ولا النصارى حتى تتبعَ ملَّتهم قُل إنَّ هُدى اللهِ هو الهدى ولئِن اتَّبعتَ اهواءهم بعدَ الذي جاءك من العلم ما لك من الله من وليٍّ ولا نصير) سورة البقرة:120 .

 -------------------------------

 الطبعة: الاولى، 1415 هـ / 1994م.

تنضيد الحروف: المشرق الاسلامي. المطبعة: امير ـ قم المشرفة.

 -------------------------------

 المقدمة

           يرتبط تصور فكرة القضاء دائماً بمصاديق العدالة الجنائية والحقوقية التي يفترض تحقيقها بين جميع الافراد دون تمييز. وما المحاكمة الجنائية والحكم على الجاني بالعقوبة، الا انتصارٌ لمصالح الجماعة التي يتعهد النظام القضائي بحفظها من عبث الجناة. والقاضي الذي يجلس على منصة القضاء لايستطيع ان يحكم بان جميع الافراد متساوون في الحقوق والواجبات، ولكنه يستطيع ان يحكم فقط من خلال فوارقهم في قضية ذلك الحق المهدور على تلك القضية الجنائية او الحقوقية. وهذا هو معنى حق الجاني والمجني عليه في (وجوب مساواة القاضي بين الخصمين) ـ التي آمنت بها النظرية القضائية الاسلامية على مذهب اهل البيت (ع) ـ حتى يثبت الفارق الجنائي بين الجاني والمجني عليه. وعندئذ يتصرف القاضي على ضوء واجبه الشرعي، وهو اما اصدار العقوبة بحق الجاني وتنفيذها او تعويض الضحية او كلاهما او تبرئة ساحة المتهم البريء من الجناية. الا ان الحكم الذي يصدره القاضي ينبغي ان لايكون حكماً عقلائياً فحسب، بل لابد ان يكون حكماً اخلاقياً. بمعنى ان العدالة الجنائية قد تستدعي احياناً الرحمة بالجاني واحياناً اخرى القسوة، فكيف يستطيع القاضي الموازنة بين قطبي الرحمة والقسوة في تلك القضية الجنائية ؟ والجواب على ذلك يكمن في ان القاضي يجب ان يجد تبريراً اخلاقياً وشرعياً ـ نابعاً بالاصل من روح الشريعة الاسلامية ـ للحكم الذي يصدره.

          ان فكرة العدالة الجنائية والحقوقية تنبع من اعتراف الافراد بان لهم مصالح مشتركة ضمن نطاق الجماعة، فلايستطيع الفرد ان يقوم بعمل ما ينتهك فيه مصلحة المجموع او مصلحة فرد آخر له نفس الحقوق وعليه نفس الواجبات. والدولة ـ بنظامها القضائي ـ ينبغي ان تكون لها القوة التنفيذية الكافية لمنع ذلك الفرد من انتهاك حقوق بقية الافراد ضمن نطاق الجماعة.

          ان العدالة الحقوقية تتحقق عندما يدرك الافراد ان ما يبذلونه من جهد تجاه الآخرين ينبغي ان يرجع بمنفعة ما عليهم. اي ان الفرد لايستطيع ان يخطف منفعة اضافية على حساب منافع الآخرين. وهذا عين ما نادت به الرسالة الاسلامية فيما يتعلق بالحقوق والواجبات.

          الا ان تحقق العدالة القضائية بين الافراد لايتم ما لم يدحر الشر بالشر، ويقابَل الخير بالخير. بمعنى ان العقوبة الجنائية الشديدة ـ ضمن هذا الاطار ـ تستطيع ان تحقق العدالة القضائية. وحتى ان الذين انكروا على الاسلام فكرة العقوبة الجنائية لم يستطيعوا ان يتخلوا عن فكرة (الانتقام الاخلاقي)، فقالوا على لسان زعيمهم الفيلسوف (جي. اس. ميل) بان الانتقام عملية طبيعية اذا كانت الجناية المرتكبة قد سببت جرحاً معتبراً للمجتمع الكبير[1]. مع العلم بان الاسلام لم يجعل العقوبة الجنائية بهدف الانتقام بل جعل لها وظيفة ردعية في النظام الاجتماعي. وذهب (ديفيد هيوم) الى القول بان القوانين القضائية بما فيها العقوبات مرتبطة بالاساس بالعرف العقلائي والعادات الاجتماعية، وليس للعدالة القضائية تبرير اخلاقي بقدر ما انها تعبّر عن الارادة الجدية للنظام الاجتماعي بتطبيقها[2]. وهو افتراض محض يناقض مبادئ الاديان السماوية. فالنظرية الدينية جعلت العدالة القضائية جوهر القضاء، ولا دخل للارادة الجدية او الاستعمالية في تصميم نظرية العدالة القضائية. فاننا نفترض ان الالزام الشرعي هو الذي يؤدي الى تطبيق النظرية القضائية، ولايمكن ان نفترض العكس. اي لايمكن ان يؤدي التطبيق القضائي الى انشاء نظرية في العدالة الجنائية بما فيها من الزام شرعي او اخلاقي. وقد حاولنا في هذا البحث التأكيد على هذه الاطروحة السماوية عبر دراسة نظامين قضائيين احدهما من صنع الانسان والآخر من صنع الله سبحانه وتعالى. فقسمنا الكتاب الى قسمين. القسم الاول: النظام القضائي في النظرية الرأسمالية الغربية وتطبيقاتها. والقسم الثاني: النظام القضائي في النظرية الاسلامية. وقد افردنا فصلاً مستقلاً لدراسة (فلسفة القضاء في النظرية الامامية). وهذا البحث ماهو الا جزء من بحوث في الفقه الاجتماعي ودراسة النظرية الاجتماعية الاسلامية دراسة مقارنة.

          ان هذا الكتاب يعبّر عن محاولة اولية لدراسة النظرية القضائية الاسلامية طبقاً لمذهب اهل بيت النبوة (ع). ولاشك فاننا بحاجة ماسة الى دراسات تحليلية اخرى لاغناء الموضوع.

          ربي انت المستعان، ولك الحمد في الاولى والآخرة، وما توفيقي الا بالله عليه توكلت واليه انيب.

 زهير الاعرجي 

قم المشرفة / جمادي الثاني 1415 هـ .

 -----------------------

فلسفة القضاء في النظرية الامامية[3]

           ان توسع وتعقد الحياة الاجتماعية انتج حاجة ملّحة لاشكال مختلفة من العلوم القانونية او الشرعية، كالقانون الجنائي، وقانون العقود، والقانون الخاص بالاضرار. ولاشك ان ظهور هذه القوانين كان قد تزامن مع بروز افكار فلسفية لها علاقة وثيقة بالقانون او الشريعة كفلسفة الحقوق، والواجبات، والالتزامات، والشخصية الحقوقية، والتملك، واليد؛ وادى الى مناقشة عناصر اخرى لها علاقة مباشرة بالاحكام القانونية ايضاً كطبيعة الفعل والنية او القصد.

          الا ان الحدود الفكرية بين فلسفة القانون، وبين النظرية الفقهية او القانونية ليست واضحة بالشكل الذي نتصوره للوهلة الاولى. فالاحكام والقوانين تختلف بالمحتوى والطرق التي انشئت فيها، وتتباين في المقاصد والاهداف التي صممت من اجلها. ومع انها تمتلك تركيبة متناسقة في الاطار الفني، الا انها تتداخل بشكل معقد في بعض المراحل النظرية.

          والنظام القانوني يكشف لنا عن مشكلة فلسفية معقدة. فالقانون اداة فعاّلة من ادوات التأثير على السلوك الانساني؛ فهو من جهة يستخدم القوة والاكراه لتغيير سلوك الافراد ومن جهة اخرى يرفع شعار العدالة والفلسفة الاخلاقية.

          والمشكلة التي يطرحها الفلاسفة المتأخرون تنعكس في محتوى السؤال التالي: كيف نستطيع ان نجمع ما بين الشريعة او القانون، وما بين الاكراه، والنظرة الاخلاقية في وقت واحد؟ خصوصاً إذا ما وضعنا بالحسبان عقائد القانون الطبيعي، والفلسفة الوضعية، والطاعة والعصيان، فان العلاقة بين القانون والنظرة الاخلاقية من جهة، والقانون والاكراه من جهة اخرى تصبح اكثر تعقيداً واصعب منالاً.

