(ص 171- 196)

الفصل الرابع

مع رسول الله (ص) ايام الطفولة والصبا

 فترة الطفولة والصبا: جنباً الى جنب مع رسول الله (ص) الدلالات العلمية للنصوص الاجواء الوثنية في مكة التعليم في الصغر: 1- الاستعداد الذاتي. 2- طرق التعلم الديني. إليات التعليم النبوي: 1- اللغة والالفاظ: أ- اللغة والنفس. ب- اللغة والثقافة الدينية. 2- الدين. 3- العواطف: التنمية الاخلاقية والعاطفية. 4- الاخلاق فترة التحصيل مع رسول الله (ص): 1- اهتمامات المعلّم والتلميذ. 2- علي (ع) والتربية النبوية الحقة.

________________________________________________

فترة الطفولة والصبا: جنباً الى جنب مع رسول الله (ص)

بعد ان تزوج رسول الله (ص) بخديجة بنت خويلد (رضوان الله عليها)، انتقل من دار عمه ابي طالب الى بيت الزوجية الجديد. وبعد احد عشر عاماً من زواجه من خديجة ضم (ص) علياً (ع) اليه. فقد «كان من نعمة الله تعالى على علي بن ابي طالب (ع) ان قريشاً [قبل الاسلام] اصابتهم شدة وكان ابو طالب ذا عيال. فقال رسول الله (ص) للعباس: ان اخاك ابا طالب كثير العيال، وقد أصاب الناس ما ترى فانطلق بنا فلنخفف من عياله. فقال العباس: نعم. فانطلقا حتى أتيا ابا طالب، فقالا له: انا نريد ان نخفف عنك من عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه، فقال لهما ابو طالب: اذا تركتما لي عقيلاً فاصنعا ما شئتما. فاخذ رسول الله (ص) علياً فضمّه اليه. واخذ العباس جعفراً فضمّه اليه، فلم يزل علي مع النبي (ص) حتى بعثه الله عزّ وجل فتابعه وآمن به وصدقه»[1].

ومن كلام له (ع): «انا وضعت في الصغر بكلاكل[2] العرب، وكسرت نواجم قرون[3] ربيعة ومضر. وقد علمتم موضعي من رسول الله (ص) بالقرابة القريبة والمنـزلة الخصيصة . وضعني في حجره وانا ولد يضمني الى صدره، ويكنفني في فراشه، ويمسني جسده، ويشمني عرفه[4]. وكان يمضغ الشيء ثم يلقمنيه»[5]. والظاهر ان ذلك كان قبل ان يضمه اليه (ص)، فمضغ الشيء واطعامه يصدق على وضع الطفل الصغير الذي لم تظهر أسنانه أو لا يملك قواطع تقوى على المضغ. ثم يقول: «... وما وجد لي كذبةً في قول ولا خطلةً[6] في فعل»[7]. وهو يدلّ على مراحل لاحقة في حياته، وربما بعد انضمامه (ع) الى بيت رسول الله (ص).

وفي كتاب «مطالب السئول» ان النبي (ص) رباه «وازلفه وهداه الى مكارم الاخلاق وثقفه»[8]. وبالاجمال، فقد كان علي بن ابي طالب (ع) في حجر رسول الله (ص) قبل الاسلام، وهي ميزة لم يختصّ بها احدٌ غيره.

ومن كلام له (ع) متحدثاً عن اخلاقية رسول الله (ص): «ولقد قرن الله تعالى به (ص) من لَدُنْ أن كان فطيماً أعظمَ ملكٍ من ملائكته، يسلكُ به طريقَ المَكارمِ، ومحاسنَ أخلاقِ العالَم، ليلَهُ ونهارَه. ولقد كنت اتبعهُ اتّباع الفصيل اثر أمه، يرفع لي في كل يوم علماً من اخلاقه، ويأمرني بالاقتداء به... ولقد كان يجاور بكل سنة بحِراء[9] فأراه ولا يراه غيري»[10].

