(ص 829 - 854)

 الرابط بين النظام والقانون:

وبعد ان درسنا الرابطة بين حكومة الامام (ع) وبين مباني العقلاء، نستنتج بان حكومة أمير المؤمنين (ع) وضعت جسراً يربط بين فكرة «القانون الشرعي» وبين «النظام الاجتماعي». واذا كان للقانون الشرعي طبيعة متميزة في حفظ النظام واشباع حاجات الانسان في حرية التعبير والعبادة والتفكر، فان ذلك القانون لابد ان ينظّم شؤون النظام الاجتماعي ويضبط حدوده. فالمسؤولية الشرعية التي تقع على البائع من اجل ان يبيع بضاعته من دون غش او نقص، هو حفظٌ للنظام التجاري في المجتمع. والمسؤولية الشرعية التي تقع على القاضي في تحقيق العدالة القضائية، هو حفظ للنظام القضائي. والمسؤولية الشرعية الواقعة على الحاكم من اجل تحقيق العدالة الحقوقية والامن الغذائي، هو حفظ للنظام الحقوقي في المجتمع.

اذن، لابد للنظام الاجتماعي من قانون يسيطر على مجريات الدولة. والا، فان عدم وجود قانون شرعي يخضع له المجتمع صاغراً، سيؤدي الى فوضى واضطراب اجتماعي وديني. بمعنى ان القانون الشرعي هو الآلة التي تضبط التغيرات الاجتماعية السائدة في تلك الفترة، التي تدعو الى الفتنة وحبّ الدنيا وحب المال. ولو كان التغير الاجتماعي هو الطاغي على القانون، لاصبح العرف اقوى من الدين. وهذا ما يرفضه العقلاء فضلاً عن المؤمنين. ومن هنا نفهم ان قوة نظام حكم الامام امير المؤمنين (ع) جعلت افكار الناس وآراءهم وطموحاتهم تنصهر في بوتقة دولة القانون، وتستنكر العرف الجاهلي الذي كان يتحرك في اعماق شريحة من الناس.

ولذلك كان التزامه (ع) بالقانون الشرعي بتلك الدقة قد اوصله الى محاربة الفتنة بشكل لم يسبق له مثيل، ولم يتجرأ أحدٌ غيره. فقال (ع): «أيها الناس، اما بعد. أنا فقأت عين الفتنة، ولم يكن أحدٌ ليجترىء عليها غيري... ولو لو أكُ بينكم ما قوتل اصحاب الجمل واهل النهروان»[1]. ويُفهم من قوله (ع) انه لو كان الواجب في كل فتنة تقع بين المسلمين التهرب منها بدعوى حرمة قتال اهل القبلة، لوجد اهل الفسق سبيلاً لارتكاب المحرمات من سفكٍ للدماء، وهتكٍ للاعراض، وغصبٍ للاموال.

فلا عجب ان يلتفت اصحابه ومريدوه الى ذلك، فيكبروه، فهذا مالك الاشتر يخاطب امير المؤمنين (ع) قائلاً: «يا امير المؤمنين... فوالله انا لنعلم انه ما على ظهر الارض وصيُّ نبيٍّ سواك، وانا لنعلم ان الله لم يبعث بعد نبيّنا (ص) نبيّاً سواه، وان طاعتك على اعناقنا موصولة بطاعة نبيّنا (ص)...»[2]. فكانت طاعتهم لامامهم (ع) طاعة للقانون الشرعي، واخلاصٌ لدينهم وعقيدتهم.

وهكذا كان القانون الشرعي يتعامل مع الظروف الجديدة، كظروف الجمل وصفين والنهروان، بفعالية وحزم. وكان على الامام (ع) ان يربط القانون بالنظام الاجتماعي. أي ان يقوم (ع) بافهام الناس بان كل ما اراده (ع) في خلافته هو تحكيم الاسلام وقوانينه على كل مجاري الحياة الاجتماعية. وتلك مهمة صعبة، مع وجود اعداء كأهل الجمل ومعاوية واهل الشام والخوارج. وهؤلاء الاعداء كانوا يحاولون ان يطغى العرف الاجتماعي على القانون الشرعي. والعرف الاجتماعي لا يطابق المبنى العقلائي في كل الاحيان، بل هو ما تهواه الناس، وقد يكون العرف ظالماً. ولكن الشرعية وقانونها يريدان العدالة بين جميع البشر.

فقد كان من العرف ان يمدّ الناس اعناقهم الى الخلافة يشتهونها وليسوا بكفءٍ لها، كما حصل لـ «بني جُمَحَ» عندما انحازوا الى اهل الجمل، فقال (ع) عنهم: «...لقد أتلعوا (أي مدّوا) أعناقهم إلى أمرٍ لم يَكونوا أهلَهُ (أي الخلافة) فوُقِصُوا دونَهُ (أي كسرت اعناقهم دون الوصول اليه)...»[3]. وكما حصل في السقيفة ولبني امية لاحقاً وبني العباس وغيرهم كثير. ولو قرأت التأريخ لرأيت عجباً!

وقد كان من العرف ان يتولى امر الخلافة اصحاب المصالح، فقال (ع) في كتابه الى اهل مصر: «... ولكنني آسى على ان يليَ أمرَ هذهِ الامّةِ سفهاؤُها وفجّارُها، فيتخذوا مالَ اللهِ دُولاً (أي يتداول بينهم)، وعبادَهُ خولاً (أي عبيداً)، والصالحينَ حَرباً، والفاسِقينَ حِزباً...»[4].

وكان من العرف عند اهل الشام اطاعة الفاسق الظالم كمعاوية، فقال (ع) يخاطب اهل الكوفة: «... صاحبكُم يُطيعُ اللهَ وأنتم تعصُونَهُ، وصاحبُ أهلِ الشامِ يعصي اللهَ وهُم يُطيعُونَهُ...»[5].

ولذلك كان بروز مواجهة مسلّحة بين القانون الشرعي والعرف الاجتماعي القَبَلي الذي كان يحكم بعض الاعراب: كالاشعث بن قيس (في الكوفة)، ومسلمة بن مخلّد الانصاري ومعاوية بن حديج الكندي (في مصر)، وعبد الرحمن بن عتاب بن أسيد ومروان بن الحكم (في البصرة)، كان امراً محتملاً. لان هؤلاء - بجهلهم وخبثهم وعدم تدبرهم بالامور - ارادوا أن يكون العرف القَبَلي فوق القانون الشرعي. أي انهم ارادوا ان تكون السياسة «الدنيوية» مثل سياسة معاوية هي مصدر اثراء المجتمع والنظام الاجتماعي. بينما كان الامام امير المؤمنين (ع) يريد ان يكون القرآن والسنّة مصدري القانون الشرعي في دولته الفتية.

وبالاجمال، فان اهم تغير اجتماعي حصل خلال حكم الامام (ع) هو: انهيار نظام تقريب الاقارب في السياسة والادارة الذي استخدمه الخليفة الثالث، وانهيار اعراف مشى عليها السابقون مثل عدم المساواة في العطاء، والمنـزلة الاجتماعية التي كسبها بعض الاعراب واستفادوا منها لمصالحهم الذاتية، والاملاك الواسعة التي اُقطعت للقلة من ذوي الحظوظ.

وانهيار تلك النظم الفاسدة كان يستدعي _ تحت ظل حكومة القانون الجديدة _ بناء نظم اجتماعية مستوحاة من مصادر الدين في العدالة والانصاف والاهتمام بالمحرومين والفقراء في المجتمع. وهذا هو اعظم رابط عقلي ربط فكرة «القانون الشرعي» بـ «النظام الاجتماعي». 

ج _ حكومة الامام (ع): النظام القانوني التفاضلي

لا شك ان النظام القانوني له علاقة ماسة بالمجتمع وافراده. ذلك لانه ينظّم العلاقات المالية والتجارية والحقوقية والانسانية بين الناس جميعاً. والافكار القانونية ليست غريبة عن ذهن الانسان، لان الانسان كائن عاقل يدرك الى حد بعيد قضية المصالح والمفاسد المتعلقة بالاحكام.

