|
(ص 63- 99) 16- فتح مكة تمكن علي (ع) من خلال بطولته الرادعة في خيبر وذات السلاسل، وقبلها في بدر واُحد والخندق، من تحقيق ثلاثة امور عجز عن تحقيقها بقية المقاتلين من المسلمين، وهي: 1 - وضع الحرب على خشبة المسرح العقلائي. بمعنى ان العدو من عبدة الاوثان اذا كان يفكر سابقاً بنـزوات انتصاره واوهام الاستيلاء على غنائم المسلمين وتدمير دينهم، فانه اليوم - وبفضل تحقق الردع- اصبح يفكر باجتناب الهزيمة التي سيُمنى بها دون شك. والقاعدة ان الردع اذا كان قوياً، فان العدو سيفّكر -جديّاً- بالاستسلام دون اراقة مزيد من الدماء. 2 - جعل التهديد الرئيسي ينبعث من وسط معسكر المسلمين ضد معسكر المشركين. أي انه جعل المسلمين اصحاب المبادرة، كما حصل في الهجوم على جيش ذات السلاسل من المشركين وقت الفجر، وكما حصل في استدراج «مرحب» الى القتال والمبارزة في خيبر، وكما حصل في استدراج «عمرو بن عبد ود» الى المبارزة في الاحزاب، ونحوها. وبمعنى ثالث انه جعل المقاتلين المسلمين في موضع الهجوم، وجعل المشركين في موضع الدفاع. وهذا تبديل استراتيجي خطير لصالح الاسلام. 3 _ ساهمت بطولة علي (ع) في تحديد عدد البدائل التي كانت متاحة للعدو، وجعل الدخول الى الاسلام أو الاستسلام دون قتال أهم البدائل، وجعلت بديل الحرب ادنى البدائل حظّاً في الاختيار من قبل المشركين. وهكذا كان، وقد فتحت مكة في شهر رمضان من بعد ثمان سنوات من هجرة المسلمين التأريخية منها الى المدينة، بعد ان أيقن المشركون ان الحرب هي ادنى البدائل حظّاً في الاختيار. فاستسلموا وأسلموا، وأمكنه الله سبحانه من رقابهم عنوة فكانوا له (ص) فيئاً. ولكنه (ص) خاطبهم قائلاً: اذهبوا فأنتم الطلقاء[1]. فتح مكة وقيادة العالم: وفتح مكة كانت عملية تأريخية ضخمة ينبغي فهم آثارها أو مقتضياتها بنفس درجة فهم اسبابها أو عللها. فمع ان شجاعة رسول الله (ص) والامام (ع) الفائقتين كانتا من أهم عللها، فإن آثارها كانت خطيرة للغاية. ذلك ان فتح مكة وضع القيادة الدينية الاجتماعية للعالم بيد المسلمين بعد ان كان قادة المشركين يحكمون الناس بالظلم ويعيثون في الارض فساداً. فدخل الناس، مؤمنين باطناً وظاهراً، في دين الله افواجاً. وقد تنبأ كتاب الله المجيد بتلك الاحداث فقال: (إذا جاءَ نَصرُ اللهِ والفَتحُ. ورأيتَ النّاسَ يَدخُلُونَ في دينِ اللهِ أفواجاً. فَسبِّح بِحمدِ ربِّكَ واستغفرهُ إنَّهُ كانَ توَّاباً)[2]. واصبح الاسلام بعد فتح مكة قوّة عالمية تستطيع مواجهة قوى الفرس أو الروم والانتصار عليهما، وقادرة على تثبيت الأمن العالمي في ذلك الوقت تحت شعار: لا إله الا الله، محمّد رسول الله. وبذلك كان فتح مكة اعادة لبناء التركيب السياسي والاجتماعي للعالم على ضوء الدين الجديد. في وقت كان العالم يبحث فيه عن قيادة جديدة تحقق العدل الاجتماعي والأمان والتوحيد، فكانت قيادة رسول الله (ص) تحقق ثبات دولة الايمان العالمية ونظامها الامني والحقوقي. والسبب في ذلك ان العالم يتضمن شعوباً متباينة في التقاليد والعادات واللغات، ولا يمكن ان يجمعها الا دين سماوي واحد. فكان الاسلام هو