(ص 1 - 25)

المختصر

 عن

الامام محمد الباقر (عليه السلام)

 

السيد زهير الاعرجي

 ------------------------------

 بسم الله الرحمن الرحيم

 (1)

مقدمة

     ولد الامام محمد بن علي الباقر (ع) (57 – 114 للهجرة) في قلب الاحداث العاصفة التي شهدتها الامة الاسلامية بعد وفاة رسول الله (ص) واستشهاد مولى المتقين علي بن ابي طالب (ع). فقد كان الصراع الاجتماعي والديني بين السلطتين : الزمنية المتمثلة بالامويين، والروحية المتمثلة بائمة أهل البيت (ع) يدخل مراحل خطيرة من عمر الرسالة الاسلامية. فلم يتوقف الصراع عند إنكار ولاية علي بن ابي طالب (ع) الذي أوصى له رسول الله (ص) بالخلافة، بل تعدى الى تفسير يزعم بان عداء بني أمية لائمة أهل بيت النبوة (ع) يرجع – في واقعه – الى جذور تاريخية متعلقة بالسلطة الجاهلية نفسها التي كانت تحكم العرب قبل ظهور الاسلام . فقد كان أبو سفيان يرى أحقية قريش، وبني أمية بالذات، في السيطرة على مقدرات القبائل العربية في مكة وما جاورها من قبائل الحجاز. وكان أي تحدٍ لتلك الفكرة يُقمع – في زمن الجاهلية – بحد السيف .

     إلا أن ظهور الاسلام قلب تلك الموازين السياسية والقبلية في الحكم والسيطرة على مقدرات الناس. فقد أوكل الاسلام قضية الحكم والادارة الى من له العلم والتقوى. فالعلم يوصل المجتمع الاسلامي الى شاطئ الأمان، والتقوى تزيل كل ألوان الفساد من على وجه الأرض. وكان بنو هاشم قد حازوا على سبق العلم والتقوى، فكانوا أهلاً لقيادة الأمة نحو الدين والرسالة الالهية.

 بين الخطين الهاشمي والأموي:

     كان الخط الهاشمي أكثر تماسكاً واندماجاً في الايمان بالرسالة الجديدة ومحتواها السماوي العظيم.  فمن أبي طالب عم رسول الله (ص) الى حمزة بن عبد المطلب الى علي بن ابي طالب (ع) ومن بعده دوحة المصطفى وذرية رسول رب العالمين (ص)، عاشت الرسالة في قلوب هؤلاء الرجال، وعاشوا في قلبها وتفاعلوا معها الى درجة أنهم تحملوا أقصى درجات المشقة الجسدية من قتل وجرح من أجل الحفاظ على جوهرها الفكري والروحي. وعن طريقهم (ع) وصلت إلينا الرسالة سالمة ومصونة من أي تحريف، كي نعرف من خلالها معاني التكليف الشرعي الذي أمرنا به المولى عز وجل.

     أما الخط الأموي المنكسر فقد عاش أحلام السلطة وأسلوب استرجاعها حتى في عصر النبي (ص). فقد كان أبو سفيان يمهد الطريق لاستلام السلطة، بحيث انه طلب  من  رسول الله (ص) بعد إعلان إسلامه أن يجعل ابنه معاوية كاتباً له (ص)[1]. وكانت ممارسات الخط الأموي بعد وفاة رسول الله (ص) تسير بذلك الاتجاه. فقد اُستنفرت بقايا وشراذم النظام الجاهلي القديم كعمرو بن العاص، وسمرة بن جندب، وأمثالهم، واُلبست زياً جديداً من أجل التمويه على الوضع العام. وما أن اكتملت الخطة في السيطرة على مقاليد السلطة والحكم من جديد، حتى بدأت القيادة الأموية بزعامة معاوية  استخدام  شتى  الاساليب البعيدة عن أعراف العقلاء من العرب في الحط من القيمة الشرعية لائمة أهل بيت النبوة (ع)، خصوصاً أمير المؤمنين ومولى الموحدين علي بن ابي طالب (ع). فكانت الجمل وصفين والنهروان، من أهم الوقائع التي خاض فيها وصي رسول رب العالمين (عليه السلام) معاركه حفاظاً على جوهر الدين من الخط الجديد المتلبس بلباس الاسلام.

