(ص 763 - 783)

الفصل السابع والعشرين

مباني دولة الامام (ع)

(3) النظام الحقوقي (المالي)

 

1_ اضاءات من اقوال الامام (ع) في الحقوق: أ _ اموال المسلمين. ب _ الحلال والحرام. ج _ التكافل الاجتماعي ومواساة الآخرين. د _ ميزان الحقوق بين الاغنياء والفقراء * 2 _ المال والنظام الحقوقي في خلافة الامام (ع). اولاً: المال والنقد. ثانياً: الدَخل الشخصي. ثالثاً: ميزانية الدولة. رابعاً: الفقر والغنى: العدالة الحقوقية في عهد الامام (ع).

--------------------
 

النظام الحقوقي (المالي)

يقوم النظام الحقوقي المالي في الاسلام، على قاعدة العدل والانصاف بين الرعية . فالمال عصب الحياة الاجتماعية ووسيلة من وسائل كرامة الانسان. وما لم يُوّزَعِ المال بطريقة عقلائية منصِفة بين الناس، فان الحرمان من كسبه يولّد حالة من حالات اهانة المرء وتدمير قيمه الاخلاقية. وهذا خلاف مباني الدين، التي ارادت للانسان ان يكون كريماً منيعاً عزيزاً. ولذلك قال الامام (ع): «كاد الفقر ان يكون كفراً». بمعنى ان الرسالة التي لا تحفظ كرامة الانسان، لا تستحق ان يؤمن بها الانسان.

وفي هذا الفصل سوف نعرض بعض الافكار حول المال والحقوق المالية. فنعرض اولاً: اضاءات من اقوال الامام امير المؤمنين (ع) في الحقوق المالية والتكافل الاجتماعي. ثم نناقش ثانياً: المال والنقد في المجتمع، وطبيعة الدخل الشخصي في عصر الامام (ع)، وميزانية الدولة، واساليب معالجة الفقر.

 1 _ اضاءات من اقوال الامام (ع) في الحقوق

تناول الامام امير المؤمنين (ع) في كتبه ورسائله وخطبه ووصاياه قضايا المال والنظام الحقوقي بكثير من العناية والاهتمام. ذلك لان للمال _ كآلة _ طاقة كافية كي يشبع الناس ويعدل بينهم، وطاقة اخرى كي يظلم الناس ويحرمهم من الحياة. فما لم يأتِ المال عن طريق الكسب الحلال، فانه يتحول الى عملية اثم وظلم وحرام. وما لم يوزع المال على اهل الحاجة والمسكنة، فانه يتحول الى اداة لضرب الميزان الحقوقي التأريخي بين الاغنياء والفقراء. ومن اجل ادراك آراء الامام امير المؤمنين (ع) في المال، والحقوق، والتكافل الاجتماعي، نعرض باختصار لمجموعة من النصوص:

أ _ اموال المسلمين الحقوقية:

للمال في الاسلام حرمة لا يجوز انتهاكها. فان كان المال في حوزة المالك، وجبت المحافظة عليه. وان كان في حوزة بيت المال، وجب توزيعه على الفقراء واهل الحاجة والمسكنة. وإن كان محجوراً عليه، وجب عدم التصرف فيه، وهكذا. ولا شك ان حرمة الانتهاك مرتبطة بآلية المال المهمة في تيسير امور الناس. فهنا عدّة روايات نقرأها بالترتيب:

1ً _ روي انه ذكر عند عمر بن الخطاب في ايام خلافته حَلي الكعبة وكثرتُهُ، فقال قوم: لو أخذته فجهزتَ به جيوش المسلمين كان اعظم للاجر، وما تصنع الكعبةُ بالحَلي؟ فهمّ عمر بذلك، وسأل عنه امير المؤمنين (ع). فقال له (ع): «إنَّ القرآن اُنزِلَ على النبي (ص) والاموالُ اربعةٌ: اموال المسلمين فقسَّمَها بين الوراثةِ في الفرائضِ، والفيءُ فقسَّمَهُ على مُستحقّيهِ، والخُمسُ فوضعهُ اللهُ حيث وضَعَهُ، والصدَقاتُ فَجَعَلها اللهُ حيثُ جعلها. وكان حليُ الكعبةِ فيها يومئذٍ، فتركهُ اللهُ على حالهِ، ولم يتركهُ نسياناً، ولم يَخفَ عليهِ مكاناً، فأقرّهُ حيث أقرّهُ اللهُ ورسولهُ»[1].

