(ص 116 - 135)

(7)

يوميات المسير إلى كربلاء وواقعة الطف

    هذه يوميات مسير الإمام الحسين (ع) الى كربلاء وما جرى عليه في الطف ، مرتّبة ترتيباً روائياً مترابطاً ، حسبما أملته ظروف المعركة ومقدماتها:

(1) 15 رجب  سنة 60  للهجرة : مات  معاويـة بن  أبي سفيان ،  وأوصى بالخلافـة لابنه يزيد . وقال في وصيته : (...يا بني أوصيك بوصية فأنت بخير ما دمت على حفظها: أوصيك بأهل الشام فانهم منك وأنت منهم. فمن قدم عليك فأكرمه ومن غاب فاطلع على خبره ، فإذا دهمك عدو فسر بهم ، فإذا ظفرت فردهم الى بلدهم ، فإذا أقاموا في غير أوطانهم تخلقوا بغير أخلاقهم. ومن قدم عليك من الحجاز فاستوص بهم خيراً. وانظر يا بني الى أهل العراق في أمورهم ، فإن سألوك أن تعزل عنهم في كل يوم عاملاً  فاعمله ، فإن ذلك أهون من شق العاصي على السلطان. وأعلم يا بني اني قد وطأتُ لك البلاد ، وذللتُ  لك العباد ، ولستُ أخشى عليك إلا من أربعة رجال ، فانهم لا يبايعونك وينازعونك في هذا الأمر. أولهم: عبد الرحمن بن أبي بكر ، فانه صاحب دنيا فمده بدنياه ، ودعه وما يريد فانه يصير لا لك ولا عليك. والثاني: عبد الله بن عمر فانه صاحب قرآن ومحراب وقد تخلى عن الدنيا ورغب في الآخرة ولا أظن ينازعك في هذا الأمر ولا يريده. والثالث: عبد الله بن الزبير سيراوغك مراوغة الثعلب ويجثوا لك جثوة الأسد ، فإن حاربك فحاربه وإن سالمك فسالمه ، وإن أشار عليك فأقبل مشورته. والرابع: الحسين بن علي (ع) ، فان الناس تدعوه حتى يخرج عليك . فإن ظفرت به فاحفظ قرابته من رسول الله (ص). واعلم يا بني ان أباه خير من أبيك ، وجده خير من جدك ، وأمه خير من أمك.وهذه وصيتي إليك والسلام).

(2) رجب سنة 60 هـ : كتب يزيد كتاباً إلى الوليد بن عتبة بن أبي سفيان (والي المدينة) يخبره بموت معاوية، ويأمره بأخذ البيعة من أهل المدينة ، وهؤلاء الأربعة بالخصوص ، والحسين (ع) على الأخص. وقال يزيد في كتابه : (وأنفذ كتابي إليهم – يعني الحسين (ع) والبقية – فمن لم يبايعك منهم فانفذ إلي برأسه مع جواب كتابي هذا). فأرسل الوليد إلى الحسين (ع) وأعلمه بكتاب يزيد. فقال الحسين (ع): (أيها الوليد..انك تعلم إنا أهل بيتٍ بنا فتح الله وبنا يختم. ومثلي لا يبايع ليزيد شارب الخمور وراكب الفجور وقاتل النفس المحترمة).

(3) شعبان سنة 60 هـ : خرج الإمام الحسين (ع) من المدينة متوجهاً نحو مكة ، ومعه بنوه ومواليه وبنو أخيه وجميع أهل بيته إلا محمد بن الحنفية ، فجعله (ع) عيناً له في المدينة يترقب الأخبار. وأخذ أهل العراق يكاتبونه ويراسلونه ويطلبون منه التوجه الى بلادهم ليبايعوه بالخلافة. فهو الإمام المفترض الطاعة ، وابن رسول الله (ص) وسبطه ، والمنصوص عليه بالإمامة من جده المصطفى (ص): (الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا).

(4) فاجتمع من شيعة الكوفة جماعة الى منـزل سليمان بن صرد الخزاعي ، واتفقوا على كتابة كتاب الى الحسين (ع) يعلمونه بانهم : (جنود مجندة ، وأنهار متدفقة ، وعيون جارية) ، و(ان الثمار قد أينعت واخضر الجناب) ، و(ان لك في الكوفة مائة الف سيف) ، (واذا لم تقدم إلينا فإنا نخاصمك غداً بين يدي الله). واجتمعت عنده (ع) إثنا عشر ألف كتاب من أهل العراق ، كلها بهذا المضمون.