          ومع ان الاحكام  تختلف في الرتبة، الا ان مكوناتها الجوهرية مشتركة. فالتشريع او الحكم يولد ظروفاً وعلاقات خاصة للافراد او المجاميع. وهذه الظروف والعلاقات لها تأثير واضح على السلوك في الحياة الاجتماعية. ولعل القاسم المشترك الذي تنتجه الفكرة القضائية بين القاضي والجاني والمجني عليه، بل عموم الافراد، هو ان هؤلاء جميعاً لابد ان يفهموا اللغة والمصطلحات الشرعية او القانونية التي وضعت لهم؛ وعلى ضوء ذلك، فلابد ان يفهموا ـ وكنتيجة طبيعية لفهم تلك المصطلحات ـ فكرة (الحقوق) و(الواجبات).

          ان قضايا الحقوق والواجبات هي التي تدفع الافراد للتوجه نحو المحاكم والتماس القضاة لتحقيق العدالة الجنائية او الحقوقية، او بتعبير ادق لتبيين الخط الفاصل ما بين انتزاع الحقوق وفرض الواجبات. ولاشك ان فكرة (الاحكام الشرعية) الخاصة بالقضاء تنبثق منها ثلاثة عناصر قانونية مهمة، وهي:

           1 ـ الالزام الشرعي او الواجبات.

          2 ـ الاجراءات القانونية (او الشرعية).

          3 ـ دور النية او القصد في العمل الجنائي.

 الالزامات والواجبات الشرعية:

          ان الالزام الشرعي والمسؤولية القانونية للفرد مرتبطة اصلاً بالحق، او الشخصية الحقوقية، او السلطة، او الاجراءات القضائية. فعندما تكون العقوبة الجسدية او المعنوية احدى ادوات النظام القضائي الفعاّلة تجاه الذين لاينصاعون للاوامر الالهية، فان فكرة (الواجبات والالزامات) الشرعية سوف تحتل مكانها الطبيعي على المسرح الاجتماعي. وهذا القدر مسلّم به عند معظم الفلاسفة المعاصرين؛ الا ان الخلاف دبّ في حدود الواجبات والالزامات الشخصية لا في القانون الجنائي فحسب، بل حتى في قانوني العقود والاضرار. بمعنى، اننا كيف نحدد حجم الالزام القانوني المفروض على الافراد؟ وهل ان الشريعة وحدها المسؤولة عن ذلك التحديد، او ان القاضي المجتهد يستطيع ـ بعدالة واقعية ـ تحديد ذلك؟

          والجواب على ذلك ان الشريعة تمنح المجتهد صلاحية استخراج الحكم الشرعي المقرر من منابعه الاساسية. فالقاضي المجتهد ـ بقدرته الفكرية التحليلية ـ يستطيع ان يصل الى منابع القرار القضائي العادل. ولاشك ان العدالة القضائية تعكس جوهر الالزام الشرعي في النظرية الاسلامية. فمن المسلّم به ان الالزام الشرعي او القانوني يؤخذ من منظارين. الاول: المنظار التنبؤي، وهو ان الواجب الشرعي اذا لم يتم تنفيذه، فان الفرد لابد ان يتوقع عقوبة يستحقها على تخلفه عن اداء ذلك الواجب. والثاني: المنظار المعياري (او العقلائي)، وهو ان الواجب ـ بموجب ارتكاز العقلاء ـ عمل يستحق بحق ان ينفّذ من قبل المكلّف، والا فان الفشل في تحقيقه يجعل العقوبة قضية عقلائية، ويجعل للمعاناة الناتجة من تلك العقوبة تبريراً مقبولاً.

          الا ان المنظار التنبؤي كان قد فسح المجال لفلاسفة الغرب من تحرير فكرة الالزام القانوني من الاطار الديني، بل شجعهم على تقديم نظام قانوني وضعي يفرض حياة من نوع ما تعيش تحت ظل القانون. وهذا المنحى الفلسفي هو الذي ادى الى تكوين رؤية جديدة حول فكرة المعاناة الانسانية، وبالخصوص المعاناة التي يمر بها الجاني خلال العمليات الاجرائية للمحاكمة والتجريم !

          ولاشك ان فكرة التجريم، والعقوبة، والتعويض كلها تنتج ـ ضمن المنظار المعياري ـ لوناً من الوان الاكراه ضد الجاني، الذي هو محط جدال ونقاش من قبل الفلاسفة المعاصرين. فالمنظار المعياري يسلك بالافراد ـ على الصعيدين القضائي والاخلاقي ـ مسلكاً نابعاً من ارشاد وتوجيه جهة مطلقة. وهذا المنظار يعتبر القانون او الشريعة او القضاء الحَكَم النهائي للسلوك؛ ويعتبر القواعد الشرعية نظاماً مسدداً من قبل الشارع المطلق، فتكون الحاجة للعقوبة والتعويض، واكراه الجاني على الرضوخ للحق والعدالة ـ حينئذ ـ قضية من قضايا الانسجام الاجتماعي التي لابد من تحقيقها في كل مجتمع انساني. ومن الواضح ان الاهتمام بمواصفات (الحقوق والواجبات) تجعل تطبيقات القانون او الشريعة اقرب فهماً للافراد والحياة الاجتماعية.

          وبالاجمال، فان الفرق الفلسفي بين المنظارين التنبؤي والمعياري، تكمن في ان الفرد المذنب ـ في المنظار المعياري ـ يستلم العقوبة باي شكل من الاشكال، بينما يُنذر الفرد ـ بالمنظار التنبؤي ـ ويحذّر بان المعاناة سوف تنـزل به في حالة عصيانه القانون المتفق عليه في النظام الاجتماعي. وهذا الفرق مهم للغاية بين المنظارين في حالات التطبيق؛ لان المنظار التنبؤي يرحم الجاني وبالتالي يظلم المجني عليه، بينما يعاقب المنظار المعياري الجاني وبالنتيجة يعدل ـ ولو نسبياً ـ مع المجني عليه.

 الاجراءات القانونية او الشرعية:

          ان سن القوانين او الافتاء ببعض الاحكام الشرعية، وانشاء العقود، ونقل الملكية، واحكام الارث، والايقاعات، كلها اشكال مختلفة من الاجراءات التي تقع تحت مظلة تلك الاحكام الشرعية او القانونية. وهذه الاجراءات جميعاً تهدف الى تغيير الوضع القانوني او الاجتماعي للافراد. وهذه التغييرات في وضع الافراد انما تنتج من اصطلاحات تحريرية او شفهية امثال: (بعتك ...)، او (زوجتك ...)، او (والله ...)، ونحوها. وهذه الاصطلاحات الشرعية تساهم بشكل حاسم في تغيير وضع الفرد الاجتماعي والقانوني. بينما لا تصلح كلمات اخرى قد تعطي نفس المعنى، للالزام الشرعي؛ بل قد لاتصلح بعض الافعال كالاتفاق القلبي او استخدام الاشارات مثلاً من تغيير وضع الافراد، لان هذه الافعال ليست لها قيمة شرعية ملزِمة، مع ان بعضها له صيغة وصفية.

          بيدَ ان اللغة الشرعية ليست لغة وصفية بقدر ما هي لغة الزامية. بمعنى ان اللغة العرفية تستطيع ان تصف لنا العقود والايقاعات ونحوها، الا انها لاتستطيع ان تضع لها الزاماً شرعياً ما لم تُنشئ الشريعة تلك اللغة الشرعية او تمضيها. ولذلك فان عقد الزواج لايتم ما لم نستخدم الاصطلاح الشرعي المأمورون نحن باستخدامه في ذلك النوع من العقود. لان ذلك الاصطلاح يولد الزاماً شرعياً، يؤدي الى تغيير وضع الفرد الاجتماعي والحقوقي والشرعي. وبذلك تكون للغة الشرعية قوة قضائية في تثبيت او تغيير وضع الافراد في النظام الاجتماعي. ولاشك ان اللغة الشرعية لاتفرض واجبات مجردة فحسب، بل تفرض معها حقوقاً متلازمة ايضاً.