الدين القادر على جمع ذلك العدد الهائل من البشر تحت سقف خيمة واحدة وفي ظل لواء واحد. ولا يستطيع احد تحمل مسؤولية ادراة ذلك التجمع العالمي اجتماعياً وسياسياً الا رسولٌ يوحى اليه. فكان رسول الله (ص) هو حامل المسؤولية العالمية. وكان من خلفه المؤهل الاول لتسلّم القيادة الدينية بعده (ص) أمير المؤمنين (ع). علي (ع) منقذ الموقف: وقد كان علي (ع) موضع ثقة رسول الله (ص) في فتح مكة. فحينما هتف أُناسٌ من المسلمين من الذين لا زالوا لم يفهموا ابعاد الدين بعد: اليومُ يوم الملحمة، اليوم تُستحل الحُرمة[3]. دعاه النبي (ص) لتدارك الوضع الخطير الذي كان سيؤدي حتماً الى سفك الدماء على غرار الجاهلية ولكن باسم الاسلام هذه المرّة. وأمره (ص) بحمل الراية والدخول الى مكة في المقدمة. فكان علي (ع) منقذ الموقف حيث دخل مكة وهو يحمل راية التوحيد والسلام. وعندما قام خالد بن الوليد بقتل من قُتل من بني جُذيمة[4]، ودّاهم رسول الله (ص) فبعث عليّاً (ع) لتسوية الوضع. وارشده (ص) بالقول: (يا علي، اخرج الى هؤلاء القوم، فانظر في أمرهم، واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك)[5]. وقبلها، عندما تظاهرت بنو بكر وقريش على خزاعة وأصابوا منهم مقتلاً، جاء أبو سفيان الى المدينة معتذراً بعد فوات الاوان. فلم يفلح في مسعاه، ولكن ابو سفيان رأس الشرك الذي حارب الاسلام والنبي (ص) وعليّاً (ع) أشد حرب، وجد عليّاً (ع) - اذا صحّت الرواية- ألين القوم معه وأشدهم نصحاً له[6]. وهكذا كان خلق الانبياء والاوصياء (ع). وهكذا تعامل رسول الله (ص) في مكة مع الطلقاء. جاء الحق وزهق الباطل: إن أهم ما حصل من أحداث عند دخول رسول الله (ص) مكة فاتحاً، هو تحطيم الاصنام الضخمة بأمر النبي (ص) وبيد علي (ع)، التي تكسّرت كما تنكسر القوارير. وعندها قال (ص): (ايه ايه..جاء الحق وزهق الباطل. ان الباطل كان زهوقاً)[7]. كان قدوم الاسلام منتصراً، انذاراً للباطل بالتوقف عن الوجود في المجتمع وفي ذات المؤمن على الاقل. فالمؤمن بتعاليم الدين السماوي يؤمن بالحق ويبني وجوده الاجتماعي والذاتي الجديد على اساس ايقاف الباطل وحذفه من حياته الشخصية. وهذا يعني اننا اذا الغينا الباطل من الساحة الاجتماعية، كما فعل رسول الله (ص) وعلي (ع) بتحطيم الاصنام، فان ذوات الناس سوف تنفتح على الخير وعلى الاستماع الى الحق. وهنا يتخير العاقل بحرية، في ذلك الجو المنفتح وتلك الارضية الواسعة، بين الحق والباطل. فيختار الحق على الباطل حتماً. ولو كان الباطلُ قضيةً متعلّقةً بالاخلاق لاستطاع الانسان دحرها من دون مساعدة الدين، بل لكان العقل سلاحاً كافياً من أسلحة دحر الباطل. ولكن الحقيقة تقول: بأن للباطل كياناً مستقلاً لا يقف امامه الا الدين. فمع ان العقل يدعو الى التوحيد والعدل، الا ان العقل المجرد عن الايمان قد يدعو الى الفساد والدمار والشرك. فالعقل لوحده لا يستطيع دحر الباطل. ولو كان العقل كافياً لادراك معاني الوجود لانتفى دور الدين في حياة الانسان. فقضية الباطل ليست منحصرة اذن بالفلسفة الاخلاقية فقط، بل ان إزالة الباطل موكولة الى تعاليم