 

الدلالات العلمية للنصوص

يُستنتج مما ذكر من نصوص ان طفولة علي (ع) كانت ارضاً بكراً لرسول الله (ص) يغرس فيها ما يشاء من علم ومعرفة وحكمة ودين. ويمكن استلهام ذلك من النقاط التالية:

1-كانت مبادرة رسول الله (ص) بسئوال عمه العباس للتخفيف عن ابي طالب، ثم اختياره لضم علي (ع) الى جنبه قضية متميزة. فتلك القضية لم تكن مجردة عن مضامينها الرسالية والدينية. خصوصاً اذا ما لوحظ اعجازية ولادة علي (ع) في الكعبة المشرفة، والبركة والخير للذين رافقا تلك الولادة، واهتمام رسول الله (ص) بذلك. فلو كانت القضية مجرد اختيار عابر لاختار (ص) جعفراً مثلاً. ولكن قضية الاختيار كانت قضية محكمة ليكون علي (ع) الى جنب رسول الله (ص) يصنع الاحداث الجسيمة اللاحقة ويشارك في توجيهها. ويؤيده كلامه (ع): «... وقد علمتم موضعي من رسول الله (ص) بالقرابة القريبة والمنـزلة الخصيصة...». ولا تأتي المنـزلة الخصيصة الا بميزة يمتاز بها المُنـزَل عند المُنـزِل.

2- اذا ضممنا مناصرة ابي طالب لرسول الله (ص) بعد النبوة ورعايته قبلها، لاستنجبنا بان تركه قرار الاختيار لرسول الله (ص) كان قراراً حكيماً، خصوصاً ان ابا طالب كان يلحظ الاهتمام الذي كان يوليه رسول الله (ص) لعلي (ع) وهو لما يزل حدثاً صبياً. ولا شك ان رسول الله (ص) كان مصمِّماً على اختيار وزيره وناصره. فكان سؤاله (ص) ابا طالب سؤال تأدب فضلاً عن كونه سؤال اقتضاء.

3- مع ان المؤرخين لم يذكروا على وجه التحديد السنة التي ضُمّ فيها علي (ع) الى بيت النبي (ص)، لكن المقطوع به ان ذلك كان بعد زواجه (ص) بخديجة (رضوان الله عليها). والمفترض ان علياً (ع) كان صبياً عمره ست سنوات، لان المشهور انه اسلم (ع) وهو في السنة الثالثة عشرة من عمره. فيكون بقاؤه مع النبي (ص) قبل اسلامه سبع سنوات كما سنبحث ذلك في الفصل القادم باذنه تعالى.

4- ان من آثار التربية النبوية لعلي (ع) في تلك السن المبكرة هي انها رسّخت الخصال النبوية فيه (ع)، فشبّ معها ذلك الصبي المتميز على منهج رسالي مرسوم. ولا شك ان اشتمال النبي (ص) على سجايا النبوة وشمائلها كان امراً عظيماً تقف امامه العقول منبهرة والعواطف جياشة والعيون خاشعة. فهو صاحب الجلال والكمال والجمال النبوي. فلا ريب ان نرى علياً (ع) يتعلم من رسول الله (ص) كمال الادب وعظمة الخُلق وعفة اللسان وسماحة النفس والشجاعة والأيد. كما اشار الى ذلك بقوله: «... ولقد كنت اتبعه اتّباع الفصيل اثر أمّه، يرفع لي في كل يوم علماً من اخلاقه...».

بل انه (ع) شهد علامات النبوة التي اعترت رسول الله (ص) بعد نزول الوحي. وهو الذي قال: «كنا مع رسول الله (ص) بمكة، فخرج في بعض نواحيها، فما استقبله شجر ولا جبل، الا قال له: السلام عليك يا رسول الله...»[11]. وهو منسجم مع اعجازات الرسالة السماوية، والقدرة الالهية على فعل الاشياء الخارقة للعادة. مع اننا نعلم بان الشجر والجبل من الاشياء الصماء التي لا تعقل ولا تنطق، ولكن ينطقها الذي يُنطق كل شيء.

والى ذلك اُشير في حاشية «سيرة ابن هشام» قول السهيلي: «وهذا التسليم _ أي قول الاشياء الصماء السلام عليك يا رسول الله (ص) _ الاظهر فيه ان يكون حقيقة، وأن يكون الله انطقه انطاقاً، كما خلق الحنين في الجذع. ولكن ليس من شرط الكلام _ الذي هو صوت وحرف _ الحياة والعلم والارادة. لانه صوت كسائر الاصوات، والصوت عرض في قول الاكثرين...»[12].