          وبطبيعة الحال، فان اللغة الشرعية والاجراءات التي تتم ضمن اطارها تلحظ اموراً خاصة لاتلحظها اللغة العرفية والنشاط الاجتماعي الذي يتم ضمن اطارها. ومن تلك الامور الخاصة: العقل، وجدية القصد الى الفعل، والبلوغ، والاكراه. وبينما تلحظ اللغة الشرعية بدقة تلك العوامل، نرى ان اللغة العرفية والنشاط الاجتماعي لايكترثان على الاغلب بها. الا ان العين العرفية قد ترى اشياءَ لا تكترث لها العين الشرعية، ومنها القضايا النفسية التي اصبحت مخرجاً طبياً للتحلل من المسؤوليات الجنائية.

          فقد تجاوزت المدرسة السايكولوجية الغربية الحديثة حدود العقل والقصد والبلوغ والاكراه، وتناولت موضوع الامراض النفسية في القانون الجنائي، ودعت الى اعفاء الفرد المصاب بالمرض النفسي من المسؤولية الجنائية.

          الا ان اشكالية المسؤولية الجنائية تبقى مرتبطة بكشف قضيتين مهمتين في شخصية الجاني، وهما: القصد او النية بارتكاب الفعل، وعلم الفاعل بان فعله مخالف للقانون او الشريعة. فهل هناك جنايات تعاقب عليها الشريعة، لكنها لاتحتاج الى نية وعلم مسبق؟ ام ان النية والقصد تؤخذان بنظر الاعتبار في كل الحالات الجنائية؟ وهل ان الاصطلاحات المستخدمة في العقود او الايقاعات تقوم بدور النية او القصد في كل الحالات؟

          لاشك ان النظرية القضائية الاسلامية تلحظ النية والدافع نحو ارتكاب العمل في عملية التجريم، الا انها تلحظ ظاهر الحال في العقود باعتبار ان النية من افعال القلوب ولايعلمها الا الخالق عز وجل. ومن الطبيعي فان شرط النية او القصد في الاحكام الشرعية يقودنا الى مناقشة (نظرية الارادة)، التي تعتبِر العقد حقيقة نفسية سايكولوجية معقدة. بمعنى ان العقد يتحقق فقط في الوجود عندما تتقابل العقول التي تريد ان تضع على صفحة الواقع حقوقاً وواجبات متبادلة. والكلمات او الاصطلاحات التي توضع في العقد هي مجرد شاهد على هذا الاختيار. الا ان (النظرية الموضوعية) تقف لـ (نظرية الارادة) بالمرصاد؛ فتزعم بان (العقد) ليس ظاهرة نفسية سايكولوجية، وان استعمال الاصطلاحات القانونية او الشرعية يعطي قوة الزامية لجوهر تلك الكلمات، ولايتعلق من قريب او بعيد بالحالة العقلية للمتعاقدين. وهو تلميح بانتفاء دور النية في انشاء العقود.

          الا ان كلا النظريتين تخطئان في تفسير طبيعة العقود والمشاكل القضائية التي تترتب على الاخلال بها. فمع ان العقود ليست حقائق نفسية سايكولوجية، الا اننا لانستطيع اهمال النية او القصد في انشاء العقد. ومع ان الاصطلاحات الشرعية في العقود لها قوة الزامية، الا ان الحالة العقلية للفرد هي التي تحدد الالتزام بمضامين وشروط العقد. والمجنون، والساهي، والمكره لايستطيعون ـ كل على انفراد ـ تحمل تلك المسؤولية.

 النية او القصد:

          ان الحالة العقلية في الاجراءات القضائية والمسؤولية الجنائية لها دور مهم في التجريم وتشخيص العقوبة. الا ان الوضع النفسي السايكولوجي للجاني هو الذي حيّر فلاسفة القانون والقضاء، وجعل مهمتهم في التمييز بين الارادة، والنية، والدوافع صعبة للغاية.

           ولكن قد يتسائل المرء: ما هي الحالة الطبيعية التي تكون فيها الشروط النفسية السايكولوجية مقياساً موضوعياً لمعاقبة الجاني؟ وما هي الحالات الاستثنائية التي تكون فيها الشروط النفسية السايكولوجية قد أخلّت بذلك المقياس؟

          من الواضح ان اللغة الشرعية تعاملت مع الجناية والجاني بتعابير او مصطلحات متعددة كـ (التعمد)، و(العلم او الاختيار)، و(النية او القصد). فوضعت لها احكاماً وعقوبات اشد من تلك الجنايات التي تكون نتيجة (شبه العمد)، أو (الخطأ)، أو (الجهل)، أو (الاكراه) . ومن البين ان (التعمد) و(الحرية) و(النية) هي اقرب المقاييس الموضوعية لتفسير الحالة الجنائية؛ وبذلك فان الحالة الطبيعية التي يجرّم بها الجاني هي عندما تكون قدرته العقلية والنفسية السايكولوجية على ارتكاب الجناية متوازية مع قدرته على تأدية بقية الافعال التي يقوم بتأديتها العقلاء في المجتمع. وتستثنى من ذلك حالات الاكراه والخطأ.

          وبطبيعة الحال، فان النية او القصد الى اداء الفعل هو محط اهتمام النظريات الفلسفية في القانون والقضاء. لان النية تعبّر عن الحالة العقلية والنفسية للفرد وقت ارتكاب الجناية، وبذلك فانها تعكس قدرة الفرد على تحمل المسؤولية الاجتماعية والجنائية. وهذا يعني ان قابلية الفرد على انشاء النية يجعله قادراً على التحكم بسلوكه الشخصي دون عوامل خارجية، الا اللهم في الحالات الاستثنائية كالاكراه والخطأ، فيتلاشى عندها دور النية وينتهي دور الارادة والتصميم.

          والنية أو القصد الى اداء الفعل لها ادوار ثلاثة، وهي:

          أ ـ النية الابتدائية في ارتكاب الجناية، ومثالها: قيام فرد بقتل فرد آخر، مع صورة واضحة لنيته بالاقدام على العمل.

          ب ـ النية الاستمرارية في ارتكاب الجناية، ومثالها: القيام بسطو مسلح على منـزل ليلاً لارتكاب الجريمة. فهو وان لم يقم بارتكاب الجريمة النهائية بعد، الا ان عمله هذا كان مقدمة لعمله الجنائي اللاحق.

          ج ـ النية المبيتة لارتكاب الجناية لاحقاً، ومثالها: قيام فرد بالاستدانة من فرد آخر، ولكنه لا ينوي دفع مبلغ الدين لاحقاً.

          ومن استعراض هذه الحالات الخاصة بالنية، يتسائل الفرد كيف يحدد الشرع السلوك الجنائي للفرد؟ والجواب على ذلك: ان الشرع يحمّل الفرد ـ ظاهراً ـ مسؤولية الجناية عندما يحرز وقوع تلك الجناية، فيعاقب عليها الجاني مباشرة. لان النية من الامور القلبية الذاتية التي يختبرها الفرد ولا يمكن احرازها من الخارج. الا ان الشريعة تفسح المجال للقاضي المجتهد بملاحظة النية المبيتة أو الاستمرارية، خصوصاً اذا كانت القرائن الموضوعية والعرف العقلائي يؤيدان خطورة ذلك العمل وجدية النية المبيتة نحوه.

 فلسفة الحجج والبراهين القضائية:

          ان دراسة القرائن الموضوعية وما يتعلق بها من حجج وبراهين لابد ان تهمّ جميع الفقهاء، باعتبار ان هذه الحجج والبراهين لاتختص بعلوم المنطق والبراهين الاستقرائية والاستدلالية، بل تتعدى الى علم الفقه ايضاً. الا ان هناك سؤالاً يتبادر الى الذهن، وهو ايهما اقرب في اصابة الواقع في قضايا حل التخاصم: فهم النظريات المنطقية وتطبيقها من قبل القاضي، أم الاعتماد على التجربة الشخصية للحاكم  في الحكم على المتخاصمين؟

          لاشك ان كلا المدرستين القضائيتين الغربيتين، المنطقية والتجاربية الشخصية اللتان تجيبان على هذا السؤال، تستندان في تبنيهما لفلسفتيهما على آراء متباينة. فالمدرسة التجاربية تتخذ من مقولة الفيلسوف الاوروبي (هولمز): (ان حياة القانون لم تكن يوماً منطقية، بل كانت تجاربية شخصية)[4] مناراً لها. والمدرسة المنطقية تعتمد على الاستدلالية والصورية (المنطق الصوري) من جهة، وعلى (الاختيار الابداعي) و(الحدس المناسب) من جهة اخرى.