   فأرسل الحسين (ع) مبعوثاً إلى الكوفة هو مسلم بن عقيل . فلما دخل مسلم الكوفة اجتمع الناس حوله وبايعوه ، لأنه سفير الحسين (ع) فبايعه ثمانون ألف رجل. فكتب مسلم الى الحسين (ع) يخبره ببيعة الناس ، ويطلب منه القدوم بسرعة الى الكوفة.

(5) شهر ذي الحجة سنة 60 هجرية: وصلت أخبار ما حصل في الكوفة الى يزيد. فعزل النعمان بن بشير من الإمارة ، وأرسل عبيد الله بن زياد أميراً جديداً ، وفوضه يزيد بالأمر التالي: (أما بعد ، فقد بلغني ان أهل الكوفة قد اجتمعوا على البيعة للحسين ، وقد كتبت إليك كتاباً.فإني لا أجد سهماً أرمي به عدوي أجرى منك ، فإذا قرأت كتابي هذا ، فارتحل من وقتك وساعتك. وإياك والتواني ، واجتهد ولا تبق من نسل علي بن أبي طالب أحداً ، واطلب مسلم بن عقيل فاقتله وابعث إلي برأسه، والسلام).

    فدخل الأمير الجديد الكوفة ، وأرسل الى رؤساء العشائر يذكرهم باسلوب بني أمية في البطش والتنكيل ، ويهددهم بدخول جيش الشام الى العراق ، ويغريهم بالمال. فأخذ أهل الكوفة يتفرقون عن مسلم شيئاً فشيئاً ، حتى بقي مسلم وحيداً غريباً ، فأضافته امرأة عجوز ، فطوقوا الدار التي كان  فيها. وخرج مسلم  يقاتلهم ، فقتل منهم مقتلة عظيمة . وألقي  القبض عليه يوم عرفة من قبل شرطة  عبيد  الله بن زياد وضربوا عنقه صبراً . وجعلوا يسحبونه في الأسواق ليرعبوا الناس. بعدها أرسل عبيد الله بن زياد برأس مسلم بن عقيل وهاني بن عروة الى يزيد.

(6) خرج الحسين (ع) من مكة متوجهاً نحو العراق يوم الثامن من ذي الحجة ، ومعه ودائع رسول الله (ص) (نساؤه وأهل بيته). وأراد البعض ثنيه (ع) عن المسير الى العراق كمحمد بن الحنفية ، وعبد الله بن العباس، وغيرهم ، إلا انه (ع) أبى إلا الخروج.

(7) وسمع الحسين (ع) وهو في طريقه الى العراق ، خبر مقتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة. فقال (ع): (لا خير في الحياة بعد هؤلاء الفتية). وجعل لا يمر ببادية إلا ويتبعه خلق كثير ، حتى انتهى الى بلد يدعى (زبالة) ، فنـزل بها . ثم قام خطيباً : فحمد الله واثنى عليه وذكر النبي (ص) فصلى عليه ، ثم نادى: (أيها الناس إنما جمعتكم على ان العراق في قبضتي ، وقد جاءني خبر صحيح ان مسلم بن عقيل وهاني بن عروة قتلا ، وقد خذلتنا شيعتنا . فمن كان منكم يصبر على ضرب السيوف وطعن الرماح ، وإلا فلينصرف من موضعه هذا. فليس عليه من ذمامي شيء).

    فسكتوا جميعا ً ، وجعلوا يتفرقون يميناً وشمالاً ، حتى لم يبق عنده إلا أهل بيته ومواليه. وهم نيف وسبعون رجلاً ، وهم الذين خرجوا معه من مكة. وإنما فعل ذلك لأنه علم ان الناس لا يتبعونه الا انهم يظنون ان العراق له وفي قبضته. فكره ان يسيروا معه الا وهم يعلمون على ما يقدمون.

(8) وعلى الطريق، وفي منطقة تسمى الثعلبية، التقى ركب الحسين(ع) بسرية من الجيش الأموي من ألف فارس بقيادة الحر بن يزيد الرياحي، وقد أخذ منهم العطش مأخذاً. فسقاهم الحسين (ع) جميعاً، ورشف خيلهم رشفاً. وكانت مهمتهم أسر الحسين(ع) وإدخاله الكوفة على عبيد الله بن زياد. إلا انهم لم يتمكنوا من ذلك. فتم الاتفاق بينهم وبينه (ع) على ان يسلك الحسين (ع) طريقاً لا يدخله الكوفة ولا يردّه الى المدينة ، فوصل أرض كربلاء فنـزل فيها. وعندما علم الحسين (ع) أنه في أرض كربلاء ، قال لأصحابه وأهل بيته: (انزلوا ها هنا مناخ ركابنا. ها هنا تسفك دماؤنا. ها هنا والله تهتك حريمنا . ها هنـا والله تقتل رجالنا. ها هنا والله تذبح أطفالنا. ها هنا والله تزار قبورنا. وهذه التربة وعدني جدي رسول الله (ص) ولا خلف لقوله).

