|
(ص 52 - 115) في سلوكه الشخصي (ع) مع الناس: (1) مر الإمام (ع) بمساكين قد بسطوا كساءاً لهم فألقوا عليه كسراً [من الخبز] فقالوا: هلمّ يا بن رسول الله ... فأكل معهم، ثم تلى:(...انه لا يحب المستكبرين)[1]. ثم قال (ع): (قد أجبتكم فأجيبوني). قالوا : نعم يا بن رسول الله . فقاموا معه حتى أتوا منـزله. فقال(ع) للرباب : (اخرجي ما كنت تدخرين)[2]. (2) دخل الحسين (ع) على اسامة بن زيد وهو مريض ، وهو يقول : واغماه. فقال له الحسين (ع): (وما غمك يا أخي ؟) قال: ديني وهو ستون ألف درهم. فقال الحسين (ع): (هو علي ّ! ) قال: إني أخشى أن أموت. فقال الحسين (ع): (لن تموت حتى أقضيها عنك). قال الراوي: فقضاها قبل موته[3]. (3) قدم أعرابي المدينة ، فسأل عن أكرم الناس بها ، فدلّ على الحسين (ع). فدخل المسجد فوجده مصلياً فوقف بأزائه وأنشأ: لم يخب الآن من رجاك ومن** حرّك من دون بابك الحلقة أنت جواد وأنت معتمد** أبوك قد كان قاتل الفسقة لولا الذي كان من أوائلكم** كانت علينا الجحيم منطبقة فسلّم الحسين (ع)، منهياً صلاته ، وقال (ع) : (يا قنبر هل بقي من مال الحجاز شيء ؟) قال قنبـر: نعم . أربعة آلاف دينار. فقال (ع): (هاتها قد جاء من هو أحق بها منا ، ثم نزع برديه ولفّ الدنانير فيها وأخرج يده من شق الباب حياء من الأعرابي وأنشأ: خذها فأنـي إليك معتـذرُ** واعلم بأني عليك ذو شفقة لو كان في سيرنا الغداة عصا** أمست سمانا عليك مندفقة لكن ريب الزمان ذو غير** والكف مني قليلة النفقة فأخذها الأعرابي وبكى. فقال (ع) له: (لعلك استقللت ما أعطيناك؟ ) قال: لا. ولكن كيف يأكل التراب جودك[4]. في الحاجة وسؤال الناس، وكرم الإمام (ع): (1) قال (ع): (صاحب الحاجة لم يكرم وجهه عن سؤالك ، فأكرم وجهك عن رده)[5]. (2) أتاه رجل فسأله مالاً ، فقال (ع): (ان المسألة لا تصلح إلا في غرم فادح ، أو فقر مدقع ، أو حمالة مفظعـة [أي دية أو غرامة] ) . فقال الرجل : ما جئت إلا في إحداهن . فأمر له بمائة دينار[6]. (3) جاءه رجل من الأنصار يريد أن يسأله حاجة فقال (ع): (يا أخا الأنصار صـُن وجهك عن بذلة المسألة ، وارفع حاجتك في رقعة ، فإني آت فيها ما سرّك ان شاء الله). فكتب : يا أبا عبد الله ان لفلان عليّ خمسمائة دينار وقد ألـحّ بي ، فكلمه ينظرني الى ميسرة. فلما قرأ الحسين (ع) الرقعة، دخل الى منـزله فأخرج صرة فيها ألف دينار ، وقال (ع) له: (أما خمسمائة فاقض بها دينك ، واما خمسمائة فاستعن بها على دهرك ، ولا ترفع حاجتك إلا الى أحد ثلاثة : الى ذي دين ، أو مروءة ، أو حسب. فأما ذو الدين فيصون دينه . وأما ذو المروءة فإنه يستحيي لمروءته . وأما ذو الحسب فيعلم أنك لم تكرم وجهك ان تبذله له في حاجتك ، فهو يصون وجهك ان يردك بغير قضاء حاجتك)[7]. (4) سأل رجل الإمام الحسين (ع) حاجته ، فقال له (ع): (يا هذا سؤالك أياي يعظم لدي ، ومعرفتي بما يجب لك يكبر عليّ ، ويدي تعجز عن نيلك بما أنت أهله ، والكثير في ذات الله قليل ، وما في ملكي وفاء بشكرك فإن قبلت بالميسور ، دفعت عني مرارة الاحتيال). فقال الرجل : أقبل يا ابن رسول الله اليسير ، واشكر العطية ، واعذر على المنع . فدعا الحسين (ع) بوكيله وجعل يحاسبه على نفقاته حتى استقصاه. ثم قال له : هات الفاضل من الثلثمائة ألف . فأحضر الباقي. ثم قال (ع): ما فعلت بالخمسمائة دينار . قال : هي عندي. قال (ع): إحضرها. قال: فدفع الدراهم والدنانير الى الرجل. ولم يبق عند الحسين (ع) درهم واحد. من قصار حكمه (ع): (1) قال الإمام الحسين (ع) في قبول الهدية والصدقة: (من قبل عطاءك ، فقد أعانك على الكرم)[8]. (2) وفي الإساءة والاعتذار : (إياك وما تعتذر منه ، فإن المؤمن لا يسيء ولا يعتذر ، والمنافق كل يوم يسيء ويعتذر)[9]. (3) وفي البخل : (مالـَكَ إن لم يكن لك كنت له ، فلا تبق عليه فإنه لا يُبقي عليك، وكله قبل أن يأكلك)[10]. (4) وفي مكارم الأخلاق : (يا بن عباس لا تكلمن فيما لا يعنيك فإنني أخاف عليك فيه الوزر ، ولا تكلمن فيما يعنيك حتى ترى للكلام موضعاً ، فرب متكلم قد تكلم بالحق فـُعيِّب. ولا تمارين حليماً ولا سفيهاً ، فإن الحليم يقليك ، والسفيه يرديك. ولا تقولن في أخيك المؤمن إذا توارى عنك إلا مثل ما تحب ان يقول فيك إذا تواريت عنه، واعمل عمل رجل يعلم انه مأخوذ بالإجرام، مجزى بالإحسان)[11]. (5) وفي علاج من يغلق قلبه : (من أحجم عن الرأي وعييت به الحيل ، كان الرفق مفتاحه)[12]. (6) وفي الرزق والإجمال في الطلب: (يا هذا لا تجاهد في الرزق جهاد المغالب ، ولا تتكل على القدر اتكال مستسلم ، فإن ابتغاء الرزق من السنّة ، والإجمال في الطلب من العفة . ليست العفة بممانعة رزقاً ، ولا الحرص بجالب فضلاً ، وان الرزق مقسوم ، والأجل محتوم ، واستعمال الحرص طلب المأثم)[13]. (7) ورد عنه (ع): ان لوحاً وجد تحت حائط مدينة من المدائن مكتوب فيه: (أنا الله لا إله إلا أنا ، ومحمد نبيي. عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح ؟ وعجبت لمن أيقن بالقدر كيف يحزن ؟ وعجبت لمن اختبـر الدنيا كيف يطمئن إليها ؟ وعجبت لمن أيقن بالحساب كيف يذنب ؟)[14]. (8) من زهده (ع) انه قيل له : ما أعظم خوفك من ربك ؟ قال (ع): ( لا يأمن يوم القيامة إلا من خاف الله في الدنيا)[15]. (9) قيل للحسين (ع) : كيف أصبحت يا بن رسول الله ؟ قال (ع): (أصبحت ولي رب فوقي ، والنار أمامي ، والموت يطلبني ، والحساب محدق بي ، وأنا مرتهن بعملي ، لا أجد ما احب ، ولا ادفع ما اكره، والأمور بيد غيري. فإن شاء عذبني ، وإن شاء عفا عني ، فأي فقيـر أفقر مني)[16]. (10) قال (ع): (من سره أن ينسأ في أجله ، ويزاد في رزقه فليصل رحمه)[17]. (11) وعنه (ع): (ان حوائج الناس إليكم من نعم الله عليكم ، فلا تملـّوا النعم فتعود نقماً)[18]. (12) قال له رجل ابتداءً : كيف أنت عافاك الله ؟ فقال (ع) له: (السلام قبل الكلام عافاك الله) . ثم قال (ع): (لا تأذنوا لأحد حتى يسلم)[19]. (13) من روائع حكمه (ع) : (دراسة العلم لقاح المعرفة ، وطول التجارب زيادة في العقل والشرف ، والتقوى والقنوع راحة الأبدان ، ومن أحبك نهاك ، ومن أبغضك أغراك)[20]. (14) قال (ع) في صفات الملوك : (شر خصال الملوك : الجبن من الأعداء ، والقسوة على الضعفاء ، والبخل عند الإعطاء)[21]. (15) وفي رواية ان الفرزدق الشاعر قال: لقيني الحسين (ع) في منصرفي من الكوفة، فقال (ع): (ما وراءك يا أبا فراس ؟). قلت: أصدقك؟ قال (ع): (الصدق أريد). قلت : أما القلوب فمعك ، وأما السيوف فمع بني أمية ، والنصر من عند الله. قال (ع): (ما أراك إلا صدقت . الناس عبيد المال ، والدين لعق على ألسنتهم ، يحوطونه ما درّت به معايشهم ، فإذا محصوا بالبلاء قلّ الديانون)[22]. أقول: لعل الفرزدق التقى الإمام الحسين (ع) مرتين. الأولى في مكة ، والثانية عند منصرفه من الكوفة. (16) عندما ضيـّق الحر بن يزيد على الإمام (ع) وهو في سيره الى الكوفة عند منطقة تسمى الغاضرية ، قام (ع) خطيباً فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: ( ... ألا ترون إلى الحق لا يعمل به ، وإلى الباطل لا يتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء ربه محقاً . فإني لا أرى الموت إلا سعادة ، والحياة مع الظالمين إلا برماً)[23]. وقد مر بنا ما يشبه ذلك . (17) كتب رجل الى الإمام (ع) : عظني بحرفين ؟ فكتب (ع) إليه: (من حاول أمراً بمعصية الله كان أفوت لما يرجو ، وأسرع لمجيء ما يحذر)[24]. (18) لما شيع أمير المؤمنين (ع) أبا ذر (رحمه الله) وشيعه أيضاً الحسن والحسين وعقيل بن أبي طالب وعبد الله بن جعفر وعمار بن ياسر، قال لهم علي (ع): (ودعوا أخاكم فانه لابد للشاخص من أن يمضي ، وللمشيع من أن يرجع). قال: فتكلم كل رجل منهم على حياله . فقال الحسين (ع): (رحمك الله يا أبا ذر ان القوم إنما امتهنوك بالبلاء ، لأنك منعتهم دينك ، فمنعوك ديناهم . فما أحوجك غداً إلى ما منعتهم وأغناك عما منعوك). فقال أبو ذر: رحمكم الله من أهل بيت ، فما لي في الدنيا من شجن غيركم. اني إذا ذكرتكم ذكرت رسول الله (ص)[25]. (19) قال (ع): (الاستدراج من الله سبحانه لعبده ان يسبغ عليه النعم ويسلبه الشكر)[26]. (20) ومن كلامه (ع) في الحلم : (ان الحلم زينة ، والوفاء مروّة ، والصلة نعمة ، والاستكبار صلف ، والعجلة سفه ، والسفه ضعف ، والغلو ورطة ، ومجالسة أهل الدناءة شر ، ومجالسة أهل الفسق ريبة)[27]. (21) ومن وصاياه لابنه السجاد (ع): ( أي بني إياك وظلم من لا يجد عليك ناصراً إلا الله جلّ وعز)[28]. من خطبه (ع) : (1) حج الإمام الحسين بن علي (ع) قبل موت معاوية بسنة ، وكان معه عبد الله بن عباس وعبد الله بن جعفر. فجمع (ع) بني هاشم رجالهم ونساءهم ومواليهم ومن الأنصار ممن يعرفهم الإمام (ع) وأهل بيته (ع). ثم أرسل رسلاً الى أصحاب رسول الله (ص) المعروفين بالصلاح والنسك ودعاهم الى حج ذلك العام. فاجتمع إليه بمنى أكثر من سبعمائة رجل استضافهم في سرادقه ، عامتهم من التابعين، ونحو من مائتي رجل من أصحاب النبي (ص) ، فقام فيهم خطيباً. فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: (أما بعد: فإن الطاغية قد فعل بنا وبشيعتنا ما قد رأيتم وعلمتم وشهدتم ، وإني أريد أن أسألكم عن شيء فإن صدقت فصدقوني وإن كذبت فكذبوني. اسمعوا مقالتي واكتبوا قولي ثم ارجعوا إلى أمصاركم وقبائلكم فمن أمنتم من الناس ووثقتم به فادعوهم إلى ما تعلمون من حقنا ، فإني أتخوف أن يدرس هذا الأمر، ويذهب الحق ويغلب (...واللهُ متمُّ نُورِهِ ولو كَرِهَ الكافرون) ). يقول راوي الحديث : ما ترك (ع) شيئاً مما أنزل الله عز وجل فيهم من القرآن إلا تلاه وفسّره ، ولا شيئاً مما قاله رسول الله (ص) في أبيه وأخيه وأمه وفي نفسه وأهل بيته (ع) إلا رواه ، وفي كل ذلك كان أصحابه يقولون: اللهم نعم وقد سمعنا وشهدنا، ويقول التابعي: اللهم قد حدثني به من اصدقـّه وأئتمنه من الصحابة. فدعاهم (ع): أنشدكم الله ألا حدثتم به من تثقون به وبدينه. قال سليم : فكان مما ناشدهم الحسين (ع) وذكـّرهم أن قال: (أنشدكم الله أتعلمون أن علي بن أبي طالب (ع) كان أخا رسول الله (ص) ؟ حين آخى بين أصحابه فآخى بينه وبين نفسه ، وقال (ص): أنت أخي وأنا أخوك في الدنيا والآخرة). قالوا: اللهم نعم. قال (ع): (أنشدكم الله هل تعلمون أن رسول الله (ص) اشترى موضع مسجده ومنازله فابتناه ثم ابتنى فيه عشرة منازل ، تسعة له وجعل عاشرها في وسطها لأبي ، ثم سدّ كل باب شارع الى المسجد غير بابه فتكلم في ذلك من تكلم ، فقال (ص): ما أنا سددت أبوابكم وفتحت بابه ولكن الله أمرني بسد أبوابكم وفتح بابه. ثم نهى الناس أن تنام في المسجد غيره ، وكان يجنب في المسجد ، ومنـزله منـزل رسول الله (ص) فولد لرسول الله (ص) وله فيه أولاد ؟ ) قالوا: اللهم نعم..... قال (ع): (أنشدكم الله أتعلمون أن رسول الله (ص) نصبه يوم غدير خم فنادى له بالولاية ، وقال (ص): ليبلغ الشاهد الغائب؟) قالوا: اللهم نعم. قال (ع): (أنشدكم الله أتعلمون أن رسول الله (ص) قال له في غزوة تبوك : أنت مني بمنـزلة هارون من موسى ، وأنت ولي كل مؤمن بعدي ؟ ) قالوا : اللهم نعم. قال (ع): (أنشدكم الله أتعلمون أن رسول الله (ص) حين دعا النصارى من أهل نجران إلى المباهلة لم يأت إلا به وبصاحبته وابنيه؟) قالوا: اللهم نعم. قال (ع): (أنشدكم الله أتعلمون أنه دفع إليه اللواء يوم خيبـر ثم قال (ص): لأدفعه الى رجل يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله، كرار غير فرار، يفتحها الله على يديه ؟ ) قالوا: اللهم نعم. قال (ع): (أتعلمون أن رسول الله (ص) بعثه ببراءة وقال: لا يبلـّغ عني إلا أنا أو رجل مني ؟ ) قالوا: اللهم نعم. قال (ع): (أتعلمون أن رسول الله (ص) قضى بينه وبين جعفر وزيد فقال : يا علي أنت مني وأنا منك ، وأنت ولي كل مؤمن بعدي؟) قالوا : اللهم نعم. قال (ع): (أتعلمون أن رسول الله (ص) لم تنـزل به شدة قط إلا قدّمه لها ، ثقةً به ، وأنه لم يدعه باسمه قط إلا أن يقول : يا أخي، وادعوا لي أخي ؟ ) قالوا : اللهم نعم. قال (ع): (أتعلمون أنه كانت له من رسول الله (ص) كل يوم خلوة وكل ليلة دخلة ، إذا سأله أعطاه ، وإذا سكت ابتدأه ؟) قالوا: اللهم نعم. قال (ع): (أتعلمون أن رسول الله (ص) فضلّه على جعفر وحمزة حين قال لفاطمة (ع): زوجتك خير أهل بيتي ، أقدمهم سلماً ، وأعظمهم حلماً ، وأكثرهم علماً ؟ ) قالوا : اللهم نعم. قال (ع) : (أتعلمون أن رسول الله (ص) قال : أنا سيد ولد بني آدم ،وأخي علي سيد العرب ، وفاطمة سيدة نساء أهل الجنة ، والحسن والحسين ابناي سيدا شباب أهل الجنة ؟ ) قالوا: اللهم نعم. قال (ع): (أتعلمون أن رسول الله (ص) أمره بغسله وأخبره أن جبرئيل (ع) يعينه عليه ؟ ) قالوا: اللهم نعم. قال (ع): (أتعلمون أن رسول الله (ص) قال في أخر خطبة خطبها : اني تركت فيكم الثقلين ، كتاب الله وأهل بيتي ، فتمسكوا بهما لن تضلوا ؟ ) قالوا: اللهم نعم. يقول راوي الحديث: فلم يدع (ع) شيئاً أنزله الله في علي بن أبي طالب(ع) خاصة، وفي أهل بيته من القرآن ولا على لسان نبيه (ص) إلا ناشدهم فيه ، فيقول الصحابي: اللهم نعم قد سمعنا. ويقول التابعي: اللهم قد حدثنيه من أثق به فلان وفلان. ثم ناشدهم هل أنهم سمعوه (ص) يقول: (من زعم أنه يحبني ويبغض علياً فقد كذب ، ليس يحبني ويبغض علياً . فقال له قائل : يا رسول الله وكيف ذلك ؟ قال (ص): لأنه مني وأنا منه ، من أحبه فقد أحبني ، ومن أحبني فقد أحب الله ، ومن أبغضه فقد أبغضني، ومن أبغضني فقد أبغض الله). قالوا : اللهم نعم قد سمعنا. وتفرقوا على ذلك[29]. (2) قيل لمعاوية بن أبي سفيان ان الناس قد رموا أبصارهم إلى الحسين (ع) ، فلو أشرت عليه بصعود المنبر فيخطب ، فإن فيه حصراً وفي لسانه كلالة . فقال لهم معاوية : قد ظننا ذلك بالحسن ، فلم يزل حتى عظم في أعين الناس وفضحنا. فلم يزالوا به حتى قال للحسين (ع): يا أبا عبد الله لو صعدت المنبر ، فخطبت. فصعد الإمام (ع) على المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي (ص) ، فسمع رجلاً يقول : من هذا الذي يخطب ؟ فقال الحسين (ع): (نحن حزب الله الغالبون ، وعترة رسول الله (ص) الأقربون ، وأهل بيته الطيبون ، وأحد الثقلين الذين جعلنا رسول الله (ص) ثاني كتاب الله تبارك وتعالى ، الذي فيه تفصيل كل شيء ، لا يأتيه الباطل من بين يديه ، ولا من خلفه ، والمعوّل علينا في تفسيره ، ولا يبطئنا تأويله ، بل نتبع حقائقه. فأطيعونا فإن طاعتنا مفروضة ، إذا كانت بطاعة الله ورسوله مقرونة ، قال الله عز وجل :(...أطيعوا الله وأطيعوا الرسولَ وأولي الأمرِ منكم ، فإن تنازعتم في شيءٍ فردُّوه إلى اللهِ والرسولِ...)[30]، وقال : (...ولو ردُّوه إلى الرسولِ وإلى أولي الأمرِ منهم لعلِمَهُ الذين يستنبطونه منهم ولولا فضلُ اللهِ عليكم ورحمتُهُ لاتبعتم الشيطانَ إلا قليلاً)[31]. وأحذركم الإصغاء إلى هتوف الشيطان بكم ، فإنه لكم عدو مبين ، فتكونوا كأوليائه الذين قال لهم : (...لا غالِبَ لكم اليومَ من الناس وإني جارٌ لكم فلما ترآءت الفئتانِ نكَصَ على عقبيهِ وقال إني بريءٌ منكم...)[32]. فتلقون للسيوف ضرباً ، وللرماح ورداً ، وللعمد حطماً ، وللسهام غرضاً ، ثم لا يقبل من نفس إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في ايمانها خيراً )[33]. (3) ومن خطبة له (ع): (يا أيها الناس نافسوا في المكارم ، وسارعوا في المغانم ، ولا تحتسبوا بمعروف لم تعجلوا ، واكسبوا الحمد بالنجح ، ولا تكتسبوا بالمطل ذمـّاً. فمهما يكن لأحد عند أحد صنيعة له ، رأى انه لا يقوم بشكرها ، فالله له بمكافأته . فإنه أجزل عطاءً ، وأعظم أجراً. واعلموا ان حوائج الناس إليكم من نعم الله عليكم فلا تملـّوا النعم ، فتحور [أي ترجع] نقماً . واعلموا ان المعروف مكسب حمداً ، ومعقب أجراً ، فلو رأيتم المعروف رجلاً رأيتموه حسناً جميلاً يسر الناظرين . ولو رأيتم اللؤم رأيتموه سمجاً [أي قبيحاً] مشوهاً تنفر منه القلوب وتغض دونه الأبصار. أيها الناس من جاد ساد ، ومن بخل رذل . وان أجود الناس من أعطى من لا يرجوه ،وان أعفى الناس من عفى عن قدرة ، وان أوصل الناس من وصل من قطعه . والأصول على مغارسها بفروعها تسمو ، فمن تعجل لأخيه خيراً وجده إذا قدم عليه غدا ، ومن أراد الله تبارك وتعالى بالصنيعة إلى أخيه كافأه بها في وقت حاجته، وصرف عنه من بلاء الدنيا ما هو أكثر منه ، ومن نفـّس كربة مؤمن فرّج الله عنه كرب الدنيا والآخرة ، ومن أحسنَ احسن الله ُ إليه ، والله يحب المحسنين)[34]. (4) وروي أن الإمام (ع) لما عزم على الخروج الى العراق قام خطيباً فقال (ع): (الحمد لله وما شاء الله ولا حول ولا قوة إلا بالله وصلى الله على رسوله وسلم ، خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة ، وما أولهني إلى أسلافي إشتياق يعقوب إلى يوسف، وخيـّر لي مصرع أنا ملاقيه ، كأني بأوصالي يتقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلا فيملأن مني أكراشاً جوفاً ، وأجربة سغباً ، لا محيص عن يوم خط بالقلم. رضى الله رضانا أهل البيت ، نصبر على بلائه ويوفينا أجور الصابرين ، لن تشذ عن رسول الله (ص) لحمته . وهي مجموعة له في حظيرة القدس ، تقرّ بهم عينه ، وينجز لهم وعده . من كان فينا باذلاً مهجته وموطناً على لقاء الله نفسه فليرحل معنا ، فإني راحل مصبحاً إن شاء الله)[35]. (5) ومن خطبة له (ع) في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مشيراً بها الى وعاظ السلاطين، قال (ع): (اعتبروا أيها الناس بما وعظ الله به أولياءه من سوء ثنائه على الأحبار إذ يقول : (لولا ينهاهم الربانيون والأحبارُ عن قولهم الاثم…)[36]. وقال : (لُعِنَ الذين كفروا من بني اسرائيل على لسانِ داودَ وعيسى ابنِ مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون. كانوا لا يتناهون عن منكرٍ فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون)[37]. وانما عاب الله ذلك عليهم لأنهم كانوا يرون من الظلمة الذين بين أظهرهم المنكر والفساد فلا ينهونهم عن ذلك ، رغبة فيما كانوا ينالون منهم ، ورهبة مما يحذرون ، والله يقول : (...فلا تخشوا الناسَ واخشونِ...)[38]. وقال : (والمؤمنونَ والمؤمناتُ بعضُهم أولياءُ بعضٍ يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر...)[39]. فبدء الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة منه لعلمه بأنها إذا أديت وأقيمت استقامت الفرائض كلها هينها وصعبها . وذلك ان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دعاء الى الإسلام مع رد المظالم ومخالفة الظالم ، وقسمة الفيء والغنائم وأخذ الصدقات من مواضعها ووضعها في حقها. ثم أنتم أيتها العصابة عصابة بالعلم مشهورة ، وبالخير مذكورة ، وبالنصيحة معروفة ، وبالله في أنفس الناس مهابة . يهابكم الشريف ، ويكرمكم الضعيف ، ويؤثركم من لا فضل لكم عليه ولا يدلكم عنده ، تشفعون في الحوائج إذا امتنعت من طلابها ، وتمشون في الطريق بهيبة الملوك وكرامة الأكابر. أليس كل ذلك إنما نلتموه بما يرجى عندكم من القيام بحق الله ، وإن كنتم عن أكثر حقه تقصرون ، فاستخففتم بحق الأئمة . فأما حق الضعفاء فضيعتم ، واما حقكم بزعمكم فطلبتم ، فلا مالاً بذلتموه ، ولا نفساً خاطرتم بها للذي خلقها ، ولا عشيرة عاديتموها في ذات الله . أنتم تتمنون على الله جنته ومجاورة رسله وأماناً من عذابه. لقد خشيت عليكم أيها المتمنون على الله أن تحل بكم نقمة من نقماته ، لأنكم بلغتم من كرامة الله منـزلة فضلتم بها ، ومن يُعرَف بالله لا تكرموه وأنتم بالله في عباده تكرمون ، وقد ترون عهود الله منقوضة فلا تفزعون ، وأنتم لبعض ذمم آبائكم تفزعون، وذمة رسول الله (ص) محقورة، والعمي والبكم والزمنى في المداين لا ترحمون ، ولا في منـزلتكم تعملون ، ولا من عمل فيها تعينون ، وبالادهان والمصانعة عند الظلمة تأمنون . كل ذلك مما أمركم الله به من النهي والتناهي وأنتم عنه غافلون ، وأنتم أعظم الناس مصيبة لما غلبتم عليه من منازل العلماء لو كنتم تشعرون. ذلك بأن مجاري الأمور والأحكام على أيدي العلماء بالله ، الأمناء على حلاله وحرامه ، فأنتم المسلوبون تلك المنـزلة ، وما سلبتم ذلك إلا بتفرقكم عن الحق واختلافكم في السنّة بعد البينة الواضحة ، ولو صبرتم على الأذى وتحملتم المؤونة في ذات الله كانت أمور الله عليكم ترد ، وعنكم تصدر ، وإليكم ترجع ، ولكنكم مكنتم الظلمة من منـزلتكم ، وأسلمتم أمور الله في أيديهم يعملون بالشبهات ، ويسيرون في الشهوات ، سلطهم على ذلك فراركم من الموت واعجابكم بالحياة التي هي مفارقتكم ، فاسلمتم الضعفاء في ايديهم ، فمن بين مستعبد مقهور وبين مستضعف على معيشته مغلوب ، يتقلبون في الملك بآرائهم، ويستشعرون الخزي بأهوائهم ، اقتداءً بالأشرار وجرأة على الجبار . في كل بلد منهم على منبره خطيب يصقع ، فالأرض لهم شاغرة وأيديهم فيها مبسوطة ، والناس لهم خول لا يدفعون يد لامس ، فمن بين جبار عنيد ، وذي سطوةٍ على الضعفة شديد ، مطاع لا يعرف المبدئ المعيد . فيا عجباً وما لي وأعجب ، والأرض من غاش غشوم ، ومتصدق ظلوم ، وعامل على المؤمنين بهم غير رحيم ، فالله الحاكم فيما فيه تنازعنا ، والقاضي بحكمه فيما شجر بيننا. اللهم انك تعلم أنه لم يكن ما كان منا تنافساً في سلطان ، ولا التماساً من فضول الحطام ، ولكن لنري المعالم من دينك ، ونظهر الإصلاح في بلادك ، ويأمن المظلومون من عبادك ، ويعمل بفرائضك وسنتك وأحكامك ...)