          الا ان هذه النظريات لم تضع لها قاسماً مشتركاً يجمع ما بين حسنات المدرستين المنطقية والدينية، أو قل بين الفكرتين المنطقية والتجاربية الشخصية؛ ولذلك فانها بقيت نظريات مجردة لم تخضع للتطبيق، خصوصاً اذا اخذنا فكرة (هيئة المحلَفين) القضائية بنظر الاعتبار.

          وتعتمد فلسفة الحجج والبراهين القضائية على مبدأين، الاول: المبدأ الاستقرائي، وهو المبدأ الذي يقرر اعتماد القاضي في الحكم على القضية الجنائية من خلال استقراء حالات سابقة مشابهة للحالة الجنائية الحاضرة. والثاني: المبدأ الاستدلالي، وهو المبدأ الذي يقرر استنباط القاضي المجتهد الحكم على القضية الجنائية الحالية عن طريق الاستدلال لا الاستقراء.

 اولاً : المبدأ الاستقرائي

          هذا المبدأ يعطي القاضي الحق في استقراء الحالات السابقة. الا انه يتناقض مع النظرية الاستدلالية في مجال التطبيق. فبدلاً من انشاء حكم جديد مستنبط، يقوم القاضي بدراسة الحالات السابقة المتوفرة لديه ليستخرج منها حكماً مناسباً للحالة الجنائية الجديدة. وهذه العملية تشابه الى حد بعيد عملية (القياس) الديني في استنباط الاحكام الشرعية التي حرمها ائمة اهل البيت (ع)؛ وهي بالتأكيد تختلف عن عملية القياس العقلي التي لابد من استخدامها في القرائن الموضوعية والعقلية المجردة.

          ولكن اعترض على هذا المبدأ بالقول باننا لانستطيع القياس في حالات جديدة على حالات سابقة. لان قدرتنا على تعيين حقوق الافراد وواجباتهم محدودة بحدود الاستنباط وليس القياس. فنحن لا نقدر على تعيين الخطأ من الصواب في حالات واقعية سابقة، لان هذه الحالات الجنائية المتباينة انما هي في الواقع متباينة منطقياً. وهذه الاعتراضات لايستطيع المبدأ الاستقرائي الصمود امامها.

 ثانياً: المبدأ الاستدلالي

          وهذا المبدأ يفسح المجال للقاضي بالنظر للقواعد الفقهية والعقلية، فاذا وردت حالة جنائية جديدة، كان على القاضي البحث عن  حكم جديد يستنبطه من القواعد الفقهية. ولما كانت المقدمات متباينة في كل حالة جنائية، فان النتائج قد تختلف على النطاق الاستدلالي ايضاً. أضف الى ذلك ان الاختلاف في الحقيقة والوهم، والتباين بين الحجج الاستدلالية نفسها قد يؤدي الى اختلاف في الاحكام الصادرة تجاه القضايا الجنائية المختلفة. الا ان الحكم على قضية جنائية معينة ينبغي ان يكون بقضاء واحد لا بقضائين، حسب النظرية القضائية الامامية.

          فقد ورد في كلام لامير المؤمنين (ع) في ذمّ اختلاف الفقهاء في الفتيا: (...ترد على احدهم القضية في حكم من الاحكام، فيحكم فيها برأيه، ثم ترد تلك القضية بعينها على غيره، فيحكم فيها بخلاف قوله، ثم يجتمع القضاة بذلك عند الامام الذي استقضاهم، فيصوِّب آراءهم جميعاً وإلههم واحد! ونبيهم واحد! وكتابهم واحد! أفأمرهم الله سبحانه بالاختلاف فأطاعوه! ام نهاهم عنه فعصوه! ام انزل الله سبحانه ديناً ناقصاً فاستعان بهم على اتمامه ...)[5]. وفي رواية اخرى عن الامام الصادق (ع) يقول فيها: (كان علي (ع) يقول: لو اختصم اليّ رجلان فقضيت بينهما ثم مكثا احوالاً كثيرة ثم أتياني في ذلك الامر لقضيت بينهما قضاءً واحداً، لان القضاء لايحول ولايزول ابداً)[6]. وفيما كتب امير المؤمنين (ع) لمحمد بن ابي بكر: (لا تقضِ في أمر واحد بقضائين مختلفين فيختلف امرك وتزيغ عن الحق ...)[7].

          والفرق بين المبدأين الاستقرائي والاستدلالي هو: ان في الحالة الاستقرائية يكتشف القاضي الحكم من حالات سابقة، وفي الحالة الاستدلالية يُنشيء القاضي الحكم انشاءً عن طريق الاستدلال بالمصادر الفقهية الرئيسية .

          الا ان السؤال الذي يطرح في هذا المقام هو: هل ان الحكم في الحالات الجنائية السابقة يعتبر حجة او تبريراً شرعياً او قانونياً تجاه القضية الجنائية الجديدة؟ يقول المؤيدون للحالة الاستقرائية نعم انه حجة، لان الحكم في الحالات الجنائية السابقة كان مستنداً الى دليل استدلالي والى جملة من الحقائق المرتبطة بالقضية. الا ان المعارضين للحالة الاستقرائية يردون على ذلك بالقول بان حقوق وواجبات الافراد تتغير مع تغير الشروط الموضوعية الخاصة بالحالة الجنائية. فلا نستطيع تطبيق الحالات الجنائية السابقة في الزمن على الحالات الجنائية الحاضرة.

          ولاشك ان النظرية الامامية تأخذ بالمبدأين الاستقرائي والاستدلالي ولكن بشروط. فمع ان القاضي المجتهد يدرس الاحكام والفتاوى الخاصة بالقضايا السابقة على الصعيد الاستقرائي، الا انه لابد ان يستعين بالشروط والقرائن الموضوعية الحالية على الصعيد الاستدلالي. ومع ان للمنطق دوراً في منهجة التفكير الانساني في الحكم على القضية، الا ان ذلك العلم لايستطيع تفسير معاني الاحكام الشرعية، ولايستطيع تصنيف العقوبات او التعويضات المالية. والاصل في النظرية القضائية الاسلامية ان القضاء يجب ان يؤدى بطريق العلم والقطع ـ استقراءً او استدلالاً ـ وان لا يمحق الدليل الاّ دليل اقوى.

          ومن الطبيعي ان الزعم القائل بان دور علم المنطق اساسي على المسرح القضائي كان قد ادى الى ظهور النظريتين القضائيتين الغربيتين: الوصفية والعلاجية. فالنظرية الوصفية تناقش استحالة اجتماع الشروط الموضوعية لانشاء حكم يتوقع فيه الفرد اطاراً ثابتاً يتعامل مع كل الحالات المتغيرة. بينما تناقش النظرية العلاجية منطقية المحاكمة وشكلياتها وآليتها. ولكن النظريتين تفشلان في التعامل مع القضية الجنائية التي يتعذر فيها الجزم او الفصل، وفي القضية الجنائية الواحدة التي لها حكمان مختلفان، خصوصاً عندما يفشل القاضي في التوصل الى استنتاج سليم لمقدمة منطقية سليمة. وعندها يضطر تحت ضغط السرعة الى اصدار قرار الحكم دون احراز مقدمات العدالة الجنائية.

          ومن المسلّمات العقلائية ان الشهادة الشرعية للشهود كانت قد وضعت اضواءً جديدة على فلسفة الحجج والبراهين القضائية. فالشهادة حجة شرعية قضائية (وليست حجة عرفية) تستند ايضاً على مقدمات منطقية. وبطبيعة الحال، فان من أهم واجبات المحاكم تقييم تلك الشهادة الصحيحة، والتمييز بينها وبين شهادات الزور، وقبول المذكرات (أو القرائن الموضوعية) من الافراد الذين لهم علاقة بالقضية الجنائية، وأخذ القرائن الاكثر احتمالاً من غيرها. وبالاجمال، فان المحكمة يجب ان تقوم باخذ كل ما يسهّل مهمة الحكم في القضية الجنائية، حتى لايكون هناك ادنى شك في تبرئة ساحة المتهم فيما اذا كان جانياً، في واقع الامر.