ونستطيع ان نتأمل النظام القانوني من خلال ملاحظة عمل: القضاة والمحاكم التي يديرونها، والولاة على الامصار ونظامهم الاداري، وقادة الجيش ومؤسستهم العسكرية، وشرطة الخميس وجهازهم العسكري والامني، والعاملون على بيت المال والمؤسسة المالية الجابية للحقوق. هنا يعكس القانون الشرعي العام الذي كان ينظّم تلك المؤسسات زمن الامام (ع)، مقدار الكمال الذي وصلت اليه الدولة تحت ظل القانون. بحيث يمكن ان نطلق على ذلك القانون المستمد من تعاليم الدين، بـ «القانون الحي» الذي يتجدد كل يوم مع تجدد الحياة.

وتركيبة القانون الشرعي تتناسب مع حاجات الشعوب على اختلاف لغاتها وظروفها الاجتماعية. ذلك لان الشريعة تعاملت مع الكليات التي يستقبحها الانسان كالقتل والاعتداء والظلم والفحشاء والكفر والشر، فعاقبت عليها. وتعاملت مع الكليات التي يستحسنها كالتعاون والصفح والتسامح والايثار والعدل والانفاق والحب والخير، فشجعت على فعلها. وبذلك جاءت التركيبة القانونية للمجتمع الاسلامي منسجمة مع فعل الخير بعنوانه المطلق، ونبذ مطلق الشر على وجه الارض. وقانون كهذا ليس اكراهياً ولا كبحياً ولا قمعياً. بل هو مصمم لطرد الشر من الضمير الانساني، وادانة كل ما يمتُّ اليه بصلة.

وعندما نشير الى النظام القانوني الذي يحكم بلداً ما، فاننا لا نقصد به انتشار المحاكم والقضاة وزيادة عدد الشرطة والعيون. بل نقصد: ان القانون الشرعي وظيفة عملية في تنظيم امور الناس وتثبيت حقوق الجماعة، عبر التلويح بالعقوبة للمخالفين والمنحرفين.

ولذلك كان من وظائف حكومة الامام (ع) وضع سيطرة شرعية على الظواهر الاجتماعية الخطيرة كالانشقاق، وعصيان اوامره (ع)، والاستئثار بالثروة الاجتماعية، ومطلق الظلم الاجتماعي. ومن المفيد هنا ان نكرر قوله (ع) الذي طالما ذكرناه: «انا فقأتُ عين الفِتنةِ، ولم يكُن أحدٌ ليجتريء عليها غيري»[6]، «ولو لم أكُ بينكم ما قوتل اصحاب الجمل و اهل النهروان»[7].

وتلك الصلاحية الممنوحة له للسيطرة على الوضع الاجتماعي، تمنحه استخدام مختلف الوسائل المشروعة لتحقيق الاستقرار والامن الجماعي. وهذه ليس وظيفة سياسية فحسب، بل هي وظيفة دينية حتمية.

ولو تركنا القانون الشرعي يرضخ للعرف الاجتماعي، لدبّ الظلم والفساد في المجتمع. وقد اشرنا الى ذلك، ونكرر بان التأريخ يحدثنا عن الكثير من الظلم، عنندما حكم المجتمع اُناس لا يمتّون الى الدين بصلة. ولكن الامام (ع) لم يكن ليترك العرف الاجتماعي يمحق الشريعة، وهو الذي تعلّم من رسول الله (ص) جهاد المشركين والمنافقين من اجل نصرة الحق.

وربّ سائل يتساءل: لو كان القانون هو الحاكم في زمن امير المؤمنين (ع)، فلماذا تباطأ اهل الكوفة عن نصرة امامهم (ع)، خصوصاً عند مقتل محمّد بن ابي بكر في مصر؟

ان المشكلة التي كانت تعاني منها تلك الشريحة من الناس، هي: انها كانت تفهم ان التجمع لمحاربة العدو انما هي قضية عرفية قبلية وليست قضية دينية. بمعنى انهم كانوا ينظرون الى المكاسب الدنيوية قبل ان ينظروا الى الدين. ولذلك بدأ بعضهم يميل الى معاوية، لانهم لمسوا ثمرات الراحة والاسترخاء والركون الى الدنيا على الجهاد والقتل والمعاناة.

ولا شك ان ذلك كان ضعفاً في الايمان واليقين بالله سبحانه. فهؤلاء لم يكونوا يفهموا بان قضية الجهاد والحرب ضد الناكثين والقاسطين والمارقين كانت جزءً من القانون الشرعي العام الذي يحكم المجتمع. فقد كانوا يفضلون الميول الى جهة معاوية مع ظلمه، على البقاء مع الامام (ع) وثبوت القانون الشرعي العام.

وبكلمة، فقد كانت حكومة الامام (ع) حكومة نظام قانوني تفاضلي، حاولت تطبيق الشريعة على كل اركان المجتمع الاسلامي. ونقصد بالقانون التفاضلي: ان القانون الشرعي كان يفضّل المحسن على المسيء، ولا يساوي بين الظالم والمظلوم، بل يقتص من الظالم لمصلحة المظلوم. ونظام كهذا لا يستقيم الا بخضوعه المباشر لاحكام الدين وشريعة سيّد المرسلين (ص).

خصائص حكم القانون:

وهنا ينبغي ان نشخص طبيعة دولة القانون وحكم الشريعة خلال حكم الامام (ع)، في النقاط التالية:

أولاً: ان النظام القانوني في عصر الامام امير المؤمنين (ع) كان نظاماً تفاضلياً، كما اشرنا الى ذلك آنفاً. فقد كان يفضّل الخير ومن يتصل به على الشر ومن يقوم عليه. وهذا يعني ان العقوبة كانت تنـزل بالاشرار حتماً مهما كانت منـزلتهم الاجتماعية. بينما كان الاخيار من الناس يكرمون بما يسد حاجاتهم ويحفظ كراماتهم.

ثانياً: ان النظام القانوني كان يخضع تماماً لتعليمات الدين. وتلك التعليمات تنحصر في كليات مهمة، منها: تحقيق العدالة الحقوقية والاجتماعية بين الناس، ومحاربة المفسدين والعصاة والمنشقين ومعاقبتهم، وتحديد واجبات الناس تجاه بعضهم البعض وتجاه خالقهم عزّ وجلّ، والسعي لنشر دين الحق بين البشرية على ضوء قوله تعالى مخاطباً خاتم الانبياء (ص): (وما أرسَلناكَ إلاّ كاّفةً للناسِ بشيراً ونذيراً...)[8].

وتلك الكليات تتفرع وتتشعب الى قوانين فرعية تخص الحياة الاجتماعية للناس. وهنا يخضع الجميع للمحاسبة اذا قصّروا في تأدية واجباتهم الشرعية. فاصبح النظام القانوني اذن، اداةً لتطبيق الدين على الحياة الاجتماعية والشخصية للامة الكبيرة.

ثالثاً: ان النظام القانوني ليست له استقلالية ذاتية عن المجتمع. بل هو آلة من الآلات لتثبيت الحقوق، وتعيين الواجبات، ورسم الحدود بين الناس. والاحكام الشرعية ليست احكاماً مثالية، بل انها شرعت بلحاظ ظروف المجتمع والمشاكل التي يمرُّ بها. فدولة القانون هي دولة واقعية خاضعة للشرع.

رابعاً: ان النظام القانوني هو نظام اجرائي، أي انه ينفّذ تحت نظر سياسة عامة كان الامام (ع) يقوم برسمها عبر تعليماته الى ولاته وقادة جيشه والقضاة في مملكته. وبتعبير آخر ان امير المؤمنين (ع) كان يرسم النظام القانوني لعماله، وكان العمال والموظفون يجهدون في بناء دولتهم الشرعية. فاصبحت الامة تشعر _ تحت ظل ولاية الامام امير المؤمنين (ع)_ بان حقوقها محفوظة حت ظل كل الظروف. 

