(ص 901 -913)

 3 _ الاعتقال والسجن

ان اغلب المجتمعات الانسانية الحديثة لديها مؤسسات رسمية لاعتقال الجناة وحبسهم. ومؤسسات السجون تمارس تضييقاً _ قانونياً _ على حريات الجناة من خلال عزلهم عن المجتمع العام.

وربما كان امير المؤمنين (ع) من اكثر الاولياء تشدداً في النظرية الجنائية، من حيث بناؤه سجن الكوفة بالآجر والجص حتى لا يهرب الجناة من ذلك المحبس أو المخيّس. وبذلك اعاد الامام (ع) للدولة هيبتها. فما فائدة السجن المبني من القصب، حيث يتمكن المجرمون الهرب منه فيرتكبون عندها جنايات جديدة؟ ولكن امير المؤمنين (ع) باعادة بنائه سجن الكوفة، قد أعاد للقوة الاخلاقية دورها في تثبيت الامن الاجتماعي للناس. 

أ _ وظائف السجن:

والسجن بحد ذاته ليس محط العقوبة، بل ان العقوبة الحقيقية هي التي تمسُّ جسد الانسان من حيث القصاص والقطع والجلد. ولكن للسجن دوراً مهماً في عزل الجناة عن المجتمع العام، وحرمانهم من الاختلاط مع بقية الناس. فتحديد حرية الجاني في قضايا معينة مثل (حبس الفاسق من العلماء، والجاهل من الاطباء، والمديون غير المفلس، والرجل الملتوي على غرمائه...ونحوهم)، كلها تساهم في تنظيم الحريات العامة للناس.

وبكلمة، فان للسجن وظائف مهمة في الحياة الاجتماعية. فمن تلك الوظائف:

1 _ تقليل حجم الاحتيال في المجتمع من خلال حبس المحتالين والمفسدين ونوع معين من المفلسين والسيطرة على سلوكهم العام.

2 _ عزل الجناة عن المجتمع بانتظار تنفيذ العقوبات التي تصدر بحقهم.

3 _ ان السجن نوع من العقوبة تجاه حالات معينة من الجنايات كالسرقة للمرة الثالثة ونحوها.

وبتلك الوظائف المهمة، اصبح السجن مؤسسة من مؤسسات الدولة في زمن امير المؤمنين (ع). ذلك ان الامن العام في النظام الاجتماعي يحتاج الى مؤسسة من هذا القبيل.

ومن الطبيعي فان الحدود الاخلاقية لاعتقال الجناة وسجنهم قد شُخّصت في الاسلام. فكان المعاقب (خصوصاً المقطوع) يُطعم في السجن: السمن والعسل حتى يبرأ.

ففي الرواية عن الحارث بن حضيرة، قال: مررتُ بحبشي وهو يستقي بالمدينة فاذا هو اقطع. فقلت له: من قطعك؟ قال: قطعني خير الناس. انا اُخذنا في سرقة ونحن ثمانية نفر فذُهب بنا الى علي بن ابي طالب (ع) فأقررنا بالسرقة. فقال لنا: تعرفون انها حرام؟ فقلنا: نعم. فأمر بنا فقُطعت اصابعنا من الراحة وخليت الابهام. ثم اُمر بنا فحُبسنا في بيت يطعمنا فيه السمن والعسل حتى برئت ايدينا. ثم اُمر بنا فاُخرجنا، وكسانا فاحسن كسوتنا، ثم قال لنا: ان تتوبوا وتصلحوا فهو خيرٌ لكم يلحقكم الله بايديكم في الجنة، والاّ تفعلوا يلحقكم الله بأيديكم في النار[1].

وظاهر بقية الروايات ان السجناء كانوا يطعمون اواسط طعام الناس، الا استثناءً كما هو الحال في المؤلي حتى يطلّق. ولكن الاصل عدم اجحاف السجناء حقهم في الطعام واللباس.

ب _ اهداف السجن:

والقاعدة ان الحرمان النفسي والجسدي للسجين من الاتصال بالمجتمع الكبير، يفرض عليه ضغوطاً من اجل تغيير سلوكه الاجتماعي. ومن هنا كان السجن علاجاً لبعض الحالات الانحرافية المتمثلة بالفاسق من العلماء والجاهل من الاطباء والسارق للمرة الثالثة ونحوهم. أي ان السجن لا يصلح ن يكون أداةً لعلاج مطلق الجنايات والجرائم، كما هو معمول به اليوم في مجتمعات العالم.