(9) قام عبيد الله بن زياد في الكوفة خطيباً ، وقال: من يأتيني برأس الحسين ، وله الجائزة العظيمة ، أعطه ولاية ملك الري عشر سنوات. فقام عمر بن سعد بن ابي وقاص ، وقال: أنا أيها الأمير. فعقد له راية في ستة آلاف فارس ، خرجت في الأسبوع الأول من محرم الحرام، وهي أول راية سارت نحو كربلاء لمقاتلة الحسين (ع). ولم تزل الرايات تترى حتى تكاملت في اليوم التاسع من محرم. وعددهم ثمانون ألف مقاتل من أهل الكوفة ليس فيهم شامي ولا حجازي، وقيل أكثر من ذلك.

(10) حالت سرايا الجيش الكوفي الأموي بين الحسين (ع) وأهل بيته وبين ماء الفرات في اليوم السابع من محرم. ولما كان اليوم التاسع أشتد بهم العطش في تلك الأرض الصحراوية شديدة الحرارة. قالت سكينة بنت الحسين (ع): عزّ ماؤنا ليلة التاسع من المحرم ، فجفت الأواني ، ويبست الشفاه ، حتى صرنا نتوقع الجرعة من الماء فلم نجدها.

(11) آخر راية وصلت الى كربلاء كانت راية شمر بن ذي الجوشن في ستة آلاف رجل مساء يوم التاسع، ومعه كتاب من عبيد الله بن زياد والي الكوفة الى عمر بن سعد قائد الجيش، وفيه:(...فإن نزل الحسين واصحابه على حكمي واستسلموا فابعث بهم إلي سلماً. وإن أبوا فازحف اليهم حتى تقتلهم. فإن قتلت حسيناً فأوطئ الخيل صدره وظهره...).

(12) زحف الجيش نحو خيام الحسين (ع) بعد عصر اليوم التاسع ، واقترب منها بصورة مريبة. فأشار الحسين (ع) على أخيه العباس بأن يسألهم: ما بهم وما بدا لهم؟ وما يريدون؟ فلما فعل ذلك قالوا له: قد جاء أمر الأمير أن نعرض عليكم أن تنـزلوا على حكمه أو نناجزكم!

   فقال الحسين (ع) مخاطباً العباس : (ارجع إليهم ، فإن استطعت ان تؤخرهم الى غد ، وتدفعهم عنا العشية لعلنا نصلي لربنا الليلة ، وندعوه ونستغفره ، فهو يعلم اني قد كنت أحب الصلاة له وتلاوة كتابه). فتم الاتفاق على تأجيل  القتال  إلى غد . وبات  الإمام الحسين (ع) وأصحابه وأهل بيته ليلة عاشوراء ، ولهم دوي كدوي النحل ، ما بين قائم وقاعد وراكع وساجد.

(13) تهيأ الإمام (ع) للموت ، وأوصى ثلاث وصايا. الأولى: لأخته زينب ، والثانية: لأصحابه ، والثالثة: خاصة بالنساء .

الأولى: قال لأخته زينب (ع): (يا أختاه لا يذهبن بحلمك الشيطان ، فان أهل الأرض يموتون ، وأهل السماء لا يبقون ، وكل شيء هالك إلا وجهه ، له الحكم وإليه ترجعون. فأين أبي وجدي اللذان هما خيرٌ مني ، ولي بهما أسوة حسنة... يا أختاه أقسمتُ عليك بحقي إذا أنا قتلت فلا تشقي علي جيباً ولا تخمشي عليَّ وجهاً). وقد حفظت زينب (ع) وصيته بعد مقتله (ع).