د_ الامام (ع) وحاكمية الشريعة:

استنفر الامام امير المؤمنين (ع) جميع مؤسسات الدولة من اجل ان يتنعم الناس بحاكمية الشريعة ويستظل بدولة القانون. وذلك الاستنفار كان يتناغم مع النظام القانوني العام للدولة الدينية.

ذلك ان حاكمية الشريعة تضع المجتمع على سلم اولوياتها، فتلك الحاكمية تستجيب لحاجات الناس في الامن والنظام والعدالة. وقد ساهم الكتاب المجيد في تربية الامة على قبول تلك الحاكمية، عبر:

أ _ طاعة الامام (ع) من قبل الامة: (يا أيُّها الذينَ آمَنُوا أطيعوا اللهَ وأطيعُوا الرسولَ وأُولي الأمرِ منكُم...)[9].

ب _ التزام الامام (ع) بالشريعة: (... ومَن لَم يَحكُم بِما أنزَلَ اللهُ فأُولئكَ هُمُ  الكافِرونَ)[10]، (... فأولئكَ هُمُ الظالِمُونَ)[11]، (... فأُولئكَ هُمُ الفاسِقُونَ)[12].

ج _ العدل نظام الامر: (... اعدِلُوا هُوَ أقرَبُ للتقوى...)[13]، (...هَل يَستوي هُوَ ومَن يأمُرُ بالعدلِ وهُوَ على صِراطٍ مُستَقيمٍ)[14]، (إنَّ اللهَ يأمُرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القُربى...)[15].

وتلك التعليمات العظيمة كانت ولا تزال تهيىء الاجواء الاجتماعية لقبول دولة القانون وحاكمية الشريعة، خصوصاً عندما تتضافر تلك الآيات الكريمة مع الروايات الواردة عن النبي (ص) باستخلاف وصيه ووزيره علي بن ابي طالب (ع) والحث على اتباع ولايته. فهنا اصبحت «الصلاحية الشرعية» الممنوحة للامام (ع) أمراً ملزِماً للامة، بحيث لا يمكن الإفلات منه بأي حالٍ من الاحوال.

وذلك يعني ان الامام (ع) كان مسؤولاً عن ارشاد الامة نحو جهة الخير، وكان فيصلاً عملياً عندما يحصل التنازع والتخاصم بين الفئات المتصارعة في المجتمع. فقد كان مسؤولاً _ بحكم وظيفته الارشادية _ عن محاربة الشر اينما وجد، وبأي طريقة يراها صالحة. في نفس الوقت كان يشعر بمسؤوليته الشرعية في الدفاع عن المظلومين ضمن حدود القانون الشرعي. فكان (ع) يسترد من الظالم حقوق المظلوم حتى لو «تُزوج به النساءُ ومُلِكَ به الإماءُ»[16].

وكم كان ذلك ايجابياً في رفع معنويات الفقراء والمحرومين والمظلومين في بلاد المسلمين. فالعادل يرفع معنويات المظلوم، ويحطم معنويات الظالم ويدمرها. وارجاع المعادلة الاجتماعية الى وضعها الطبيعي، يخلق الاجواء المناسبة للعدل والانصاف. وهذا هو هدف دولة القانون. 

توسع المشاكل الموضوعية:

لقد كان القانون مرشحاً للتوسع، كلما ازدادت مساحة اراضي الدولة الاسلامية وازدادت معها المشاكل الموضوعية المعقدة. وكانت تلك المشاكل تلقي بثقلها على كاهل الحكومة من اجل ان تجد لها حلاً شرعياً قانونياً. ومن تلك المشاكل المستَجدة:

أولاً: ميول الناس نحو الرخاء والدعة وعدم السعي لجهاد العدو. وهو القائل: «ايها الناس، انّه لم يزل أمري معكم على ما أُحِبُّ، حتى نهكتكُمُ الحربُ. وقد واللهِ، أخذت منكم وتركت، وهي لعدوِّكم انهكُ...»[17].

وقد كان المجاهدون الاوائل في عهد رسول الله (ص) يحبون الموت في سبيل الله. ولذلك وصفهم الامام (ع) قائلاً: «ولقد كنّا مع رسول الله (ص) نقتلُ آبائَنا وأبناءَنا واخواننا وأعمامنا، ما يزيدُنا ذلك الا ايماناً وتسليماً، ومُضيّاً على اللقَمِ (معظم الطريق)، وصبراً على مضضِ الالم، وجدّاً في جهاد العدو...»[18]. وباتت شريحة واسعة من الناس تحب البقاء في مدنها، والاسترخاء في بيوتها. وكان ذلك يستدعي تألمه (ع) لان القانون كان يحثّ الناس على الجهاد، لكنه لا يجبرهم على حمل السلاح ولا التوجه للحرب، الا طواعية.

ثانياً: ازدياد حاجات الناس. فبعد ان كانت الحاجات مقتصرة على الطعام والكسوة، ازدادت حاجات المجتمع نحو الكماليات من اثاث وخيل وبساتين، اضافة الى ازدياد حجم المدن الكبرى في ذلك الزمان. وكلما ازدادت الحاجات ازدادت مشاكل الصراع والتنافس بين الناس. فاستدعى ذلك استحداث قوانين تنظم حياة الناس التي كانت تتوسع كل يوم، خصوصاً في التجارة والتملك، والعطاء من بيت المال، وتنظيم الجيش، وتنظيم الخراج والفيء.

ثالثاً: دخول ثقافات جديدة في الاسلام، جعل قضية الانسجام والتوافق الاجتماعي تحتاج الى فترة زمنية اطول من أجل ان تنضج فكرة الدولة الواحدة والامام العادل. وقد استغل معاوية ذلك، فانفصل باقليمه «الشام» عن ولاية الامام (ع).

وبالاجمال فان تكامل حكومة القانون، كان يعتمد على قابليتها السياسية في تثبيت اسس النظام في المجتمع الاسلامي. ولذلك كانت جهودها المنصبّة لاشباع الحاجات الاجتماعية نحو الغذاء والامن والتعبد، تتضافر مع جهود الامام (ع) في مكافحة الناكثين والقاسطين والمارقين عسكرياً.

وهكذا قُدِّرَ لحكومة امير المؤمنين (ع) ان تدخل الى اعماق التركيبة الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع الاسلامي. وبذلك فقد أسست لجسرٍ قوي بين القانون الديني والسياسة المدنية. وعندها اصبح للدولة الدينية قيمة اخلاقية وسياسية في ذات الوقت.

 

3 _ القانون وحاكمية الشريعة: الدستور وتوزيع السلطات

ان تشخيص الدستور في دولة دينية يتطلب تفسيراً دقيقاً لمنبع التشريع الاسلامي، وهما: القرآن الكريم والسنّة النبوية الشريفة. وما لم يكن التفسير مطابقاً للمعنى الحقيقي، فان الدستور لا يطابق مراد الشارع عزّ وجلّ. وخلال فترة حكومة امير المؤمنين (ع) عاشت الامة دستوراً حقيقياً للاسلام، ساهم في بناء دولة العدل والقانون.

أ _ القانون ومؤسسات الدولة:

يتضمن القانون طرقاً لتنظيم سلوك البشر، وتنظيم العرف الاجتماعي ايضاً. بمعنى ان حكومة القانون تحملُ الناس على اتباع منهجها، الذي يصبُّ في نهاية الامر لمصلحة المجتمع والنظام الاجتماعي. فاذا حَكَمَ القانون بحرمة السرقة مثلاً، أصبح السلوك البشري معتمداً على الكسب الحلال. والكسب الحلال يحتاج الى قوانين فرعية تنظم التجارة في البيع والشراء والرهن والجعالة وحرمة الربا. واذا حَكَمَ القانون بمصلحة تملك الاراضي الزراعية، احتاج ذلك القانون الكلي الى قوانين فرعية تنظم طريقة بيع تلك الاراضي وشرائها واستئجارها.