وهذا يثبت صحة النظرية الجنائية الاسلامية، حيث انها احتوت على الوان متنوعة من العقوبات تناسب الانواع المتعددة من الجنايات. فالقتل والجرح عدواناً لا ينفع معه السجن، بل تنفع معه عملية القصاص. والى ذلك اشار تعالى: (ولَكُم في القِصاصِ حَياةٌ يا أُولي الألبابِ لَعلَّكُم تتقُونَ)[2]. والسرقة، بتحقق شروطها، لا ينفع معها السجن، بل تنفع معها عملية قطع اليد. وشرب الخمر لا ينفع معه السجن، بل ينفع معه الجلد ثمانين جلدة. والسرقة للمرة الثالثة تكشف عن ان السارق محترف، فلا ينفع معه الا السجن المؤبد، وهكذا. والقاعدة ان العقوبة تناسب الجناية من حيث تأثيرها على النظام العام للناس.

ولذلك قيل ان العلاقة وثيقة بين السجن والسجين. فتأثير العُزلة القسرية على الجاني يطبع ببصماته على الدور الاجتماعي لذلك الانسان. خصوصاً عندما يستنشق عبير الحرية مرة اخرى.

والمعاقبون في عهد الامام (ع) كانوا _ وعندما تنتهي عقوبتهم _ يخرجون الى المجتمع الكبير ويعملون بحرية. ورواية الاقطع الذي قطعه خير الناس، تدلّ على الراحة النفسية التي كان يتمتع بها عندما قال: قطعني خيرُ الناس علي بن ابي طالب (ع). وتدلّ ايضاً على انه كان يعمل في المدينة في حقل السقاية. وهذا يعني انه ترك حرفة السرقة، وتوجه نحو العمل الحلال كي يكسب رزقاً حلالاً مباركاً.

والامام امير المؤمنين (ع) كان مكلفاً بتطبيق حكم الله تعالى في اولئك الجناة. والا، فليست هناك مشاعر شخصية عدائية بينه (ع) وبينهم. والمهم في الرواية انه (ع) اوصاهم بالتوبة والصلاح.

وبالاجمال، فان اهم ما يشعر به السجين في السجن هو: الذنب، والعار مما ارتكبه من جناية. ولكن العار يُمحى بالتوبة. وانتهاء العقوبة تُرجع ذلك الانسان الى بحر الساحة الاجتماعية. ولذلك خاطبهم الامام (ع): ان تتوبوا وتصلحوا فهو خيرٌ لكم يلحقكم الله بأيديكم في الجنة، والا تفعلوا يلحقكم الله بأيديكم في النار[3].

 

4 _ الجناية والقانون الجنائي

لا شك ان للجناية مسببات وأرضية تنشأ فيها. فهي لا تنشأ من فراغ، بل ان للوضع الاجتماعي دوراً أساسياً في إحداثها وإستحفالها. فكيف يصبح الجاني جانياً؟ وما هي العلاقة بين ثقافة الانسان او حاجته وبين ارتكابه الجناية؟

لابد ان يكون هناك سببٌ عام للجنايات المتعددة التي يرتكبها الانسان، ايّاً كان منشأه أو ثقافته او لغته. والمبنى العقلي هنا هو اننا لو عالجنا ذلك السبب العام، لحذفنا الجناية او الجريمة المتعمدة من قائمة الاحداث الاجتماعية.

وهنا يحاول القانون الجنائي في العقوبات والسجون تخفيف آثارالجريمة عبر معاقبة الجاني او تغريمه بدفع الدية، او اصلاحه في الموارد التي يتحتم فيها اصلاحه. وتلك المحاولة تؤدي الى منع حدوث الجناية مستقبلاً. فالقانون الجنائي هو قانون ردعي، فضلاً عن كونه قانوناً يقتص من الجاني، ويساعد اسرة المجني عليه عبر دفع الدية. 