[40]. (6) ومن مواعظه (ع) : ( أوصيكم بتقوى الله واحذركم أيامه وأرفع لكم أعلامه ، فكأن المخوف قد أفد [أي دنا] بمهول وروده ، ونكير حلوله ، وبشع مذاقه ، فاعتلق مهجكم ، وحال بين العمل وبينكم . فبادروا بصحة الأجسام في مدة الأعمار ، كأنكم ببغتات طوارقه فتنقلكم من ظهر الأرض إلى بطنها ، ومن علوها إلى أسفلها ، ومن انسها إلى وحشتها ، ومن روحها وضوئها الى ظلمتها ، ومن سعتها الى ضيقها . حيث لا يزار حميم ، ولا يعاد سقيم ، ولا يجاب صريخ . أعاننا الله وإياكم على أهوال ذلك اليوم ، ونجانا وإياكم من عقابه ، وأوجب لنا ولكم الجزيل من ثوابه. عباد الله فلو كان ذلك قصر مرماكم ومدى مظعنكم كان حسب العامل شغلاً يستفرغ عليه أحزانه ، ويذهله عن دنياه ، ويكثر نصبه لطلب الخلاص منه ، فكيف وهو بعد ذلك مرتهن باكتسابه ، مستوقف على حسابه ، لا وزير له يمنعه ، ولا ظهير عنه يدفعه ، ويومئذ لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً ، قل انتظروا إنا منتظرون. أوصيكم بتقوى الله ، فإن الله قد ضمن لمن اتقاه أن يحوله عما يكره الى ما يحب ، ويرزقه من حيث لا يحتسب ، فإياك ان تكون ممن يخاف على العباد من ذنوبهم ، ويأمن العقوبة من ذنبه ، فإن الله تبارك وتعالى لا يخدع عن جنته ولا ينال ما عنده إلا بطاعته إن شاء الله)[41]. من كتبه (ع): (1) كتب (ع) إلى عبد الله بن العباس حين سيّره عبد الله بن الزبير الى الطائف: (أما بعد، فقد بلغني ان ابن الزبير سيّرك إلى الطائف، فرفع الله لك بذلك ذكراً ، وحطّ به عنك وزراً ، وانما يبتلى الصالحون ، ولو لم تؤجر إلا فيما تحبّ لقلّ الأجر . عزم الله لنا ولك بالصبر عند البلوى ، والشكر عند النعمى ، ولا اشمت بنا ولا بك عدواً حاسداً أبداً ، والسلام)[42]. (2) ومن كتاب له إلى معاوية: (...وهيهات هيهات يا معاوية، فضح الصبح فحمة الدجى، وبهرت الشمس أنوار السُرج. ولقد فضلّتَ حتى أفرطت، واستأثرت حتى أجحفت، ومنعت حتى بخلت، وجرتَ حتى جاوزت، ما بذلت لذي حق من اسم حقه بنصيب حتى أخذ الشيطان حظه الأوفر، ونصيبه الأكمل...). (3) ومن كتاب آخر له (ع) إلى معاوية: (...وفهمت ما ذكرت عن يزيد من اكتماله، وسياسته لأُمة محمد، تريد أن توهم الناس في يزيد، كأنك تصف محجوباً، أو تنعت غائباً، أو تخبر عما كان مما احتويته بعلم خاص. وقد دل يزيد من نفسه على موضع رأيه، فخذ ليزيد فيما أخذ فيه من استقرائه الكلاب المهارشة عند التهارش، والحمام السبق لأترابهن ، والقيان ذوات المعازف، وضرب الملاهي، تجده باصراً. ودع عنك ما تحاور، فما أغناك أن تلقى الله من وزر هذا الخلق بأكثر مما أنت لاقيه، فوالله ما برحتَ تقدح باطلاً في جور وحنقاً في ظلم، حتى ملأت الأسقية، وما بينك وبين الموت إلا غمضة...). زيارته (ع) لقبر جده المصطفى (ص): *** عندما خرج الإمام الحسين (ع) من المدينة للمرة الأخيرة قاصداً مكة سنة 60 للهجرة، زار قبر رسول الله (ص)، وقال:(السلام عليك يا رسول الله. أنا الحسين بن فاطمة ابنك وابن ابنتك وسبطك الذي خلفتني في أمتك. فاشهد عليهم يا نبي الله أنهم خذلوني ولم يحفظوني. وهذه شكواي إليك حتى ألقاك). ولم يزل راكعاً وساجداً حتى الصباح. وكان من دعائه(ع) عند قبر جده(ص): (اللهم ان هذا قبر نبيك (ص) ،وأنا ابن بنت نبيك وقد حضرني من الأمر ما قد علمت. اللهم إني أحب المعروف ، وأنكر المنكر. وإني أسألك يا ذا الجلال والإكرام ، بحق هذا القبر ومن فيه إلا اخترت من أمري ما هو لك رضى، ولرسولك رضى، وللمؤمنين رضى). من دعائه (ع): (1) من دعائه في قنوته (ع): ( اللهم من آوى إلى مأوى فأنت مأواي ، ومن لجأ إلى ملجأ فأنت ملجأي . اللهم صلّ على محمد وآل محمد ، واسمع ندائي ، وأجب دعائي ، واجعل مآبي عندك ومثواي ، واحرسني في بلواي من افتنان الامتحان ، ولمة الشيطان ، بعظمتك التي لا يشوبها ولع نفس بتفتين ، ولا وارد طيف بتظنين، ولا يلمّ بها فرح حتى تقلبني إليك بإرادتك غير ظنين ولا مظنون ولا مراب ولا مرتاب ، إنك أنت أرحم الراحمين)[43]. (2) جاء أهل الكوفة الى الإمام علي (ع) فشكوا إليه إمساك المطر ، وقالوا له : استسق لنا . فقال للحسين (ع): قم واستسق. فقام (ع) وحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي ، وقال: (اللهم معطي الخيرات ومنـزل البركات أرسل السماء علينا مدراراً ، واسقنا غيثاً مغزاراً ، واسعاً غدقاً ، مجللاً سحّاً ، سفوحاً ثجاجاً ، تنفس به الضعف من عبادك وتحيي به الميت من بلادك ، آمين رب العالمين) . فلما فرغ (ع) من دعائه حتى غاث الله تعالى غيثاً ، [مثل] نعته (ع). وأقبل أعرابي من بعض نواحي الكوفة فقال : تركت الأودية والآجام يموج بعضها في بعض[44]. (3) لما أصبحت الخيل تقبل على الحسين (ع) يوم عاشوراء رفع يديه وقال: (اللهم أنت ثقتي في كل كرب ، وأنت رجائي في كل شدة ، وأنت لي في كل أمر نزل بي ثقة وعدّة ، كم من همّ يضعف فيه الفؤاد ، وتقلّ فيه الحيلة ، ويخذل فيه الصديق ، ويشمت فيه العدو ، أنزلته بك وشكوته إليك رغبة مني إليك عمن سواك. ففرجته عني وكشفته، فأنت ولي كل نعمة، وصاحب كل حسنة ، ومنتهى كل رغبة)[45]. (4) ومما كان يناجي به ربه في جوف الليل: (الهي نعمّتني فلم تجدني شاكراً ، وأبليّتني فلم تجدني صابراً . فلا أنت سلبت النعمة عني بترك الشكر ، ولا أدمت الشدة علي بترك الصبر . إلهي ما يكون من الكريم إلا الكرم). (5) ومن دعائه (ع) في يوم عرفة : (الحمد لله الذي ليس لقضائه دافع ، ولا لعطائه مانع ، ولا كصنعه صنع صانع ، وهو الجواد الواسع ، فطر أجناس البدائع ، وأتقن بحكمته الصنائع ، لا يخفى عليه الطلائع ، ولا تضيع عنده الودائع . أتى بالكتاب الجامع، وبشرع الإسلام النور الساطع ، وهو للخليقة صانع ، وهو المستعان على الفجائع ، جازى كل صانع ، ورائش كل قانع ، وراحم كل ضارع ، ومنـزل المنافع والكتاب الجامع ، بالنور الساطع. وهو للدعوات سامع ، وللدرجات رافع، وللكربات دافع ، وللجبابرة قامع ، وراحم عبرة كل ضارع ، ودافع ضرعة كل ضارع. فلا إله غيره، ولا شيء يعدله وليس كمثله شيء ، وهو السميع البصير ، اللطيف الخبير ، وهو على كل شيء قدير. اللهم إني ارغب إليك، واشهد بالربوبية لك ، مقراً بأنك ربي ، وان إليك مردّي. ابتدأتني بنعمتك قبل أن أكون شيئاً مذكوراً ، وخلقتني من التراب ثم أسكنتني الأصلاب ، أمناً لريب المنون واختلاف الدهور. فلم أزل ظاعناً من صلب الى رحم في تقادم الأيام الماضية ، والقرون الخالية . لم تخرجني لرأفتك بي ، ولطفك لي ، وإحسانك إليّ في دولة أيام الكفرة ، الذين نقضوا عهدك وكذبوا رسلك. لكنك أخرجتني رأفة منك وتحنناً للذي سبق لي من الهدى الذي يسرّتني ، وفيه أنشأتني ومن قبل ذلك رؤفت بي بجميل صنعك وسوابغ نعمتك. فابتدعت خلقي من منـّي يمنى ، ثم أسكنتني في ظلمات ثلاث بين لحم وجلد ودم ، لم تشهرني بخلقي ولم تجعل إليّ شيئاً من أمري ، ثم أخرجتني الى الدنيا تاماً سوياً ، وحفظتني في المهد طفلاً صبياً ، ورزقتني من الغذاء لبناً مريـّاً . عطفت عليّ قلوب الحواضن ، وكفلتني الأمهات الرحائم ، وكلأتني من طوارق الجانّ ، وسلـّمتني من الزيادة والنقصان . فتعاليت يا رحيم يا رحمان ، حتى إذا استهللت ناطقاً بالكلام ، أتممت عليّ سوابغ الأنعام ، فربيتني زائداً في كل عام. حتى إذا كملت فطرتي ، واعتدلت سريرتي ، أوجبت عليّ حجتك بأن ألهمتني معرفتك ، وروعتني بعجائب فطرتك ، وأنطقتني لما ذرأت في سمائك وأرضك من بدائع خلقك ، ونبهتني لذكرك وشكرك وواجب طاعتك وعبادتك، وفهمتني ما جاءت به رسلك ، ويسرت لي تقبل مرضاتك ، ومننت عليّ في جميع ذلك بعونك ولطفك ، ثم أذ خلقتني من حرّ الثرى لم ترض لي يا إلهي بنعمة دون اخرى ، ورزقتني من أنواع المعاش وصنوف الرياش بمنـّك العظيم عليّ ، وإحسانك القديم إليّ . حتى إذا أتممت عليّ جميع النعم ، وصرفت عني كل النقم ، لم يمنعك جهلي وجرأتي عليك أن دللتني على ما يقربني إليك، ووفقتني لما يزلفني لديك. فإن دعوتك أجبتني ، وإن سألتك أعطيتني ، وإن أطعتك شكرتني ، وإن شكرتك زدتني ، كل ذلك إكمالاً لأنعمك عليّ وإحساناً إليّ. فسبحانك سبحانك من مبدئ معيد، حميد مجيد، وتقدست أسماؤك ، وعظمت آلاؤك . فأي أنعمك يا الهي أحصي عدداً أو ذكراً ، أم أي عطائك أقوم بها شكراً ، وهي يا ربّ أكثر من أن يحصيها العادّون ، أو يبلغ علماً بها الحافظون. ثم ما صرفت ودرأت عني اللهم من الضرّ والضرّاء أكثر مما ظهر لي من العافية والسرّاء. وأنا أشهدك يا إلهي بحقيقة إيماني ، وعقد عزمات يقيني ، وخالص