وعن طريق تراكم المشاكل الاجتماعية وحلولها الحقوقية، تنبثق مؤسسات حكومية لمساعدة الدولة في تثبيت حكم القانون في المصاديق. من قبيل القضاء، وشرطة الخميس، ودفاتر بيت المال، والعيون التي تراقب السوق التجاري، والجيش، وادارة الولايات، ونحوها. وانبثاق تلك المؤسسات يرفع الدولة الى مستوى دولة القانون وحاكمية الشريعة. فالشريعة تعطي الكليات (مثل حلية الكسب الحلال) و(اباحة التملك)، والقانون يقنن الفروع الفقهية الخاصة بالجزئيات في تلك القضايا بالخصوص. مثل قانون تنظيم التجارة، وقانون تنظيم العقود التجارية، وقانون تثبيت الاسعار، وقانون مكافحة الاحتكار، وقانون مكافحة الربا، وقانون التملك والاستئجار، ونحوها.

وبتعبير آخر ان الشريعة من قبل الله سبحانه وتعالى، ولكن انزال الحكم الشرعي بمنـزلة القانون يكون من مسؤولية الحكومة. والحكم الشرعي في العطاء هو العدل، ولكن القانون كان يقسّم المال الوارد الى بيت المال الى ثلاثة دنانير لكل فرد مثلاً. وهذا هو القانون الذي تولت حكومة الامام (ع) تطبيقه. والذي يتمرد على القانون لابد أن يحاسب من قبل الدولة.

ومن هنا توصل الحقوقيون الى نتيجة تقول بأن اهم ما يشخص شرعية الحكومة وقانونيتها هو وجود المؤسسات القانونية التي تحاسب الافراد جميعاً. وانصع امثلتها: المؤسسات التي كان الامام (ع) يشرف عليها في القضاء وادارة الامصار والجيش وبيت المال. وتلك مؤسسات تستخدم مجموعة من الخبراء من اجل تحقيق أهدافها، او على الاقل تحاول محاولة عقلائية للاقتراب من تحقيق اهدافها. وطالما كانت تلك المؤسسات شرعية، فانها لا تُكرِه الناس على شيء.

وبكلمة، فان دولة القانون في عصر الامام (ع) كان لها ميزتان:

الاولى: ان مؤسساتها الحكومية كانت قادرة على اقامة العدالة الحقوقية والاجتماعية بين الناس، وقادرة على حل التخاصم والتنازع بينهم، وقادرة على الوصول الى اقصى نقاط المجتمع والدولة لمعالجة المشاكل. والحق ان حكومة الامام (ع) كانت لها القدرة الكبيرة على التدخل الفوري في حالات وجود الخلل في الادارة، أو الخيانة عند الولاة، او تباطؤ الجيش، وغير ذلك من الامور. وتلك عمليات اجرائية مستندة على كليات اعظم في الادارة شرحناها سابقاً.

الثانية: ان حكومة امير المؤمنين (ع) كانت خاضعة تماماً لاحكام الدين ورسالة السماء، وتستمد قوانينها من الشرع الحنيف. والقاعدة الكلية هنا _ وقد اشرنا اليها في وقت مضى _ هي ان الحكومة الشرعية لا تخضع الى العادات، بل انها تحاول أن تُخضِع العادات والتقاليد الى منهجها السماوي. وقد كسر الامام (ع) التقليد الذي كان سائداً، المتمثل باهدار الثروة المتجمعة في بيت المال في عهد الخليفة الثالث. وبدأ خلافته بتوزيع عادل للثروة، ومحاربة الذين كدسوا اموال المسلمين في طبقتهم الاجتماعية.

وهكذا كانت دولة القانون في عصر الامام (ع) الزاماً للمؤمنين بتطبيق اوامرها، والدفاع عنها، والحفاظ عليها. لان الحفاظ عليها كان يعني الحفاظ على بيضة الاسلام. فامير المؤمنين (ع) وضع المؤسسات الحكومية في موضعها القانوني الصحيح، حيث تخدم المجتمع وتلبي طموحات الجماعة فيه. 

بين القانون والعرف الاجتماعي:

ان روح العدالة في لائحة الحقوق والواجبات، هو اهم ما يستطيع ان يقدمه القانون للناس. فاذا نظّم القانون حقوق الناس وواجباتهم، فانه سيكون قانوناً اخلاقياً. واذا فشل في تحقيق ذلك، فانه سيكون قانوناً فاشلاً يهمله التأريخ.

والقانون الالهي نظّم شؤون الناس، من الزاوية الحقوقية، اعظم تنظيم. ولم يتوقف القانون الديني عند الحقوق فحسب، بل نظّم العقود والزاماتها، وحقوق المواطنة في العيش الكريم، والعلاقات الانسانية بين افراد المجتمع.

واذا كان القانون الشرعي يقرّ بالحقوق والواجبات، فانه يصمم ايضاً الجزاء والعقوبة على اهل الانحراف والفجور والفسوق. لان المجتمع النظيف اخلاقياً، تتيسر فيه قضية تحقيق العدالة بشقوقها الثلاثة: الحقوقي والاجتماعي والتعبدي. وقد كان مجتمع الامام (ع) مثالياً في ذلك، فقد كان مجتمعاً نظيفاً، نظفه تطبيق العقوبات الجزائية بحق المنحرفين. والعقوبات الجزائية هي المخالب الرادعة للقانون ؛ فلولا العقوبات لما اُحترم القانون.

ونظرة فاحصة الى عصر الامام (ع)، ندرك ان تقنين المجتمع وتنظيم دولة القانون كان يحتاج الى وقت زمني بعد رحيل عهد الخليفة الثالث. خصوصاً وان الطبقات الاجتماعية قد رسمت حدودها بوضوح، وان الحكم قد تحول الى ملك عضوض، وضيعة شخصية للخليفة واقربائه.

فكان لابد من العمل على تقنين المؤسسات العاملة في الدولة كمؤسسة بيت المال، والجيش، والادارة (الولاة وعمالهم)، وجباة الضرائب. وهذا يعني ان السلوك الفردي الذي كان سائداً عند النخبة الحاكمة في عهد الخليفة الثالث ينبغي ان يُلغى. ويُؤسس على انقاضه سلوك جماعي مؤسسي (لا سلوك فردي ارتجالي)، يسترشد بهدي الامام (ع)، باعتبار ان له الصلاحية الشرعية على اصدار الاوامر والقوانين. وكان امر الحكومة يسير بالاتجاه التالي وهو: كلما رسخ حكم الامام (ع)، كلما اندمجت مؤسسات الدولة بالقانون العام الذي سنّه الاسلام.

ولو قارنا تقاليد التجارة السائدة قبل الاسلام (بما فيها من ربا واحتكار) بقانون التجارة الشرعي الذي احل البيع وحرّم الربا والاحتكار، لرأينا بان القانون الشرعي ينظّم حقوق البائع والمشتري ويحفظ مصير الفقراء من تلاعب الاثرياء. أي ان التشجيع على البيع الحلال يحفظ المجتمع من الآثار المدمّرة للربا المحرَّم الذي يقوم به بعض الاثرياء من اهل الجشع والطمع والقسوة.

ولو قارنا تقاليد النكاح السائدة قبل الاسلام (بما فيها نكاح الشغار ووأد البنات وانتهاك حقوق المرأة) بقانون النكاح الشرعي الذي حفظ للمرأة حقها (في القيمومة والمهر)، لرأينا بأن القانون الشرعي ينظّم حقوق الزوجية.

ولو قارنا عادات الناس التي كانت تظلم الفقير وتحمي الظالم وبين قانون الضرر في الشريعة (لا ضرر ولا ضرار)، لرأينا بأن القانون الشرعي يجرّم الفرد الذي يُنـزل ضراراً بغيره من الناس.

والاصل، ان الحكم الشرعي حكم عادل في كل الاحوال. لانه كلّما فُسِّر على مدى تغير الزمان والمكان، فان تفسيره يكون منطقياً ومقبولاً لدى الناس في كل عصر ومصر.