الثانية: وجمع أصحابه في تلك الليلة ، وقال لهم : (اني لا أعلمُ أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي ولا أهل بيت أبر ولا أوصل ولا أفضل من أهل بيتي ، فجزاكم الله جميعاً عني خيراً. فلقد بررتم وعاونتم. ألا ، وإني لا أظن يوماً لنا من هؤلاء الأعداء إلا غداً. ألا ، وإني قد أذنت لكم فانطلقوا جميعاً في حلّ من بيعتي. ليس عليكم مني حرج ولا ذمام. وهذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً ، وليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي ، وتفرقوا في سواد هذا الليل ، وذروني وهؤلاء القوم ،فإنهم لا يريدون غيري).

   فقال له أخوته وأبناؤه وأبناء عبد الله بن جعفر : (...لا والله يا بن رسول الله لا نفارقك ابداً ، ولكن نقيك بأنفسنا حتى نقتل بين يديك ونرد موردك). وقال له أصحابه بمضمون واحد: (لا والله لا يرانا الله ونحن نفعل ذلك حتى نكسر في صدورهم رماحنا ، ونضربهم باسيافنا. ولا نفارقك حتى نموت معك).

الثالثة: قال الحسين (ع) لأصحابه : (الا ومن كان في رَحْلِهِ امرأة فلينصرف بها الى بني أسد). فقيل له: لماذا يا سيدنا ؟ فقال (ع): ان نسائي تسبى بعد قتلي ، وأخاف على نسائكم من السبي.

   فمضى بعضهم الى نسائه وأخبرهن بما قاله الحسين (ع). وكان منهم علي بن مظاهر فقال لامرأته: قومي حتى ألحقك ببني عمك. فأجابته: يا بن مظاهر أيسرّك ان تسبى بنات رسول الله(ص) وأنا آمنة من السبي ؟ أيسرّك ان يبيّض وجهك عند رسول الله (ص) ويسّود وجهي عند فاطمة الزهراء (ع) ؟ والله أنتم تواسون الرجال ونحن نواسي النساء. فنُقل ذلك للحسين (ع) ، فقال: (جزيتم منا خيراً).

(14) ولما انبثق فجر يوم العاشر من محرم الحرام سنة 61 هـ ، نادى الإمام (ع) أهله وأصحابه وأمرهم بالصلاة ، ثم قال لهم: (ان الله قد أذن في قتلكم وقتلي ...فاتقوا الله واصبروا).

  وأصبح عمر بن سعد في ذلك اليوم وخرج بالناس. وجعل على ميمنة العسكر: عمرو بن الحجاج الزبيدي ، وعلى الميسرة: شمر بن ذي الجوشن ، وعلى الخيل : عروة بن قيس ، وعلى الرجالة : شبث بن ربعي ، وأعطى الراية دُريداً غلامه.

   ودعا الإمام الحسين (ع) بفرس رسول الله (ص) ، وعبأ أصحابه ، وكان معه اثنان وثلاثون فارساً ، وأربعون راجلاً. فجعل زهير بن القين في ميمنة أصحابه ، وحبيب بن مظاهر في الميسرة، وأعطى الراية لأخيه العباس. وجعلوا البيوت والخيم في ظهورهم . وأمر بحطب وقصب ان يترك في خندق عملوه في ساعة من الليل ، وأشعلوا فيه النار مخافة ان يأتيهم العدو من ورائهم ، وجعلوا جبهة القتال جهة واحدة.

(15) خطب الحسين (ع) في جيش الكوفة ثلاث خطب : بليغة في العبارة ، غنية في المضمون ، وعظيمة في المعنى. ففي الخطبة الأولى ذكّرهم (ع) بمنـزلته في الإسلام وقرابته من رسول الله (ص). وفي الخطبة الثانية ذكّرهم (ع) بدعوتهم إليه وتخاذلهم عن نصرته . وفي الخطبة الثالثة أعلن إدانته الصريحة لهم ، وشبههم باليهود والنصارى الذين غضب الله عليهم لشركهم بالله ، والمجوس الذين غضب الله عليهم لعبادتهم الشمس والقمر من دونه عز وجل . فأي قوم هؤلاء الذين يقتلون ابن بنت نبيهم (ص) ؟ ولعلك تجد تلك الخطب على الصفحات : 75-80.

(16) وعندما دعا الحسين (ع) بفرس رسول الله (ص) المرتجز ليركبه ، تقدم عمر بن سعد وقال : يا دُريد أدن رايتك . ثم أخذ سهماً ووضعه في كبد القوس وقال: اشهدوا لي عند الأمير انني  أول من رمى الحسين. فتطايرت عندها السهام من جيش الكوفة على معسكر الحسين (ع). واشتعلت الحرب . فلما انجلت الغبرة واذا بالعشرات من أصحاب الحسين (ع) صرعى.