وفي رواية مروية عن الامام الصادق (ع): «كان علي (ع) يرى مع النبي (ص) قبل الرسالة الضوء ويسمع الصوت»[13]. والمراد من الضوء والصوت ضوء الوحي وصوته. وهذا لا يتنافى مع جلال النبوة وحرمتها، فالموحى اليه هو رسول الله (ص) فقط. ولكن لكون علي (ع) الوصي والوزير والخليفة من بعده (ص) فانه كان يرى ويسمع. ولا شك ان الامر مقيّد بزمان سبق زمن الرسالة. وهذا يؤكد ان النبي (ص) كان يمر بمرحلة اعداد وتهيئة للنبوة.

5- لم يكن للذين حاربوا علياً (ع) بعد ظهور الرسالة من ميزة القرب من اجواء الوحي وعطر النبوة. فقد كان ابو سفيان ومعاوية وعمر يعيشون اجواء الوثنية في بيوتهم. هنا لابد من التوقف قليلاً لبحث وجهٍ من وجوه الاجواء الوثنية في مكة في الوقت الذي كان علي (ع) يعيش في بيت رسول الله (ص) اجواء الطهر والوحي والارتباط بالسماء.

 

الاجواء الوثنية في مكة

وكانت مكة تعيش قبل الاسلام أجواءً تسيطر عليها الافكار الاجتماعية الوثنية. وكان الذين دخلوا الاسلام لاحقاً وتنعموا بمرافقة النبي (ص) وصحبته، انفسهم من الناشطين في فعاليات ذلك المجتمع الجاهلي.

فقد كان ابو بكر يعيش مع والده «ابو قحافة» الذي كان اجيراً عند «عبد الله بن جدعان» للنداء على طعامه[14]. والى هذا اشار امية بن الصلت في قصيدته التي يمدح فيها عبد الله بن جدعان:

له داع بمكة مشمعل                             وآخر فوق دارته ينادي[15]

وكان «عبد الله بن جدعان» نخّاساً يبيع الجواري[16] في الجاهلية.

       اما عمر بن الخطاب فقد كان دلالاً يسعى بين البائع والمشتري[17]. وقيل انه كان في الجاهلية مبرطشاً[18] وهو «الذي يكتري للناس الابل والحمير ويأخذ عليه جعلاً».[19]

وطبيعة اسلام عثمان بن عفان [20] تكشف عن المحيط الذي كان يعيش فيه. قال البلاذري: «ولما اسلم عثمان بن عفان اوثقه عمه الحكم بن ابي العاص ابن امية، رباطاً وقال: أترغب عن دين آبائك الى دين مُحدَث، والله لا احلّك ابداً، فلما رأى صلابته في دينه تركه. وحلفت امه (اروى بنت كريز) ألا تأكل له طعاماً، ولا تلبس له ثوباً، ولا تشرب له شراباً حتى يدع دين محمد، فتحولت الى بيت اخيها (عامر بن كريز) فاقامت به حولاً، فلما يئست منه رجعت الى منـزلها. قالوا: وأتى عثمان ابا احيحة فقال له: اني قد آمنت واتبعت محمداً (ص) فقال: قُبّحِتَ وقُبّحَ ما جئت به ثم خرج من عنده وأتى ابا سفيان بن حرب، فاعلمه اسلامه فعنفه»[21].

اما معاوية بن ابي سفيان، فقد اسلم مع أبيه وأمه وأخيه يزيد يوم فتح مكة[22]. والمقطع التالي يكشف عن الوضع الاجتماعي والاخلاقي الذي كان يعيشه اولئك النفر قبل الاسلام:

لما عزم النبي (ص) على فتح مكة، لجأ ابو سفيان الى العباس عمّ النبي مضطراً، والتمسه ان يأخذه الى رسول الله (ص). فاردفه العباس على بغلة رسول الله (ص) واتى به الى النبي (ص) بعد ما مكث ابو سفيان عشرين سنة عدواً لرسول الله (ص) يهجو المسلمين ويهجونه[23] ويعاديه عداوة لم يعادها أحدٌ قط. قال العباس لابي سفيان: ويحك اسلم واشهد ان لا اله الا الله، وان محمداً رسول الله.

فحين عرض النبي (ص) الاسلام على ابي سفيان قال له: كيف اصنع بالعزّى؟ فسمعه عمر بن الخطاب من وراء القبة فقال له: ت خ ر أ عليها، فقال له ابو سفيان: ويحك يا عمر، انك رجل فاحش[24]. فاسلم في الظاهر ولم يؤمن بقلبه. وذلك لما رواه المقريزي باسناده ان ابا سفيان دخل على عثمان، حين صارت الخلافة اليه، فقال: قد صارت اليك بعد تيم وعدي، فأدرها كالكرة واجعل اوتادها بني امية فانما هو الملك ولا ادري ما جنة ولا نار[25]. وفي رواية اخرى انه قال: أهل في الدار احد غير بني امية؟ وكان اعمى فقيل له: لا. فقلا: تلقفوها يا بني امية تلقف الصبيان للكرة، فوالله ما من جنة ولا نار ولا حساب ولا عقاب.