ومن دراسة تلك الامثلة، نقطع بأن حكومة الامام (ع) كانت حكومة دين وقانون. وكان المؤمنون الذين اطاعوا الامام (ع) وقاموا بتسديد تلك الدولة، على اتم درجات الايمان بالله وبرسالته وبرسوله (ص).

ب _ القرآن والسنّة: دستور حكومة الامام (ع)

يتفق علماء الدراسات الحقوقية على ان كل نظام سياسي ينبغي ان يكون لديه اطار عمل منظّم، يسمّى دستوراً. والدستور هو لائحة بالمسؤوليات، والواجبات، والحقوق الممنوحة لكل انسان يعيش على ارض الدولة. ولولا دستور الدولة الذي يشخص تلك الحقوق والواجبات، لاختلّ ميزان العلاقات الانسانية في المجتمع.

ومن هنا نفهم حرص الامام (ع) على اعلان مبادئ دولته ودستورها. وهي: تطبيق حكم الله سبحانه في الحياة الاجتماعية، والعدالة الحقوقية والاجتماعية، ومحاربة المنحرفين والمنشقين، وتأسيس دولة الشريعة والقانون الالهي.

وقد تبلورت حقوق الانسان ومسؤولياته في عهد الامام (ع) اكثر من العهود السابقة. خصوصاً وان الامام (ع) استند في ذلك على الكليات الشرعية التي جاء بها القرآن الكريم وسنّة الرسول الاعظم (ص).

فقد كان القرآن الكريم (الدستور المكتوب) والسنّة النبوية (السيرة العملية)، المنبعين الرئيسيين لحكومة امير المؤمنين (ع). فالدستور الالهي لابد ان يفسّر من قبل الامام (ع)، وهو الذي يعلم تأويل القرآن وتفسيره، ويعلم ظاهره وباطنه، محكمه ومتشابهه، عامه ومقيده.

ولم يكن أكثر من الامام امير المؤمنين (ع) مَن صاحَب رسول الله (ص) تلك الفترة الطويلة. فكان طبيعياً ان يتسلح الامام (ع) بتفسير ذلك الدستور الالهي العظيم. ولا عجب أن تكون قرارات الامام (ع) السياسية والاجتماعية والعسكرية نابعة من ذلك المنبع السماوي الثرّ.

لقد كان من مسؤولية الامام (ع) اصدار القوانين الشرعية المتعلقة بحقوق الفرد والجماعة. وباعتباره المنفّذ الاول للشريعة، فقد كان (ع) يقوم بتحويل الكليات الشرعية في (القرآن والسنّة) الى قوانين. ذلك ان من مسؤوليته الدينية رعاية العدالة الحقوقية، وتحقيق الامان الاجتماعي، وارجاع الناس الى خالقهم عبر التوبة والعبادة والدعاء. فمثلاً قوله تعالى: (...اعدِلوُا هُوَ أقرَبُ للتقوى...)[19] كان الامام (ع) يحوله الى قانون مساواة في العطاء للفقراء، والى قانون في العدالة القضائية، والى قانون في العدالة الحقوقية الاجتماعية العامة.

وبكلمة، فقد كان الامام (ع) المفسّر الاعظم للقرآن المجيد والسنّة النبوية الشريفة. وقراءة بسيطة في تأريخه (ع) يتبين لنا صحة ما ذهبنا اليه.

ولنأخذ بعض الامثلة على ذلك:

التفسير: يَذكُر كلام الله تعالى: (إنَّ اللهَ يأمُرُ بالعدلِ والإحسانِ...)[20]، ويقول: العدلُ: الانصافُ، والإحسانُ: التفضلُ»[21].

وفي الرواية ان امير المؤمنين (ع) قال: «كان في الارض امانان من عذابِ الله سبحانه، وقد رُفِعَ احدهما، فدونكُم الآخر فتمسكوا به. اما الامانُ الذي رُفِعَ فهو رسولُ الله (ص). واما الامانُ الباقي فالاستغفار، قال الله عزّ وجلّ: (وما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُم وأنتَ فيهِم وما كانَ اللهُ مُعذِّبَهُم وهُم يَستَغفِرُونَ)[22]...»[23].

وقال (ع) عندما سمعَ رجلاً يقول: (... إنّا للهِ وإنّا إليهِ راجِعُونَ)[24]، «ان قولنا (إنّا للهِ) اقرارٌ على انفسنا بالمُلكِ، وقولَنا (وإنّا إليهِ راجِعُونَ) اقرارٌ على انفسنا بالهُلكِ»[25].

وقال (ع): «لتعطفنَّ الدنيا علينا بعد شماسها[26] عطفَ الضَّرُوسي[27] على ولدها. وتلا عقيب ذلك: (ونُريدُ أن نَمُنَّ على الذينَ استُضعِفُوا في الأرضِ ونَجعَلَهُم أئِمَةً ونَجعَلَهُم الوارِثينَ)[28]. والمعنى: ان الدنيا ستنقاد لنا بعد جُموحها وتلين بعد خشونتها، كما تنعطف الناقة على ولدها، وإن أبت على حالبها.

ومن كلام له كلّم به طلحة والزبير بعد بيعته بالخلافة: «... فلما افضت اليَّ (يعني الخلافة) نظرتُ الى كتابِ اللهِ وما وضَعَ لنا، وامرنا بالحكمِ بهِ فاتبعته، وما استسنَّ النبي (ص) فاقتديتُهُ»[29].

وفي السيرة: في كتابه (ع) الى مالك الاشتر: «... فأمنع من الاحتكار، فان رسول الله (ص) منَعَ منه»[30].

وفي نفس الكتاب: «واجعل لذوي الحاجات قسماً تُفرِّغُ لهم فيه شخصك... حتى يُكلِّمَكَ متكلمُهُم غيرَ متتعتعٍ، فاني سمعتُ رسولَ الله (ص) يقول في غيرِ موطنٍ: (لن تُقدَّسَ أُمَّةٌ لا يؤخذُ للضعيفِ فيها حقُّهُ من القوي غيرَ مُتتعتعٍ)...»[31].

وفي نفس الكتاب ايضاً: «واذا قُمتَ في صَلاتِكَ للناسِ، فلا تكوننَّ مُنفِّراً ولا مُضيعاً، فإنَّ في الناسِ من بهِ العلَّةُ ولهُ الحاجةُ. وقد سألتُ رسولَ الله (ص) حين وجهني الى اليمن كيف أُصلّي بهم؟ فقال: (صلِّ بهم كصلاةِ أضعفِهم، وكُن بالمؤمنينَ رحيماً)...»[32].

وبالاجمال، فقد كانت قوته السياسية في تنظيم الدولة والمجتمع مستمدة من القرآن والسنّة النبوية الشريفة. ومنهما استمد (ع) دستوره السياسي والاجتماعي للدولة الاسلامية. 

فصل السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية:

لقد كان امير المؤمنين (ع) قادراً على تولي منصب القضاء في نفس الوقت الذي كان فيه خليفة على المسلمين. فلماذا لم يفعل ذلك؟ ولماذا عيّن شُريحاً قاضياً له؟ وبذلك فصل السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية.

للاجابة على ذلك، نرتب النقاط التالية:

1ً _ ان فصل السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية امرٌ مهم. وهو فسح المجال للقضاء كي يلعب دوراً مستقلاً عن الحاكم. فقد يتعرض الحاكم _ في بعض الاحيان _ الى مخاصمة او تنازع من قبل الناس. فالقاضي هنا قادرٌ على حل النـزاع بين الحاكم وبقية الافراد، كما هو الحال في أية قضية عادية بين المدعي والمدعى عليه. وقد قرأنا التنازع الذي حصل بين الامام (ع) واليهودي، حيث رفعه امير المؤمنين (ع) الى القاضي. ولا يمكن ان يكون الامام (ع) هو المدعي والقاضي في وقت واحد.