  الإمام الباقر (ع) وأجواء الصراع:

     وفي أجواء ذلك الصراع رأى محمد بن علي (ع) نور الحياة، ولكن ما أن بلغ أربع سنوات من عمره الشريف حتى عاصر واقعة تجلت فيها أعظم مآسي الانسان في التاريخ، الا وهي واقعة الطف. فيقول (ع) عنها: (قُتل جدي الحسين ولي أربع سنين، وإني لاذكر مقتله وما نالنا في ذلك الوقت)[2]. إلا أن التأثيرات الاجتماعية لتلك الواقعة المأساوية العظيمة لم تزحزحه عن أداء دوره المرسوم له بدقة من قبل السماء. فقد كان عليه أن يؤسس المدرسة الفقهية الاسلامية بكامل أركانها الشرعية، ولا يلتفت الى الاصوات التي كانت تحثّه على الثورة والإطاحة بالحكم الأموي. لأن لك التوجه الثوري لم يكن من مهامه الشرعية المصمّمة له. وهو بذلك المنهج العلمي الرباني حفظ رسالة محمد بن عبد الله (ص) من الضياع.

     وقد رافق والده الإمام زين العابدين (ع) لمدة (38) سنة، وعاش معه أجواء الانقطاع لله سبحانه وتعالى في الدعاء والمناجاة والتوسل والتضرع. وخلال مدة إمامته الشرعية المنصوصة خـلال (19) عاماً رأى جبابرة عصره الذين أذاقوا شيعة أهل بيت النبوة الآلام الجسام، يتهاوون الواحد بعد الآخر كالفراش المبثوث. فما أن هلك الوليد بن عبد الملك – الذي شهد له التاريخ بتمزيق القرآن الكريم – حتى جاء سليمان بن عبد الملك، وما أن هلك سليمان حتى جاء عمر بن عبد العزيز، وما أن مات عمر الذي كان أكثرهم إنصافاً حتى جاء يزيد بن عبد الملك، وما أن هلك يزيد حتى جاء هشام بن عبد الملك الذي خطط لقتل الامام محمد الباقر (ع) بالسُم. فكان له ذلك سنة (114) للهجرة.

     وإن كان هشام بن عبد الملك قد قتل الجسد الطاهر لخامس أئمة أهل بيت النبوة (ع)، فإنه لم يكن قادراً على قتل الفكر الذي كان يحمله. فلم يكن فكر الإمام الباقر (ع) فكراً مرحلياً أو فكراً اصطبغ بصبغة اجتهادية بشرية حتى يستطيع هشام بن عبد الملك قتله، بل كان فكراً دينياً أخبر به رسول الله (ص). وأبلغ به الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الأنصاري بذلك مبشراً إياه برؤية الإمام الحفيد الذي سيبقر العلم بقراً فيستخرجه من منابعه الأصيلة وكنوزه الدفينة. وقد كان تواتر ذلك الحديث عن طرق أهل البيت (ع) ومدرسة الحديث لا يقبل تأويلاً من أي لون وبأي صبغة عدا صبغة أهمية دور الإمام الباقر (ع) في تثبيت أركان المدرسة الفقهية الإسلامية.

 (2)

العصر العلمي في عهد الإمام الباقر (ع)

     ولاشك أن تبدل أدوار أئمة الهدى (ع) خلال العصور المتعاقبة كانت له  تأثيرات عميقة في التاريخ الشيعي الإمامي . فكان أئمة أهل البيت (ع) – وضمن تصميم سماوي منسجم مع حاجات البشرية – يقومون بأداء دور مرسوم متوافق مع الحياة الاجتماعية والدينية للافراد. فقد كان محور حياة الامام السجاد (ع) الاتصال بالله سبحانه وتعالى عبر الدعاء والمناجاة. وما أن اكتمل ذلك العصر المشحون بالعواطف الجياشة والاتصالات الروحية بموجد الكون والحياة والانسان، حتى بدأ عصر الإمام الباقر (ع) المحمّل بمعاني التأسيس العلمي لفقه أهل البيت (ع)، وهو تأسيس متصل بعلم النبي (ص) في قضايا التكاليف الشرعية والإلزمات الأخلاقية التي جاء بها الاسلام.

     وقد كان عصر الباقر (ع) يمثل الوجود العلمي لمدرسة أهل البيت (ع) بكل ما تمثله الكلمة من معاني. فقد كان الإمام الخامس (ع) منهلاً لجميع المسلمين على اختلاف توجهاتهم الفكرية والتأريخية. وحتى أن الذين اختطوا لانفسهم طريقاً جديداً بل غريباً عن روح الاسلام في الاستنباط والقياس وساروا على طريق موالاة السلطة الظالمة ومداهنتها، استفادوا من فكر الإمام الباقر (ع) وأحاديثه الشرعية المتصلة بالسند الصحيح بجده رسول الله (ص). فسفيان بن عُيينة (ت 198 للهجرة) المشهور بمحدث مكة، وابو حنيفة (ت 159 للهجرة) رائد مدرسة القياس التي حرمها أئمة أهل البيت (ع)، وسفيان الثوري (ت 161 للهجرة)، انتهلوا كلهم من علوم الباقر (ع) بما ينفع مقاصدهم وتوجهاتهم الفكرية.