اما هند زوجة ابي سفيان فقد كانت من اعداء الاسلام ومناصري الشرك والوثنية. يقول ابن الطقطقي: «وكانت في وقعة اُحد، لما صرع حمزة بن عبد المطلب (رضي الله عنه) عم رسول الله (ص) من طعنة الحربة التي طعنها [وحشي] جاءت هند فمثّلت بحمزة وأخذة قطعة من كبده فمضغتها حنقاً عليه لانه كان قد قتل رجلاً من اقاربها، فلذلك يقال لمعاوية: ابن آكلة الاكباد. ولما فتح النبي (ص) مكة حضرت اليه متنكرة في جملة نساء من نساء مكة أتين ليبايعنه، فلما تقدمت هند لمبايعته اشترط (صلوات الله عليه وآله) شروط الاسلام عليها، وهو لا يعلم انها هند. فأجابته بأجوبة قوية على خوفها منه. فمما قال لها وقالت:

قال لها (ص): «تبايعنني على ان لا تقتلن اولادكن». وكانوا في الجاهلية يقتلون الاولاد.

فقالت هند: اما نحن فقد ربيناهم صغاراً وقتلتهم كباراً يوم بدر.

فقال (ص): «وعلى ان لا تعصينني في معروف».

قالت: ما جلسنا هذا المجلس وفي عزمنا ان نعصيك.

قال (ص): «وعلى ان لا تسرقن».

قالت: والله ما سرقت عمري شيئاً اللهم الا انني كنت آخذ من مال ابي سفيان شيئاً في بعض الوقت. وكان ابو سفيان زوجها حاضراً. فحينئذٍ علم رسول الله (ص) انها هند.

فقال (ص): هند؟

قالت: نعم يا رسول الله. فلم يقل شيئاً لان الاسلام جبّ ما قبله.

ثم قال (ص): «وعلى ان لا تزنين».

قالت: وهل تزني الحرة؟ قالوا: فالتفت رسول الله (ص) الى العباس (رضي الله عنه) وتبسم»[26].

فلا ريب ان الاسر الجاهلية في مكة وغيرها كانت ترتكب اعمالاً تتناسب مع الوضع الجاهلي السائد من عبادةٍ للاصنام وشربٍ للخمر وانتهاكٍ للحرمات. بينما كانت اسرة رسول الله (ص) واجداده من بني هاشم من الاسر الموحّدة التي لم تلوّثها الجاهلية بأعرافها وتقاليدها ومعتقداتها.

 

التعلم في الصغر

سمعنا آنفاً قوله (ع) وهو يشير الى معلمه الاول رسول الله (ص): «... ولقد كنت اتبعه اتّباع الفصيل اثر امه، يرفع لي في كل يوم علماً من اخلاقه...»[27]. فماذا نستقرأ من ذلك؟

من الطبيعي ان ذهن الصبي صفحة بيضاء مستعدة لالتقاط العلم والمعرفة. والتعلم في الصغر يغير سلوك الانسان تغييراً نهائياً، لان العلم ذاته يؤدي الى ترجمة عملية للمعلومات المخزونة عند الفرد منذ الطفولة. فاذا كان العلم الذي يستلمه الانسان في الصغر علماً الهياً، فان ذلك سوف يرفعه الى مستويات من الكمال والجمال عندما يبلغ مبلغ الرجال. وكان في شخصية الصبي العظيم (ع) بذور الاستعداد الاستثنائي للاخذ من رسول الله (ص) معاني التوحيد وطبيعة الخلق والوجود وخصوصية العبودية لله سبحانه.

 1- الاستعداد الذاتي:

وكان ذلك الاستعداد الهائل عند علي (ع) لتقبل العلم الالهي واستيعابه نابعاً عن شخصيته الفريدة (ع) ولم يكن مستنداً على الاسلوب التعليمي التقليدي في مجازاة الطفل ثواباً أو عقاباً.