أ _ أسباب ارتكاب الجناية:

لا تحصل الجناية لسبب واحد منفرد، بل لابد من تضافر مجموعة اسباب تحمل الفرد على الانحراف وارتكاب ما لا يحل له ارتكابه. فقد يكون السبب وراثي، كما يدعي بعض علماء الاجتماع. وقد يكون السبب اختلالات عقلية. وقد يكون عوامل اجتماعية مثل الفقر والحاجة والجهل ونحوها. وقد تجتمع كل تلك العوامل في وقت واحد. فشرب الخمر مثلاً يؤدي الى ذهاب العقل والهذيان، فتكون احتمالية ارتكاب الجريمة من قبل شارب الخمر أقوى، ولذلك قال امير المؤمنين (ع): «ان الرجل اذا شرب الخمر سكر. واذا سكر هذى. واذا هذى افترى. فاجلدوه حد المفتري»[4].

والحاجة والفقر قد تؤديان الى ارتكاب السرقة. والجهل باحكام الدين وقلة الثقافة الاجتماعية قد يؤدّيان الى ارتكاب الفواحش ونحوها. وهنا تكون تلك العوامل اسباباً لارتكاب الجناية. فارتكاب الجناية اذن قد يخضع الى عوامل متراكبة تساند بعضها بعضاً.

ولا شك ان لارتكاب الجناية منشأً نفسياً. فالوضع النفسي والاجتماعي يؤثران على شخصية الانسان وعلى توازنه العقلي. فاذا كان الانسان من منشأٍ وضيعٍ، فان احتمال ارتكاب الجناية يكون وارداً. وإن كان منشأ الانسان شريفاً (حتى لو كان فقيراً) فان احتمال ارتكاب الجناية يكون ضئيلاً للغاية. وهذا المبنى يغاير اغلب النظريات النفسية المعاصرة التي ترى في الفقر عاملاً رئيسياً في ارتكاب الجناية.

اذن، فان اهل الشرف واهل البيوتات الصالحة هم ابعد الناس عن ارتكاب الجناية، وان اهل الضعة واهل الالاعيب السياسية هم اقرب الناس الى ارتكاب الجناية. وليس للفقر الا دورٌ هامشي في ذلك، والى ذلك اشار الامام (ع) على عامله بان يلتصق «بذوي المروءات والاحساب، واهل البيوتات الصالحة...»[5].

والجنايات ترتكب من قبل اهل الجهل على الاغلب. اما اهل العلم، فما ابعدهم عن ذلك. لان العلم بالدين والثقافة الاجتماعية يقللان من فرص الانحراف عن المجرى الاجتماعي العام.

والفكرة الاساسية هنا هو ان الوضع الاجتماعي الصحيح والظروف العادلة التي يعيشها الانسان هي التي تؤدي بالناس الى سلوك سلمي غير عدواني. أي ان العدل، ووضع الامور مواضعها، واشباع حاجات الانسان هي التي تصرف ذهن الانسان عن التفكير بارتكاب الجنايات. وكان عصر الامام (ع) مثالاً طيباً لذلك.

ذلك ان حكومة العدل تقلل الجناية الى ادنى حد ممكن. لانها تشجع على عمل الخير وتحبب السلام الاجتماعي في الامة. وطبيعة الناس تقلّد بعضها بعضاً في السلوك الخارجي. فاذا كان الاغلب يحبون عمل الخير، قلّدت الاقلية الشاذّة هؤلاء الاخيار.

ولما كانت حكومة الامام (ع) حكومة عدل وانصاف بحيث اشبعت حاجات الفقراء، فلم يكن هناك تذمر يدعو الى ارتكاب الجريمة. بل كانت هناك طمأنينة عند الامة، بانتظام الامر الديني في المجتمع.

وبالاجمال، فان السلوك الاجرامي يتضخم عندما يستشعر المجتمع ظلماً في الحقوق، وضعفاً في الحكومة. بينما ينتفي ذلك السلوك عندما يعيش الناس عدلاً وانصافاً في الحقوق والواجبات، وقوةً في الحكومة. وهكذا كانت حكومة الامام (ع) عادلة وقوية. عادلة بين الفقراء والاغنياء، وقوية في تطبيق حكم الله في الحدود والعقوبات.

والقاعدة ان الثقافة الدينية تدعو المؤمن الى السلام الاجتماعي مع الآخرين، ولا تدعوه الى ارتكاب العنف والجريمة ضد الآخرين. فالاسلام يشجع على صلة الرحم، وبر الوالدين، والاعتناء بالجار، والاخوة الدينية، ومبادئ الصداقة مع الناس. واي كسرٍ لتلك العلاقات الاجتماعية يعني فتح الباب لارتكاب الجنايات والعنف في المجتمع.