صريح توحيدي ، وباطن مكنون ضميري ، وعلائق مجاري نور بصري ، وأسارير صفحة جبيني ، وخرق مسارب نفسي ، وخذاريف مارن عرنيني ، ومسارب صماخ سمعي . وما ضمـّت وأطبقت عليه شفتاي ، وحركات لفظ لساني ، ومغرز حنك فمي وفكي ، ومنابت أضراسي ، وبلوغ حبائل بارع عنقي ، ومساغ مطعمي ومشربي وحمالة أم رأسي، وجمل حمائل حبل وتيني ، وما اشتمل عليه تامور صدري ، ونياط حجاب قلبي ، وأفلاذ حواشي كبدي ، وما حوته شراسيف أضلاعي ، وحقائق مفاصلي ، وأطراف أناملي ، وقبض عواملي ، ودمي وشعري وبشري وعصبي وقصبي وعظامي ومخي وعروقي وجميع جوارحي ، وما انتسج على ذلك أيام رضاعي ، وما أقلت الأرض مني ونومي ويقظتي وسكوني وحركتي وحركات ركوعي وسجودي أن لو حاولت واجتهدت مدى الأعصار والأحقاب – لو عمرّتها – أن أؤدي شكر واحدة من أنعمك ما استطعت ذلك إلا بمنك الموجب عليّ شكراً آنفاً جديداً ، وثناءً طارفاً عتيداً. أجل ولو حرصت والعادّون من أنامك أن نحصي مدى إنعامك سالفة وآنفة لما حصرناه عدداً ، ولا أحصيناه أبداً ، هيهات أنى ذلك وأنت المخبـر عن نفسك في كتابك الناطق ، والنبأ الصادق (وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها) صدق كتابك اللهم ونباؤك ، وبلغت أنبياؤك ورسلك ما أنزلت عليهم من وحيك ، وشرعت لهم من دينك ، غير إني أشهد بجدي وجهدي ، ومبالغ طاقتي ووسعي ، وأقول مؤمناً موقناً : الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً فيكون موروثاً ، ولم يكن له شريك في الملك فيضادّه فيما ابتدع ، ولا ولي من الذلّ فيرفده فيما صنع ، سبحانه سبحانه سبحانه لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا وتفطرتا . فسبحان الله الواحد الحقّ الأحد الصمد الذي لم يلد ولو يولد ولم يكن له كفواً أحد . الحمد لله حمداً يعدل حمد ملائكته المقربين ، وأنبيائه المرسلين ، وصلى الله على خيرته من خلقه محمد خاتم النبيين وآله الطاهرين المخلصين . اللهم اجعلني أخشاك كأني أراك ، وأسعدني بتقواك ، ولا تشقني بمعصيتك ، وخر لي في قضائك ، وبارك لي في قدرك حتى لا أحب تعجيل ما أخـّرت ، ولا تأخير ما عجلـّت. اللهم اجعل غناي في نفسي ، واليقين في قلبي ، والإخلاص في عملي ، والنور في بصري ، والبصيرة في ديني. ومتعني بجوارحي ، واجعل سمعي وبصري الوارثين مني، وانصرني على من ظلمني ، وارزقني مآربي وثاري ، وأقر بذلك عيني . اللهم اكشف كربتي ، واستر عورتي ، واغفر لي خطيئتي ، وأخسأ شيطاني ، وفكّ رهاني ، واجعل يا الهي الدرجة العليا في الآخرة والأولى. اللهم لك الحمد كما خلقتني فجعلتني سميعاً بصيراً ، ولك الحمد كما خلقتني فجعلتني حياً سوياً ، رحمة بي وكنت عن خلقي غنياً. ربّ بما رأيتني فعدّلت فطرتي ، ربّ بما أنشأتني فأحسنت صورتي ، يا ربّ بما أحسنت بي وفي نفسي عافيتني ، ربّ بما كلأتني ووفقتني ، ربّ بما أنعمت عليّ فهديتني ، رب بما أويتني ومن كل خير آتيتني وأعطيتني ، رب بما أطعمتني وسقيتني ، رب بما أغنيتني وأقنيتني، رب بما أعنتني وأعززتني، رب بما ألبستني من ذكرك الصافي، ويسرت لي من صنعك الكافي ، صلّ على محمد وآل محمد. وأعني على بوائق الدهر ، وصروف الأيام والليالي ، ونجني من أهوال الدنيا وكربات الآخرة ، واكفني شرّ ما يعمل الظالمون في الأرض . اللهم ما أخاف فاكفني ، وما أحذر فقني ، وفي نفسي وديني فاحرسني ، وفي سفري فاحفظني ، وفي أهلي ومالي وولدي فاخلفني ، وفيما رزقتني فبارك لي ، وفي نفسي فذللني ، وفي أعين الناس فعظمني ، ومن شر الجن والإنس فسلّمني ، وبذنوبي فلا تفضحني ، وبسريرتي فلا تخزني ، وبعملي فلا تبتلني ، ونعمك فلا تسلبني، وإلى غيرك فلا تكلني. إلى من تكلني ، إلى القريب يقطعني ، أم إلى البعيد يتجهمني ، أم إلى المستضعفين لي ، وأنت ربي ومليك أمري ، أشكو إليك غربتي ، وبعد داري وهواني على من ملـّكته أمري . اللهم فلا تحلل بي غضبك ، فإن لم تكن غضبت عليّ فلا أبالي سواك . غير ان عافيتك أوسع لي ، فأسئلك بنور وجهك الذي أشرقت له الأرض والسموات ، وانكشفت به الظلمات ، وصلح عليه أمر الأولين والآخرين ، أن لا تميتني على غضبك ولا تنـزل بي سخطك ، لك العتبى حتى ترضى ، قبل ذلك. لا إله إلا أنت ، ربّ البلد الحرام ، والمشعر الحرام ، والبيت العتيق ، الذي أحللته البـركة ، وجعلته للناس أمنة . يا من عفى عن العظيم من الذنوب بحلمه ، يا من أسبغ النعمة بفضله ، يا من أعطى الجزيل بكرمه . يا عدتي في كربتي ، يا مونسي في حفرتي ، يا وليّ نعمتي ، يا الهي وإله آبائي إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وربّ جبرئيل وميكائيل وإسرافيل ، ورب محمد خاتم النبيين وآله المنتجبين ، ومنـزل التوارة والانجيل والزبور والقرآن العظيم ومنـزل كهيعص وطه ويس والقرآن الحكيم . أنت كهفي حين تعييني المذاهب في سعتها ، وتضيق عليّ الأرض برحبها ، ولولا رحمتك لكنت من المفضوحين ، وأنت مؤيدي بالنصر على الأعداء ، ولولا نصرك لي لكنت من المغلوبين. يا من خصّ نفسه بالسمو والرفعة ، وأولياؤه بعزّه يعتـزون ، يا من جعلت له الملوك نير المذلة على أعناقهم فهم من سطوته خائفون ، تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، وغيب ما تأتي به الأزمان والدهور ، يا من لا يعلم كيف هو إلا هو ، يا من لا يعلم ما يعلمه إلا هو ، يا من كبس الأرض على الماء وسدّ الهواء بالسماء ، يا من له أكرم الأسماء ، يا ذا المعروف الذي لا ينقطع أبداً ، يا مقيّض الركب ليوسف في البلد القفر ، ومخرجه من الجبّ ، وجاعله بعد العبودية ملكاً ، يا رادّ يوسف على يعقوب بعد أن ابيضّت عيناه من الحزن فهو كظيم ، يا كاشف الضرّ والبلاء عن أيوب ، يا ممسك يد إبراهيم عن ذبح ابنه بعد كبر سنه وفناء عمره ، يا من استجاب لزكريا فوهب له يحيى ولم يدعه فرداً وحيداً ، يا من أخرج يونس من بطن الحوت ، يا من فلق البحر لبني اسرائيل فأنجاهم وجعل فرعون وجنوده من المغرقين ، يا من أرسل الرياح مبشرات بين يدي رحمته، يا من لم يعجـّل على من عصاه من خلقه ، يا من استنقذ السحرة من بعد طول الجحود , وقد غدوا في نعمته يأكلون رزقه ويعبدون غيره ، وقد حادّوه ونادّوه ، وكذبوا رسله ، يا الله يا بدئ لا بدء لك دائماً ، يا دائماً لا نفاد لك ، يا حيّ يا قيوم. يا محي الموتى ، يا من هو قائم على كل نفس بما كسبت ، يا من قلّ له شكري فلم يحرمني ، وعظمت خطيئتي فلم يفضحني ، ورآني على المعاصي فلم يخذلني ، يا من حفظني في صغري ، يا من رزقني في كبـري ، يا من أياديه عندي لا تحصى ، يا من نعمه عندي لا تجازى ، يا من عارضني بالخير والإحسان ، وعارضته بالإساءة والعصيان ، يا من هداني بالإيمان قبل أن أعرف شكر الإمتنان ، يا من دعوته مريضاً فشفاني ، وعرياناً فكساني ، وجائعاً فأطعمني ، وعطشاناً فأرواني ، وذليلاً فأعزّني ، وجاهلاً فعرفني ، ووحيداً فكثرني ، وغائباً فردّني ، ومقلاً فأغناني ، ومنتصراً فنصرني ، وغنياً فلم يسلبني ، وأمسكت عن جميع ذلك فأبتدأني. فلك الحمد يا من أقال عثرتي ، ونفـّس كربتي ، وأجاب دعوتي ، وستر عورتي وذنوبي ، وبلغني طلبتي ، ونصرني على عدوي ، وإن اعدّ نعمك ومننك وكرائم منحك لا احصيها يا مولاي. أنت الذي أنعمت ، أنت الذي أحسنت ، أنت الذي أجملت ، أنت الذي أفضلت ، أنت الذي مننت ، أنت الذي أكملت ، أنت الذي رزقت ، أنت الذي أعطيت ، أنت الذي أغنيت ، أنت الذي أقنيت ، أنت الذي أويت ، أنت الذي كفيت ، أنت الذي هديت ، أنت الذي عصمت ، أنت الذي سترت ، أنت الذي غفرت ، أنت الذي أقلت ، أنت الذي أعززت ، أنت الذي أعنت ، أنت الذي عضدت ، أنت الذي أيدت ، أنت الذي نصرت ، أنت الذي شفيت ، أنت الذي عافيت ، أنت الذي أكرمت ، تباركت ربي وتعاليت ، فلك الحمد دائماً ، ولك الشكر واصباً. ثم أنا يا الهي المعترف بذنوبي فاغفرها لي ، أنا الذي أخطأت ، أنا الذي أغفلت ، أنا الذي جهلت ، أنا الذي هممت ، أنا الذي سهوت ، أنا الذي اعتمدت ، أنا الذي تعمّدت ، أنا الذي وعدت ، أنا الذي أخلفت، أنا الذي نكثت ، أنا الذي أقررت . إلهي اعترف بنعمتك عندي ، وأبوء بذنوبي فاغفر لي يا من لا تضرّه ذنوب عباده ، وهو الغني عن طاعتهم ، والموافق من عمل منهم صالحاً بمعونته ورحمته ، فلك الحمد إلهي. أمرتني فعصيتك ، ونهيتني فارتكبت نهيك ، فأصبحت لا ذا براءة فاعتذر ، ولا ذا قوة فانتصر ، فبأي شيء أستقبلك يا مولاي ، أبسمعي أم ببصري أم بلساني أم برجلي ؟ أليس كلها نعمك عندي ، وبكلها عصيتك يا مولاي. فلك الحجة والسبيل عليّ ، يا من سترني من الآباء والأمهات ان يزجروني ، ومن العشائر والإخوان أن يعيّروني ، ومن السلاطين أن يعاقبوني ولو اطلعوا يا مولاي على ما أطلعت عليه مني ، إذاً ما أنظروني ولرفضوني وقطعوني. فها أنا ذا بين يديك يا سيدي ، خاضعاً ذليلاً حقيراً ، لا ذو براءة فأعتذر ولا قوة فأنتصر ولا حجة لي فأحتجّ بها ، ولا قائل لم اجترح ولم أعمل سوءاً. وما عسى الجحود لو جحدت يا مولاي فينفعني ، وكيف وأنـّى ذلك وجوارحي كلها شاهدة عليّ بما قد علمت يقيناً غير ذي شك أنك سائلي عن عظائم الأمور. وأنك الحكيم العدل الذي لا يجور . وعدلك مهلكي ، ومن كل عدلك مهربي ، فإن تعذبني فبذنوبي يا مولاي بعد حجتك عليّ ، وإن تعف عني فبحلمك وجودك وكرمك . لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من المستغفرين ، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الموحدين ، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الوجلين ، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الراجين الراغبين ، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من السائلين ، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من المهللين المسبحين ، لا إله إلا أنت ربي ورب آبائي الأولين. اللهم هذا ثنائي عليك ممجداً ، وإخلاصي موحداً ، وإقراري بآلائك معدّاً . وإن كنت مقرّاً أني لا أحصيها لكثرتها ، وسبوغها ، وتظاهرها ، وتقادمها الى حادث ما لم تـزل تتغمدني به معها