ولا شك ان انتقال علي (ع) الى بيت رسول الله (ص) وهو في ربيع صباه، يعني انه (ع) سوف يكون قادراً _ عبر التعليم النبوي _ على صقل دوافعه الدينية نحو الخالق عزّ وجل، وعلى تنمية مواقفه الفكرية مع الشريعة القادمة، وعلى ترسيخ الجمالية الدينية والاخلاقية السماوية التي كان يتمتع بها نبي الرحمة (ص) في شخصيته (ع). وكان لتلك التربية النبوية أثرٌ واضحٌ في قدراته اللغوية في الفصاحة والبلاغة، وأثرٌ أوضح في مهاراته الذهنية والعقلية فيما يتعلق باستيعاب قضايا الخلق والايجاد والوجود والحياة استيعاباً لم يسبق له مثيل. فلا عجب ان نسمع رسول الله (ص) يقول عنه (ع) يوماً: «انا مدينة العلم وعلي بابها»[28].

 2- طرق التعلم الديني:

لو طالعنا وصايا رسول الله (ص) لعلي (ع) في كتاب «تحف العقول عن آل الرسول (ص)» لابن شعبة الحراني (من اعلام القرن الرابع الهجري) وهو من علماء الامامية الافذاذ ومن مشايخ الشيخ المفيد (ت 413 هـ)، لاكتشفنا بعضاً من اساليب التعليم النبوي لعلي (ع). فهو يقول (ص):

«يا علي: ان من اليقين ان لا تُرضي احداً بسخط الله...

يا علي: انه لا فقر اشد من الجهل...

يا علي: آفة الحديث الكذب...

يا علي: عليك بالصدق ولا تخرج من فيك كذبة ابداً...

يا علي: في التوراة اربع الى جنبهن اربع: من اصبح على الدنيا حريصاً اصبح وهو على الله ساخط...

يا علي: قلة طلب الحوائج من الناس هو الغنى...»[29].

وهذا الاسلوب في التعليم النبوي لعلي (ع) يختلف عن التعليم التقليدي لعامة الافراد، بالامور التالية:

أ- ان التعلم النبوي لا يخضع لتعليمات الحوافز العادية التي يمارسها عامة الناس، ذلك ان شخصاً كعلي (ع) يستلهم العلم الضروري في حياته الرسالية من رسول الله (ص). وهو مقدار يزيد ولا ينقص. بينما يستند التعلم التقليدي على عملية الحافز- الاسجابة عند الصبي فمن خلال الخبرة المتمادية خلال مراحل الطفولة والصبا، يتعلم الانسان الكثير من المعارف والعادات الاجتماعية. وكلما يختبر الانسان حافزاً في عملية التعليم، يستجيب له عبر المحاكاة والتقليد. فاذا رأى الفرد مجتمعه مؤمناً بالوثنية، وهذا هو الحافز، فانه يستجيب له بالايمان بالوثنية عبر محاكاة القوم وتقليدهم وهذه هي الاستجابة. بينما يخضع العلم الالهي المكتسب من معصوم كرسول الله (ص) لعملية استيعاب استثنائية وقدرة عظيمة. وتلك القدرة توفّرت عند علي (ع) فكان العلم بالرسالة السماوية والايمان بها من هذا القبيل. فلم يؤمن علي (ع) بالاصنام ولا بالاوثان، لان علمه لم يكن مقتبساً من المجتمع. بل كان علمه (ع) مستلهَماً من سلوك رسول الله (ص) لفظاً وعملاً

ب- ان عملية التعلم التقليدي عملية تدريجية بطيئة. بينما تكون عملية التعلم السماوي عملية استيعاب سريعة بحيث يسقط الحساب الزمني فيها. فما يأخذه الانسان العادي خلال عمر طويل، قد يأخذه المعصوم (ع) خلال فترة زمنية قصيرة. وهذا يفسر لنا نطق عيسى (ع) وهو المهد، وإيتاء يحيى (ع) الحكم صبيّاً، وامامة الامامين الجواد والمهدي (عليهما السلام)، وهما في مرحلة الصبا.