    فلم يكن للإمام (ع) من خيار ، إلا أن يأمرهم بالمبارزة واحداً بعد الآخر. وكل من أراد الخروج منهم ودّع الحسين (ع) وقال: السلام عليك يا أبا عبد الله. فيجيبه الحسين (ع) : وعليك السلام ونحن خلفك ، ثم يتلو : (فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا).

    ولم يبـرز منهم رجل حتى يقتل خلقاً كثيراً ، فضجّ الأعداء من شجاعتهم. وكأني بذلك الرجل الذي وصفهم بالقول: (ثارت علينا عصابة أيديها على مقابض سيوفها ، كالأسود الضارية تحطم الفرسان يميناً وشمالاً ، وتلقي بأنفسها على الموت. لا تقبل الأمان ، ولا ترغب في المال ، ولا يحول حائل بينها وبين الورود على حياض المنية ، والاستيلاء على الملك. فلو كفننا عنها رويداً لأتت على نفوس العسكر بحذافيرها).

   وقد قيل فيهم ايضاً:

قـومٌ اذا نودوا لدفـع ملمّـةٍ** والخيل بـين مـدَعّسٍ ومكردس

      لبسوا القلوب على الدروع وأقبلوا ** يتهافتون عـلى ذهـاب الأنفسِ  

 (17) وندم الحر بن يزيد الرياحي ، قائد السرية التي حاولت أسر الإمام الحسين (ع) وجعجعت به إلى كربلاء ، على ما فعل. وأقبل الى عمر بن سعد وسأله: أمقاتل أنت هذا الرجل ؟ فقال: نعم. فقال الحر: فما لكم فيما عرضه عليكم؟ (وكان الحسين عليه السلام قد عرض عليهم عدم الحرب والرجوع الى المدينة). فتحجج عمر بن سعد بأن الأمر لو كان له لأستجاب للحسين (ع). ولكن الأمر يرجع لسيده عبيد الله بن زياد أمير الكوفة.

   فخيّر الحر نفسه بين الجنة والنار، وقال: والله لا أختار على الجنة شيئاً ولو قطّعتُ وحُرّقتُ. ثم ضرب فرسه قاصداً معسكر الحسين (ع) ويده على رأسه وسيفه في غمده وهو يقول: اللهم إليك أنبتُ فتبْ علي ، فقد أرعبتُ قلوب أوليائك وأولاد بنت نبيك. فلما دنا من الحسين (ع) قال له : من أنت ؟ قال: جعلني فداك أنا صاحبك الذي حبستك عن الرجوع وسايرتك في الطريق وجعجعتُ بك في هذا المكان. وما ظننتُ ان القوم يردون عليك ما عرضته عليهم ، ولا يبلغون بك هذه المنـزلة ، وأنا تائبٌ إلى الله مما صنعتُ. فترى لي من ذلك توبة ؟ قال (ع): (نعم ، يتوب الله عليك، فأنزل). قال: أنا لك فارساً خير مني لك راجلاً أقاتلهم على فرسي ساعة وإلى النـزول يصير آخر أمري. فقال له الحسين (ع): (فاصنع رحمك الله ما بدا لك).

    وتقدم قرب القوم ، فقال : (يا أهل الكوفة لأمكم الهُبل والعبر ، أدعوتم هذا العبد الصالح حتى إذا أتاكم أسلمتموه ، وزعمتم أنكم قاتلوا أنفسكم دونه عدوتم عليه لتقتلوه ، أمسكتم بنفسه ، وأخذتم بكظمه وأحطتم به من كل جانب لتمنعوه التوجه الى بلاد الله العريضة ، فصار كالأسير المرتهن لا يملك لنفسه نفعاً ولا يدفع عنها ضراً ، وحلأتموه ونساءه وصبيته عن ماء الفرات الجاري الذي تشربه اليهود والنصارى والمجوس ، وتمرغ به خنازير السواد وكلابه ، وها هم قد صرعهم العطش ، بئسما خلفتم محمداً في ذريته ، لا سقاكم الله يوم الظمأ الأكبر). ثم قاتل وقُتل رحمه الله.

(18) ثم برز أبطال صناديد أمثال : برير بن خضير الهمداني ، ومسلم بن عوسجة ، ووهب بن عبد الله الكلبي ، وحبيب بن مظاهر، وزهير بن القين ، وعابس بن شبيب ، وجون مولى أبي ذر الغفاري ، وسعد بن حنظلة التميمي ، وجابر بن عروة الغفاري ، وغيرهم يقاتلون دون الطيبين حرم رسول الله (ص). فقُتلوا الواحد بعد الآخر ، ونالوا شرف الشهادة بين يدي الحسين (ع).