مذ خلقتني وبرأتني ، من أول العمر ، من الإغناء بعد الفقر وكشف الضرّ ، وتسبيب اليسر ، ودفع العسر ، وتفريج الكرب ، والعافية في البدن ، والسلامة في الدين . ولو رفدني على قدر ذكر نعمتك عليّ جميع العالمين من الأولين والآخرين ، لما قدرت ولا هم على ذلك . تقدست وتعاليت من ربّ عظيم كريم رحيم لا تحصى آلاؤك ، ولا يبلغ ثناؤك ، ولا تكافى نعماؤك ، صل على محمد وآل محمد. وأتمم علينا نعمتك ، وأسعدنا بطاعتك، سبحانك لا إله إلا أنت . اللهم إنك تجيب دعوة المضطر إذا دعاك ، وتكشف السوء ، وتغيث المكروب ، وتشفي السقيم ، وتغني الفقير ، وتجبـر الكسير ، وترحم الصغير ، وتعين الكبيـر ، وليس دونك ظهير ، ولا فوقك قدير ، وأنت العلي الكبيـر. يا مطلق المكبـّل الأسير ، يا رازق الطفل الصغير ، يا عصمة الخائف المستجيـر ، يا من لا شريك له ولا وزير ، صلّ على محمد وآل محمد ، وأعطني في هذه العشية أفضل ما أعطيت وأنلت أحداً من عبادك ، من نعمة توليها ، وآلاء تجددها ، وبلية تصرفها ، وكربة تكشفها، ودعوة تسمعها ، وحسنة تتقبلها ، وسيئة تغفرها ، إنك لطيف خبيـر ، وعلى كل شيء قدير. اللهم إنك أقرب من دعي ، وأسرع من أجاب ، وأكرم من عفا ، وأوسع من أعطى ، وأسمع من سئل ، يا رحمان الدنيا والآخرة ورحيمهما، ليس كمثلك مسئول ، ولا سواك مأمول . دعوتك فأجبتنـي ، وسألتك فأعطيتنـي ، ورغبت إليك فرحمتنـي ، ووثقت بك فنجيتنـي ، وفزعت إليك فكفيتنـي . اللهم فصلّ على محمد عبدك ونبيـك وعلى آله الطيبيـن الطاهرين أجمعين . وتمم لنا نعمائك وهنئنـا عطاءك ، واجعلنا لك شاكرين ، ولإلآئك ذاكرين ، آمين رب العالمين. اللهم يا من ملك فقدر، وقدر فقهر ، وعصي فستر ، واستغفر فغفر . يا غاية الراغبين ، ومنتهى أمل الراجين ، يا من أحاط بكل شيء علماً ، ووسع المستقيلين رأفة وحلماً. اللهم إنا نتوجه إليك في هذه العشية التي شرّفتها وعظمـّتها بمحمد نبيك ورسولك وخيرتك ، وأمينك على وحيك ، اللهم صلّ على البشير النذير ، السراج المنير ، الذي أنعمت به على المسلمين ، وجعلته رحمة للعالمين . اللهم فصلّ على محمد وآله كما محمد أهل ذلك يا عظيم ، فصلّ عليه وعلى آل محمد المنتجبين الطيبين الطاهرين أجمعين ، وتغمدنا بعفوك عنا . فإليك عجـّت الأصوات بصنوف اللغات ، واجعل لنا في هذه العشية نصيباً في كل خير تقسمه ونور تهدي به ورحمة تنشرها ، وعافية تجللها ، وبركة تنـزلها ، ورزق تبسطه ، يا أرحم الراحمين. اللهم اقبلنا في هذا الوقت منجحين مفلحين مبرورين غانمين ، ولا تجعلنا من القانطين ، ولا تخلنا من رحمتك ، ولا تحرمنا ما نؤمـّله من فضلك . ولا تردنا خائبين ولا من بابك مطرودين ، ولا تجعلنا من رحمتك محرومين ، ولا لفضل ما نؤمـّله من عطاياك قانطين ، يا أجود الأجودين ويا أكرم الأكرمين. إليك أقبلنا موقنين ، ولبيتك الحرام آمنين قاصدين ، فأعنـّا على منسكنا ، وأكمل لنا حجنا ، واعف اللهم عنا ، فقد مددنا إليك ايدينا وهي بذلة الاعتراف موسومة. اللهم فأعطنا في هذه العشية ما سألناك ، واكفنا ما استكفيناك ، فلا كافي لنا سواك ولا رب لنا غيرك ، نافذ فينا حكمك ، محيط بنا علمك ، عدل قضاؤك ، اقض لنا الخير واجعلنا من أهل الخير. اللهم أوجب لنا بجودك عظيم الأجر ، وكريم الذخر ودوام اليسر ، فاغفر لنا ذنوبنا أجمعين ، ولا تهلكنا مع الهالكين ، ولا تصرف عنا رأفتك برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم اجعلنا في هذا الوقت ممن سألك فأعطيته ، وشكرك فزدته، وتاب إليك فقبلته ، وتنصـّل إليك من ذنوبه فغفرتها له ، يا ذا الجلال والإكرام. اللهم وفقنا وسددنا واعصمنا واقبل تضرعنا ، يا خير من سئل ، ويا ارحم من استرحم ، يا من لا يخفى عليه إغماض الجفون ، ولا لحظ العيون ، ولا ما استقر في المكنون ، ولا ما انطوت عليه مضمرات القلوب ، الا كل ذلك قد أحصاه علمك ، ووسعه حلمك . سبحانك وتعاليت عما يقول الظالمون علواً كبيراً ، تسبح لك السماوات والأرض وما فيهن ، وان من شيء إلا يسبح بحمدك . فلك الحمد والمجد ، وعلو الجد ، يا ذا الجلال والإكرام ، والفضل والإنعام ، والأيادي الجسام ، وأنت الجواد الكريم ، الرؤوف الرحيم ، أوسع علي من رزقك ، وعافني في بدني وديني ، وآمن خوفي ، وأعتق رقبتي من النار. اللهم لا تمكر بي ولا تستدرجني ولا تخذلني ، وادرأ عني شر فسقة الجن والإنس يا أسمع السامعين ، ويا أبصر الناظرين ، ويا أسرع الحاسبين ، ويا أرحم الراحمين ، صل على محمد وآل محمد. وأسئلك اللهم حاجتي التي إن أعطيتها لم يضرني ما منعتني ، وإن منعتنيها لم ينعفني ما أعطيتني ، أسئلك فكاك رقبتي من النار . لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك. لك الملك ولك الحمد ، وأنت على كل شيء قدير ، يا ربّ يا ربّ يا ربّ. إلهي أنا الفقير في غناي ، فكيف لا أكون فقيراً في فقري ، إلهي أنا الجاهل في علمي فكيف لا أكون جهولاً في جهلي ، إلهي إن اختلاف تدبيرك وسرعة طواء مقاديرك منعا عبادك العارفين بك عن السكون الى عطاء ، واليأس منك في بلاء. إلهي مني ما يليق بلؤمي ، ومنك ما يليق بكرمك ، الهي وصفت نفسك باللطف والرأفة لي قبل وجود ضعفي . أفتمنعني منهما بعد وجود ضعفي ، إلهي إن ظهرت المحاسن مني فبفضلك ، ولك المنـّة علي ، وان ظهرت المساوي مني فبعدلك ، ولك الحجة عليّ . إلهي كيف تكلني وقد توكلت لي ، وكيف أضام وأنت الناصر لي ، أم كيف أخيـّب وأنت الحفيّ بي ، ها أنا أتوسل إليك بما هو محال أن يصل إليك أم كيف أشكو إليك حالي وهو لا يخفى عليك. أم كيف أترحم بمقالي وهو منك برز إليك ، أم كيف تخيـّب آمالي وهي قد وفدت اليك ، أم كيف لا تحسن أحوالي وبك قامت. إلهي ما ألطفك بي مع عظيم جهلي ، وما أرحمك بي مع قبيح فعلي. إلهي ما أقربك مني وأبعدني عنك ، وما أرأفك بي فما الذي يحجبني عنك . إلهي علمت باختلاف الآثار ، وتنقلات الأطوار . ان مرادك مني أن تتعرف اليّ في كل شيء حتى لا أجهلك في شيء. إلهي كلما أخرسني لؤمي أنطقني كرمك ، وكلما آيستني اوصافي أطمعتني مننك . إلهي من كانت محاسنه مساوي فكيف لا تكون مساويه مساوي ، ومن كانت حقايقه دعاوى فكيف لا تكون دعاويه دعاوى. إلهي حكمك النافذ ومشيتك القاهرة لم يتركا لذي مقال مقالاً ، ولا لذي حال حالاً. إلهي كم من طاعة بنيتها، وحالة شيدتها، هدم اعتمادي عليها عدلك، بل أقالني منها فضلك. إلهي إنك تعلم اني وان لم تدم الطاعة مني فعلا جزماً فقد دامت محبةً وعزماً . إلهي كيف أعزم وأنت القاهر وكيف لا أعزم وأنت الآمر. إلهي ترددي في الآثار يوجب بعد المزار فاجمعني عليك بخدمة توصلني اليك. كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر اليك ، أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك . متى غبت حتى تحتاج الى دليل يدلّ عليك؟ ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك ؟ عميت عين لا تراك عليها رقيباً ، وخسرت صفقة عبد لم تجعل له من حبك نصيباً . إلهي أمرت بالرجوع إلى الآثار فأرجعني إليك . فكسوة الأنوار ، وهداية الاستبصار ، حتى ارجع إليك منها كما دخلت إليك منها ، مصون السرّ عن النظر اليها ، ومرفوع الهمة عن الاعتماد عليها ، إنك على كل شيء قدير. إلهي هذا ذلي ظاهر بين يديك ، وهذا حالي لا يخفى عليك ، منك أطلب الوصول إليك ، وبك استدلّ عليك ، فاهدني بنورك إليك ، وأقمني بصدق العبودية بين يديك. إلهي علمني من علمك المخزون ، وصنـّي بسرّك المصون . إلهي حققني بحقايق أهل القرب ، واسلك بي مسلك أهل الجذب . إلهي أغنني بتدبيرك لي عن تدبيري ، وباختيارك عن اختياري ، وأوقفني عن مراكز اضطراري . إلهي أخرجني من ذل نفسي ، وطهرني من شكي وشركي ، قبل حلول رمسي . بك انتصر فانصرني ، وعليك أتوكل فلا تكلني ، وإياك أسأل فلا تخيبني ، وفي فضلك أرغب فلا تحرمني ، وبجنابك أنتسب فلا تبعدني ، وببابك أقف فلا تطردني . إلهي تقدس رضاك أن تكون له علـّة منك فكيف يكون له علـّة مني. إلهي أنت الغني بذاتك أن يصل اليك النفع منك فكيف لا تكون غنياً عني . إلهي ان القضاء والقدر يمنياني ، وان الهوى بوثائق الشهوة أسرني ، فكن أنت النصير لي حتى تنصرني وتبصرني. وأغنني بفضلك حتى استغني بك عن طلبي ، أنت الذي أشرقت الأنوار في قلوب أوليائك حتى عرفوك ووحدوك ، وأنت الذي أزلت الأغيار عن قلوب احبائك حتى لم يحبوا سواك ، ولم يلجئوا الى غيرك. أنت المؤنس لهم حيث أوحشتهم العوالم ، وأنت الذي هديتهم حيث استبانت لهم المعالم. ماذا وجد من فقدك ؟ وما الذي فقد من وجدك ؟ لقد خاب من رضي دونك بدلاً ، ولقد خسر من بغي عنك متحولاً . كيف يرجى سواك وأنت ما قطعت الإحسان ؟ وكيف يطلب من غيرك وأنت ما بدلت عادة الامتنان. يا من أذاق أحباءه حلاوة المؤانسة فقاموا بين يديه متملقين ، ويا من ألبس أولياءه ملابس هيبته فقاموا بين يديه مستغفرين . أنت الذاكر قبل الذاكرين ، وأنت البادي بالإحسان قبل توجه العابدين ، وأنت الجواد بالعطاء قبل طلب الطالبين ، وأنت الوهاب لما وهبتنا من المستقرضين. إلهي اطلبني برحمتك حتى أصل إليك ، واجذبني بمنـّك حتى أقبل إليك . إلهي إن رجائي لا ينقطع عنك وإن عصيتك ، كما ان خوفي لا يزايلني وإن أطعتك ، فقد دفعتني العوالم إليك. وقد أوقعني علمي بكرمك عليك . إلهي كيف أخيب وأنت أملي ؟ أم كيف أهان وعليك متكلي ؟ إلهي كيف أستعزّ وفي الذلة أركزتني ؟ أم كيف لا أستعزّ واليك نسبتني ؟ إلهي كيف لا أفتقر وأنت الذي في الفقراء أقمتني ؟ أم كيف أفتقر وأنت الذي بجودك أغنيتني ؟ وأنت الذي لا إله غيرك تعرفت لكل شيء ، فما جهلك شيء ، وأنت الذي تعرفت إليّ في كل شيء فرأيتك ظاهراً في كل شيء وأنت الظاهر لكل شيء ، يا من استوى برحمانيته في سرادقات عرشه عن أن تدركه الأبصار ، يا من تجلى بكمال بهائه فتحققت عظمته من الاستواء .كيف تخفى وأنت الظاهر ؟ أم كيف تغيب وأنت الرقيب الحاضر؟ إنك على كل شيء قدير. والحمد لله وحده)[46]. (6) ومن دعائه (ع) : (بسم الله الرحمن الرحيم . سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، سبحان الله بالغدو والآصال ، سبحان الله في آناء الليل وأطراف النهار . سبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السموات والأرض وعشياً وحين تظهرون ، يخرج الحي من الميت ، ويخرج الميت من الحي ، ويحيي الأرض بعد موتها ، وكذلك تخرجون. سبحان ربك رب العزة عما يصفون ، وسلام على المرسلين ، والحمد لله رب العالمين ، سبحان ربك رب العرش العظيم. سبحان ذي الملك والملكوت ، سبحان ذي العزة والعظمة والجبروت ، سبحان الملك الحي القدوس ، سبحان الدائم القائم ، سبحان القائم الدائم ، سبحان الحي القيوم ، سبحان ربي الأعلى ، سبحان العليّ الأعلى ، سبحانه وتعالى ، سبحان الله السبوح القدوس رب الملائكة والروح. اللهم إني أصبحت منك في نعمة وعافية ، فصل اللهم على محمد وآل محمد ، وتمم عليّ نعمتك وعافيتك ، وارزقني شكرك. اللهم بنورك اهتديت ، وبفضلك استغنيت ، وبنعمتك أصبحت وأمسيت ، ذنوبي بين يديك استغفرك وأتوب إليك ، لا مانع ما أعطيت ، ولا معطي لما منعت ، أنت الجدّ، لا ينفع ذا الجد، منك الجد ، لا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم. اللهم أني أشهدك واشهد ملائكتك وحملة عرشك وجميع خلقك في سماواتك وأرضك أنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك ، وأن محمداً عبدك ورسولك (ص) ، اللهم اكتب لي هذه الشهادة عندك حتى تلقينيها يوم القيامة وقد رضيت بها عني أنك على كل شيء قدير. اللهم لك الحمد حمداً تضع لك السموات كنفيها، وتسبح لك الأرض ومن عليها. اللهم لك الحمد حمداً يصعد أوله ولاينفد آخره ، حمداً يزيد ولا يبيد، سرمداً أبداً لا انقطاع له ولا نفاد ، حمداً يصعد ولا ينفد . اللهم لك الحمد فيّ وعليّ ومعي وقبلي وبعدي وأمامي وورائي وخلفي، وإذا متّ وفنيت يا مولاي . ولك الحمد بجميع محامدك كلها على جميع نعمك كلها ، ولك الحمد في كل عرق ساكن ، وعلى كل عرق ضارب ، ولك الحمد على كل أكلةٍ وشربةٍ ، وبطشة ٍ ونشطةٍ ، وعلى كل موضع شعرة. اللهم لك الحمد كله ، ولك المنّ كله ، ولك الخلق كله ، ولك الملك كله ، ولك الأمر كله ، وبيدك الخير كله ، وإليك يرجع الأمر كله ، علانيته وسره ، وأنت منتهى الشأن كله. اللهم لك الحمد على حلمك بعد علمك فيّ ، ولك الحمد على عفوك عني بعد قدرتك عليّ ، اللهم لك الحمد ، صاحب الحمد ، ووارث الحمد ، ومالك الحمد ، ووارث الملك ، بديع الحمد ، ومبتدع الحمد ، وفيّ العهد ، صادق الوعد ، عزيز الجند ، قديم المجـد. اللهم لك الحمد رفيع الدرجات ، مجيب الدعوات ، منـزل الآيات من فوق سبع سموات ، مخرج النور من الظلمات ، مبدل السيئات حسنات ، وجاعل الحسنات درجات. اللهم لك الحمد ، غافر الذنب وقابل التوب ، شديد العقاب ذا الطول ، لا إله إلا أنت إليك المصير ، اللهم لك الحمد في الليل اذا يغشى ، ولك الحمد في النهار اذا تجلى ، ولك الحمد في الآخرة والأولى ، ولك الحمد عدد كل نجم في السماء ، ولك الحمد عدد كل قطرة في السماء ، ولك الحمد عدد كل قطرة نزلت من السماء ، ولك الحمد عدد كل قطرة في البحار ، ولك الحمد عدد الشجر والورق والثرى والمدر والحصى والجن والإنس والطير والبهائم والسباع والأنعام والهوام ، ولك الحمد عدد ما على وجه الأرض وتحت الأرض وما في الهواء والسماء ، ولك الحمد عدد ما أحصى كتابك ، وأحاط به علمك حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه ابداً...)[47]. (7) ومن دعائه (ع): (اللهم إني أسألك توفيق أهل الهدى ، وأعمال أهل التقوى ، ومناصحة أهل التوبة ، وعزم أهل الصبر ، وحذر أهل الخشية ، وطلب أهل العلم ، وزينة أهل الورع ، وخوف أهل الجزع ، حتى أخافك اللهم مخافة تحجزني عن معاصيك ، وحتى أعمل بطاعتك عملاً استحق به كرامتك ، وحتى أناصحك في التوبة خوفاً لك ، وحتى أخلص لك في النصيحة حباً لك ، وحتى أتوكل عليك في الأمور حسنُ ظنٍ بك. سبحان خالق النور ، وسبحان الله العظيم بحمده)[48]. (8) ومن دعائه (ع): (اجعلني اللهم في حرزك وفي حزبك ، وفي عياذك وفي سترك وفي كنفك من كل شيطان مارد ، وعدو راصد ، ولئيم معاند ، وضدٍّ كنود ، ومن كل حاسد . ببسم الله استشفيت ، وبسم الله استكفيت ، وعلى الله توكلت ، وبه استعنت ، وإليه استعديت على كل ظالم ظلم ، وغاشم غشم ، وطارق طرق ، وزاجر زجر ، فالله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين)[49]. مواقفه الجريئة (ع): (1) كتب معاوية إلى مروان – وهو عامله على الحجاز – يأمره أن يخطب أم كلثوم بنت عبد الله بن جعفر لابنه يزيد. فأتى عبد الله بن جعفر ، فأخبره بذلك. فقال عبد الله : إن أمرها ليس إلي إنما هو إلى سيدنا الحسين (ع) وهو خالها ، فأخبر الحسين بذلك... فلما اجتمع الناس في مسجد رسول الله (ص) أقبل مروان حتى جلس إلى الحسين (ع) وعنده من الجلـّة ، وقال: إن أمير المؤمنين [معاوية] أمرني بذلك ، وأن أجعل مهرها حكم أبيها بالغاً ما بلغ مع صلح ما بين هذين الحيين ، مع قضاء دينه ، واعلم أن من يغبطكم بيزيد أكثر ممن يغبطه بكم ، والعجب كيف يستمهر يزيد؟ وهو كفو من لا كفو له ، وبوجهه يستسقى الغمام ، فردّ خيراً يا أبا عبد الله. فقال الحسين (ع): (الحمد لله الذي اختارنا لنفسه وارتضانا لدينه ، واصطفانا على خلقه ... يا مروان قد قلتَ فسمعنا. أما قولك : مهرها حكم أبيها بالغاً ما بلغ : (فلعمري لو أردنا ذلك ما عدونا سنّة رسول الله (ص) في بناته ونسائه وأهل بيته ، وهو اثنتا عشرة أوقية يكون أربعمائة وثمانين درهماً). وأما قولك: مع قضاء دين أبيها : (فمتى كنّ نساؤنا يقضين عنا ديوننا ؟!). وأما قولك: صلح ما بين هذين الحيين: (فإنا قوم عاديناكم في الله ولم نكن نصالحكم للدنيا ، فلعمري فلقد أعيا النسب ، فكيف السبب؟). وأما قولك : العجب ليزيد كيف يستمهر ؟ : (فقد استمهر من هو خير من يزيد ومن أب يزيد ومن جد يزيد). وأما قولك : إن يزيد كفو من لا كفو له: (فمن كان كفوه قبل اليوم فهو كفوه اليوم ، ما زادته إمارته في الكفاءة شيئاً). وأما قولك : بوجهه يستسقى الغمام: (فإنما كان ذلك بوجه رسول الله " ص " ). وأما قولك : من يغبطنا به أكثر ممن يغبطه بنا: (فإنما يغبطنا به أهل الجهل ويغبطه بنا أهل العقل). ثم قال (ع) بعد كلام : فاشهدوا جميعاً أني قد زوجت ام كلثوم بنت عبد الله بن جعفر من ابن عمها القاسم بن محمد بن جعفر على أربعمائة وثمانين درهماً ، وقد نحلتها ضيعتي بالمدينة ...ففيها لهما غنى إن شاء الله)[50]. (2) كتب مروان بن الحكم إلى معاوية : (أما بعد ، فإن عمرو بن عثمان ذكر أن رجالاً من أهل العراق ووجوه أهل الحجاز يختلفون إلى الحسين بن علي ، وذكر أنه لا يأمن وثوبه . وقد بحثت عن ذلك فبلغني أنه لا يريد الخلاف يومه هذا . ولست آمن أن يكون هذا أيضاً لما بعده ، فاكتب إلي برأيك في هذا ، والسلام). فكتب إليه معاوية : (أما بعد ، فقد بلغني كتابك وفهمت ما ذكرت فيه من أمر الحسين ، فإياك أن تعرّض للحسين في شيء ، واترك حسيناً ما تركك. فإنـّا لا نريد أن نعرّض له في شيء ما وفى ببيعتنا ، ولم ينـزل على سلطاننا ، فاكمن عنه ما لم يبد لك صفحته ، والسلام). وكتب معاوية الى الحسين بن علي (ع) : (أما بعد فقد انتهت إليّ أمور عنك إن كانت حقاً فقد أظنـّك تركتها رغبة فدعها ، ولعمر الله إن من أعطى الله عهده وميثاقه لجدير بالوفاء ، وإن كان الذي بلغني باطلاً فإنك انت أعزل الناس لذلك . وعظ نفسك فاذكره ، ولعهد الله أوف ، فإنك متى ما تنكرني أنكرك ، ومتى ما تكدني أكدت ، فاتق شق عصا هذه الأمة . وأن يردهم الله على يديك في فتنة ، فقد عرفت الناس وبلوتهم، فانظر لنفسك ولدينك ولأمة محمد (ص) ، ولا يستخفنك السفهاء والذين لا يعلمون). فلما وصل الكتاب الى الحسين (ع) ، كتب اليه: (أما بعد ، فقد بلغني كتابك ، تذكر أنه قد بلغك عني أمور أنت لي عنها راغب ، وأنا لغيرها عندك جدير ، فإن الحسنات لا يهدي لها ولا يرد إليها ، إلا الله. وأما ما ذكرت أنه انتهى إليك عني ، فإنه إنما رقاه إليك الملاقون المشـّاؤون بالنميم ، وما أريد لك حرباً ولا عليك خلافاً ، وأيم الله إني لخائف الله ان يترك ذلك، وما أظن الله راضياً بترك ذلك ، ولا عاذراً بدون الإعذار فيه إليك، وفي أوليائك القاسطين الملحدين ، حزب الظلمة وأولياء الشيطان. ألست القاتل (حجر بن عدي)أخا كندة والمصلين العابدين الذين كانوا ينكرون الظلم ويستعظمون البدع ، ولا يخافون في الله لومة لائم ؟ ثم قتلتهم ظلماً وعدواناً من بعد ما كنت أعطيتهم الإيمان المغلـّظة والمواثيق المؤكدة ، لا تأخذهم بحدث كان بينك وبينهم ، ولا بإحنـّة تجدها في نفسك. أو لست قاتل (عمرو بن الحمق) صاحب رسول الله (ص) العبد الصالح الذي أبلته العبادة فنحل جسمه واصفر لونه ؟ بعدما آمنته وأعطيته من عهود الله ومواثيقه ما لو أعطيته طائراً لنـزل إليك من رأس الجبل ، ثم قتلته جرأة على ربك واستخفافاً بذلك العهد. أو لست المدعي (زياد بن سمية) المولود على فراش عبيد ثقيف ؟ فزعمت أنه ابن أبيك ، وقد قال رسول الله (ص) : (الولد للفراش وللعاهر الحجر) ، فتركت سنـّة رسول الله (ص) تعمداً وتبعت هواك بغير هدىً من الله ، ثم سلطته على العراقيين يقطع أيدي المسلمين وأرجلهم ، ويسمل أعينهم ، ويصلبهم على جذوع النخل ، كأنك لست من هذه الأمة وليسوا منك. أو لست صاحب الحضرميين الذين كتب فيهم ابن سمية أنهم على دين علي (ع) ؟ فكتبت إليه أن اقتل كل من كان على دين علي (ع) ، فقتلهم ومثـّل بهم بأمرك . ودين علي (ع) سر الله الذي كان يضرب عليه أباك ويضربك ، وبه جلست مجلسك الذي جلست ، ولولا ذلك لكان شرفك وشرف أبيك الرحلتين. وقلت فيما قلت : (انظر لنفسك ودينك ولأمة محمد ، واتق شق عصا هذه الأمة وأن تردّهم إلى فتنة) ، وإني لا أعلم فتنة أعظم على هذه الأمة من ولايتك عليها ، ولا أعظم نظراً لنفسي ولديني ولأمة محمد (ص) وعلينا أفضل من أن اجاهدك ، فإن فعلت فإنه قربة الى الله ، وإن تركته فإني أستغفر الله لديني ، وأسأله توفيقه لإرشاد أمري. وقلت فيما قلت : (إني إن أنكرتك تنكرني وإن أكدك تكدني) ، فكدني ما بدا لك ، فإني أرجو أن لا يضرني كيدك فيّ ، وأن لا يكون عليّ أحد أضرّ منه على نفسك لأنك قد ركبت جهلك وتخرّصت على نقض عهدك ولعمري ما وفيت بشرط . ولقد نقضت عهدك بقتلك هؤلاء النفر الذين قتلتهم بعد الصلح والإيمان والعهود والمواثيق ، فقتلتهم من غير أن يكونوا قاتلوا وقتلوا. ولم تفعل ذلك بهم إلا لذكرهم فضلنا ، وتعظيمهم حقنا ، فقتلتهم مخافة أمر لعلك لو لم تقتلهم متّ قبل أن يفعلوا ، أو ماتوا قبل أن يدركوا. فأبشر يا معاوية بالقصاص ، واستيقن بالحساب ، واعلم أن لله تعالى كتاباً لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ، وليس الله بناس لأخذك بالظنـّة ، وقتلك أولياءه على التهم ، ونفيك أوليائه من دورهم إلى دار الغربة ، وأخذك للناس ببيعة ابنك غلام حدث ، يشرب الخمر ويلعب بالكلاب . لا أعلمك إلا وقد خسرت نفسك وتبـرّت دينك ، وغششت رعيتك ، وأخربت أمانتك ، وسمعت مقالة السفيه الجاهل ، وأخفت الورع التقي لأجلهم ، والسلام)[51]. (3) لما مات معاوية ، وتولى الأمر بعده يزيد ، بعث عتبة بن أبي سفيان والي المدينة إلى الإمام الحسين (ع) ، فقال : إن يزيد أمرك أن تبايع له. فقال الحسين (ع): (يا عتبة قد علمت انا أهل بيت الكرامة ، ومعدن الرسالة ، وأعلام الحق الذي أودعه الله عز وجل قلوبنا وأنطق به ألسنتنا ، فنطقت بإذن الله عز وجل . ولقد سمعت جدي رسول الله (ص) يقول: (إن الخلافة محرمة على ولد أبي سفيان )، وكيف أبايع أهل بيتٍ قد قال فيهم رسول الله (ص) هذا ؟)[52]. من وصاياه (ع): (1) أوصى الحسين (ع) عند خروجه من المدينة الى أخيه محمد بن الحنفية ، وأجازه بالبقاء في المدينة ليكون له عيناً . فدعا الحسين (ع) بدواة وبياض وكتب هذه الوصية: (بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أوصى به الحسين بن علي بن أبي طالب إلى أخيه محمد المعروف بابن الحنفية أن الحسين يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمداً عبده ورسوله ، جاء بالحق من عند الحق ، وأن الجنة والنار حق ، وأن الساعة آتية لا ريب فيها ، وأن الله يبعث من في القبور ، وأني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً ، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في امة جدي (ص) أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر ، وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب (ع) ، فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق ، ومن رد عليّ هذا اصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق وهو خير الحاكمين ، وهذه وصيتي يا أخي إليك وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب)[53]. (2) من وصاياه (ع) لبعض أصحابه : (لا تتكلف بما لا تطيق ، ولا تتعرض لما لا تدرك ، ولا تعد بما لا تقدر عليه ، ولا تنفق إلا بقدر ما تستفيد ، ولا تطلب من الجزاء إلا ما صنعت ، ولا تفرح إلا بما نلت من طاعة الله، ولا تتناول إلا ما رأيت نفسك أهلاً له). في فضل زيارته (ع): (1) قال (ع): (أنا قتيل العبرة. قتلت مكروباً. وحقيق علي أن لا يأتيني مكروب قط إلا رده الله وأقلبه الى أهله مسروراً)[54]. (2) ذكر العلامة العلوي الشجري (ت 445 هـ) في كتابه (فضل زيارة الحسين) حديثاً يرفعه الى الحسين (ع) وهو يسأل رسول الله (ص): يا ابتاه ما لمن زارنا؟ فقال (ص): (يا بني من زارني حيا ً وميتا ً ، ومن زار أباك حيا ً وميتا ً ، ومن زارك حيا ً وميتا ً كان حقا ً عليّ أن أزوره يوم القيامة فأخلصه من ذنوبه ، وأدخله الجنة)[55]. في فضل البكاء على الحسين (ع): (1) قال (ع): (ما من عبد قطرت عيناه فينا قطرة ، أو دمعت عيناه فينا دمعة إلا بوأه الله بها في الجنة حقباً). قال أحمد بن يحيى ألأودي : فرأيت الحسين بن علي (ع) في المنام فقلت: حدثني مخول بن إبراهيم ، عن الربيع بن المنذر ، عن أبيه ، عنك أنك قلت: ما من عبد قطرت عيناه فينا أو دمعت عيناه فينا دمعة إلا بوأه الله بها في الجنة حقباً ؟ قال (ع): نعم. قلت: سقط الإسناد بيني وبينك[56]. (2) وفي تفسير علي بن إبراهيم عن الباقر (ع) قال : كان أبي علي بن الحسين (ع) يقول: (أي مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين (ع) ومن معه حتى تسيل على خده بوأه الله في الجنة غرفاً ، وبوأه الله مبوء صدق. وأي مؤمن مسه أذى فينا فدمعت عيناه من مضاضة ما أوذي فينا ، صرف الله عن وجهه الأذى ، وآمنه يوم القيامة من سخطه من النار). من رسائله (ع) إلى أهل الكوفة بعد موت معاوية سنة 60 هـ: (1) الرسالة الأولى : (بسم الله الرحمن الرحيم من الحسين بن علي إلى الملأ من المؤمنين والمسلمين. أما بعد، فان هانئاً وسعيداً قدما عليّ بكتبكم، وكانا آخر من قدم علىّ من رسلكم. وقد فهمت كل الذي اقتصصتم وذكرتم، ومقالة جُلكم إنه ليس علينا إمام فأقبل لعل الله أن يجمعنا بك على الهدى والحق. وقد بعثت إليكم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي، وأمرته أن يكتب إليّ بحالكم وأمركم ورأيكم، فان كتب إليّ أنه قد أجمع رأي ملئكم وذوى الفضل والحِجَى منكم على مثل ما قَدِمَتْ عليَّ به رُسُلكم وقرأت في كتبكم أقدم عليكم وشيكاً إن شاء الله. فلعمري ما الإمام إلّا العامل بالكتاب، والآخذ بالقسط، والدائن بالحق، والحابس نفسه على ذات الله والسلام). ثم طوى الكتاب وختمه ودعا بمسلم بن عقيل عليه السلام فدفع إليه الكتاب وقال له: (أني موجهك إلى أهل الكوفة وهذه كتبهم إلي وسيقضي الله من أمرك ما يحب ويرضى، وأنا أرجو أن تكون أنا وأنت في درجة الشهداء. فأمض على بركة الله حتى تدخل الكوفة، فإذا دخلتها فأنزل عند أوثق أهلها وادع الناس إلى طاعتي واخذلهم عن آل أبي سفيان، فإني رأيت الناس مجتمعين على بيعتي. فعجل لي بالخبر حتى اعمل على حسب ذلك إن شاء الله تعالى). ثم عانقه وودعه. (2) الكتاب الثاني : وهو كتابه (ع) إلى أشراف الكوفة قبل خروجه من مكة: (بسم الله الرحمن الرحيم من الحسين بن علي إلى سليمان بن صُرَدْ، والمُسيّب بن نجية، ورفاعة بن شدّاد، وعبد الله بن وائل، وجماعة المؤمنين: أمَّا بعد، فقد علمتم أنَّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قد قال في حياته: (من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحرم الله ناكثاً لعهد الله مخالفاً لسنَّة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان ثمَّ لم يغيّر بقبول ولا فعل كان حقيقاً على الله أن يدخله مدخله). وقد علمتم أنَّ هؤلاء القوم قد لزموا طاعة الشيطان وتولَّوا عن طاعة الرَّحمن، وأظهروا في الأرض الفساد، وعطَّلوا الحدود والأحكام، واستأثروا بالفيء، وأحلّوا حرام الله، وحرَّموا حلاله. وأنّي أحق بهذا الأمر لقرابتي من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، وقد أتتني كتبكم، وقدمت عليَّ رسلكم ببيعتكم إنّكم لا تسلمونني ولا تخذلونني. فإن وفيتم لي ببيعتكم فقد أصبتم حظكم ورشدكم، ونفسي مع أنفسكم، وأهلي وولدي مع أهليكم وأولادكم. فلكم بي أُسوة وإن لم تفعلوا ونقضتم عهودكم ونكثتم بيعتكم، فلعمري ما هي منكم بنكر، لقد فعلتموها بأبي وأخي، والمغرور من اغترّ بكم فحظَّكم أخطأتم ونصيبكم ضيَّعتم (ومن نكث فإنَّما ينكث على نفسه...) وسيغني الله عنكم والسلام)[57]. من خطبه (ع) في عاشوراء سنة 61 للهجرة: (1) (أيها الناس اسمعوا قولي ولا تعجلوا حتى أعظكم بما هو حق لكم علي، وحتى اعتذر إليكم من مقدمي عليكم فان قبلتم عذري وصدقتم قولي وأعطيتموني النَصَف من أنفسكم كنتم بذلك أسعد، ولم يكن لكم عليَّ سبيل. وان لم تقبلوا مني العذر ولم تعطوا النصف من أنفسكم، فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون (إنَّ ولييّ الله الذي نزَّل الكتاب وهو يتولى الصالحين)[58]. عباد الله اتقوا الله، وكونوا من الدنيا على حذر، فان الدنيا لو بقيت على أحد أو بقي عليها أحد، لكانت الأنبياء أحقُّ بالبقاء وأولى بالرضا وأرضى بالقضاء. غير أن الله خلق الدنيا للفناء، فجديدها بال، ونعيمها مضمحل، وسرورها مكفهر، والمنـزل تلعة، والدار قلعة[59] (فتزوَّدوا فانَّ خير الزّادِ التَّقوى واتقوا الله لعلَّكم تُفلِحون). أيها الناس إن الله تعالى خلق الدنيا فجعلها دار فناء وزوال، متصرفة بأهلها حالاً بعد حال. فالمغرور من غرّته، والشقي من فتنته، فلا تغرنكم هذه الدنيا. فإنها تقطع رجاء من ركن إليها، وتخيب طمع من طمع فيها. وأراكم قد اجتمعتم على أمر قد أسخطتم الله فيه عليكم، وأعرض بوجهه الكريم عنكم، وأحلّ بكم نقمته. فنعم الرب ربنا، وبئس العبيد انتم. أقررتم بالطاعة وآمنتم بالرسول محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم، ثم أنكم زحفتم إلى ذريته وعترته تريدون قتلهم. لقد استحوذ عليكم الشيطان فأنساكم ذكر الله العظيم. فتباً لكم ولما تريدون, إنّا لله وإنّا إليه راجعون، هؤلاء قوم كفروا بعد إيمانهم فبعداً للقوم الظالمين[60]. أيها الناس انسبوني من أنا، ثم ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها، وانظروا هل يحل لكم قتلي وانتهاك حرمتي. ألست ابن بنت نبيكم وابن وصيه وابن عمه وأول المؤمنين بالله والمصدق لرسوله بما جاء من عند ربه؟ أو ليس حمزة سيد الشهداء عم أبي؟ أو ليس جعفر الطيار عمي؟ أو لم يبلغكم قول رسول الله لي ولأخي: (هذان سيدا شباب أهل الجنة)؟ فإن صدقتموني بما أقول وهو الحق، والله ما تعمدت الكذب منذ علمت أن الله يمقت عليه أهله ويضرّ به من اختلقه. وإن كذبتموني فإن فيكم من إن سألتموه عن ذلك أخبركم. سلوا جابر بن عبد الله الأنصاري وأبا سعيد الخدري وسهل بن سعد الساعدي وزيد بن أرقم وأنس بن مالك يخبروكم أنهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله لي ولأخي، ويحكم أما تتقون الله؟ أما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي؟!... فإن كنتم في شك من هذا القول أفتشكون أني ابن بنت نبيكم، فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري فيكم ولا في غيركم، ويحكم أتطلبوني بقتيل منكم قتلته! أو مال لكم استهلكته ! أو بقصاص جراحة...). ثم نادى: (يا شبث بن ربعي، ويا حجار بن ابجر، ويا قيس بن الأشعث، ويا زيد بن الحارث ألم تكتبوا إليّ أن أقدم، قد أينعت الثمار واخضر الجناب وإنما تقدم على جند لك مجندة؟). فقالوا: لم نفعل. قال: (سبحان الله بلى والله لقد فعلتم). (2) وعندما قال له قيس بن الأشعث: أو لا تنـزل على حكم بني عمك؟ فانهم لن يروك إلّا ما تحب ولن يصل إليك منهم مكروه. قال الحسين عليه السلام: (أنت أخو أخيك؟ أتريد أن يطلبك بنو هاشم أكثر من دم مسلم بن عقيل؟ لا والله لا أعطيهم بيدي إعطاء الذليل ولا أقر إقرار العبيد، عباد الله إني عذت بربي وربكم أن ترجمون، أعوذ بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب). ثم أناخ راحلته وأمر عقبة بن سمعان فعقلها[61]. (3) وخطبة أخرى له (ع) يوم عاشوراء: (يا قوم الكوفة إنّ الدُّنيا قد تغيَّرت وتكدَّرت، وهذه دار فناء وزوال تتصرف بأهلها من حال إلى حال. فالمغرور من أغتر بها وركن إليها وطمع فيها معاشر الناس أما قرأتم القرآن، أما عرفتم شرايع الإسلام؟ وثبتم على ابن نبيّكم تقتلونه ظلماً وعدواناً، معاشر النَّاس، هذا ماء الفرات تشرب منه الكلاب والخنازير والمجوس وآل نبيّكم يموتون عطاشى). فقالوا: والله لا تذوق الماء بل تذوق الموت غصة بعد غصة وجرعة بعد جرعة. فلما سمع منهم ذلك رجع إلى أصحابه وقال لهم: (إنَّ القوم قد استحوذ عليهم الشيطان، ألا إنَّ حزب الشيطان هم الخاسرون)، ثمَّ جعل يقول[62]: تعدَّيتم يا شرَّ قوم ببغيكم** وخالفتموا قول النبيّ محمَّد أما كان خير الخلق أوصاكم بنا** أما كان جدّي خيرة الله أحمد أما كانت الزهراء أُمّي ووالدي** عليّ أخو خير الأنام الممجَّد لعنتم وأخزيتم بما قد فعلتموا** فسوف تلاقون العذاب بمشهد (149) (4) وحينما أنهى (ع) صلاته يوم عاشوراء وانصرف منها ، وثب قائماً على قدميه فحمد الله وأثنى عليه وقال: (أمَّا بعد أيُّها النَّاس، فإنَّكم إن تتَّقوا الله تعالى وتعرفوا الحقَّ لأهله يكن رضاء الله عنكم. وإنَّا أهل بيت نبيكم محمد صلى الله عليه وآله وسلّم أولى بولاية هذه الأمور عليكم، من هؤلاء المدَّعين ما ليس لهم والسائرين فيكم بالظّلم والجور والعدوان...)[63]. (5) ومن كلامه عليه السّلام لما أحاطت به أعداؤه، فاستنصتهم فأبوا أن ينصتوا : (ويلكم ما عليكم أن تنصتوا إليَّ فتسمعوا قولي وإنَّما أدعوكم إلى سبيل الرَّشاد فمن أطاعني كان من المرشدين، ومن عصاني كان من المهلكين. وكلّكم عاص لأمري غير مستمع لقولي، قد انخزلت عطيَّاتكم من الحرام، وملئت بطونكم من الحرام، فطبع الله على قلوبكم، ويلكم ألا تنصتون؟ ألا تسمعون؟). فتلاوم أصحاب عمر بن سعد وقالوا: أنصتوا. فقال الحسين (ع): (تباً لكم أيَّتها الجماعة وترحاً ، أفحين استصرختمونا والهين متحيرين فأصرخناكم مؤدين مستعدّين، سللتم علينا سيفاً في رقابنا، وحششتم علينا نار الفتن التي جناها عدوّكم وعدوّنا. فأصبحتم إلباً على أوليائكم، ويداً عليهم لأعدائكم بغير عدل أفشوه فيكم، ولا أمل أصبح لكم فيهم. إلا الحرام من الدُّنيا أنالوكم، وخسيس عيش طمعتم فيه من غير حدث كان منَّا ولا رأي تفيّل[64] لنا. فهلا لكم الويلات إذ كرهتمونا تركتمونا . فتجهزتموها، والسيف لم يشهر والجأش طامن، والرأي لما يستحصف. ولكن أسرعتم علينا كطيرة الدبا، وتداعيتم إليها كتداعي الفراش. فقبحاً لكم فإنَّما أنتم من طواغيت الأمة، وشذاذ الأحزاب، ونبذة الكتاب، ونفثة الشيطان، وعصبة الآثام، ومحرّفي الكتاب، ومطفئي السنن، وقتلة أولاد الأنبياء، ومبيري عترة الأوصياء، وملحقي العهار بالنسب. ومؤذي المؤمنين، وصراخ أئمة المستهزئين الذين جعلوا القرآن عضين، وانتم ابن حرب وأشياعه تعتمدون، وإيَّانا تخذلون. أجل والله، الخذل فيكم معروف، وشجت عليه عروقكم، وتوارثته أُصولكم وفروعكم، ونبتت عليه قلوبكم، وغشيت به صدوركم، فكنتم أخبث شيء، سنخا للناصب، وأكلة للغاصب. ألا لعنة الله على الناكثين الذين ينقضون الأيمان بعد توكيدها، وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً. فانتم والله هم. ألا أنَّ الدَّعي بن الدّعي قد ركز بين اثنتين، بين القتلة والذلَّة ،وهيهات منا أخذ الدنية أبى الله ذلك ورسوله وجدود طابت، وحجور طهرت، وأنوف حمية، ونفوس أبية لا تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام. ألا أنّي قد أعذرت وأنذرت. ألا إنّي زاحف بهذه الأسرة على قلة العتاد وخذلة الأصحاب. ثمَّ أنشد[65]: فأن نهزم فهزامون قدماً ** وإن نهزم فغـير مهزَّميـنا وما أن طَبَّنَا (152) جبن ولكن** منايـانا ودولـة آخـرينا فقل للشامتين بنا افيقوا ** سيلقى الشامتون كما لقينا إذا ما الموت رفَّع عن اناس ** بكلكله أناخ بآخرينا أما إنه لا تلبثون بعدها إلا كريث ما يركب الفرس حتى تدور بكم دور الرحى. عهد عهده إليّ أبي عن جدي، فأجمعوا أمركم وشركاءكم فكيدوني جميعاً ثمَّ لا تنظرون. إني توكَّلت على الله ربّي وربّكم، ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إنَّ ربّي على صراط مستقيم. اللّهم احبس عنهم قطر السماء، وابعث عليهم سنين كسني يوسف، وسلط عليهم غلاماً كغلام ثقيف يسقيهم كأساً مصبّرة فلا يدع فيهم أحداً. قتلةً بقتلةٍ و ضربةً بضربةٍ، ينتقم لي ولأوليائي وأهل بيتي واشياعي منهم. فانهم غرونا وكذبونا وخذلونا، وانت ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير)[66]. (6) ولما نظر الحسين إلى كثرة من قتل من أصحابه قبض على شيبته وقال(ع): (اشتد غضب الله على اليهود إذ جعلوا له ولداً، واشتد غضبه على النصارى إذ جعلوه ثالث ثلاثة، واشتد غضبه على المجوس إذ عبدوا الشمس والقمر دونه، واشتد غضبه على قوم اتفقت كلمتهم على قتل ابن بنت نبيهم. إما والله لا أجيبهم إلى شيء مما يريدون حتى ألقى الله وأنا مخضب بدمي). ثم صاح: (أما من مغيث يغيثنا! أما من ذابَّ يذبُّ عن حرم رسول الله)[67]. (7) وعندما قام الحسين إلى الصلاة في ساحة المعركة، صلى بمن بقي من أصحابه صلاة الخوف وتقـدم إمامه زهير بن القين، وسعيد بن عبد الله في نصف من أصحابه[68] ويقال إنه صلى وأصحابه فرادى بالإيماء[69]. ولما أُثخن سعيد بالجراح، سقط إلى الأرض وهو يقول: اللهم العنهم لعن عاد وثمود وأبلغ نبيك مني السلام وأبلغه ما لقيت من ألم الجراح فإني أردت بذلك ثوابك في نصرة ذرية نبيك صلّى الله عليه وآله وسلّم[70]. والتفت إلى الحسين قائلاً: أوفيت يا ابن رسول الله؟ قال: (نعم أنت إمامي في الجنة)[71] ، وقضى نحبه، فوجد فيه ثلاثة عشر سهما غير الضرب والطعن[72]. ولما فرغ الحسين من الصلاة قال لأصحابه: (يا كرام هذه الجنة قد فتحت أبوابها واتصلت أنهارها وأينعت ثمارها. وهذا رسول الله والشهداء الذين قتلوا في سبيل الله يتوقعون قدومكم ويتباشرون بكم، فحاموا عن دين الله ودين نبيه وذبوا عن حرم الرسول). فقالوا: نفوسنا لنفسك الفداء، ودماؤنا لدمك الوقاء ، فو الله لا يصل إليك وإلى حرمك سوء وفينا عرق يضرب[73]. (نهاية ص 115)
[1] سورة النحل : آية 23. [2] (تفسير العياشي) ج 2 ص 257 ، ح 15. [3] (مناقب ابن شهر آشوب) ج 4 ص 65. [4] (مناقب ابن شهر آشوب) ج 4 ص 65. [5] (كشف الغمة) ج 2 ص 208. [6] (تحف العقول) ص 246. [7] (تحف العقول ) ص 247. [8] (بحار الأنوار) ج 71 ص 357 ، ح 21. [9] (تحف العقول) ص 248. [10] (بحار الأنوار) ج 78 ص 127. [11] (كنز الفوائد) ج 2 ص 32. [12] أ علام الدين) ص 298. [13] (أعلام الدين) ص 428. [14] (عيون أخبار الرضا عليه السلام) ج 2 ص 44، ب 31، ح 158 [15] (مناقب ابن شهر آشوب ) ج 4 ص 45. [16] (جامع الأخبار) ص 90 ، فصل 49. [17] (عيون اخبار الرضا عليه السلام) ج 2 ص 44، ب 31، ح 157 [18] (بحار الأنوار) ج 74 ، ص 318 ، ح 80. [19] (تحف العقول) ص 246. [20] (أعلام الدين) ص 298. [21] (مناقب ابن شهر آشوب) ج 4 ص 65. [22] (كشف الغمة) ج 2 ص 207. [23] ( بحار الأنوار) ج44 ص 380. [24] (أصول الكافي) ج 2 ص 373 ،ح 3. [25] (المحاسن) ص 353 ، ب 12، ح 45 [26] (تحف العقول) ص 246. [27] (كشف الغمة) ج 2 ص 205. [28] (تحف العقول) ص 246. [29] (كتاب سليم بن قيس) ص 168. [30] سورة النساء: آية 59. [31] سورة النساء: آية 83. [32] سورة الأنفال: آية 48. [33] (الاحتجاج) ج 2 ص 22. [34] (كشف الغمة) ج 2 ص 204. [35] (كشف الغمة) ج 2 ص 203. [36] سورة المائدة : آية 63. [37] سورة المائدة: آية 78و79. [38] سورة المائدة: آية 44. [39] سورة التوبة : آية 71. [40] (تحف العقول) ص 237. [41] (تحف العقول) ص 239. [42] (تحف العقول) ص 246. [43] (مهج الدعوات) ص 49. [44] (عيون المعجزات ) ص 64. [45] (الإرشاد) للشيخ المفيد ص 233. [46] (الإقبال) ص 339. [47] (مهج الدعوات) ص 149. [48] (مهج الدعوات) ص 157. [49] (مهج الدعوات) ص 298. [50] (مناقب بن شهر آشوب) ج4 ص 38. [51] (رجال الكشي) ج 1 ص 250 ، حديث 97و98و99. [52] (بحار الأنوار) ج 44 ص 315و325. [53] (بحار الأنوار) ج 44 ص 329. [54] (كامل الزيارات) ص 109 ، ب 36 ، ح 7. [55] (فضل زيارة الحسين) ص 30. [56] (أمالي الشيخ المفيد) ص 209 ، المجلس 40. [57] (مقتل الحسين) الخوارزمي ج 1 ص 234 . [58] سورة الأعراف: آية 196. [59] (زهر الآداب) للحصري ج 1 ص 62 طبع دار الكتب العربية سنة 1372. [60] مقتل محمد بن أبي طالب الحائري. [61] (تاريخ الطبري) ج 6 ص 243. [62] (ينابيع المودّة) ص 340 ط مصر. [63] (مقتل الحسين) الخوارزمي . ج 1 ص 232. [64] تفيل: ضعفَ واخطأ، تفيل رأيه: ضعف رأيه وخطأه. [65] الطب: الإرادة والعادة. [66] ( مقتل الحسين عليه السلام) الخوارزمي ج 2 ص 6 ط الغري. [67] (اللهوف) ص 57. [68] (مقتل العوالم) ص 88 و(مقتل الخوارزمي) الجزء الثاني ص 17. [69] (مثير الأحزان) لابن نما ص 44. [70] (مقتل العوالم) ص 88. [71] (ذخيرة الدارين) ص 178. [72] (اللهوف) ص 62. [73] (اسرار الشهادة) ص 175.
|