2ً _ ان فصل السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية يعني اهتمام تلك السلطة الاجرائية بمشاريع سد حاجات الفقراء ورفع المظلومية عنهم، واعمار البلاد، ومساندة الجيش والامن الداخلي. وترك قضايا الخصومات والتنازع الى الجهة القضائية. وهذا يعني ان سلطة الحاكم موجهة نحو بناء الدولة والمجتمع والفرد، بينما تكون سلطة القاضي موجهة نحو حل الخصومات والتنازع. ودراسة بعض قضايا التنازع قد يتطلب تفرغاً كاملاً من قبل القاضي والهيئة المساعدة له. وهذا يتضارب مع وظيفة الحاكم، قطعاً.

3ً _ ان القضاء من وظيفة الانبياء او الاوصياء (عليهم السلام جميعاً). قال تعالى مخاطباً رسوله (ص): (... لِتَحكُمَ بينَ النّاسِ بِما أراكَ اللهُ...)[33]. وقال ايضاً: (إنَّ اللهَ يأمُرُكُم أن تؤدّوا الأماناتِ إلى أهلِها وإذا حَكَمتُم بينَ الناسِ أن تَحكُموا بالعدلِ)[34]. وتلك آية غير مقيدة، امرت الحكام بين الناس ان يحكموا بالعدل لا بالجور.

والظاهر ان تولية شريح للقضاء من قبل امير المؤمنين (ع) كان توكيلاً. ففي خبر ابي بصير عن الامام الصادق (ع): «لما ولى امير المؤمنين (ع) شُريحاً القضاء اشترط عليه ان لا ينفذ القضاء حتى يعرضه عليه. وقال علي (ع) له: قد جلست مجلساً لا يجلسه الا نبي او وصي نبي او شقي»[35]. وسوف نفصل ذلك في النظام القضائي باذنه تعالى.

تفسير القرآن والسنّة:

ان اهم مبادئ تفسير (القرآن والسنّة) هو معرفة لغة هذين المنبعين من منابع التشريع الاسلامي، وادراك جوهرهما الغيبي. وهو لا يتأتى الا بالعلم، والقطع بان تفسيرهما حجّة بين المفسِّر (ع) وبين الله سبحانه. ولذلك، فان تحمل مسؤولية تلك الوظيفة لم يكن ممكناً لاي وارد. ولكن علي بن ابي طالب (ع) كان المؤهل الوحيد من قبل رسول الله (ص) لتحمل تلك المسؤولية الثقيلة، التي لا ينهض باعبائها الا من كان متمكناً من ادائها.

وهنا نقطتان لابد ان نطرحهما، وهما:

أولاً: ان التفسير او التأويل ينبغي ان يُطابق المعنى الحقيقي. والا، فما هي الفائدة من تفسيرٍ لا يقترب من الحقيقة بل يبتعد عنها؟ لا فائدة من ذلك التفسير ابداً اذا كان خاطئاً. ومن هنا نفهم ان امير المؤمنين (ع) كان أكثر الناس قرباً من معاني الاسلام الحقيقية، لانه عاش الاسلام الحقيقي مع المصطفى (ص). وكان عصره (ع) أكثر مطابقة لعصر رسول الله (ص). وكان فهمه (ع) للقرآن والسنّة اقرب الى فهم الحقيقة الواقعية من غيره. وهذا يعني ان محاربته لاهل القبلة من الذين «ما اسلموا ولكن استسلموا، وأسرّوا الكفر. فلما وجدوا اعواناً عليه اظهروه»[36] كان مطابقاً لواقع الاسلام. ولو كان رسول الله (ص) حيّاً لحاربهم ايضاً بنفس الدرجة التي حاربهم بها الامام (ع).

ثانياً: ان للقرآن الكريم ظاهراً وباطناً، ومحكماً ومتشابهاً، ومطلقاً ومقيداً، وناسخاً ومنسوخاً. فلابد من معرفة تامة وادراك كامل لروح الشريعة ومراد الشارع، ومعرفة تامة بالواقع الذي نزل خلاله القرآن. وطالما كان القرآن حمالاً ذا وجوه، فان مطابقة تلك الوجوه للواقع الموضوعي يتطلب قدرة استثنائية كان الامام (ع) يملكها. لانه تعلم ذلك من رسول الله (ص). وقد قال (ع) ايام خلافته: «والله ما اسمعكم الرسول (ص) شيئاً الا وها انا ذا اليوم مُسمعُكموهُ»[37].

ومن اجل تقريب ما اردنا قوله، فلندرس تفسير قوله تعالى: (يا أيُّها الذينَ آمَنوا أطيعُوا اللهَ وأطيعُوا الرسولَ وأُلي الأمرِ مِنكُم...)[38]، فطاعة الله ورسوله (ص) فيها ظهور لفظي لا يخفى على احد. ولكن قضية (أوُلي الأمرِ مِنكُم) هي التي يمكن ان تحمل على وجوه، فهل هم مطلق ولاة الامر حتى لو كانوا ظالمين، او ولاة الامر من غير عصمة بدون تعيين، او ولاة الامر المعصومون الذين تولوا الامر بتعيين من النبي (ص)؟ لا شك ان هناك تفسيراً تعلمه الامام (ع) من النبي (ص) حول ماهية ولاة الامر وصلاحياتهم ومسؤولياتهم الشرعية.

وذلك التفسير يقول ان كل الظواهر تدلّ على: ان اولي الامر اسم جمع يدلّ على جماعة، ويدلّ على عصمتهم جميعاً. وقد قال تعالى: (وأطيعُوا الرسولَ واولي الأمرِ مِنكُم) ولا يجوز على الرسول ان يأمر بمعصية او يغلط في حكم. فلو جاز له الغلط او الامر بالمعصية للزم القيد. وأنصع مثال على القيد هو قوله: (ووصيّنا الإنسانَ بِوالِدَيهِ حُسناً وإن جاهَداكَ لِتُشرَكَ بي ما لَيسَ لَكَ بِهِ علمٌ فلا تُطعهُما...)[39]. فقُيّدت طاعة الوالدين، بعدم مجاهدة الابن بالشرك. ولم يوجد شبيه هذا القيد في آية اطاعة الرسول (ص) وأولي الامر.

أي ان الآية لم تقل: وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم، وان جاهدوكم بالشرك او المعصية او الخطأ فلا تطيعوهم. فعدم وجود القيد يعني عصمتهم وعدم خطأهم.

واذا ادركنا ذلك، ندرك ضرورة اعتبار العصمة في جانب اولي الامر كما اعتبر في جانب رسول الله (ص) دون أي فارق. فتعيّن ان يكون ولاة الامر من المعصومين الذين عيّنهم رسول الله (ص). 

الدستور الديني الثابت:

واهم ما يقال في حكومة الامام امير المؤمنين (ع)، هو أنها كانت تستمد أحكامها من دستور الدين (القرآن والسنة). وهو دستور ديني شرعي وليس دستوراً سياسياً. أي ان دستور الدين دستورٌ كلّي ثابت لايتغير، بينما يتغير الدستور السياسي بتغير الآراء. فالعدالة مثلاً كلية دينية لن تتغير على مدى الزمن، وقد جاء بها القرآن الكريم بقوله: (... اعدِلُوا هُوَ أقرَبُ للتقوى...)[40]، (يا أيُّها الذينَ إمَنوا كونوا قَوّامينَ بالقِسطِ شُهَداءَ للهِ...)[41]. فالعدل هو اصل وكلية لن تتغير مهما تغيرت الظروف. ولكن الدستور الوضعي قد يؤخّر تطبيق العدل لعلّة من العلل الدنيوية.

وهنا نستنتج بأنّ السمة المييزة لدولة القانون في عصر الامام (ع) هي، أنها تعاملت مع الاحداث الجديدة بنفس طريقة المنهج القرآني والنبوي في التعامل مع الاحداث السابقة. فمعالجة الانشقاقات في حرب الجمل وصفين والنهروان كان بنفس تعامل الاسلام مع القوى المعادية له، وبنفس شدّة الارشاد والتذكير والارجاع الى القيم الدينية التي كان يستعملها رسول الله (ص) مع المشركين.