ب _ أشكال الجنايات:

لا شك ان تعريف الجناية وضبط حدودها يرجع الى القانون الجنائي. فاذا صرح القانون الشرعي الجنائي بان القتل المتعمد جريمة، عُدّت تلك العملية في ازهاق روح بريء جناية يُعاقِب عليها القانون. واذا قال القانون الشرعي بان ارتكاب السرقة جناية، عُدّت تلك العملية في كسر الحرز عملية جنائية. واذا اعلن القانون الشرعي ان ارتكاب الفاحشة جناية، عُدّ ذلك العمل عملية يعاقب عليها القانون.

فالجناية هو كل ما يصفه لنا الشرع بانه جناية. ومن هنا نعلم ان حدود الجناية هي تلك التي يحددها لنا القانون الشرعي. ولا سبيل لنا لمعرفة ذلك الا عن طريق الدين.

ومن الطبيعي فان الجناية تشمل عنصرين هما: الجاني والمجني عليه. ومساحة الجناية في المجتمع واسعة. فالجاني هو من يقوم بعدوان وظلم ضد انسان آخر. فمعاوية مثلاً كان جانياً لانه انتهك حرمة ولاية امير المؤمنين (ع)، وخلفاء بني العباس كانوا جناةً لانهم انتهكوا حرمة اموال شريحة عظيمة من المسلمين ودماءهم واعراضهم، والخوارج كانوا جناةً لانهم قتلوا المؤمنين وارعبوهم وحاربوا امامهم ظلماً، وهكذا.

فالجناية هنا ليست جناية ضد النفس المحترمة فحسب، بل هي جناية ضد الملكية وضد حقوق الفقراء وضد الولاية الشرعية.

ولم يكن امير المؤمنين (ع) ضد انتقال الثروة من يد الى يد عبر البيع والشراء والتعامل الشرعي، بل كان ضد انتقال الثروة بالطريق المنافي للشرع. ولم يكن الامام (ع) ضد المعارضة اللفظية، ولكنه كان ضد الفساد في الارض. ولم يكن الامام (ع) ضد قريش كقبيلة، ولكنه كان ضد الذين حرّفوا وصية رسول الله (ص). لقد تعامل امير المؤمنين (ع) بهدوء وحزم تجاه كل الجنايات التي ارتكبت في عهده (ع).

وعلى العموم، فان الجناية هي سلوك منحرف عن سلوك عام حدده لنا الشرع، وجعل له مؤسساته وقوانينه. أي ان الذي كشف الجناية لنا هو: عدم شرعيتها. فالتملك الحلال عبر الكسب وبذل الجهد هو عمل صحيح يرتب الشرع عليه آثاراً قانونية ايجابية. ولكن السرقة تعدّ حيازة مال عن طريق غير شرعي. وهذا الخط الفاصل بين الشرعية وعدم الشرعية، أي بين الكسب الحلال والسرقة، هو الذي عرّف لنا طبيعة الجناية ومرتكبيها.

وعندما نتحدث عن النظام الجنائي في الاسلام، فاننا نتساءل هل ان الجناية ستستمر في المجتمع بعد انشاء العقوبة على الجاني او لا؟ والجواب يأتينا من زمن الامام علي (ع) وهو: ان العقوبة الجنائية في الاسلام تقتلع الجريمة إقتلاعاً اساسياً من جذورها، لانها تتعامل مع جسد الجاني.

فالقصاص الذي قال فيه القرآن الكريم: (ولَكُم في القِصاصِ حَياةٌ يا أُولي الألبابِ...)[6] هو الوسيلة الاكمل في قطع دابر الجناية. لان القاتل لو سُجن فقط _ معاقبةً لقتله بريئاً _ فان جناية القتل سوف تتكرر في المجتمع. ذلك لان السجن وحده لا يكفي. ولكن لو طُبّق قانون القصاص على الجناة لارتدع الناس عن ارتكاب الجناية. وهنا كان النظام الجنائي في الاسلام اكمل الانظمة الجنائية في التعامل مع الجريمة على الاطلاق.