2ً _ من وصية له (ع) كان يكتبها لجباة الصدقات: «... ولا تأخُذنَّ منه (أي من دافع الضريبة) أكثرَ مِن حَقِّ اللهِ في مالِهِ»[2].

3ً _ ومن كتاب له (ع) الى عماله على الخراج: «... ولا تَمَسُّنَّ مالَ أحدٍ منَ الناسِ، مُصَلٍّ ولا مُعاهدٍ»[3].

دلالات النصوص:

وفي تلك النصوص دلالات مهمة، نعرضها فيما يلي:

اولاً: تحدّث الامام (ع) عن الاموال الحقوقية في المجتمع الاسلامي وقسّمها الى اربعة اقسام، بمقتضى الجواب على السؤال. وهذا مالٌ متعلق بالحقوق فقط. اما الاموال الاجتماعية والشخصية الاخرى فلها تصانيف اخرى، نتحدث عنها لاحقاً. فمن انواع الاموال الحقوقية:

1 _ الارث: وهو مال ينقل من يد الى اخرى عبر الوصية او التركة عند موت الانسان. وهي كمية كيبرة من المال في المجتمع. لان الناس تترك _ دائماً _ ثمار ما كدحت، لابنائها وذويها بعد الموت.

2 _ الفيء: وهو الغنيمة التي تجلبها سيوف المسلمين. وهذا المقدار من المال يقسّم على المقاتلين بالتساوي.

3 _ الخمس: وهو المال الذي نطقت به الآية الكريمة: (واعلَمُوا أنَّما غَنِمتُم مِن شَيءٍ فإنَّ للهِ خُمُسَهُ وللرسُولِ ولِذي القُربى واليَتامى والمساكينِ وابنِ السَبيلِ...)[4].

4 _ الصدقة: وهي الزكاة الواجبة على الغلات الاربع والانعام الثلاثة والنقدين. وهناك زكاة مستحبة في كل موارد الخير.

وبعض تلك الانواع من المال تندرج تحت عنوان الحقوق الشرعية. اما الاموال الاخرى كمال التجارة والاجارة ونحوها فهي لم تكن مورد السؤال. فقد كان السؤال عن حلي الكعبة وقد اُريد بيعها، واضافتها الى بيت المال.

ثانياً: يُستدل من قوله (ع): «ولا تأخُذنَّ منهُ أكثر من حق اللهِ في ماله» انه ينبغي حساب مقدار الضريبة المأخوذة من الغني، بدقة واضافتها الى بيت المال. فلا يجوز التعدي عن ذلك المقدار، بدعوى تقوية بيت المال أو نحوه. الا اللهم اذا كان الزائد تبرعاً، وصدقة مستحبة.

وتلك الدقة في حساب الضريبة من المهم ملاحظتها. ذلك لان للغني حساباته المالية، والتزاماته الاجتماعية. فعندما يكون على بينة من المقدار المأخوذ منه، فانه يستطيع ان يبني خططه التجارية على اساس واضح صريح

ثالثاً: يستدلّ من قوله (ع): «ولا تمسُّنَّ مالَ أحدٍ منَ الناسِ، مُصَلٍّ ولا معاهد»، ان اموال الناس (مسلمين او غير مسلمين) محفوظة ولا يجوز مسها وانتهاك حرمتها باي شكل من الاشكال. أي ان الاسلام وضع المسؤولية على عاتق الحاكم الشرعي في حفظ اموال الناس، بالاضافة الى مسؤوليته في حفظ نفوسهم واعراضهم. وهذا الحكم الشرعي، يعدُّ تأسيساً لقاعدة « الامان المالي » التي تشجع على الاستثمار والعمل الجاد وحركة الاقتصاد في المجتمع.

ب _ الحلال والحرام:

والمال الذي يتداوله الناس في المجتمع له منشآن: حلال وحرام. وافظع الحرام هو الذي يغتصبه الحاكم الظالم من افواه رعيته. فليس غرياً ان نلمس التأكيد المتواصل على النـزاهة المالية للوالي والتعفف عما في ايدي الناس. وفي ذلك خمسة احاديث منتخَبة:

1ً _ قال الامام (ع): «واتقوا مدارِجَ الشيطانِ، ومَهابِطَ العُدوانِ، ولا تُدخِلُوا بُطُونَكُم لُعَقَ الحرامِ»[5].