     وبكلمة، فإن الإمام (ع) كان رافداً عظيماً للعلم النبوي الشريف وعلوم التفسير وبيان الأحكام. وكان أيضاً صمام الأمان لرصد الانحرافات الشرعية، وردها، وفضحها أمام الملأ اذا اقتضى الامر، بكل ما أوتي من قدرة بالغة على البيان والخطاب التكليفي المُلزِم للناس.

     أما عُشّاق الولاية وخط الاسلام الأصيل كأبان بن تغلب (ت 141 للهجرة)، وزرارة بن أعين (ت 150للهجرة)، ومحمد بن مسلم (ت 150 للهجرة) فقد كانوا درعاً حصيناً لصيانة أحاديث محمد بن علي (ع) من مطبّات التزوير والتلفيق التي كانت السلطة الأموية جاهدة في ممارستها. وقد كان من ثمرات محافظتهم على تراث الإمام (ع) الفكري، أن وصل إلينا تراث أهل بيت النبوة (ع) بأمانة عبر الأجيال المتعاقبة.

الإمام الباقر (ع) وحفظ أحاديث النبي (ص):

     وقد كان الإمام الباقر (ع) صريحاً في إعلان مهمته الشرعية في الحفاظ على الرسالة السماوية من خلال عرض نصوص في توضيح الأحكام والتفسير ونقل الأحاديث النبوية التي حاولت السلطات السياسية تحريفها. فكان له دور تأريخي على صعيد ربط زمان النبي (ص) بالأزمان المتعاقبة بجسر من النصوص الشرعية التي تستطيع معالجة جميع مشاكل الحياة الانسانية على وجه الأرض. فالإمام يخاطب أصحابه بالقول: (...انظروا أمرنا وما جاءكم عنا، فإن وجدتموه للقرآن موافقاً فخذوا به، وإن لم تجدوه موافقاً فردوه، وإن اشتبه الأمر عليكم فقفوا عنده وردوه إلينا حتى نشرح لكم من ذلك ما شُرِحَ لنا ...). وهذا  النص يعكس أصالة القرآن المجيد في الأحكام الشرعية التي عرضتها العترة الطاهرة للأمة. ويعكس ايضاً فكرة مفادها أن الدور الشرعي للعترة الذي صمّمه لها الخالق عز وجل إنما يصبُّ في إطار التفاعل مع الكتاب المجيد وإدراك معانيه الواقعية في الخلق والتكوين والبعث والإنشاء والعدالة الاجتماعية وتوزيع الحقوق وفرض الواجبات الشرعية على الناس. فلا ريب أن نرى التلازم العقلي والشرعي بين القرآن الكريم والعترة المطهرة قائماً منذ بيعة الغدير وسيبقى قائماً ما دام البشر يعيشون على وجه هذه الأرض.

     ولم يكن الجانب العلمي للإمام الباقر (ع) نظرياً بحتاً ، بل كان – في الواقع – أخلاقياً تربوياً بالإضافة الى نزعته الإلزامية التكليفية. فقد كانت أفكاره الفقهية التي تعبر عن روح النص الشرعي، تنـزع نحو التربية الأخلاقية وبناء الإلزام الذاتي عند الانسان. خصوصاً فيما يتعلق بتربية الذات كطلب العلم، والإيمان، والولاية، والصبر، والعفو، والرفق، والتواضع، والأخوة ونحوها من الصفات الأخلاقية التي تساهم بشكل حاسم وفعال في بناء ذات المؤمن على النقاء والطهارة والفهم النفسي الداخلي للأشياء الخارجية.

     وقد استثمر الإمام الباقر (ع) جميع الوسائل الفكرية المُتاحة في سبيل نشر الرسالة العلمية والاجتماعية للدين. فاهتمام الاسلام بالنظام الاجتماعي، الى جانب النـزعة الروحية، يعبّر عن اهتمام الدين بقضايا الحقوق والواجبات التي أهملها حكام بني أمية من أجل مصالح القلة القبلية المنتفعة على حساب الفقراء والمستضعفين. وكان استمرار التذكير بمطالبة أئمة أهل البيت (ع)، ومنهم الإمام الباقر (ع)، بالولاية الشرعية العملية بالاضافة الى الولاية الشرعية النظرية ينبع من تلك القاعدة. فإنهم (ع) كانوا يرَونَ – ومن خلال وظيفتهم الشرعية – الإحساس بالمسؤولية في إحقاق الحقوق وتعيين الواجبات بين جميع أفراد الأمة الأسلامية. ونحن لسنا بصدد بحث هذا الموضوع الآن. ولكن ما نُريد أن نقوله أن علم الإمام الباقر (ع) بقضية النظام الاجتماعي ومشاكل الظلم وانعدام العدالة، دفعه لممارسة شتى النشاطات في الاتصال الفكري.