          ان اهم المشاكل الفلسفية التي تواجه النظرية القضائية اليوم هي مشكلة احراز العدالة الواقعية في القضايا الجنائية المعقدة. وحتى في قضايا الالزام الشرعي، والحقوق القانونية، والعقود، فان تشابك الحياة الاجتماعية وتطور الوسائل التقنية اوصل القضاء الى مرحلة دقيقة جداً من التعقيد. الا ان الطبيعة الانسانية لم تتغير كثيراً ـ مع ان المحيط الحضاري الطبيعي قد تغير ـ، وبذلك فان الاحكام الشرعية الثابتة بقيت متناسبة ومتناغمة مع جوهر الانسان. ومع ان النظريات القضائية الغربية الحديثة قد ركزت على اهمية العدالة ودور الاخلاقية القضائية في تحقيقها، الا انها لم تتطور الى مستوى فهم النظرية القضائية الدينية، وبالخصوص الاسلامية طبق مذهب اهل البيت (ع).

          ان الافراد في النظام الاجتماعي يختلفون في نظراتهم واغراضهم من صنع وتطبيق القانون، او من تطبيق الشريعة الالهية. الا ان تقييم النظام القضائي للحقوق والواجبات، يجعل للحياة الاجتماعية شروطاً اساسية لايمكن تجاوزها. فاحكام الشريعة التي تطبق على مجتمع ما تنجح في كبح جماح العنف والجريمة، وتساهم في حماية الممتلكات العامة والخاصة، وتعرض على المجتمع نوعاً مشروطاً من العقود؛ والحماية التي توفرها الشريعة أو القانون للافراد والممتلكات تسهّل كل اهداف الانسان في العمل والانتاج والاختلاط الاجتماعي. ان  تطبيق الاحكام الشرعية أمر اساسي لثبات النظام الاجتماعي الاسلامي، لاننا لو افترضنا غياب ذلك التطبيق، فان بقية الاوامر والقوانين تصبح دون قيمة حقيقية على المستوى الاجتماعي. لان الفرد سيكون معرضاً بشكل دائمي الى العنف والجريمة وتنتهك حقوقه الفردية والاجتماعية.

          ولاشك ان تطور الحياة الاجتماعية الانسانية وتشابك مصالح الافراد اوجد حاجة ملّحة لترسيخ دور القضاء في النظام الاجتماعي. فالمواد الغذائية، والمنسوجات، والبيوت، اصبحت إما ان تصنّع من قبل الانسان نفسه واما انها محدودة بطبيعتها، فتحتاج عندئذ الى حماية قانونية للمالك والمصنِّع والعامل، وشروط معينة في الخزن والنقل والتوزيع والبيع. ولما اصبح الاستثمار الاجتماعي للخيرات الطبيعية متبادلاً بين الافراد، أضحت الحاجة للتشريعات القانونية وسيلة من وسائل ضبط السلوك الاجتماعي. الا ان التشريعات الالهية كانت وستكون اكثر انسجاماً مع العامل الطبيعي من القوانين الوضعية، لان التشريعات الالهية لا تتطابق مع المقاييس العقلائية فحسب، بل تتجاوز ذلك لتطرح على البشرية نظاماً اقرب الى التكامل. وما التشريعات الالهية الا تعبير صريح للارادة المطلقة، التي تسيّر الكون وتنظّم جميع مرافق الحياة والخلق. ففكرة تنفيذ الشريعة واحكامها ـ اذن ـ تعتبر وسيلة من وسائل الالزام الديني على مستوى متواز مع تنظيم شؤون النظام الاجتماعي وسعادته.

          الا ان الشريعة الاسلامية لم تأتِ بنظام قضائي مجرد، يحتوي على اداب قضائية ونظام خاص بالعقوبات، بل جاءت بنظام متكامل للحياة الاجتماعية. فحاولت تربية الافراد على النظام الاخلاقي؛ فحماية الممتلكات واجتناب العنف قضية ذاتية وحاجة يشبعها الايمان الفطري بمبدأ الرسالة الالهية، وما فكرة ان للافراد موعداً لمحاسبة اعمالهم الا ترسيخ لذلك الايمان الفطري عند الانسان. فالنظام الاخلاقي الديني يعقل الفرد ويجعله متماسكاً مع نفسه، فلايتعدى على حرمات الآخرين من قتل، أو سرقة، أو غش. وكل هذا يتم لا بسبب العقوبات الشرعية الشديدة تجاه المنحرفين، بل بسبب الوازع الاخلاقي الذي زرعه الاسلام في نفوس الافراد.

          ولكن الاخلاقية الاجتماعية وحدها قد لاتكفي لردع الانحراف واشباع الحاجات الاساسية في الحماية واجتناب العنف. وهنا يلعب القضاء ونظام العقوبات الاساسية دوره الرئيسي في حفظ النظام الاجتماعي من عبث المنحرفين. لان التهديد بالعقوبة الجسدية او المعنوية مع انه يؤدي الى التعايش السلمي بين الافراد، الا ان تنفيذ تلك العقوبات سيجعل الاخلاقية الاجتماعية قضية الزامية لا مفر منها. وعلى ضوء ذلك، كان للشريعة احكام وعقوبات متباينة تتناسب مع حجم الانحرافات المرتكبة من قبل الافراد.

          وقد كانت النظرية القضائية الاسلامية على مذهب اهل بيت العصمة (ع) سباّقة الى تشخيص التركيبة القضائية، وتحديد اهميتها الاجتماعية في تحقيق العدالة الجنائية والحقوقية فيما يتعلق بحل الخصومات بين الافراد او فيما يتعلق باقرار الحقوق والواجبات.

          ويمكننا تصنيف الآيات القرآنية والروايات الواردة في القضاء في النظرية الامامية الى ثلاثة مجاميع.

 المجموعة الاولى:

          وهي التي تتناول الغرض الذي انشئ من اجله القضاء، وهو تحقيق العدالة الحقوقية والجنائية بين الافراد.

          1 ـ فالقرآن المجيد يصرح: (يا داودُ انا جعلناك خليفة في الارض فاحكم بين الناس بالحق)[8].

          2 ـ (الم تر الى الذين يزعمون انهم آمنوا بما اُنزل اليك وما انزل من قبلك يريدون ان يتحاكموا الى الطاغوت وقد امروا ان يكفروا به)[9].

          3 ـ (واذا حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل)[10].

          4 ـ (وان حكمت فاحكم بينهم بالقسط ان الله يحب المقسطين)[11].

          5 ـ وعن رسول الله (ص): (يؤتى بالقاضي يوم القيامة فيلقى من الهول قبل الحساب ما يودّ انه لم يقض بين اثنين في تمرة)[12]. وهذا الخبر على فرض ثبوته محمول على كون القضاء العادل هو الاصل في النظرية القضائية الاسلامية.

          6 ـ وعن الامام امير المؤمنين علي (ع): (اتقوا الحكومة فان الحكومة انما هي للامام العالم بالقضاء العادل في المسلمين ...)[13].

          7 ـ وعن عُمر بن حنظلة قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن رجلين من اصحابنا بينهما منازعة في دَين او ميراث فتحاكما الى السلطان، او الى القضاة[14]، أيحلّ ذلك؟ فقال: من تحاكم الى الطاغوت فحكم له فانما يأخذ سحتاً وان كان حقه ثابتاً له، لانه اخذه بحكم الطاغوت وقد امر الله ان يكفر به)[15].

          8 ـ وعن الامام الصادق (ع): (خير الناس قضاة الحق)[16].

          9 ـ وعن ابي خديجة، قال: بعثني ابو عبد الله عليه السلام الى اصحابنا، فقال: (قُل لهم: اياكم اذا وقعت بينكم خصومة او تدارى في شيء من الاخذ والعطاء ان تحاكموا الى احد من هؤلاء الفسّاق، اجعلوا بينكم رجلاً قد عرف حلالنا وحرامنا، فاني قد جعلته عليكم قاضياً، وإياكم ان يخاصم بعضكم بعضاً الى السلطان الجائر)[17].

          10 ـ وعن الامام الصادق (ع): (من حكم في درهمين بغير ما انزل الله فقد كفر[18]...)[19].

 المجموعة الثانية:

          واطروحتها ان القاضي المجتهد هو الرجل الرئيسي على المسرح القضائي.

          1 ـ فعن رسول الله (ص): (اذا حكم الحاكم فاجتهد فاصاب فله اجران، واذا حكم فاجتهد فاخطأ فله اجر واحد)[20].