فلم يكن لولي الامر ان يضع حكماً جديداً، ولا ان ينسخ حكماً ثابتاً في الكتاب والسنّة. وقد قال تعالى: (وما كانَ لِمؤمِنٍ ولا مُؤمِنَةٍ إذا قضى اللهُ ورَسُولُهُ أمراً أن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمرِهم ومَن يعصِ اللهَ ورسولَهُ فقد ضلَّ ضلالاً مُبيناً)[42]. فقضاء الله هو التشريع وكذلك قضاء رسوله (ص). اما الذي يراه ولي الامر فهو في موارد نفوذ الولاية، والكشف عن حكم الله ورسوله (ص) في القضايا والموضوعات العامة.

قال الامام (ع) في كتابه الى احد ولاته: «واردد الى اللهِ ورسولِهِ ما يُضلِعُكَ مِنَ الخطوبِ (ما يثقلك من الامور الجسام)، ويشتبهُ عليكَ من الأمورِ، فقد قال اللهُ سبحانهُ لقومٍ أحبّ ارشادهُم: (يا أيُّها الذينَ إمَنوا أطيعُوا اللهَ وأطيعُوا الرسولَ وأُولي الأمرِ منكُم فإن تَنازعتُم في شيءٍ فردُّوه الى اللهِ والرسولِ...)[43]، فالردّ الى الله: الاخذُ بمحكمِ كتابهِ (نصّه الصريح)، والردّ الى الرسول: الاخذُ بسنّته الجامعة غير المفرّقةِ...»[44].

ونصل الان الى النقطة الاساسية التي ينبغي ان ندركها جيّداً، وهي: ان الدستور الاسلامي (القرآن والسنّة) ثابت في الكليات ولن يتغير ابداً. فدساتير العالم الحديث تتبدّل ويضاف عليها تعديلات ويؤثر عليها العرف، الا ان الدستور الاسلامي لن يحتاج الى تلك التغيرات والتعديلات. والكليات التي استخدمها امير المؤمنين (ع) يستفاد منها الان في الدولة الدينية الحديثة، كما اُستفيد منها في الدول الماضية. 

ج _ توزيع السلطات: مشاركة الامة في ادارة شؤونها

كيف كانت حدود دولة الامام (ع)؟ وكيف كان حجم مشاركة الامة فيها؟ تلك تساؤلات تطرح نفسها في هذا الفصل. ونجيب عليها بالقول: ان سلطة الامام (ع) الشرعية في ادارة امور المسلمين كانت تشمل (ما عدا الشام): الحجاز، واليمن، والبحرين، والعراق، وفارس، وآذربيجان، ومصر. وتلك مساحة دولة واسعة بقياس أي زمان.

وطبيعة حكم الامام (ع) في تلك الاقاليم كان حكماً لا مركزياً. أي ان الامام (ع) كان يعطي صلاحيات واسعة لوالي الاقليم وقاضيه ورجال جيشه وشرطته وكتّابه على بيت المال من اجل ادارة ذلك الاقليم او تلك الولاية . ونظرة فاحصة لكتابيه الى محمّد بن ابي بكر ومالك الاشتر تثبت ذلك.

وكان امير المؤمنين (ع) قطب الرحا في الحكومة. فأموال الصدقات والخراج كانت توزّع على الفقراء واهل الحاجة في الولاية، ثمّ يُرسل ما يتبقّى الى بيت المال الرئيسي في الكوفة. وكان يستعان برفد الجيش الرئيسي بالجنود أو الكتائب من الولايات المختلفة. بينما كان الامام (ع) يرسل أهل العلم في الشريعة والقضاء الى الامصار ؛ ويبعث العيون لمراقبة الوضع العام. اما الصناعة والزراعة فكانت بيد الناس ، أي انها لم تكن حكومية بل كان يشغّلها الاهالي.

اجمالاً، كان النظام السياسي للدولة هو اقرب للدولة الاتحادية حيث كانت الامصار المختلفة تنظّم امورها وشؤونها عن طريق حكومة محليّة يرأسها الوالي الذي كان يعينهم الامام (ع). فدولة الامام (ع) كانت دولة ذا مستويين من الحكم: محلي ومركزي. وكل مستوى كان يدعم المستوى الآخر.

ومحاولة منا لتصفّح أسماء الولاة الذين عيّنهم الامام (ع) على الامصار، يتبيّن حجم مشاركة الامة في الحكومة والسلطة:

(1) (عبد الله بن العباس) عامله على البصرة. ثمّ عُيّن من بعده (زياد بن أبيه). ثمّ (عثمان بن حنيف الانصاري).

(2) (محمّد بن ابي بكر) عامله على مصر. ثمّ عُيّن من بعده (مالك الاشتر)، ولكنّه قُتل قبل ان يتسلّم الامارة.

(3) (قثم بن العباس) عامله على مكة.

(4) (عمر بن ابي سلمة المخزومي) عامله على البحرين، عزله من اجل ان يشهد معه حرب صفين. وعيّن مكانه (النعمان بن عجلان الزرقي).

(5) (مصقلة بن هبيرة الشيباني) عامله على اردشير خُرّة «من بلاد العجم».

(6) (الاسود بن قطبة) صاحب جند حلوان (من ولايات فارس).

(7) (شريح بن هانىء) جعله على مقدمته الى الشام.

(8) (كميل بن زياد النخعي) عامله على هيت.

(9) (ابو موسى الاشعري) عامله على الكوفة في بداية الخلافة.

(10) (سهل بن حنيف الانصاري) عامله على المدينة.

(11) (الاشعث بن قيس) عامله على آذربيجان.

(12) (عبد الله بن العباس) كان عامله ايضاً على الاهواز وفارس وكرمان. ثمّ عُيّن بعده (زياد بن أبيه).

(13) (عبيد الله بن العباس) و(سعيد بن نمران) عاملاه على اليمن.

ولم يكن انشقاق معاوية على دولة الامام امير المؤمنين (ع) يحمل جنبة فكرية او عقائدية، بقدر ما كان انشاقاً على السيادة والسيطرة على منابع الثروة الاجتماعية في الشام. أي ان معاوية اراد ان يدمر دولة الامام (ع) عبر الغاء المستوى المحلي للحكم، ورفع الشام الى مستوى مركز الدولة. وقد تحقق له ذلك بعد استشهاد الامام امير المومنين (ع). ولكن لم يتحقق لمعاوية ان يزعزع حكومة امير المؤمنين (ع) في حياة الامام (ع).

وقد كان اعطاء الصلاحيات الشرعية من قبل الامام (ع) الى ولاته وقضاته، يعني توزيع السلطة بين اكبر عدد ممكن من الناس، أي مشاركة الامة في ادارة شؤونها. وكان توزيع الوظائف الحساسة تلك على الناس، من ذوي الكفاءة والدين، يفسّر على اساس انه منح الادارة الاجتماعية قاعدة اوسع كي تشمل كل اطراف المجتمع الكبير.

وكانت الطريقة التي استخدمها الامام (ع) في توزيع الثروة المحلية من الصدقات والخراج على اهل المصر وارجاع ما يتبقى الى بيت المال المركزي طريقة عدل وانصاف. فقد اشبعت الاقرب لعيون الثروة، فالاقرب. وكان ذلك يعني ان توزيع الثروة بدأ من المناطق التي انتجتها، بينما ارفد باقي الثروة مركز الدولة، لا العكس. وتلك هي فكرة اللامركزية التي اقتبستها اوروبا الحديثة من حكومة امير المؤمنين (ع).

 د _ دولة القانون والحقوق العامة:

تحفظ الدولة الدينية حقوق الانسان في الحياة، والعمل، والتملك، والتعبّد، والتفكّر، ضمن اطار اخلاقي في غاية السمو والنـزاهة. ولعلّ من اهم واجبات الحكومة هي حفظ اموال المسلمين ونفوسهم واعراضهم. ويدخل في المواطنة اهل الذمة الذين يعيشون في حماية الدولة الاسلامية ويدفعون الضريبة (الجزية).