 نشاطات في الإتصال الفكري:

     فقد كانت له مراسلات فقهية وفكرية مع العديد من الأقطاب مثل سعد بن عبد الملك الملقب بسعد الخير، وعبد الله بن المبارك ، وهشام بن عبد الملك، وعمر بن عبد العزيز. وكانت له احتجاجات فكرية وكلامية مع حكام الجور مثل هشام بن عبد الملك المشار اليه آنفاً، ومع فقهاء الخط الأموي مثل نافع ابن عبد الله بن الأزرق، وعبد الله بن معمر الليثي، وطاووس اليماني، والحسن البصري. وكانت له وصايا الى عمر بن عبد العزيز الخليفة الأموي. وكانت له توجيهات شرعية وأخلاقية الى أصحابه مثل جابر بن يزيد الجعفي ، وأبي بصير ، وأبي حمزة الثمالي. وكانت له أجوبة شرعية وتفسيرية للأسئلة التي كانت ترده من علماء النصارى، ومن الخوارج، ومن أهل الخلاف. بل انه (ع) تدخل في عهد عبد الملك بن مروان (ت 86 هـ) بقضية وضع العملة النقدية الاسلامية مشفوعة بشعار  التوحيد  والنبوة،  وبذلك أحبط الخطة الرومية في زعزعة النظام المالي للمسلمين، وليس النظام المالي للسلطة الأموية كما قد يُظن.

     ولم يترك الإمام الباقر (ع) اسلوب الاتصال بالأمة عن الطريق الذي تعارف عليه الناس في ذلك الزمان وهو طريق الشعر والشعراء. ويكفينا قراءة آثار شعراء أهل البيت (ع) كالكميت الأسدي الحميري (ت 126 هـ)، وكثير عزة الخزاعي (ت 105 هـ)، والفرزدق التميمي المغيري لنرى طبيعة التأثير الذي كان يتركه ذلك اللون من الاتصال الجماهيري بين الامة وقائدها. ولم تهمل الشريعة دور الشعر في إيصال المراد من الأفكار الإيمانية، بل أيدته الى  أبعد الحدود، واستثنت من ذلك الشعر الذي يؤدي الى الفساد الأخلاقي والغي المشار اليه في قوله تعالى : (والشعراء يتبعهم الغاوون...)[3]. فقد ورد عن رسول الله (ص) أنه قال لحسان بن ثابت : (إنك لا تزال مؤيداً بروح القدس ما نصرتنا بلسانك وقلت فينا)[4].  وقال تعالى بعد ذكر الشعر المذموم والإنكار على الشعراء الذين بنوا صناعتهم على الغواية وخلاف الرشد: (...إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيراً...)[5].  وبقي  الشعر  وسيلة  من وسائل الإيصال الفكري لعقائد أهل البيت (ع) ومناقبهم حتى ظهور وسائل الاتصال الحديثة التي قلّلت من دور الشعر  في الإيصال ولكنها لم تقلل من محتواه الفكري والتعبيري المتصل بعناصر الجمال والإبداع.

  (3)

العقبات التي واجهت الطريق العلمي للإمام الباقر (ع)

     ولم يكن ذلك العصر التأسيسي للمدرسة الإمامية بمنأى عن العقبات التي حاولت زعزعة البناء الذي اُريد له أن يبقى خالداً الى يوم القيامة. ولكن تلك العقبات لم تستطع أن تعمل شيئاً سوى تقوية مدرسة أهل بيت النبوة (ع) وتثبيت أركانها. ونستطيع أن نسجل أربع عقبات رئيسية حاولت التأثير على مدرسة الإمام الباقر (ع)، وهي:

اولاً: الفكرة الثورية للإطاحة بالحكم السياسي.

ثانياً: التقية على نطاقي الفرد والتشريع.

ثالثاً: مدرسة القياس في الاستنباط.

رابعاً: أساليب السلطة السياسية في محاربة الإمام الباقر (ع).

     وسوف نعالج تلك العقبات بأختصار.