(19) وعندما دخل وقت صلاة الظهر أمر الحسين (ع) بأن يكفوا عن القتال حتى يصلي مع أصحابه وأهل بيته ، فاذّن الحسين (ع) للصلاة , وقدم زهير بن القين وسعيد بن عبد الله أمامه في نحو نصف من أصحابه حتى صلى بهم صلاة الخوف. فأثخنهم الجراح وسقط سعيد شهيداً.

(20) وعندما قُتل أصحاب الحسين (ع) عن أخرهم، تقدم بنو هاشم للقتل في سبيل الله . وأول من قتل منهم كان علي بن الحسين الأكبر ، وكان من أصبح الناس وجهاً وأحسنهم خلقاً وخُلقاً. فاستأذن أباه في القتال ، فنظر اليه الحسين (ع) وأرخى عينيه ورفع شيبته نحو السماء وقال : (اللهم اشهد على هؤلاء القوم ، فقد برز إليهم غلام أشبه الناس خلقاً وخُلقاً ومنطقاً برسولك (ص). وكنا إذا اشتقنا إلى نبيك نظرنا إلى وجه هذا الغلام. اللهم امنعهم بركات الأرض وفرقهم تفريقاً ومزقهم تمزيقاً ، واجعلهم طرائق قدداً ولا تغفر لهم أبداً ، ولا ترضي الولاة عنهم أبداً ، فانهم دعونا لينصرونا ثم عدوا علينا يقاتلوننا). فشدّ على العدو ، وقتل منهم خلقاً كثيراً ، ثم رجع إلى أبيه وقد أصابته جراحات كثيرة ، وهو يقول : يا أبه العطش قد قتلني ، وثقل الحديد قد أجهدني ، فهل إلى شربة من الماء سبيل أتقوى بها على الأعداء. فبكى الحسين (ع) وقال: (واغوثاه يا بني. يعزّ على محمد المصطفى، وعلى علي المرتضى، وعليّ ان تدعوهم فلا يجيبوك وتستغيث بهم فلا يغيثوك. يا بني قاتل قليلاً ، فما أسرع ان تلقى جدك محمد (ص) فيسقيك بكأسه الأوفى شربة لا تظمأ بعدها أبداً). فقاتل حتى قتل رضوان الله تعالى عليه. 

(21) ثم خرج القاسم بن الحسن (ع) وكان وجهه كفلقة القمر ، وهو لم يبلغ الحلم بعد. فقال له الحسين (ع): ( يا بني أتمشي برجلك الى الموت؟). فقال : يا عم وكيف لا ؟ وأنت بين الأعداء بقيت وحيداً فريداً لم تجد محامياً. فقاتل قتالاً شديداً ، حتى قتل.

    ثم خرج أخوه أحمد بن الحسن (ع) وله ستة عشر عاماً ، فقاتل بشجاعة منقطعة النظير، ورجع الى الحسين (ع) وقد غارت عيناه من العطش ، فنادى: يا عماه هل من شربة ماء أبرّد بها كبدي ؟ فقال له الحسين (ع): (يا بن أخي اصبر قليلاً حتى تلقى جدك رسول الله (ص) فيسقيك شربة من الماء لا تظمأ بعدها أبداً). فقاتل حتى قُتل.

    وبعد ذلك خرج أولاد أمير المؤمنين (ع): أبو بكر ، وعون ، وعبد الله ، وجعفر ، وعثمان. وقاتلوا بشجاعة فائقة وقتلوا جميعاً رضوان الله عليهم.

وعندما برز عون بن علي، قال له الحسين (ع): (كيف تقاتل هذا الجمع الكثير والجم الغفير؟). فقال: من كان باذلاً فيك مهجته لم يبال بالكثرة والقلة. ثم حمل حملة فقتل مقتلة عظيمة، وتخلل الصفوف ورجع الى الحسين (ع) فقبّله الحسين (ع) وقال له: (أحسنت، لقد أصبت بجراحات كثيرة ، فاصبر هنيئة). فقال عون: سيدي أردت ان أحظى منك وأتزود من رؤيتك مرة أخرى. فرجع وقاتل ورُمي بسهم وقضى نحبه.