ورسالة معاوية الى ابي موسى الاشعري حول قتل ابن ابي الجسرى رجلاً كان على بطن امرأته، وقول الامام (ع): والله ما هذا في هذه البلاد وما هذا بحضرتي[7]، دليل على ان العدل الاجتماعي والعقوبة تجتثان الجناية من جذورها الاجتماعية.

ونستطيع ان نستقرىء بأن قلّة عدد الجنايات المرتكبة في مجتمع امير المؤمنين (ع) تكشف _ عموماً _ عن ارتفاع المستوى الاخلاقي للناس. وتلك نسبة طردية، فكلما ازداد عدد المؤمنين بالدين قلّت نسبة الجنايات. والعكس صحيح، أي كلما قلّ عدد المؤمنين ازدادت نسبة الجنايات بكافة انواعها. وتلك العلاقة الوثيقة بين القيم الاخلاقية السامية التي نشرها الامام (ع) وبين انعدام معدل الجريمة في المجتمع، كانت معلماً من معالم حكم امير المؤمنين (ع).

 

5 _ القانون الجنائي

يتضمن القانون الجنائي في الاسلام حجماً عظيماً من الاحكام الشرعية الخاصة بمكافحة الجريمة في المجتمع، عبر العقوبات المنصوصة في القرآن المجيد والسنة الشريفة. فالقانون الجنائي يمنح القاضي قوة نافذة في تطبيق حكم الله.

وهذا ظاهر، فالقانون الجنائي يعبّر عن القيم الاخلاقية التي جاء بها الدين الحنيف. وتطبيق ذلك القانون على الجناة يضمن للمجتمع حياة نظيفة من الانحراف، كريمة وخالية من مصادر القلق والاضطراب.

أ _ القوانين الجنائية:

ويمكننا تصنيف القوانين الجنائية زمن امير المؤمنين (ع) _ تصنيفاً استقرائياً _ الى عدة مجاميع:

الاولى: القوانين التي تحمي الحكومة والمجتمع من آثار الانحراف. وتسمى الجناية المرتكبة ضد الدولة بـ «المحاربة»، و«الافساد في الارض» (إنَّما جَزاءُ الذينَ يُحارِبُونَ اللهَ ورَسُولَهُ ويَسعَونَ في الأرضِ فَساداًَ أن يقتّلوا...)[8]. وهنا تدخل عناوين: محاربة النظام بالسلاح وارعاب الناس، وسرقة بيت المال وممتلكات الدولة، وخيانة الدولة بفرط اسرارها للعدو.

وقد تعامل الامام (ع) مع الخوارج على اساس انهم مفسدون في الارض، ومحاربون لدولة الاسلام.

الثانية: القوانين التي تحمي المجتمع من انتشار الرذيلة كالقيادة (جمع الناس على ارتكاب الفاحشة)، وترويج البغاء، وشرب الخمر، والفسق والمجون.

الثالثة: القوانين التي تحمي الافراد وتدافع عنهم وتقتص من الجناة الذين ارتكبوا جناياتهم ضد الناس ظلماً، كالقتل العمد، والجرح، والاعتداءات الظالمة بكافة اشكالها.

الرابعة: القوانين التي تحمي ملكية الناس، كالعقوبات الخاصة بالسرقة، والغصب.

الخامسة: القوانين التي تحمي حرية التجارة والعقود التجارية، وتحارب الربا والاحتكار والجشع.

وتلك القوانين التي تعبّر عن نظام جنائي واسع عرضه لنا الاسلام، كانت مطبّقة في عهد الامام (ع). وشمولية القوانين الجنائية بتلك الصورة، يعطي الناس صورة واضحة عما كانوا يتوقعون لو خالفوا النظام العام. فهنا لا غموض ولا غبار على جدية القانون الجنائي في التعامل مع الانحرافات الاجتماعية. ودور القضاء كان مطابقة الاحكام الجنائية لطبيعة الجنايات المرتكبة، ثم اصدار الحكم القضائي على الجناة. 

الجناية والحالة العقلية:

ان الجناية عمل خطير يقوم به الفرد وهو في حالة عقلية سليمة، ونية قطعية في انزال الاذى _ قتلاً او جرحاً _ بانسان آخر. ومن هنا عاقبت القوانين الجنائية الافراد الذين ينـزلون الاذى بالآخرين، في ظروف عقلية طبيعية.