 اولاً: الفكرة الثورية للإطاحة بالحكم السياسي

     خرج زيد بن علي (ت 121 هـ) أخو الإمام الباقر (ع) طالباً الثورة على السلطة الظالمة وإقامة الحق والعدالة الاجتماعية التي دعا لها الاسلام. ولا يتسع البحث لمناقشة خروج زيد بن علي (رضوان الله عليه)، فقد كان خروجاً نابعاً من شعوره بالمسؤولية. إلا أن السؤال الذي طُرح في المقام هو : اذا كان زيد قد دعا للثورة ضد الظلم، فلماذا لم يخرج الإمام الباقر (ع) وهو الإمام المظلوم الذي اُغتصب حقه في الولاية ؟

     لابد أن ندرك – في معرض الجواب على هذا السؤال – طبيعة الفرق بين الأخوين: محمد بن علي الباقر(ع)، وزيد بن علي. فالفرق بين طبيعة هاتين الشخصيتين يعكس الفرق بين طبيعة المعصوم وغير المعصوم، او الفرق بين طبيعة الفاضل والمفضول. نعم ، لعلهما كانا بنفس الدرجة من الحماس والاندفاع نحو محاربة الظلم وإقامة الحق والعدالة الاجتماعية. إلا أن الإمام المعصوم يدفعه دائماً نحو العمل : الكمال في فهم الحكم  الشرعي  (الواقعي)  الذي  لا  يُحتمل  فيه  الخطأ  ابداً. ولاشك ان ذلك الفهم مستمدٌ من روح الرسالة وطبيعتها الغيبية في إنجاز الوظيفة الشرعية في الخروج أو البقاء. بينما كان دافع زيد بن علي هو إدراك الحكم الظاهري الذي يُحتمل فيه الخطأ أو الصواب، والذي يفهمه من ظواهر  الكتاب والسنّة. وإلى ذلك يشير: (والله ما خرجتُ، ولا قمتُ مقامي هذا، حتى قرأتُ القرآن، وأتقنتُ الفرائض، وأحكمتُ السنّة والآداب، وعرفتُ التأويل كما عرفتُ التنـزيل، وفهمتُ الناسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه، والخاص والعام، وما تحتاج إليه الأمة في دينها مما لابد لها منه ، ولا غنى عنه وإني لعلى بينّة من ربي...)[6].

     وهذا الإلمام في فهم الشريعة لا يرفعه الى درجة العصمة في فهم الأحكام الواقعية. فالمجتهد قد يصل الى ما وصل اليه زيد بن علي من فهم للأحكام الظاهرية للدين، إلا أنه لن يصل الى درجة فهم الإمام المعصوم الواجب الطاعة من قبل الرعية فهماً واقعياً للأحكام.

     وقد كان تفكير زيد بن علي في الثورة اجتهاداً من أجل الدعوة للرضا من آل محمد (ص) وأمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر ورداً للمظالم ونصرة لأهل الحق. والى ذلك أشار الإمام الصادق (ع) بأن عمه زيداً إنما خرج ليدعو الناس الى الرضا من آل محمد (ص)، ولو انتصر لوفى بما دعا الناس إليه[7].

     بينما اتخذ الامام الباقر (ع) الذي ألزمنا رسول الله (ص) باتباعه واتباع بقية الائمة من ذرية الرسول، الطريق العلمي في تأسيس أركان المذهب. وكان الطريق العلمي، إضافة الى دوره الأساس في تبيين الشريعة، وسيلة من وسائل إسقاط حكام بني أمية لاحقاً، بل كان وسيلة لإسقاط كل ظالم يظلم الأمة في هذه الدنيا الواسعة.

     وبكلمة، فان الإمامية لا يقولون في زيد بن علي إلا خيراً. وكان الإمام جعفر الصادق (ع) يقول بكثرة: (رحم الله عمي زيداً). فقد كان استشهاد زيد (رضوان الله عليه) مسماراً آخر في نعش الدولة الأموية الظالمة التي كانت تعيش أيامها الأخيرة في الحكم.

ثانياً: التقية على نطاقي الفرد والتشريع

     كانت التقية ولا تزال من الأحكام الشرعية المتطابقة مع الحكم العقلي في إخفاء الحق من أجل التحرز من التلف، أو قل من الموت والفناء. ولذلك فإن القرآن المجيد لم يستنكر طبيعة الظرف الاستثنائي الذي قد يمر به الفرد والسلوك الذي يفرضه عليه ذلك الاستثناء، يقول عز وجل: (لا يتخذِ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله  في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذّركم  اللهُ نفسه وإلى  الله المصير)[8]، (وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه...)[9]، و(من كفر بالله  من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان...)[10]. فالتقية رخصة واجبة للمكلف المُكره أو المضطر في مواطن الاستثناء، أو في مواقع التزاحم الشرعي والعقلي، بحيث أن الانسان يتكلم بلسانه وقلبه مطمئن بالإيمان.