          2 ـ ومن كتاب كتبه امير المؤمنين (ع) للاشتر لما ولاّه على مصر: (... فاختر للحكم بين الناس افضل رعيتك في نفسك وأنفسهم للعلم والحلم والورع والسخاء ممن لاتضيق به الامور، ولاتُمحِّكه الخصوم، ولايتمادى في اثبات الزّلة، ولايحصر من الفيء الى الحقّ اذا عرفه، ولاتشرف نفسه على طمع، ولايكتفي بادنى فهم دون أقصاه، وأوقفهم في الشبهات، وآخذهم بالحجج واقلّهم تبرّماً بمراجعة الخصوم، وأصبرهم على تكشّف الامور، وأصرمهم عند اتّضاح الحكم، ممن لايزدهيه إطراء، ولايستميله إغراق، ولايصغي للتبليغ، فولّ قضاءَك من كان كذلك وهم قليل، ثم أكثر تعهُّد قضائه...)[21].

          3 ـ وعن الامام الصادق (ع): (لايطمعنّ قليل الفقه في القضاء)[22].

          4 ـ وعن رسول الله (ص): (انما انا بشر، ولعل بعضكم ان يكون ألحن بحجته من بعض فمن قضيت له من حق أخيه فانما اقطع له قطعة من النار)[23].

 المجموعة الثالثة:

          وهي التي تتناول ادآب القضاء، والعمليات الاجرائية للمحاكمة. ومثالها:

 المساواة بين الخصمين:

* فعن رسول الله (ص): (من اُبتلي بالقضاء بين المسلمين فليعدل بينهم في لحظته وإشارته ومقعده ومجلسه)[24].

** وعن سلمة بن كهيل قال سمعتُ علياً (ع) يقول لشريح: (...ثم واسِ بين المسلمين بوجهك ومنطقك ومجلسك، حتى لايطمع قريبك في حيفك، ولا ييأس عدوّك من عدلك)[25].

 وان لايلقّن الشهود:

**   فعن النبي (ص) انه نهى ان يحابي القاضي احد الخصمين بكثرة النظر وحضور الذهن، ونهى عن تلقين الشهود[26].

 وان لايسارّ احداً في مجلس القضاء:

* فقد ورد ان امير المؤمنين (ع) قال لشريح: (لا تسارّ احداً في مجلسك)[27].

وان لايعلو كلامه كلام الخصم:

* فقد روي ان امير المؤمنين (ع) ولّى ابا الاسود الدؤلي القضاء ثم عزله، فقال له: لِمَ عزلتني وما خنت ولا جنيت؟ فقال: (إني رأيت كلامك يعلو كلام خصمك)[28].

 وان لايقضي قبل سماع كلام كلا الخصمين:

* فقد ورد عن رسول الله (ص) انه قال: (اذا أتاك الخصمان فلا تقض لواحد حتى تسمع من الآخر فانه اجدر ان تعلم الحق)[29].

 وان لايقضي وهو غضبان او جائع:

* فعن رسول الله (ص): (من ابتلي بالقضاء فلايقضِ وهو غضبان)[30]، و(لا جائع)[31].

          ولاشك ان هذه العوامل القضائية الثلاثة وهي: العدالة الحقوقية والجنائية بين الافراد، والدور الرئيسي للقاضي المجتهد في المحاكمة، وآداب القضاء واخلاقية العمليات الاجرائية للمحاكمة، تعتبر الحجر الاساس في البناء القضائي الاسلامي. وهذه الكليات الرئيسية من اهم مشخّصات النظرية القضائية الاسلامية؛ فبالعدالة الحقوقية والجنائية أكد الاسلام على رفض كل اشكال الظلم القضائي بما فيها سياسة التمييز العرقي في اثبات الحقوق او تجريم الجناة. وباسناد دور القضاء الى المجتهد الغى الاسلام دور هيئة المحلَفين، ورفض اسناد ذلك الدور للقاضي الذي يفتقد اهم عناصر القضاء وهو العلمية والاجتهاد. وبتصميم ادآب القضاء والعمليات الاجرائية للمحاكمة، ربط الاسلام النظام القضائي بالنظرية الاخلاقية الدينية.

          ان الاسلام بتأكيده على دور القضاء في تحقيق العدالة الحقوقية والجنائية انما اراد ان يكون للالزام الديني في الذات الانسانية القيمة الحقيقية للتمييز ما بين الواجبات والحقوق في النظام الاجتماعي. فمن جهة ان القضاء له تأثير فعال على تعديل السلوك الاجتماعي بما يتناسب مع تطلعات الشريعة الاسلامية، ومن جهة اخرى فان القضاء يبلّغ الافراد ضمنياً بان حريتهم الاجتماعية محدودة بحدود القانون والاحكام الشرعية، ولذلك فان عليهم ان ينظّموا حياتهم ضمن ذلك الاطار. وقد كان وضوح الآيات القرآنية المجيدة والروايات الشريفة عن رسول الله (ص) وائمة اهل البيت (ع) كله يشير الى مقاصد الشريعة في تنظيم النظام الاخلاقي في المجتمع الاسلامي، وجعل السيطرة الاجتماعية على الانحراف عملية اخلاقية اكثر مما هي عملية اكراه، كما يزعم اعداء النظرية الدينية. 

          ولاشك ان القضاء لايقوم بدوره الفعال في تحقيق العدالة الجنائية والحقوقية ما لم يرتبط بنظام اجرائي محكم ذي اوجه متعددة: كطريقة المحاكمة، واسلوب عمل القاضي، وادب القضاء، وعقلانية الفترة ما بين وقوع الجناية واصدار الحكم، ووضوح العقوبات المنصوصة، وخلو الاحكام من التناقض والغموض. وبطبيعة الحال، فان نزاهة الحكم القضائي في عصري رسول الله (ص) وأمير المؤمنين (ع) وقربه من العدالة الواقعية وبعده عن المصالح الفردية، تعكس في واقع الامر كمال النظرية القضائية الاسلامية.

          ان تبليغ الافراد بتفاصيل نظام العقوبات الجنائية له تأثير عظيم على تخطيطهم لمستقبل حياتهم. فالعلم بالاحكام الشرعية الخاصة بالانحرافات الاجتماعية سيجعل الافراد يصممون حياتهم على اساس الخط الاجتماعي الذي خطه لهم الاسلام. فاذا كانت العقوبات في الانحرافات الخلقية مثلاً صارمة، اصبح الزواج الشرعي هو الاصل الذي يُبتنى عليه مستقبل الانسان في النظام الاجتماعي الاسلامي. واذا كانت العقوبات في جرائم قتل النفس الانسانية صارمة ايضاً، كان السلام والأمن الاجتماعي هو الاصل في المجتمع. ومن الملاحظ ان تضمن القرآن المجيد للاحكام الشرعية الخاصة بالعقوبات له دور عظيم في اشباع حاجة الفرد المسلم نحو العلم بنظام العقوبات الاسلامي. ولذلك فان الحث على قراءة القرآن المجيد والتدبر في آياته يمنح الفرد ابعاداً جديدة فيما يتعلق بالحقوق والواجبات والعقوبات في النظام القضائي. وهذا العلم بالتحديدات الشرعية التي تحمي الافراد او تفرض عليهم واجبات معينة، يزيد من مستوى ثقة الافراد بانفسهم اولاً، وببعضهم البعض ثانياً، وبالنظام الاجتماعي ثالثاً.

          ان الحماية القانونية او القضائية العادلة لكل الافراد اصبحت جزءً رئيسياً من اخلاقية النظام السياسي؛ فبدونها يوصم النظام السياسي بالتخلف الحضاري والانحطاط والظلم الاجتماعي. ولذلك فان افكار (المذهب النفعي)، وهو أحد المذاهب الاخلاقية السياسية الاوروبية، كانت قد تعرضت الى كثير من النقد لانها تبنت ـ في معرض فلسفتها عن المساواة ـ فكرة تبرئة ساحة الجاني من الجناية. فالمذهب النفعي يزعم ـ ضمن نقده لاخلاقية القانون والشريعة ـ بان الاحكام القانونية او الشرعية تفشل في جلب السعادة ونشرها بين الافراد على النطاق الاجتماعي الواسع.