الدين ومقدار أدائها من قبل المؤمنين. فلا شك ان زوال الباطل يتحقق عندما يمارس المكلفون تكاليفهم الشرعية ويتنعمون برحمة القوانين الدينية، وعندها ينتهي الفساد والظلم والشرك. فتثبيت الحق مرهون بتقوية شوكة الدين. ومن هنا نفهم مغزى مخاطبته (ص) لعلي (ع): ايه ايه (... جاءَ الحقُّ وَزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهوقاً)[8]. فبتحطيم رمز الوثنية والشرك في مكة، بدأ الاذعان لتقبّل فكرة انتصار الاسلام وقيمه السماوية في الخير والعدالة والمحبّة والصلاح، على مبادئ الظلم والفساد والشرك. ومن هنا: جاء الحق وزهق الباطل، بكل ما تحمله تلك الالفاظ من معان ومفاهيم وأفكار. فقد جاء الحق عبر رسالة السماء محمّلاً بمفاهيم العدالة والخير والاخوة والمحبّة والتعاون، وعندها انفتح الباب لاختيار طريق الخير بدل طريق الشر، وعندها كانت الحكمة الالهية: (لا إكراهَ في الدّينِ قَد تَبيَّنَ الرُشدُ مِنَ الغيِّ...)[9]، لان الانسان بطبيعته يختار الخير على الشر، ويختار الحق على الباطل. وتلك المقولة النبوية حبلى يالمعاني العديدة التي يمكن ان يستظهرها المفكر الاسلامي. ومن تلك المعاني نظرية «حتمية محق الظلم وحتمية انتصار الدين» على المدى البعيد. فتلك النظرية تعرض علينا امكانية صياغة استراتيجية الاسلام بالنسبة للدنيا والتأريخ. فالدين هو الحق، والكفر أو الظلم هو الباطل. ولابد ان ينتصر الدين ويندحر الباطل ويموت. لان الحق باقٍ الى الابد، والباطل ميّتٌ الى الابد بظهور الاسلام وانتشاره في آفاق الارض. ومن هنا نفهم ان فتح مكة كان البوابة العظمى للانفتاح على البشرية في القلب والعقل والادراك على مدى الزمن. 17- غزوة حنين وقعت هذه الغزوة بعد شهر واحد فقط من فتح مكة. وكانت الغزوة تأديبية ضد هوازن وثقيف اللتين جمعتا جيشاً كبيراً قوامه ثلاثون الفاً ضد المسلمين. واغترّ المسلمون بكثرتهم، في جيش قُدّر باثني عشر الفاً، فقال تعالى يصف حالهم: (... ويَومَ حُنَينٍ إذ أعجَبَتكُم كَثرَتُكُم فَلَم تُغنِ عَنكُم شيئاً وضاقَت عَلَيكُمُ الأرضُ بِما رَحُبَت ثُمَّ ولَّيتُمُ مُدبِرينَ...)[10]. فانهزم المسلمون في اللحظات الاولى من المعركة عدا رسول الله (ص) وعلي (ع) ومجموعة قليلة من الهاشميين. وكان ثباتهم قد غيّر مسار المعركة، خصوصاً عندما قَتَل علي (ع) «أبا جرول» إمام هوازن، وبعضاً من أبطالهم. وكانت هزيمة المشركين بقتل أبي جرول. فما الذين حصل في تلك المعركة؟ لقد تجلّت في تلك المعركة أمور ثلاثة مهمّة ينبغي التوقف عندها وهي: أ- العُجب. ب- الفرار. ج-ثبات الهاشميين. أ - العُجُب: يعني العُجب تناقص القوة العقلية في النظر الى القضايا الواقعية الخارجية. وتلك الصفة غير المحمودة لا تغيّر من القوة البصرية للنظر ولا من كثافته؛ ولكنّها تجعل الصور العقلية التي يحللها الذهن صوراً غير واقعية، كما قال تعالى: (... إذ أعجَبَتكُم كَثرَتُكُم فَلَم تُغنِ عَنكُم شيئاً...)