     وهذا المقدار من مفهوم التقية ، قد آمنت به جميع المذاهب الاسلامية[11]. ولكن الاوضاع الخطيرة التي كانت تمر على أئمة أهل البيت (ع) في تبليغ أحكام الشريعة دفعتهم الى استثمار مفهوم التقية ، الذي جاء به الذكر الحكيم، على الصعيد الفقهي. وقد تنبأ رسول الله (ص) لهم بذلك، فقال : (إنا أهلُ بيتٍ اختار الله لنا الآخرة  على  الدنيا. وإن أهل بيتي  سيلقون بعدي بلاءً  وتشريداً  وتطريداً...)[12].

وقد كان عصر الإمام الباقر (ع) مزدحماً بالأحداث الجسيمة وأساليب القهر والإرهاب ومحاولات السلطة المستميتة في محو التشيع من جذوره. بحيث أن الباقر (ع) لم يعترض على مدح شاعر أهل البيت (ع) : كميت الأسدي لهشام بن عبد الملك بالخصوص ولبني أمية بالعموم – تقيةً – كي ينجو مما هو فيه من محن السجن والتعذيب. وفي ضوء ما ذكرنا ، فإن الإمام (ع) عالج موضوع التقية وتأثيراتها السلبية على الافراد والعقيدة ذاتها عبر طريقين:

الأول: وهو الصعيد الفردي ، حيث دعا الأفراد المؤمنين بالولاية الشرعية الى إخفاء الحق من أجل التحرز من الموت. فقال (ع) لهم : (التقية في كل ضرورة، وصاحبها أعلمُ بها حين تنـزل به)[13]، و(التقية في كل شيء يضطر اليه ابن آدم، فقد أحله الله له)[14].

الثاني: وهو الصعيد الفقهي العام، فقد دعا المؤمنين بالولاية الشرعية، في حالات الشك بصدور الحديث منه بداعي التقية مخافة التلف، الى مخالفة أحكام العامة أو بتعبير أدق مخالفة الخط الفقهي المداهن للسلطة الأموية الظالمة. كما ورد في كتاب (غوالي اللآلي) عن العلامة الحلي مرفوعاً الى زرارة عندما سئل الإمام الباقر (ع) عند ورود حديثين متعارضين عن أهل البيت (ع) فبأيهما يأخذ، فقال (ع): (...أنظر ما وافق منهما العامة فاتركه، وخذ بما خالف فان الحق فيما خالفهم...)[15]. وهذا الحديث خطير للغاية، لأنه وضع خطاً احمراً فاصلاً بين الأحكام الشرعية التي صدرت بسبب التقية مخافة محو أصل الدين وبين الأحكام الشرعية الواقعية التي تصدر من أجل تبيين الوظيفة الشرعية للمكلّف في مقام الامتثال.

     وعن طريق هذه القاعدة الكلية وهي (مخالفة الخط المداهن للسلطة الظالمة) في القرون الهجرية الثلاثة الاُول من عمر الرسالة السماوية، استطاع أئمة أهل البيت (ع) المحافظة على بيضة العقيدة من التلف، وفي الوقت نفسه المحافظة على واقعية الأحكام الشرعية من التلاعب والتزوير. وبفضيلة قاعدة التقية الشرعية وصلتنا الأحكام الإلزامية الالهية مصونة من عبث السلاطين بعد أكثر من أربعة عشر قرناً على وفاة رسول الله (ص).

 ثالثاً: مدرسة القياس في الاستنباط

     وكان أبو حنيفة ، النعمان بن ثابت (ت 150 هـ) زعيماً بارزاً لمدرسة القياس. وقد حاولت تلك المدرسة استنباط الأحكام الشرعية بإستخدام علل ثابتة لأحكام شرعية أخرى. كما اذا قال الشارع عز وجل : (حرّمتُ الخمرَ لإسكارها). فإن أبا حنيفة أعلن بأنه يستطيع استخراج الحكم الشرعي لسوائل أخرى بالقياس على قول الشارع بالشكل التالي: ( الخمر أصل، والحرمة حكمُه، والإسكار علّتها، فإذا وجد الإسكار في النبيذ (وهو الفرع) فقد ثبتت الحرمة له بالقياس).

     فكانت تلك الطريقة التي حملت الفرع الفقهي على الاصل ، محل نقاش في أصل شرعية الدليل. وقد أورد الشيخ محمد أبو زهرة (ت 1394 هـ) مناقشة مزعومة  جرت بين الإمام الصادق (ع) وأبي حنيفة حول القياس[16] سنتعرض لتفصيلها لاحقاً. ولكن لم يرد في كتب مذهب أهل البيت (ع) ما يؤيد ذلك. إلا أن عدم إيراد المناقشة في كتبنا لا يدلّ على عدم العمل بالقياس في مدرسة الرأي زمن الإمام الباقر (ع). بل كانت تلك المدرسة نشطة في بث آرائها الجديدة حول ذلك اللون من الاستنباط المزعوم. ومن الجديـر بالذكـر أن أبا حنيفة كان قد بلـغ من العمر سنة وفاة الإمام الباقر (ع) حوالي (34) سنة. فيحتمل ورود ما يدلّ على حملةٍ شديدةٍ حملها الإمام (ع) على فكرة القياس في الشريعة وعلى رائدها.