2ً _ وقال (ع) لقاضيه شريح بن الحارث وقد اشترى داراً: «فانظُر يا شُرَيحُ لا تكونُ ابتعتَ هذِهِ الدارَ من غيرِ مالِكَ، أو نقدتَ الثمنَ من غيرِ حلالِكَ...»[6].

3ً _ «بئسَ الطعامُ الحرامُ. وظلمُ الضعيفِ أفحشُ الظُلمِ...»[7].

4ً _ ومن كتاب له (ع) الى بعض عماله: «كيفَ تُسِيغُ شراباً وطعاماً، وأنتَ تعلَمُ أنّكَ تأكُلُ حَراماً، وتشرَبُ حَراماً...»[8].

5ً _ «فانظُر الى ما تقضمُهُ من هذا المقضَمِ، فما اشتبَهَ عليكَ علمُهُ فالفظِهُ، وما أيقنتَ بطيبِ وجُوهِهِ فنَل منهُ»[9].

دلالات النصوص:

نستنتج من تلك النصوص بعض الدلالات المهمة، منها:

اولاً: حرمة اكل المال الحرام. وتلك قاعدة شرعية كلية لها مصاديق مصاديق متعددة. ومن تلك المصاديق:

أ _ المال المسروق: وهو الذي وضع في حِرز، فقام السارق بكسر الحرز او الصندوق وانتهاك المال وسرقته. فاكله حرام.

ب _ المال المغصوب: وهو المال المغتصب من مالكه، فرداً كان او بيتاً للمال او غيره. وينطبق هذا العنوان بالخصوص على الولاة الظلمة من الذين يأكلون مال العباد ويجعلونه دوَلاً بينهم. ويحرمون منه المظلوم والضعيف والفقير.

ج _ المال المخلوط بالحرام: وهو المال الحلال الذي اختلط بالمال الحرام، ويجب اخراج الخمس منه.

د _ المال الناتج عن تجارة محرمة: كالمال الناتج عن الربا، وبيع المحرمات كالخمرة ونحوها.

ثانياً: ان ما يقابل المال الحرام، مالٌ حلال ينبغي على الوالي ان يأكله. ففي الوقت الذي يحرّم فيه الاسلام اكل المال الحرام، فانه يحلل المال الحلال ولو كان قليلاً. وهذا يعني ان للوالي او لاي مسؤول في الدولة راتباً معقولاً كافياً يجنبه اكل المال الحرام. وقد اشار (ع) الى ذلك عند مخاطبته احد ولاته: «وإنَّ لكَ في هذهِ الصدقةِ نصيباً مفروضاً، وحقاً معلوماً... وانا موفوك حقك...»[10].

ثالثاً: ان المال الحرام لا يجوز استخدامه او استثماره من قبل الغاصب في أي مورد من الموارد الحياتية كشراء البيوت او الاطعمة او الاشربة. ولا شك ان المال المغصوب ينبغي ان يُرجع الى صاحبه فوراً. وقد ناقشت المتون الفقهية ذلك باسهاب.

ج _ التكافل الاجتماعي ومواساة الآخرين:

ونظرة فاحصة لاقوال الامام امير المؤمنين (ع) في رسائله وخطبه نلمس انه كان يدعو الى لونين من التكافل الاجتماعي. الاول: تكافل يقوم به بيت المال (أي الدولة). والثاني: تكافل يقوم به افراد المجتمع تجاه بعضهم البعض. فهنا خمس روايات حول هذا الموضوع:

1ً _ يقول (ع) في كتابٍ له الى عثمان بن حنيف عامله على البصرة: «... ولو شِئتُ لاهتديتُ الطريقَ الى مُصفّى هذا العَسَلِ، ولُبابِ هذا القَمحِ، ونسائجِ هذا القزِّ. ولكن هيهات ان يَغلبني هَوايَ، ويَقودني جَشَعي الى تخيُّرِ الاطعمةِ _ ولعلَّ بالحِجازِ أو اليَمامَةِ من لا طمعَ لهُ في القُرصِ (أي الرغيف) ولا عهدَ لهُ بالشبَعِ _ أو أبيتَ مِبطاناً وحولي بُطونٌ غرثى وأكبادٌ حرَّى، أو أكونَ كما قالَ القائلُ:

وحَسبُكَ داءً أن تَبيتَ ببطنةٍ              وحولَكَ اكبادٌ تحِنُّ الى القِددِّ

أأقنَعُ بأن يُقال لي: هذا أميرُ المؤمنين، ولا أُشاركُهُم في مكارِهِ الدهرِ، أو أكونَ أُسوةً لهُم في جُشوبَةِ العَيشِ»[11].