(22) وبقي العباس بن علي مع الحسين (ع) يقاتل دونه حتى اللحظات الأخيرة. وكان العباس ، يلقب بقمر بني هاشم ، بطلاً جسيماً وسيماً. وعندما كان يركب الفرس المطهّم ، كانت رجلاه تخطّان على الأرض خطاً. فطلب الرخصة من أخيه الحسين (ع) للقتال. فبكى الحسين (ع) وقال: (أخي أنت العلامة من عسكري ، فإذا غدوت يؤول جمعنا الى الشتات وتنبعث عمارتنا الى الخراب). فقال العباس : فداك روح أخيك ، لقد ضاق صدري من الحياة الدنيا وأريد أخذ الثأر من هؤلاء المنافقين.

    فقال له الحسين (ع): (فاطلب لهؤلاء الأطفال قليلاً من الماء) . فبرز العباس الى وسط الميدان ونادى : (يا عمر بن سعد هذا الحسين ابن بنت رسول الله (ص) يقول لكم : إنكم قتلتم أصحابه وأخوته وبني عمه فبقي فريداً مع أولاده وعياله وهم عطاشى ، قد أحرق الظمأ قلوبهم فاسقوهم شربة من الماء...). فأبوا ذلك.

    فأخذ العباس رمحه وقربة الماء الخالية ، وتوجه نحو الفرات ليملأها ماءً ، ففرق السرية الأموية التي كانت تمنعه عن الماء  وكشفها، حتى دخل شط الفرات. فلما أراد أن يغترف غرفة من الماء ليشرب تذكر عطش الحسين (ع) وآل بيته فرمى الماء. إلا انه ملأ القربة وحملها على عاتقه وتوجه نحو الخيمة ، فقطعوا عليه الطريق وكانوا بالآلاف ، وأحاطوا به ، وأخذوه بالنبال ، ثم قطعوا يمينه ، وقطعوا شماله ، وأصاب القربة سهم وأريق ماؤها ، ثم ضربه رجل بعمود فسقط من فرسه . فانقضّ إليه الحسين (ع) كالصقر ، فرآه مقطوع اليدين ، مفضوخ الجبين. وفاضت نفس أبي الفضل العباس ، وهو على مقربة من أخيه الحسين (ع). فقال الحسين (ع): (أخي الآن انكسر ظهري وقلّت حيلتي وشمت عدوي).

(23) ثم نادى الحسين (ع) : (هل من ذاب يذبّ عن حرم رسول الله (ص) ؟ هل من موحّدٍ يخاف الله فينا ؟ هل من مغيث يرجو الله في إغاثتنا ؟).   ثم تقدم الى الخيمة ، وقال لأخته زينب (ع): (ناوليني ولدي الرضيع لأودعه). ثم نادى (ع): (يا قوم قتلتم أنصاري وأولادي ، وما بقي غير هذا الطفل ، إن لم ترحموني فارحموا هذا الطفل الرضيع ، لقد جف اللبن في صدر أمه). فرماه (حرملة) بسهم فوقع في نحره فذبحه من الوريد الى الوريد. فوضع الحسين (ع) كفيه تحت نحر الطفل حتى امتلأتا دماً ورمى به إلى السماء. وقال (ع): (هوّن علي ما نزل بي انه بعين الله ، اللهم لا يكونن طفلي هذا أهون عليك من فصيل – أي ناقة صالح -).

(24) ولما قتل أصحابه وأهل بيته ولم يبق أحد منهم ، تهيأ للموت ولقاء الله عز وجل. فدعا ببردة رسول الله (ص) فالتحف بها ، ثم أفرغ عليها درعه ، وتقلد سيفه واستوى على متن جواده ، ثم توجه نحو القوم ، وقال (ع): (ويلكم علامَ تقاتلونني ؟ على حقٍ تركته ؟ أم على شريعة بدلتها ؟ أم على سنّة غيرتها ؟). قالوا: نقاتلك بغضاً منا لأبيك وما فعل بأشياخنا يوم بدر وحنين.

    ثم بدأ يحمل عليهم وجعلوا ينهزمون من بين يديه كأنهم الجراد المنتشر، ثم رجع الى مركزه وهو يقول : (لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم). فصاح عمر بن سعد : الويل لكم ! أتدرون من تقاتلون ؟ هذا ابن الأنزع البطين ، هذا بن قتال العرب ، احملوا عليه من كل جانب . فحملوا عليه ، فحمل عليهم كالليث المغضب ، ثم صاح : (ويحكم يا شيعة آل أبي سفيان إن لم يكن لكم دين وكنتم  لا تخافون المعاد فكونوا أحرارا ً في دنياكم ، وارجعوا إلى أحسابكم إن كنتم عرباً... انا الذي اقاتلكم وانتم تقاتلونني ، والنساء ليس عليهن جناح . فامنعوا عتاتكم وجهالكم عن التعرض لحرمي ما دمت حياً).