     وقد شنّ أئمة أهل البيت (ع) من بعد الباقر (ع) حرباً على تلك الطريقة باعتبار (أن دين الله لم يوضع في الرأي والقياس)[17]، و(أن السنّة اذا قيست مُحق الدين)[18]. فالقياس الذي مارسته مدرسة الرأي، كان يشكل خطراً جسيماً على الدين . لأنه – لو قُدّر لها الانتصار – لفسح المجال للتلاعب بالأحكام الشرعية بحجة موافقة القياس أو مخالفته. فيتبدل حكم الله عز وجل في ميراث الرجل – بموجب القياس – من سهمين الى سهم واحد، لأن الذكر أقوى من الأنثى ولا يحتاج الى سهمين. ويتبدل حكم الله عز وجل في الحائض – بموجب القياس – الى قضاء الصلاة بدل قضاء الصوم، لأن الصلاة أكبر من الصوم. ويتبدل حكم الله في الوضوء للبول والغُسل للمني – بموجب القياس – الى غُسل للبول ووضوء للمني، لأن البول أنجس من المني، وهكذا. وهذا الطريق مخالفٌ تماماً للأصول الشرعية في فهم الأحكام.

     فإننا  - كبشر – لا نستطيع أن ندرك جميع علل الأحكام الشرعية. وهذا هو معنى قوله (ع) : (إن دين الله لم يوضع في الرأي والقياس) ، لأن ملاكات الأحكام أمور توقيفية من وضع الشارع ، ولا تدرك بالنظر العقلي  إلا من طريق الملازمات العقلية القطعية. والقياس يُشك بحجيته، على أقل التقادير، والشك في الحجية كافٍ للقطع بعدمها.

     وقد كان وقوف أئمة أهل البيت (ع) ضد فكرة القياس في الاجتهاد يعبّر عن صيانة واقعية للأحكام الشرعية منذ ذلك العصر ولحد يومنا هذا.

 رابعاً : أساليب السلطة السياسية في محاربة الإمام الباقر (ع)

وقد استخدمت السلطة السياسية لبني أمية مختلف الأساليب الأجتماعية من أجل محاربة نهج الإمام الباقر (ع) وتصميمه الشديد في حفظ الرسالة الالهية. فالسلطة ممثلة بهشام بن عبد الملك لم تتوان في استخدام ثلاثة ألوان من السياسات لتحطيم بنيان الإمام (ع) الفكري. وهذه السياسات هي:

1 – سياسة التسفيه الفاشلة التي أستخدمها هشام بن عبد الملك. فمن أساليب تلك السياسة استدعاء الإمام الباقر (ع) الى دمشق واتهامه إياه بشق عصا المسلمين، فكان الإمام (ع) يردد مجيباً: بنا هدى الله أولكم، وبنا يختم آخركم، فإن يكن لكم ملكٌ معجل فإن لنا ملكاً مؤجلاً، ليس من بعد ملكنا ملك لأنا أهل العاقبة، يقول عز وجل : (... والعاقبة للمتقين ...). وبهذا الاسلوب البلاغي الرائع وغيره من الأساليب المعبّرة عن الواقع الديني والتاريخي أحبط الإمام (ع) كل مساعي السلطة الأموية من الوصول الى أهدافها في محو شرعية ولاية أئمة أهل البيت (ع).

2 – سياسة القدح في عصمته وأعلميته الشرعية، ومن مصاديقها اللاحقة في التاريخ زعم ابن تيمية (ت 758 هـ) وشمس الدين الذهبي (ت 748 هـ) بأعلمية ابن كثير وأبي الزناد وقتادة وربيعة على الإمام الباقر (ع). وهي دعوى لم تصمد في عصر الإمام (ع) ولم تصمد بعده. بل لم تنطلِ على المسلمين من جميع الفرق والمذاهب، حتى المذاهب التي كانت تداهن الخطط السياسية لبني أمية. فقد أجمعت كل  المذاهب الاسلامية بما فيها مذاهب مدرسة الرأي على علمه وحلمه وإمامته ونسله الطاهر.