2ً _ وقال (ع): «من كفّاراتِ الذنوبِ العظامِ اغاثةُ الملهوفِ، والتنفيسُ عن المكروبِ»[12].

3ً _ «اختَبروا شيعتي بخصلتين: المُحافظةَ على اوقاتِ الصلاةِ، والمواساةِ لإخوانِهم بالمالِ ؛ فإن لم يكونا فأعزَب ثم أعزَب».

4ً _ ومن كتابٍ له (ع) الى العمال الذين يطأ الجيش عملهم، يبيّن فيه انه لا يحل للجندي ان يأخذ من الارض التي يمرّ بها غير ما يسد جوعه: «وأنا أبرأُ اليكُم والى ذمتِكُم من مَعرَّةِ الجيشِ (أي اذاه) إلا من جوعَةِ المُضطرِّ، لا يجدُ عنها مذهباً الى شبعِهِ»[13].

دلالات النصوص:

وفي تلك النصوص دلالات مهمة ، نعرض لها بالترتيب:

اولاً: ينبغي في نظر الامام (ع) ان يكون الحاكمُ اسوةً لفقراء امته وقدوةً لاغنيائها. يعيش معهم جشوبة العيش وخشونة الحياة، ويحس معهم آلام الجوع. وحاكم بتلك المواصفات يستطيع ان يعالج مشكلة الفقر والحرمان في المجتمع. ذلك لان المصيبة اذا نزلت بصاحبها، وكان قادراً على رفعها عن غيره، لهانت. والحاكم الفقير اقدر على معالجة الفقر في المجتمع من الحاكم الثري المتخم.

ثانياً: ان يتم التكافل الاجتماعي عن طريقين. الاول: وهو الذي تقوم به الدولة عبر عطاء بيت المال. وهو ما يقابل الضمان الاجتماعي للحكومة الحديثة. والثاني: وهو الذي يقوم به الناس لمساعدة بعضهم البعض. وهو ما يقابل جمعيات الخير والمبرات المعمول بها اليوم.

وتلك الطريقة في التكافل الاجتماعي، ترفع كل النواقص والهفوات التي يمكن ان يحدثها الطريق الاول. فالضمان الحكومي قد يكون محدداً ولا يسدّ كل حاجات الفقير. فيكون الطريق الثاني وهي جمعيات البر والاحسان، اداةً مساعِدة لتكميل نواقص الطريق الاول.

ثالثاً: اجاز (ع) الاكل من ثمار البساتين التي كان يمر بها الجيش وهو في طريقه الى المعركة. وحدد الاكل بما يسدّ جوعة المضطر.

وهذا الحكم غير محدد بالجنود، بل يطلق على كل من مرّ ببستان _ في حالة الاضطرار _ وتناول شيئاً منه بما يسدّ جوعته. وهذا الاصل مهم. فعن طريق حلّية تناول ما تثمره الاشجار والنباتات في الطريق، تنسدُّ حاجة شريحة من الناس. وبتعبير آخر، ان المناطق الشاسعة للبساتين والمزارع ينبغي ان لا تشهد جائعاً مضطراً. فكلٌ له حق في سد جوعته.

د _ ميزان الحقوق بين الاغنياء والفقراء:

كان المال واقتناؤه ولا يزال، من اعظم الاختبارات التي يختبر الله به عباده. فللذهب والفضة بريق يحرّك في الانسان الشهوة في اقتنائهما وجمعهما وكنـزهما. وكلما كان التسابق نحو جمع الثروة حامياً، كلما بقيت مجموعة من الناس في المؤخرة تُحرم من الحصول على ما يسد حاجاتها ويشبع جوعتها. لان كمية المال من النقدين محدودة. والحائز على كمية اكبر، يحرم بالنتيجة الآخرين منهما.

فكان لابد للدين من تدخلٍ في تنظيم الثروة الاجتماعية، عبر فرض حق معلوم للفقراء في اموال الاغنياء، وعبر المساواة في العطاء من بيت المال للفقراء، وعبر تخصيص الفيء او الغنيمة للمقاتلين دون غيرهم. ومن اجل تكوين صورة واضحة عن ذلك، فقد انتخبنا هنا اربع عشرة حكمة وأثراً من آثاره (ع):

1ً _ قال (ع): ««اضرِب بطرفِكَ حيثُ شئتَ منَ الناسِ، فهل تُبصِرُ إلاّ فقيراً يُكابِدُ فَقراً، أو غنيّاً بدَّلَ نعمةَ اللهِ كُفراً، أو بَخيلاً اتخذَ البُخلَ بِحقِّ اللهِ وَفراً، أو متمرِّداً كأن بأذنُه عن سمعِ المواضِعِ وقراً»[14].