[11]. وهنا تصبح الحقائق الواقعية الخارجية مجرّد سراب خادع للنظر. فتصبح الكثرة العددية - في عقل المأخوذ بالعُجُب- أمراً مبالغاً فيه، وتصبح الاشياء والصفات المضادة للكثرة كالشجاعة والإقدام والقلّة المضحية مجرد قضايا هامشية أصغر من حجمها الحقيقي الواقعي. والاصل في المسألة، ان الصور العقلية المخزونة في ذهن الانسان، والتي تحصل غالباً من مجموعة تراكمات ذهنية سابقة، هي التي تحدد الصورة الجديدة للواقع القديم. فالذين انهزموا في حنين بعد ان أعجبتهم كثرة المسلمين، انما انطلقوا من موقع سراب الصور العقلية التي حملوها قبل الاسلام، ومن موقع ايمانهم القَبَلي بأن الكثرة - لا الايمان والثبات- هو الذي يحدد مصير المعركة الحاسمة. وفي ذلك دلالة على ان عناصر الايمان لم تكن راسخة في عقولهم ولا في قلوبهم. ولاشك ان الصورة الذهنية عن القضايا الخارجية تتحوّل الى قضية معرفية. فهنا عندما يُثار عُجب البعض بالكثرة العددية، فانهم يبنون عليها قضايا معرفية خاصة مثل: عدم جدّيتهم في قتال العدو، وايمانهم بأن هزيمة العدو أمر حتمي، وانحصار تفكيرهم بالغنائم. ولذلك فقد كانوا أول من فرّ من المعركة، لانهم تصوّروا – خطأً- ان الكثرة ستكون عاملاً من عوامل حمايتهم من سيوف الاعداء المحارِبين. ب - الفرار: والفرار في المعركة ما هو الا أثر من آثار الخوف من الموت، وقد أشار تعالى الى ذلك بالقول: (قُل إنَّ الموتَ الذي تَفرُّونَ مِنهُ فإنَّهُ مُلاقيكم...)[12]. وأشار الى معركة حنين بالخصوص، فقال: (... وضاقَتْ عليكُمُ الأرضُ بِما رَحُبَت ثُمَّ ولّيتُم مُدبِرينَ...)[13]. ذلك ان الذي يخاف من الموت، فان وضعه الشخصي يعبّر عن حالة من الحالات النفسية والعقلية التالية: الاولى: انه لم يفهم بعد مقاصد الدين والشريعة فهماً يقينياً، بحيث يؤمن يقيناً بأن الموت يقرّبه الى الله سبحانه في جنان الخلد والنعيم. الثانية: ان يتملك حبّ الدنيا قلبه الى درجة انه لا يحبّ مفارقتها. فالمكتسبات المادية التي اكتسبها خلال حياته الدنيوية تجعله يركن الى الدنيا أكثر ممّا يطمح الى الآخرة. الثالثة: ان تكون ذنوبه كبيرة الى درجة انه يخاف الموت، لانه يخاف العقاب والعذاب. وتلك الحالات جميعاً تعبّر عن حالات مَرَضيّة عند المقاتلين لا يستقيم معها أمر الدين والجهاد. ومن هنا كانت القاعدة بأن المقاتل المؤمن عندما يدخل المعركة ينبغي ان يقاتل وأمام عينيه الموت وفكره مشغول بلقاء الله تعالى. والاّ فان لم يكن كذلك، فان تفكيره سينشغل بمقدار المال الذي يملكه، وعدد الاولاد المنتسبين له، وزوجته التي يحنّ اليها، واللذائذ التي يمكن ان تقدمها الدنيا له وهو على قيد الحياة. وهنا إذا تأججت نار الحرب، فانه أول من يفرّ من المعركة أو يهرب من الموت الذي ينتظره فيها. وهو لا يعلم بـ : «انّ الموتَ طالبٌ حثيثٌ لا يفوتُه المقيم، ولا يعجزُه الهاربُ» كما اشار أمير المؤمنين (ع) الى ذلك. ثم اردف (ع) قائلاً: «إن أكرمَ الموتِ القتلُ! والذي نفسُ ابنِ ابي طالبٍ بيده، لألفُ ضربةٍ بالسيف أهونُ من ميتةٍ على الفراش في غير طاعةِ الله»[14]. وبكلمة، فان الذين يفرّون من المعركة هم الذين لا يملكون يقيناً بحقائق الدين، ولا يرجون لقاء الله، بل ان همّهم أن يبقوا أحياءً في الدنيا، بقي الدين على