ونردُّ على ذلك ونقول بان فكرة السعادة أو القناعة لاينبغي ان تحصر ضمن دائرة الجناة فحسب. فسعادة الجاني ـ اذا تمت تبرئته ـ تكون دائماً على حساب المجني عليه او متعلقيه. فكيف نتحدث عن سعادة الجاني ونهمل سعادة المجني عليه؟ والمذهب النفعي يستند في تحليله الآنف الذكر على مبدأ (المساواة التامة) بين جميع الافراد. الا ان تلك المساواة مستحيلة التحقق في الواقع، خصوصاً على المستوى القضائي. ان فلسفة المذهب النفعي تناقض ابسط مبادئ فلسفة حل الخصومات بين الافراد، وانها تنتهك مبادئ الفلسفة الحقوقية والجنائية. والعدالة القضائية، بمعناها الواسع، لاتعني المساواة بين الافراد ـ كما يعتقد خطأً المذهب النفعي ـ، بل تعني انزال العقاب بالجاني وتعويض المجني عليه. ولعل اعظم هفوات المذهب النفعي هو نقده لفكرة العبودية، لا بسبب الظلم الذي يلحق العبد من سيده، بل بسبب عدم كفاءة تلك العملية اخلاقياً، بزعم ان المنافع التي يجنيها مالكو العبيد تتجاوز المعاناة التي يعاني منها العبيد انفسهم[32]! وهو اقرار اوروبي خجول بصحة فكرة العبودية فلسفياً.

          ويظهر ضعف المدرسة الاخلاقية الاوروبية التي تدعو الى المساواة التامة بين الجاني والمجني عليه من ملاحظة نقطة هامة وهي ان جميع الفلاسفة في المجتمعات التي ظهرت فيها ارآء تلك المدرسة لم يقبلوا بان يكونوا ضحايا يتساوون تماماً في الحقوق والواجبات مع جناة ارتكبوا اعمالاً فظيعة ضدهم. ولاشك ان الحكم الاخلاقي يجب ان يكون متناسباً مع فهم الفرد بان له حقوقاً وعليه واجبات متناغمة مع حقوق وواجبات بقية الافراد. والا لو قبلنا بفكرة المذهب النفعي والمدرسة الاخلاقية الاوروبية لما كان للنظام القضائي دور في الحياة الاجتماعية باعتبار ان الكل متساوون تماماً على الصعيدين الاخلاقي والقضائي. وهذا لايقبله اي فيلسوف او مفكر تعامل مع اشكاليات الفلسفة الاجتماعية او الاخلاقية او القضائية.

          ان السعادة الحقيقية التي جاء الاسلام لتحقيقها لا تأتِ من المساواة بين الجاني والمجني عليه بعد وقوع الجناية، بقدر ما تأتي عن طريق المساواة بين الافراد في الحقوق والواجبات قبل وقوع الجناية. اما اذا وقعت الجناية، فلابد من معالجتها بالقصاص والحدود والديات. وهذا العلاج النهائي هو الذي يجلب السعادة النهائية للافراد وللمجتمع بصورته الكلية.

          ان تحقيق العدالة الجنائية والحقوقية بين الافراد يبدأ من ساحة المجتمع نفسه، متمثلاً بشعور الافراد انفسهم بوجوب الالزام الشرعي في اطاعة الاحكام الشرعية وفهم اطار الحقوق والواجبات التي جاء بها الدين الحنيف. فوجود النظام القضائي مجرداً قد لا يكفي لتحقيق تلك العدالة المنشودة ما لم يفهم الفرد ذلك الاطار الاخلاقي الذي ينبغي ان يتحرك فيه ضمن دائرة النظام الاجتماعي. وهذا الاطار الاخلاقي هو الذي يلزمه بعدم انزال الاذى المعتبر بالآخرين او جرحهم، أو تحميلهم اي نوع من انواع المعاناة الانسانية.

          ان هذا الالزام الاخلاقي الشرعي هو الذي يؤدي الى تحقيق العدالة الحقوقية والجنائية بين الافراد، وهو الزام اكدت عليه الشريعة الاسلامية ـ وخصوصاً مذهب اهل البيت (ع) ـ في الكثير من الموارد العقائدية والفقهية.

 اطروحة الكتاب

           تستند النظرية السياسية الغربية على ركن فلسفي مهم يزعم بان الجناية المرتكبة ضد فرد ما انما هي ـ في واقع الامر ـ جناية مرتكبة ضد الحكومة التي انتخبها ذلك الفرد. ولذلك، ومن اجل حماية حقوق الافراد، فان الدولة ملزمة بالدفاع قضائياً عن المجني عليه واسترداد حقوقه المسلوبة عن طريق (النائب العام)، لانه يمثل المصلحة العامة في القضية الجنائية. الا ان للنائب العام صلاحية انتقاء الجنايات التي يرى في مرافعاتها مصلحة اجتماعية، وله صلاحية اهمال الجنايات التي يعتقد انها لاتخدم مصلحة الدولة او المصلحة الاجتماعية العليا. وبكلمة، فان القضية الجنائية تكون، في كل الاحوال، تحت رحمة النائب العام قبل ان تصل الى القاضي. وهذا الانتقاء يقتل روح العدالة بين الافراد في النظام القضائي الغربي، فهو لا يسترد حق المجني عليه في القصاص أو التعويض المالي ولايعاقب الجاني على جنايته.

          ويقف ضد النائب العام قضائياً، محامي الدفاع (وهو الذي يمثل موكله المتهم في العملية الجنائية). وفكرة (المحاماة) مثيرة للجدل، لان الوظيفة الاصلية للمحامي هو الدفاع عن المتهم، فكيف اذا كان المتهم جانياً في واقع الامر، فهل يتخلى المحامي عن دوره بالدفاع عنه؟ كلا بالتأكيد، لان المحاماة مهنة احترافية يجني من ورائها المحامي رزقه. اذن، فان فكرة (المحاماة) قد تسيء الى العدالة الجنائية اذا كانت تمثل دفاعاً عن الجاني الذي ارتكب الجناية. فكيف تستطيع النظرية القضائية الغربية تقديم تبرير عقلائي مقنع لفكرة (المحاماة) التي تقوم على اساس الدفاع عن الجناة في نفس الوقت الذي تقوم فيه بالدفاع عن الابرياء ايضاً؟ ولاشك ان فكرة جهل (المتهم) بالقانون والزعم بانها هي التي ادت الى نشوء فكرة (المحاماة) فكرة مردودة، لان القاضي ينبغي له ان يقوم بدور ارشاد المدعي والمدعى عليه نحو حل القضية الجنائية او الحقوقية. وما الشروط التي وضعها الاسلام في القاضي من حيث العلمية والاجتهاد، الا مساهمة في جعل القاضي ـ الذي يستمع الى مرافعات الدعوى ـ المجبِر الواقعي لجهل المتهم او المدعي والمدعى عليه في القضايا القانونية الشرعية.

          ومن الطبيعي فان القاضي، في النظرية الرأسمالية الغربية، يقف حَكَماً بين النائب العام ومحامي الدفاع، اذا لم تقر المحكمة تعيين هيئة المحلَفين. فيستطيع ـ على ضوء وظيفته ـ اصدار الحكم بتبرئة الجاني او انزال العقوبة بحقه. الا ان ذلك القاضي يفقد سلطته القضائية في الحكم، اذا اقرت المحكمة تعيين هيئة المحلَفين. وتتزعزع سلطته القضائية ايضاً في حالات المساومة على الاقرار بالذنب، وفي حالات وعود النائب العام للجناة بتخفيف العقوبة ضدهم مقابل تعاونهم مع السلطة القضائية.

          ومن اهم الانتقادات التي ننقد بها النظرية القضائية الغربية، هو استحداثها فكرة الكفالة المالية، والمساومة على الاقرار بالذنب، واختيار وحكم هيئة المحلَفين، وعدم عدالة نظام العقوبات. ومع ان هذه النظرية تؤمن بالحقوق الدستورية للمتهم، الا ان هذه الافكار القضائية التي صنعها الانسان تمحق العدالة القضائية بين الافراد بشكل خطير.

          فالكفالة المالية، ليست مجرد ضمان قانوني لحضور المتهم وقت المحاكمة المقرر عقدها لاحقاً، بل هي وسيلة من وسائل التمييز القضائي بين الفقراء والاغنياء.