2ً _ ومن كتابٍ له (ع) الى زياد بن ابيه: «فَدَعِ الاسرافَ مُقتصِداً، واذكُر في اليَومِ غَداً، وأمسِك مِنَ المالِ بِقدرِ ضَرورَتِكَ، وقدِّم الفَضلَ ليومِ حاجتكَ. أترجو أن يُعطيكَ اللهُ أجرَ المُتواضِعينَ، وأنتَ عندهُ مِنَ المُتكبِّرينَ! وتطمعُ _ وأنتَ متمرِّغٌ في النعيمِ تمنعُهُ الضعيفَ والارملَةَ _ أن يُوجبَ لَكَ ثَوابَ المتصدقين؟ وانما المرءُ مجزيٌّ بما اسلَفَ، وقادمٌ على ما قدَّمَ، والسلامُ»[15].

3ً _ من كتابٍ له (ع) الى بعض عماله: «...كيفَ تُسيغُ شراباً وطعاماً، وأنتَ تعلَمُ أنّكَ تأكُلُ حراماً، وتشرَبُ حراماً، وتبتاعُ الإماءَ وتنكِحُ النساءَ من اموال اليتامى والمساكينِ والمؤمنين والمجاهدينَ، الذينَ أفاءَ اللهُ عليهم هذهِ الاموالَ، وأحرزَ بهم هذهِ البلادَ»[16].

4ً _ «إنَّ اللهَ سُبحانهُ فرضَ في أموالِ الاغنياءِ اقواتَ الفقراءِ، فما جاعَ فقيرٌ إلاّ بما مُتِّعَ بهِ غنيٌّ، واللهُ تعالى سائلُهُم عن ذلك»[17].

5ً _ وقال (ع) في الخطبة الشقشقية: «...وقامَ معهُ (أي عثمان) بنو ابيه (بنو امية) يخضَمُونَ مالَ اللهِ خضمَ الإبِلِ نبتةَ الربيعِ»[18].

6ً _ وقال (ع) فيما رده على المسلمين من قطائع عثمان: «واللهِ لو وجَدْتُهُ قد تُزُوِّجَ بهِ النساءُ، ومُلِكَ بهِ الاماءُ: لردَدتُهُ. فإنَّ في العدلِ سعةً. ومن ضاقَ عليهِ العدلُ، فالجَورُ عليهِ أضيَقُ»[19].

7ً _ «وإنَّ لكَ في هذهِ الصدَقَةِ نصيباً مفروضاً، وحقاً معلوماً، وشُركاءَ اهل مَسكنةٍ، وضعفاءَ ذوي فاقةٍ. وإنا موفُّوكَ حقَّكَ، فوفِّهِم حُقوقَهُم، وإلا تَفعَل فإنَّكَ من أكثرِ الناسِ خُصوماً يومَ القيامةِ، وبؤسا لمن _ خصمُهُ عندَ اللهِ _ الفقراءُ والمساكينُ والسائلُونَ والمدفُوعونَ، والغارمُونَ وابنُ السبيلِ! ومن استهانَ بالأمانةِ، ورتعَ في الخيانَةِ، ولم يُنـزَّهْ نفسَهُ ودينَهُ عنها، فقد أحلَّ بنفسهِ الذِّلَّ والخزيَ في الدنيا، وهو في الآخرةِ أذَلُّ واخزى. وإنَّ أعظمَ الخيانَةِ خيانةُ الامةِ، وأفظَعَ الغِشِّ غِشُّ الائمةِ، والسلامُ»[20].

8ً _ «... ولكنني آسى ان يليَ امرَ هذهِ الامةِ سُفهاؤها وفُجّارُها، فيتخذوا مالَ اللهِ دُوَلاً، وعبادَهُ خَوَلاً (أي عبيداً)...»[21].