وما أخذه علي (ع) خلال سبع سنوات قبل الاسلام، أي منذ كان عمره ست سنوات وحتى بلوغه الثالثة عشرة، كان كافياً لاستيعاب مفردات الرسالة الجديدة عندما اسلم. فكان اسلامه (ع) اسلام وعي وفهم لا اسلام تقليد ومحاكاة. والى ذلك أشار (ع) في مخاطبته معاوية:

سبقتكم الى الاسلام طراً                      غلاماً ما بلغتُ أوان حلمي[30]

ج- ان عملية التعلم التقليدية عند الاطفال تخضع لعملية جزائية ثواباً أو عقاباً. أي انها تخضع اما الى الثناء على الطفل واطراءه من قبل أبويه عند تعلمه امراً ما، أو الى توبيخه وضربه عند اتضاح جهله وعدم نباهته. بينما تخضع عملية التعلم السماوي الى الاستعداد الخاص للمعصوم (ع) لاستيعاب كمّية واقعية هائلة من المعلومات عن الحياة والوجود والخلق والخالق والشريعة والقانون ؛ بل كل ما يتعلق بالحياة الدنيوية ومقدار عظيم من خفايا الحياة الأخروية.

وفي كل تلك الحالات تكون النتيجة ان المعصوم (ع) ينشأ مسلّحاً بفهم شامل وكامل للأحكام الواقعية والقضايا الحقيقية، بينما ينشأ الفرد الذي لم يوهب تلك النعمة ناقصاً في اداركه للواقع ومحدوداً في كمية المعلومات التي يتقبلها.

 

آليات التعليم النبوي

كان رسول الله (ص) جادّاً في طلب علي (ع) وهو في ربيع الصبا، من اجل هدف خُطط له، وهو بناء شخصيته بناءً فيه مصلحة للاسلام الى يوم القيامة. وكان رسول الله (ص) مهتمّاً بعلي (ع) من اجل ان يبني في شخصيته الرسالية أربعة اركان هي: اللغة، والدين، والعاطفة، والاخلاق. واجتماع تلك الاركان في شخصية واحدة كشخصية علي (ع) كفيلٌ بصنع قدوة من الطراز الاول بعد رسول الله (ص). فهو الذي جمع كتاب الله المجيد وفسره وبيّن محكمه من متشابهه وظاهره من باطنه وناسخه من منسوخه، وهو الذي قام بجميع مهمات الولاية الشرعية من بعد رسول الله (ص). وبقي الفكر الرسالي لامير المؤمنين (ع) مُشعّاً، فيما جُمعَ ابلغ ما قاله في كتاب «نهج البلاغة» يهدي للأجيال المتلاحقة نور الرسالة . وبقيت شجاعته مضرب الامثال ورمز انتصار الايمان على الشرك. وبقيت اخلاقه منار هداية للعالمين . وبقي زهده وتقواه وتعبده، المثال الذي يحتذى في كل عصر ومصر.

1- اللغة والالفاظ:

ان اهم المهارات التي يتعلمها الفرد في مرحلة الصبا هي اللغة والفصاحة التي ينبغي ان يمارسها خلال مراحل حياته الجديدة. ونظرة معمقة لبلاغة امير المؤمنين (ع) نلحظ المسحة النبوية في عباراته من إحكام العبارة، وقوة المضمون، ومقدار اليقين في منطوق الكلمات ومفاهيمها.

أ - اللغة والنفس:

فان أهم ما يولده حسن تعلم اللغة عند الانسان هو السلوك اللفظي النظيف، وجمال التعبير الذي ينقل المعنى الى المخاطبين بصورة دقيقة وسليمة وخالية من الاضطراب والتشويش. وهذا الامر ينطبق على صورتين: الخطابة والكتابة. فالالفاظ او الحروف حالة توسطية في الخطاب بين المخاطَب والمخاطِب.

فاذا تعلم الفرد كلمة «السيف» مثلاً فانه يستطيع ان يستبدلها في ذهنه ويتلفظ بكلمة «الحُسام» لنفس المعنى المطلوب. واذا تعلم لفظة «اللبون» فانه يستطيع استبدالها بلفظة «الناقة». واذا تعلم كلمة «الآنّة» فانه يستطيع استبدالها بكلمة «الشاة».

فهنا لعب التوسط دوراً في اختيار الالفاظ التي تشترك في نفس المعاني . فالاصل ان يدرك الانسان معاني الاشياء، ثم يتعلم الالفاظ المرتبطة بها حتى يستطيع لاحقاً ايصالها الى الناس عبر تراكيب متعددة بليغة في غاية الدقة والجمال.

وكان علي (ع) يتعلم طبيعة اللغة الدينية من رسول الله (ص) مستنداً على ابعاد ثلاثة، لمسناها بوضوح خلال مراحل حياته اللاحقة الخصبة بالمعاني والاحداث. وتلك الابعاد هي:

الاول: البُعد التقييمي، وهو الذي يقيّم