الارض ام انهزم أمام قوى الشرك. ولذلك شدد المولى عزّ وجل على قضية الثبات في المعركة قائلاً: (يا أيُّها الذينَ آمنوا إذا لقِيتُمُ الذينَ كَفَرُوا زَحفاً فلا تُولَّوهُمُ الأدبارَ. ومَن يُوَلِّهم يومئذٍ دُبُرَهُ إلاّ مُتحرِّفاً لِقتالٍ أو مُتَحيّزاً الى فِئةٍ فقد باءَ بِغَضبٍ مِنَ اللهِ ومأواهُ جهنَّمُ وبِئسَ المَصيرُ)[15] ج _ ثبات علي (ع) والهاشميين: ولم يثبت في المعركة الا تسعة نفر من بني هاشم مع رسول الله (ص)، بالاضافة الى أيمن ابن أم أيمن. فقُتل أيمن (رضوان الله عليه) وثبت الهاشميون التسعة حتى ثاب الى رسول الله (ص) من كان قد انهزم في البداية. وصمد أمير المؤمنين (ع) لابي جرول وبارزه وصرعه. فانهزم القوم من بين يديه (ع). وكانت هزيمة المشركين بقتل ابي جرول. ويجدر بنا هنا النظر الى حقيقة أساسية وهي ان معركة حنين قد وقعت بعد شهر واحد فقط من فتح مكة. فلو تحققت هزيمة المسلمين عند فرارهم من مضايق حنين وكان علي (ع) غائباً على سبيل الافتراض، لكانت تلك هزيمة ساحقة يتحدّث عنها التأريخ بسخرية. ذلك لان هزيمة من ذاك القبيل كانت ستحطم معنويات المسلمين، وكانت ستدمّر كل ما انجزوه من انجازات دينية وعسكرية على صعيد عالم الجزيرة العربية. فكان مقتل إمام هوازن على يد أمير المؤمنين (ع) قد غيّر سير المعركة وبدّل نتائجها ومقتضياتها. 18 - غزوة تبوك وغزوة تبوك الشاقة بقيادة رسول الله (ص) انتهت بالجزية دون قتال. وهي آخر غزوة غزاها رسول الله (ص) قبل وفاته. وكانت تلك الغزوة الظافرة تقتتضي اما ان يبقى رسول الله (ص) واما علي (ع) في المدينة ويذهب الآخر مع الجيش لقتال المشركين، بسبب بُعد المسافة، وضرورة وجود مدير يدير عاصمة الاسلام ويدافع عنها وقت الحاجة. فاختار رسول الله (ص) ان يُبقي عليّاً (ع) في المدينة، وقال له: «يا علي انّما خلّفتك على اهلي، اما ترضى ان تكون مني بمنـزلة هارون من موسى غير انه لا نبي بعدي»[16]. وفي تعبير آخر: «اخلُفني في اهلي واهلك». والمصادر اللغوية تعترف بان الاهل هم «أهلُ الرجل وأهلُ الدار»[17]. ولا شك ان رسول الله (ص) لا يقصد بـ «اخلُفني في أهلي» الاستخلاف على بيت النبي (ص)، لان ذلك يتعارض مع مفاهيم الشريعة واحكامها. فبيت النبي (ص) يأوي زوجاته (ص)، ولا وجه للاستخلاف في ذلك لان عليّاً (ع) ليس ابناً لرسول الله (ص) مثلاً. واذا اضفنا مسؤولية النبي (ص) الشرعية في الولاية على المسلمين، يصبح معنى «اخلُفني في اهلي» هو: اخلُفني في اهل داري، وهي دار الاسلام بمن فيهم المتظاهرون بالاسلام وقلوبهم غير مؤمنة به، ويشمل ايضاً العاجزين والقاعدين لاسباب شرعية وغير شرعية. وكان لاستخلاف الامام (ع) على المدينة دلالات كبيرة. فقد كانت تلك الغزوة آخر غزوات النبي (ص) وابعدها عن المدينة. فكان لابد من اجراء احترازي لمستقبل الاحداث في الاسلام، وكان لابد من عرضٍ واضحٍ لاظهار مقدرة علي (ع) في الادارة الاجتماعية لمجتمع المسلمين، وكان لابد من ارسال رسالة واضحة المعالم للطامحين بخلافة رسول الله (ص) بالتخلي عن مطامحهم لان عليّاً (ع) هو المؤهَل الوحيد لتلك المهمة