3– سياسة قلب الروايات بحيث تظهر الإمام الباقر (ع) في موقف ضعف أمام استدلالات رائد مدرسة القياس. ومنها ما رواه الشيخ ابو زهرة مُستلاً من (مسند أحمد)[19] حول مناقشة مزعومة جرت بين الإمام الباقر (ع) وأبي حنيفة الذي اشتهر بكثرة القياس في الفقه :

     (قال الإمام الباقر : أنت الذي حولت دين جدي وأحاديثه الى القياس. قال أبو حنيفة: أجلسُ في مكانك كما يحقُ لي، فإن  لك  عندي حرمة! كحرمة جدك (ص) في حياته على أصحابه. فجلس، ثم جثا أبو حنيفة بين يديه، ثم قال : اني اسألك عن ثلاث كلمات، فأجبني : الرجل أضعف أم المرأة ؟ قال الباقر: المرأة أضعف. قال أبو حنيفة: كم سهم المرأة في الميراث ؟ قال الباقر: للرجل سهمان وللمرأة سهم. قال ابو حنيفة: هذا علم جدك، ولو حولت دين جدك لكان ينبغي القياس أن يكون للرجل سهم وللمرأة سهمان، لأن المرأة أضعف من الرجل...الى آخر الرواية. فقام الإمام الباقر وعانقه وقبّل وجهه)[20].

     ومحور الوضع في هذه الرواية :

أولاً : إن أبا حنيفة كان يعمل بالقياس بخصوص النصوص الشرعية دون ادنى شك، ولا تستطيع تلك الرواية إنكار ذلك.

ثانياً : أن مناط الحكم في قياس أبي حنيفة كانت علّة جعل السهمين للمرأة، أنها أضعف من الرجل، وهو جوهر قياسه . وهذا المنحى بالذات هو الذي حرمه أئمة أهل البيت (ع) من خلال تحريمهم عملية القياس  في الاستنباط.

ثالثاً : أن المحاورة  الواقعية جرت بين الإمام الصادق (ع) وأبي حنيفة وقد رواها أحمد بن حنبل في مسنده (ج 1 ص 11-13) ورواها الحر العاملي في الوسائل (ج 18 ص 29). ومفادها أن أبا حنيفة دخل على الإمام الصادق (ع) في قصة نذكر منها مطلب الحاجة في هذا المورد:

     (قال الإمام (ع): اتق الله ولا تقس في الدين برأيك فإن أول من قاس إبليس . الى أن قال: ويحك أيهما أعظم: قتل النفس أو الزنى؟ قال أبو حنيفة: قتل النفس. قال (ع): فإن الله عز وجل قد قبل في قتل النفس شاهدين ولم يقبل في الزنى إلا أربعة. ثم أيهما أعظم: الصلاة أم الصوم؟ قال: الصلاة. قال (ع): فما بال الحائض تقضي الصيام ولا تقضي الصلاة؟ فكيف يقوم لك  القياس . فاتق  الله   ولا تقس)[21].

     وتلك السياسة الفاشلة لحكام بني أمية في قلب الاحداث وتغيير الوقائع لم تثمر على الصعيد العملي بشيء، فقد تمسك أصحاب أئمة الهدى (ع)، وبالخصوص اصحاب الصادقين (ع)، بحفظ أحاديث أئمتهم وتسجيلها بدقة في متون حديثية نقلتها ايادي أمينة من جيل الى جيل حتى وصلتنا سالمة مصونة من التحريف والتزوير.

 (نهاية ص 25)

 

صفحة التحميل                  الصفحة الرئيسية
 


1 شذرات الذهب \ ابن عماد الحنبلي ج 1 ص 37.

2 تاريخ اليعقوبي ج 2 ص320.

3 سورة الشعراء: 224 .

4 الفتوح . ابن اعثم الكوفي ج 8 ص 275 .

5 سورة الشعراء : 227.

6 الخطط والآثار. المقريزي ج 2 ص 440.

7 الآمالي. المجلسي ص 54.

8 سورة آل عمران : 28 .

9 سورة المؤمن (غافر):  28 .

10 سورة النحل : 106  .

11 الجامع لأحكام القرآن\ القرطبي ج 4 ص 38. والتبيان في تفسير القرآن \ الطوسي ج 2 ص 435 .

12 سنن ابن ماجة \  حديث 4082 ، ج 2 ص 1366.

13 الاصول من الكافي \ الكليني ج 2 ص 219 .

14 المصدر السابق ج 2 ص  220 .

15 غوالي اللئالي ج 4 ص 133.

16 الامام الصادق (ع)\ محمد أبو زهرة ص 22 .

17 الوسائل . ابواب صفات القاضي باب 16. ج 18 ص 29 .

18 الاصول من الكافي. كتاب فضل العلم. ج 1 ص 57.

19 الامام الصادق (ع) ص 22- 23.

20 المصدر السابق .

21 الوسائل. ابواب صفات القاضي باب 6. ج 18 ص 29 .