والاسلام لا يعطي الحرية في التفكير فحسب، بل يعطي المادة الفكرية التي يفكّر بها الانسان. والاسلام يختلف عن بقية المذاهب الفلسفية في ذلك. ومن اجل توضيح هذه الفكرة، فلنفترض اننا نستطيع ان نمنح الانسان حرية القراءة، ولكن ما فائدة حرية القراءة الممنوحة اذا لا يتم توفير الكتب التي يريد قراءتها؟

فالحرية هنا مجرد كلمات لا طائل من ورائها. ولكن الحرية في زمن الامام (ع) كانت حرية حقيقية، بحيث ان البعض كان يعترض على الامام (ع) في كل شيء. وهو (ع) القائل: «سلوني قبل ان تفقدوني»[45].

فقد منح الامام (ع) الحرية في الاعتراض والتفكر للخوارج، ثمّ قدم لهم المادة الفكرية التي كان ينبغي ان يفكروا بها، وهي انه شرح لهم موقفه وبرر لهم كل ما اتخذه من مواقف وأمهلهم طويلاً. الى ان استخدموا العنف والارهاب والقتل، فواجههم عندئذٍ كمفسدين في الارض وقاتلهم.

وحرية الانسان في العمل والتملك كانت محفوظة ايضاً في عصر الامام (ع). فقد ازدهرت في تلك الفترة اعمال الزراعة والصناعة، وقلّت الجرائم كما هو مقتضى الروايات التي لم تذكر الجنايات الا ما ندر. وهذا يدلّ على ان الناس اتّجهوا نحو العمل والانتاج، وتركوا الكسل والبطالة.

وكانت الحرية السياسية تتمثل بمبايعة الخليفة، ولكن الامام (ع) عرض عن الذين لم يبايعوه ولم يجبرهم على ذلك. وقد أشار (ع) عندما استأذنه طلحة والزبير بالسفر خارج المدينة الى انهما لو لم يبايعا لتركتهما وشأنهما. وعندما اُخذ مروان بن الحكم اسيراً يوم الجمل فاستشفع الحسن والحسين (ع) الى امير المؤمنين (ع)، فكلّماه فيه. فخلّى سبيله. فقالا له: يبايعك يا امير المؤمنين؟ فقال (ع): «أفلم يبايعني بعد قتل عثمان؟ لا حاجة لي في بيعته...»[46].

والخوارج ايضاً كانت لهم الحرية السياسية. فكان (ع) يحاججهم ويناقشهم: «وأمّا قولكُم: لمَ جعلتَ بينكَ وبينهمَ أجلاً في التحكيم؟ فانّما فعلُتُ ذلكَ ليتبيّن الجاهلُ، ويتثبت العالِمُ. ولعلّ اللهَ أن يصلحَ في هذهِ الهُدنةِ أمرَ هذهِ الامّة، ولا تؤخذ بأكظامها (بمخارج نفوسها)، فتعجل عن تبيّنِ الحقِّ، وتنقادَ لأول الغيِّ»[47].

وفي مناسبة اخرى، قال (ع): «ألم تقولوا عند رفعهم المصاحف _ حيلةً وغيلةً ومكراً وخديعةً _ : اخواننا واهل دعوتنا، استقالونا، واستراحوا الى كتاب اللهِ سبحانه، فالرأيُ القبولُ منهم والتنفيس عنهم؟ فقلتُ لكم: هذا أمرٌ ظاهرهُ ايمانٌ، وباطنهُ عدوانٌ، وأوّلهُ رحمةٌ، وآخرهُ ندامةٌ، فأقيموا على شأنكم وألزموا طريقتكُم، وعضّوا على الجهاد بنواجذِكُم، ولا تلتفتوا الى ناعقٍ نعقَ: إن أُجيبَ أضلَّ، وإن تُركَ ذَلَّ»[48].

أمّا الحقوق الشخصية فقد كانت محفوظة. فالاشعث كان يخذّل عن الامام (ع)، وما عسى الامام (ع) ان يفعل معه غير ان يصفه: «حائكٌ ابنُ حائكٍ، منافقٌ ابنُ كافرٍ...»[49]. وكان ابو موسى الاشعري يخذّل عن الامام (ع) فأمره (ع) بأن «يرفع ذيلهُ، ويشدد مِئزره، ويخرج من جُحرهِ»[50]. وترك عمرو بن العاص ومروان بن الحكم والوليد بن عقبة لكلمات استعطاف.

وهذا يدلّ على ان الحقوق الشخصية في عصر الامام (ع) كانت مصانة. ولا يعاقب الانسان الا إذا ثبتت جنايته. وقد أشرنا سابقاً الى ان قبيلتي باهلة وغنيّاً كانتا تكرهانه اشدّ الكره، ولكنّه (ع) دفع لهم عطاءاتهم من بيت المال. فهنا لم تتداخل الحقوق الشخصية مع السلطة العامة للحاكم العادل ولم تتقاطع. أي ان الحاكم العادل لم يحرم تلك الجماعة من حاجاتها الانسانية، مع انها كانت تكرهه ولا تكنّ له حبّاً ولا مودّة.

وبذلك ضمنت حكومة الامام (ع) التي أطلقنا عليها بدولة القانون، حقوق الانسان الشخصية والسياسية والاجتماعية.

(نهاية ص 854)

 

 السابق             صفحة التحميل            الصفحة الرئيسية


 

[1]  «الغارات» - الثقفي ص 5.

[2]  «الاختصاص» ص 164.

[3]  «نهج البلاغة» - خطبة 218 ص 423.

[4]  «نهج البلاغة» - كتاب رقم 62 ص 581.

[5]  م. ن. – خطبة 96 ص 172.

[6]  «الغارات» ص 5.

[7] م. ن. – ص 5.

[8]  سورة سبأ: آية 28.

[9]  سورة النساء: آية 59.

[10]  سورة المائدة: آية 44.

[11]  سورة المائدة: آية 45.

[12]  سورة المائدة: آية 47

[13]  سورة المائدة: آية 8.

[14]  سورة النحل: آية 76.

[15]  سورة النحل: آية 90.

[16]  «نهج البلاغة» - خطبة 15 ص 48.

[17]  م. ن. – خطبة 208 ص 407.

[18]  «نهج البلاغة» - خطبة 55 ص 94.

[19] سورة المائدة: آية 8.

[20]  سورة النحل: آية 90.

[21]  «نهج البلاغة» - المختار من حكمه (ع) رقم 222 ص 648.

[22]  سورة الانفال: آية 33.

[23]  «نهج البلاغة» - حكمة 83 ص 618.

[24]  سورة البقرة: آية 156.

[25]  «نهج البلاغة» - حكمة 93 ص 620.

[26]  الشِماس: امتناع ظهر الفرس من الركوب.

[27]  الضّروس: الناقة السيئة الخلق تعض حالبها.

[28]  سورة القصص: آية 5.

[29]  «نهج البلاغة» - خطبة 205 ص 405.

[30]  م. ن. – كتاب 53 ص 562.

[31]  «نهج البلاغة» - كتاب 53 ص 564.

[32]  م. ن. – كتاب 53 ص 566.

[33]  سورة النساء: آية 105.

[34]  سورة النساء: آية 58.

[35]  «تهذيب الاحكام» - كتاب القضاء. ج 6 ص 217.

[36] ) «نهج البلاغة» - المختار من كتبه (ع) رقم 16 ص 473.

[37]  م. ن. – خطبة 88 ص 141.

[38]  سورة النساء: آية 59.

[39]  سورة العنكبوت: آية 8.

[40]  سورة المائدة: آية 8.

[41]  سورة النساء: آية 135.

[42]  سورة الاحزاب: آية 36.

[43]  سورة النساء: آية 59.

[44]  «نهج البلاغة» - كتاب 53 ص 556.

[45]  «الاختصاص» ص 235.

[46]  «نهج البلاغة» - خطبة 72 ص 109.

[47]  م. ن. – خطبة 125 ص 224.

[48]  م. ن. – خطبة 121 ص 219.

[49]  م. ن. – خطبة 19 ص 54.

[50]  م. ن. – كتاب 63 ص 583.