فالظروف العقلية لها علاقة مباشرة بالعقوبة، ولذلك كان الامام (ع) يسأل عن الحالة العقلية للجناة. فاذا تبين انهم لا يعانون من اضطرابات عقلية، انزل حكم الله فيهم. فدراسة الحالة العقلية اذن، يعني دراسة الوضع العقلي للجاني. والجنون يُسقط العقوبة. و«الجنون» هنا اصطلاح قانوني اكثر مما هو اصطلاح طبي. بمعنى ان الاصطلاح القانوني يفصح عن عدم قدرة ذلك الانسان عى التمييز بين الخير والشر أو الحق والباطل أو الحقيقة والخيال.

والمقياس في تحديد الجنون هو: العرف العقلائي، الذي يعرّفه بانه فاقد العقل بصورة تامة. ذلك ان العرف العقلائي يعلم بان العاقل قادر على تحديد الخطأ من الصواب، والجهل من العلم، والشر من الخير، والباطل من الحق. بينما لا يستطيع المجنون تحديد ذلك. وهذا هو معنى «الجنون» في القانون الجنائي.

وشرب الخمر جريمة كان الامام (ع) يعاقب عليها، وهو الجلد ثمانين جلدة حد المفتري. وشرب الخمر من مقدمات ارتكاب الجريمة. لان الانسان _ بهذا العمل _ يفقد القدرة على التمييز بين الخطأ والصواب، والشر والخير، ويرتكب الجناية. والمخمور القاتل تثبت عليه عقوبتان: عقوبة شرب الخمر وهي ثمانين جلدة، وعقوبة القتل وهي القصاص. وهذا هو ما عاقب به امير المؤمنين (ع) احد الجناة في حالة جنائية من هذا القبيل.

ولا شك ان للقانون الجنائي استثناءات منها: المجاعة، فلا يعاقب سارق الطعام زمن مجاعة. والمخطىء في قتل الخطأ، يدفع الدية. واذا اقر الجاني بجنايته (فيما يتعلق بحقوق الناس كالسرقة) فللامام الحق في ان يعفو عنه. ولهذه الاستثناءات مبادئ شرحناها آنفاً. 

ج _ طريقة تطبيق القانون الجنائي:

ان الطريقة التي كان يطبق فيها القانون الجنائي تتم عبر القنوات التالية:

أولاً: التحقيق: فالتحقيق في الجناية كان من مهمات القاضي زمن الامام (ع)، او من تعينه الدولة وهو النائب العام في النظرية الحديثة. ولكن اول من يحقق في الجناية هو جهاز شرطة الخميس المسؤول عن استتباب الامن في البلاد. فالشرطة لها صلاحية القبض على الجاني واعتقاله وايداعه السجن. ثم يبدأ القاضي بالنظر في القضية.

ولم يقرّ الامام (ع) بنظرية «الاعتقال الوقائي» وهو اعتقال الافراد الذين يُشتَبَه بقيامهم بالعمل العدائي مستقبلاً. وقد ذكرنا امثلة على الخوارج في الفصول السابقة. ذلك لان الاعتقال والعقوبة يكون لهما مبرر قانوني او شرعي اذا ارتكب الجاني جنايته. وكان الامام (ع) يرشد المخالِف ويحذره اذا لاحظ منه بوادر او مقدمات القيام بعمل يخالف الاصول المتبعة. والاصل، ان الانسان لا يمكن ان يبقى في المحبس ما لم يُوجّه له اتهام معين بارتكاب الجناية، او على الاقل محاولة ارتكابها.

ثانياً: اجراءات المحكمة: وتتم عبر استماع القاضي للمدعي او المدعى عليه، والشهود، ودراسة القرائن الموضوعية والشرعية. وعندما تتم تلك الاجراءات يصدر الحاكم حكمه على الجاني. فاذا كان الحكم يدين المتهم، تبدل عنوان المتهم من عنوان «المدعى عليه» الى عنوان «الجاني». ولابد للجاني من انتظار العقوبة.

ثالثاً: انزال العقوبة: وعندما تتم المحاكمة وتكتمل الادانة، تنـزل العقوبة بالجاني. وقد قطع الامام (ع) في عهده مجموعة من السراق، ورجم امرأة محصنة اعترفت بارتكاب الفاحشة، وجلد بعضاً ممن شرب الخمرة. وكان حكمه قمة في العدالة القضائية والجنائية.