          والمساومة على الاقرار بالذنب، الذي يمثل تعهداً من قبل النائب العام ومحامي الدفاع بتخفيف الحكم الجنائي ضد الجاني مقابل الاعتراف بالذنب، يعكس تناقض النظرية القضائية الغربية في العدالة الاجتماعية. فالمساومة على الاقرار بالذنب تبطل الحق الدستوري للمجني عليه بمحاكمة الجاني وانزال العقوبة التي يستحقها به، وتعدم حق تعويض الضحية.

          اما فكرة (هيئة المحلَفين)، فهي اكثر ثغور النظام القضائي الغربي ضعفاً وهشاشة، فكيف يستطيع اثنا عشر فرداً يتم انتخابهم من دفاتر الضريبة في الحكم على القضايا الجنائية الخطيرة؟ خصوصاً اذا ما علمنا بان هؤلاء الافراد ليس لديهم العلم بالقضاء او القانون الا النـزر اليسير.

          ونظرية العقوبات الجنائية الغربية، تعتبر السجن (او العزل الاجتماعي) المسرح الرئيسي للعقوبة، وتلحقه بعقوبات اخف، ومنها: تعليق العقوبة، واطلاق سراح الجاني مع مراقبته وتقييده بالشروط القضائية، والغرامة المالية. الا ان هذه العقوبات لاتستطيع ان تحسم قضية الجريمة وما يتعلق بها من هدر للحقوق والواجبات في النظام الاجتماعي.

          الا ان النظرية القضائية الاسلامية تعاملت مع القضايا الجنائية والحقوقية من منظار آخر. فقد وضعت القاضي في وسط المسرح القضائي، واوجبت عليه الاجتهاد والعدالة الواقعية لان المظلوم يرى فيه صوت الحق والعدالة الالهية. ورفضت ان يكون للنائب العام او محامي الدفاع او هيئة المحلَفين دور في قرار القاضي المجتهد بالحكم على الجاني او تعويض المجني عليه. واوضح الاسلام بان المدار في القضاء بين المتخاصمَين هو التسلط على الحق المسلوب من قبل الظالم وارجاعه الى المظلوم. بمعنى ان القاضي يجب ان يكون مؤهلاً لاسترجاع الحقوق الشخصية المغتصبة، وان تكون له شخصية علمية ومعنوية تستطيع انزال القصاص بالجاني والزامه بدفع التعويضات الجنائية والحقوقية.

          ولايحتل النائب العام ومحامي الدفاع اي دور في النظرية الاسلامية، بل ان اركان الدعوى تستند على المدعي والمدعى عليه والمدعى به؛ ولايحجب المدعي والمدعى عليه فرد يمثلهما امام القاضي. ولاشك ان اصول الاثبات في الشريعة الاسلامية، كالاقرار والكتابة والقرينة والشهادة والبينة واليمين واليد والعلم والاستفاضة، كلها تثبت دور القاضي في الاقتراب من العدالة الواقعية في الحكم على القضية الجنائية او الحقوقية. حتى ان المقولة القضائية الغربية الحديثة: (ان المتهم لايُجرّم اذا بقي ادنى شك في ارتكابه الجريمة) مقتبس بالاصل من المشهور من قول رسول الله (ص): (ادرأوا الحدود بالشبهات).

          والقاضي في النظرية الاسلامية، بحكم اجتهاده، مسلّحٌ باصول وقواعد القضاء. وهذا التسلح يجعله قادراً على مواجهة المشاكل القضائية، كتعارض البينتين، والرجوع عن الشهادة، وشهادة الزور، والاختلاف في الشهادات، والتعارض بين البينة واليد، والتداعي وترجيح البينات.

          وبطبيعة الحال، فان تشديد الاسلام على قضية الشهادة ودور الشاهد في احقاق الحق تجعله من اكثر الانظمة القضائية ـ على مستوى البشرية ـ طموحاً في تحقيق العدالة الجنائية والحقوقية. فلو تبين ان الشاهد قد شهد زوراً انتقض الحكم، حتى بعد التنفيذ لمكان العلم بمخالفة الواقع، لان حكم القاضي لا يحلل حراماً، ولا يحرم حلالاً. بل ان الاصل في الحكم هو احقاق الحق وابطال الباطل.  اما الكفالة في الاسلام، فانها تتعلق بالنفس لا بالمال؛ وذمة الكفيل متعلقة بحضوره الشخصي لا بقدرته المالية. وهذا الفرق  مهم للغاية ـ على الصعيد القضائي ـ في تحقيق العدالة الجنائية والحقوقية، لان المال قد يستخدم كعنصر مؤثر في قرار الحكم وحجم العقوبات النازلة بالجاني.

          ولاشك ان القرائن الموضوعية تساعد القاضي على توخي العدالة القضائية في الحكم. وانسداد الطريق لمعرفة الحكم الواقعي يؤدي الى استخدام وسائل شرعية اخرى كالتحليف، والقرعة، والطب الشرعي، واللزومات العقلية، والمبادئ البديهية. الا ان اجتهاد القاضي وقدرته على التعامل مع تعارض الاصول الشرعية والعقلية هو اهم ما يميز القضاء الاسلامي، ويجعل النظرية القضائية الاسلامية من اكثر النظريات القضائية قرباً من العدالة الواقعية التي يأمل في تحققها كل فرد من افراد النظام الاجتماعي.

(نهاية ص 42)

 

 صفحة التحميل                   الصفحة الرئيسية


[1]  جي. اس. ميل. المذهب النفعي. لندن: 1863م.

[2]  ديفيد هيوم. رسالة في الطبيعة الانسانية. لندن: 1739م.

[3]  نقصد بالشريعة في هذا البحث: الاحكام الشرعية الاسلامية التي تنظم شؤون الفرد والنظام الاجتماعي. وهي أحكام آلهية المصدر والانشاء. ونقصد بالقانون: الاحكام العقلائية التي تتناول أموراً لم تتطرق إليها الشريعة كقانون المرور مثلاً، أو قانون التعليم الاجباري وكمية الأموال المبذولة على تنظيمه من قبل الدولة، أو قوانين الصحة العامة، أو قوانين الاستيراد والتصدير. ومع ان القانون يستنبطه المجتهد ويفتي به، الا ان ذلك الاستنباط يحتاج الى استشارة الخبراء لاستناده على القواعد العرفية والارتكاز العقلائي اللذين أقرهما الشرع، لكنه لم يرد في المتون الشرعية بسبب التغير المستمر للقضايا الاجتماعية. ونقصد بالقانون الوضعي: التشريع الذي يضعه الانسان – بعيداً عن الرسالة الدينية الالهية- لتنظيم شؤون الافراد في النظام الاجتماعي. ويحتمل فيه الخطأ والصواب.

[4]  جي. سي. جنسن. طبيعة النقاش القضائي. لندن: مطبعة جامعة اكسفورد، 1957م.

[5]  شرح نهج البلاغة ج 1 ص 288.

[6]  بحار الانوار ج 2 ص 172.

[7]  بحار الانوار ج 104 ص 276.

[8]  سورة ص: الآية 26.

[9]  سورة النساء: الآية 60.

[10]  سورة النساء: الآية 58.

[11]  سورة المائدة: الآية 42.

[12]  كنـز العمال – خ 15009.

[13]  وسائل الشيعة ج 18 ص 7.

[14]  أي قضاة السلطان الجائرين.

[15]  فروع الكافي ج 7 ص 412.

[16]  بحار الانوار ج 104 ص 269.

[17]  وسائل الشيعة ج 18 ص 100.

[18]  الكفر هنا ليس كفر الشرك، وانما الكفر بالفروع.

[19]  بحار الانوار ج 104 ص 265.

[20]  كنـز العمال – خ 14597.

 [21] شرح نهج البلاغة ج 17 ص 58.

[22]  بحار الانوار ج 104 ص 264.

[23]  كنـز العمال – خ 15043.

[24]  كنـز العمال – خ 15032.

[25]  وسائل الشيعة ج 18 ص 155.

[26]  مستدرك الوسائل ج 3 ص 195.

[27]  من لا يحضره الفقيه ج 3 ص 7.

[28]  مستدرك الوسائل ج 3 ص 197.

[29]  بحار الانوار ج 100 ص 277.

[30]  الوسائل ج 18 ص 156.

[31]  مستدرك الوسائل ج 3 ص 195.

[32]  جيرمي بنثام: بحث حول المنطق. في كتاب (اعمال جيرمي بنثام). تحرير: جي. بورينج. 11 مجلداً. ادنبرة: 1838-1843م.