(25) ثم نادى (ع) : (هل من ناصر ينصرني ، هل من معين يعينني ؟). فخرج زين العابدين وهو مريض لا يتمكن ان يحمل سيفه. وام كلثوم تناديه بالرجوع. فقال: يا عمتاه ذريني أقاتل بين يدي ابن رسول الله (ص). فقال الحسين (ع): (خذيه ، لئلا تبقى الأرض خالية من نسل آل محمد صلى الله عليه وآله).

    وفي رواية ان الحسين (ع) احتمله الى الخيمة ثم قال (ع): (ولدي ما تريد أن تصنع ؟). قال: أبه ان نداءك قطع نياط قلبي ، وأريد أن أفديك بروحي. فقال الحسين (ع): (يا ولدي أنت مريض ، ليس عليك جهاد، وأنت الحجة والإمام على شيعتي ، وأنت أبو الائمة ، وكافل الأيتام والأرامل ، وأنت الراد حرمي الى المدينة). فقال زين العابدين: أبتاه تقتل وأنا انظر إليك ؟ ليت الموت أعدمني الحياة ، روحي لروحك الفداء ، نفسي لنفسك الوقاء.

    ثم ذهب الحسين (ع) الى خيام الطاهرات من آل النبي (ص) ، وقال لهن : (استعدوا للبلاء واعلموا ان الله حافظكم وحاميكم ، وسينجيكم من شر الأعداء ، ويجعل عاقبة أمركم الى خير ، ويعذب أعاديكم بأنواع العذاب ، ويعوضكم عن هذه البلية بأنواع النعم والكرامة ، فلا تشكوا ولا تقولوا بألسنتكم ما ينقص قدركم).

(26) ثم عاد الحسين (ع) الى القوم وحمل عليهم ، وكانت الرجال تشدّ عليه فيشدّ عليها ، فتنكشف عنه انكشاف المعزى إذا حلّ فيها الذئب. فجعلوا يرشقونه بالسهام والنبال ، فوقف ليستريح ساعة (أي لحظة)، وقد ضعف عن القتال . فبينما هو واقف إذ أتاه حجر فوقع على جبهته. فأخذ الثوب ليمسح الدم عن عينيه، أتاه سهم محدد مسموم له ثلاث شعب فوقع السهم في صدره على قلبه. فقال الحسين (ع): (بسم الله وبالله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله ). ثم رفع رأسه الى السماء وقال : (اللهم انك تعلم انهم يقتلون رجلاً ليس على وجه الأرض ابن نبي غيره). ثم أخذ السهم وأخرجه فانبعث الدم كالميزاب ، فوضع يده على الجرح فلما امتلأت دماً رمى بها الى السماء ، ثم وضع يده على الجرح ثانية فلما امتلأت لطخ به رأسه ولحيته ، وقال: (هكذا أكون حتى ألقى جدي رسول الله (ص) وأنا مخضب بدمي ، أقول: يا رسول الله قتلني فلان وفلان).

   ثم طعنه صالح بن وهب ، فسقط عن الفرس ، وهو يقول : (بسم الله وبالله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله... صبراً على قضائك وبلائك ، يا رب لا معبود إلا سواك).

ثم صاح عمر بن سعد بأصحابه: ويلكم أنزلوا وحزوا رأسه. وتردد بعضهم وانهزم الآخر ، حتى أقبل شمر بن ذي الجوشن وجلس على صدر الحسين (ع) وحز رأسه ....

                                                               ألا لعنة الله على القوم الظالمين.

قال الله تعالى: (ان الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذاباً مهيناً) سورة الأحزاب: آية 57. وقال تعالى في قتل المؤمن : (ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزآؤه جهنمُ خالداً فيها وغضب اللهُ عليه ولعنه وأعدّ له عذاباً عظيماً) سورة النساء: آية 93. وإذا كان هذا العقاب بحق قتل المؤمن العادي ، فما بالك بمن يقتل ابن بنت النبي (ص) ، إمام الأمة ، وسيد شباب أهل الجنة؟

 (نهاية ص 135)

صفحة التحميل                    الصفحة الرئيسية