 

6 _ الجناية والقصاص

ينحصر القصاص _ كعقوبة _ بالفعل المتعمد، الذي يؤدي الى قتل الانسان البريء او جرحه. فالقتل الجنائي هو الذي يستوجب العقوبة الجنائية، وهي القصاص. وهنا ينبغي تحديد مصطلح الجناية التي ينطبق عليها حكم القصاص. وهذا مهم للغاية. ولذلك نقرأ أن امير المؤمنين (ع) قال بعد ان ضربه ابن ملجم: «يا بني عبد المطلب، لا الفينكم تخوضون دماء المسلمين خوضاً، تقولون: قُتِلَ امير المؤمنين. الا لا تقتُلنَّ بي الا قاتلي. انظروا اذا انا متُ من ضربته هذه، فاضربوه ضربةً بضربةٍ...»[9]. وهذا القول العظيم يعبّر عن جوهر فكرة القصاص، كعقوبة لجناية وقعت فعلاً بنيّة وتصميم مسبقين. ومن هنا كان التحديد القانوني او الجنائي مهماً في تشخيص الجناية، ومن ثم تشخيص العقوبة التي يستحقها الجاني.

وقد صنّفت النظريات الجنائية الحديثة، الجنايات بالشكل التالي:

1 _ القتل المتعمد: جناية من الدرجة الاولى.

2 _ القتل شبه العمد (بالتسبيب او المباشرة): جناية من الدرجة الثانية. وهو القتل الحاصل من دون نية القتل، خلال حدة المناقشة والعراك.

3 _ قتل الخطأ: عمل غير جنائي نابع عن الاهمال.

ولا شك ان الجنايات لا تحصل من فراغ، بل لابد لها من منشأ اجتماعي كالعداوة، والظلم، والروح الشريرة، والانحراف، ونحوها. ولم يتعامل الاسلام مع الجنايات بعلاج العقوبة فقط. بل حاول ايجاد مناخ مناسب لمنع الجريمة من الوقوع في المجتمع، عبر الحثّ على الاخوة الدينية، ونبذ العداوات القبلية، والمساعدة والتعاون على انجاح الحياة الدينية للمجتمع، والمساواة في العطاء، ونبذ الطبقية والظلم الاجتماعي. فقد كان عصر الامام (ع) عصر ازدهار السلام الاجتماعي ونبذ الجريمة.

وفي هذا النطاق، نزع الدين فتيل التذمر والعدوان من الوسط الاجتماعي الاسلامي. فالطبقة الفقيرة قد اُشبعت حاجاتها، فلا يتوقع منها ان تقوم بالجنايات المعهودة وقت الفقر. والفاحشة قد قلّت نسبتها بل اندثرت، فلا يتوقع ان يرتكب الناس جنايات نابعة عن شرب الخمر او المسكر او عن قضايا القمار ونحوها.

وبكلمة أخير، لقد حدد الاسلام المعركة ضد الشر على اساس جبهتين. الاولى: محاربة العدو في جبهات الحرب، باعتباره شرّاً يدعو الى باطل. والثانية: المعركة ضد منشأ الجنايات المرتكبة في المجتمع الآمن، باعتبارها شراً ينبغي محاربتها ايضاً. أي ان الاسلام جعل قوى الحق تشتبك باستمرار مع الشر والاشرار، على صعيدين هما: الداخل والخارج. وقد استنـزفت تك المعارك جزءً عظيماً من حياة امير المؤمنين (ع).

والحمد لله رب العالمين.

(نهاية ص 913)

 

السابق                  صفحة التحميل                    الصفحة الرئيسية 


 

[1]  «الكافي» - كتاب الديات. ج 7 ص 264.

[2]  سورة البقرة: آية 179.

[3]  «الكافي» - كتاب الديات. ج 7 ص 264.

[4]  «الكافي» - كتاب الحدود. ج 7 ص 215.

[5]  «نهج البلاغة» - كتاب 53 ص 554.

[6]  سورة البقرة: آية 179.

[7]  «من لا يحضره الفقيه» - كتاب الديات ج 4 ص 127.

[8]  سورة المائدة: آية 33.

[9]  «نهج البلاغة» - كتاب 47 ص 540.