الاستثنائية. ولا شك ان كلمات الاستخلاف كانت واضحة وقوية للغاية، فقد جعله (ص) بمنـزلة هارون من موسى، لكنه نفى النبوة بعده. والقوة في التعبير لا تُبقي مجالاً للشك في منـزلة علي (ع) في الاسلام ودرجة قرابته الدينية والعلمية من رسول الله (ص). معاني الاستخلاف على المدينة: كانت لخلافة علي (ع) على المدينة معانٍ ضخمةٌ، أراد المنافقون في ذلك الزمان التقليل من شأنها وتحجيمها. الا ان دراسة معمّقة لطبيعة ذلك الاستخلاف يكشف عن انه لم يكن مجرد استخلاف على مجموعة افراد، بل كان استخلافاً على مجتمع مؤسسات ودولة بكل ما تعنيه الكلمة. وفلسفة «اخلُفني في اهلي» تقتضي الحفاظ على مجموعة من الانظمة الاجتماعية والاجهزة الدينية التي تُمسك بخيوط المجتمع. فهي تقتضي الحفاظ على تركيبة النظام الاجتماعي والسياسي للمجتمع الديني من حيث الهرم الاداري. وتقتضي ايضاً الحفاظ على العمليات الاجتماعية من زاوية القضاء وحل الخصومات، وتوزيع الثروة واشباع الفقراء، والتعبديات واقامة الفرائض الجماعية، وعدالة السوق التجاري ونظافته من الربا والاحتكار، وتطبيق العقوبات على المنحرفين ونحوها. وهذا كله يفضي بانتقال الادارة الاجتماعية من يد امينة الى يد امينة اخرى. فاذا اُريد لحركة الاسلام ان تستمر، كان لابد ان يخلّف النبي (ص) شخصاً عالِماً مؤتَمناً كفوءاً لادارة مجتمع المدينة خلال غيابه في تبوك، كما خلّف النبي موسى (ع) اخاه هارون لادارة شؤون مجتمع بني اسرائيل خلال غيابه (ع) عنهم والتماسه الجبل. ولا شك ان تبوك كانت مرحلة تمرين وامتحان للصحابة بحسن استيعاب قضية الولاية الشرعية بعد رسول الله (ص) وفهمها فهماً صحيحاً بعيداً عن الاهواء والطموحات السياسية القَبَلية. خصوصاً وان قضية تبوك ونظرية «اخلُفني في أهلي» قد جاءت قبل واقعة الغدير بفترة زمنية قصيرة. ومن الطبيعي فان فكرة النيابة مشروطة بتطابق التكليف مع القدرة الكاملة على انجازه تاماً. والسبب في اننا نولي أهمية بالغة لفكرة الاستخلاف على صعيدي السلطة وادارة المجتمع، هو ان لها تأثيراً على حقوق الناس ومعتقداتهم وتكاليفهم الشرعية والاجتماعية. شروط الاستخلاف: ودراسة واعية لحجم المسؤولية الملقاة على عاتق علي (ع) في الاستخلاف على المدينة خلال غزوة تبوك يكشف عن عمق شخصية الامام (ع) وعلاقته الصميمية بالنبوة وبمحمد (ص). فقد كان المصطفى (ص) يعلم ان في شخصية علي (ع) ثلاثة شروط تستطيع ان تحقق خلفاً صالحاً لخير سلف، وهي: الاول: قوة ادراك علي (ع) لمقتضيات الشريعة واحكامها ونظامها الاخلاقي والعقائدي. وكان ذلك واضحاً في ادراكه اسرار القرآن الكريم، والسيرة النبوية الشريفة. وهي ما نسميها بالعصمة. الثاني: قوّة علي (ع) الذهنية التي تستطيع ان تدير الامور الاجتماعية في عاصمة الدولة الاسلامية. خصوصاً اهتمامه بالفقراء، والمعوزين، وتقسيم الثروة الاجتماعية بالتساوي لمستحقيها. الثالث: قدرة الامام (ع) في إحكام تماسك المجتمع الاسلامي دينياً، لانه كان يمتلك تلك الشخصية الاستثنائية في البطولة، والايثار، والزهد، والتقوى، والعلم، والعبادة، ومواساة الفقر والمحرومين. |