9ً _ ومن كتابٍ له (ع) الى قثم بن العباس عامله على مكة: «وانظُر الى ما اجتمعَ عندَكَ من مالِ اللهِ فاصرِفهُ الى من قِبَلَكَ من ذوي العيالِ والمجاعةِ، مُصيباً بهِ مواضِعَ الفاقةِ والخلاّتِ. وما فَضَلَ عن ذلكَ فاحمِلهُ إلينا لنقسِمَهُ فيمن قِبَلَنا»[22].

10ً _ ومن كلام له (ع) لما عوتب على التسوية في العطاء: «أتأمُرُني أن أطلُبَ النصرَ بالجَورِ فيمَن وُلِّيتُ عليهِ. واللهِ ما أطُورُ به ما سَمَرَ سميرٌ، وما أمَّ (أي قصد) نجمٌ في السماءِ نجماً! لو كانَ المالُ لي لسويتُ بينهم، فكيفَ وانما المالُ مالُ اللهِ»[23].

11ً _ وقال (ع) لطلحة والزبير: «وأما ما ذكرتما من أمرِ الأُسوةِ (أي التسوية بين المسلمين في قسمة الاموال) فإنَّ ذلكَ أمرٌ لم أحكُم أنا فيهِ برأيي، ولا وليتُهُ هوىً منِّي، بل وجدتُ أنا وانتما ما جاء به رسولُ اللهِ (ص) قد فُرِغَ منه...»[24].

12ً _ من كلام له (ع) كلّم به عبد الله بن زمعة، وهو من شيعته. وذلك انه قدم عليه في خلافته يطلب منه مالاً، فقال (ع): «إنَّ هذا المالَ ليسَ لي ولا لكَ. وإنَّما هوَ فيءٌ للمسلمينَ، وجَلبُ اسيافهِم، فإنَّ شرِكتَهُم في حربِهم، كان لك مثلُ حظِّهم، والا فجناةُ أيديهِم لا تكُونُ لغيرِ أفواهِهِم»[25].

13ً _ ومن كتاب له (ع) الى مصقلة بن هبيرة الشيباني عامله على اردشير خُرَّة في بلاد العجم: «بلغني عنك... أنكَ تقسِمُ فيءَ المسلمينَ الذي حازتهُ رماحُهُم وخُيولُهُم، وأريقت عليهِ دماؤُهُم، فيمن اعتامَك (أي اختارك) من أعرابِ قومِكَ... ألا وإنَّ حقَّ من قِبَلَكَ وقِبَلَنا (أي من عندك وعندنا) من المسلمين في قسمةِ هذا الفيءِ سَواءٌ: يرِدُون عندي عليهِ، ويصدُرون عنهُ»[26].

14ً _ وقال (ع) مخاطباً احد عماله: «...والفيءُ فقسِّمهُ على مُستحقِّيهِ...»[27].

دلالات النصوص:

نستدل من قراءة تلك النصوص الخالدة على جملة امور، منها:

اولاً: ان القاعدة الاسلامية في المال هي ان الله سبحانه فرض في اموال الاغنياء اقواتَ الفقراء. أي ان الحق الشرعي الذي يدفعه الغني، خُمساً كان او صدقةً، هو حق مفروض بقوة التشريع. وبتعبير ثالث ان الغني لا يستطيع ان يُمنّ على الفقير لمنحه صدقة او خمساً، لان ذلك واجبٌ مفروض عليه، كما قرر الاسلام.

ثانياً: ان المال المجتمع عند الوالي في الولايات النائية يُفترض ان يصرف على اهل الولاية، من الفقراء. وما زاد عن ذلك يُنقل الى الحاكم الشرعي العام. وتلك اللامركزية في توزيع الحقوق تعني ان التوزيع يتم من الاسفل نحو الاعلى لا العكس. بمعنى ان القاعدة ينبغي ان تشبع اولاً ثم ما يفضل من المال يذهب الى الحكومة المركزية.

فهذا صريح قوله (ع): «وانظر الى ما اجتمعَ عندكَ من مالِ اللهِ فاصرفهُ الى من قبلكَ من ذوي العيال والمجاعة... وما فضلَ عن ذلك فاحمله الينا لنقسمه فيمن قبلنا»[28].

ثالثاً: ورد لفظ الفيء في كلام الامام (ع) حول المال. ولابد من استيضاح معنى الكلمة:

قال الراغب الاصفهاني: «الفَيْءُ: وهي الغنيمة التي لا يَلحَقُ فيها مشقَّةٌ. قال تعالى: (ما أفاءَ اللهُ على رسولهِ...)[29]»[30]. وقال الطبرسي في «مجمع البيان»: «الفيء رد ما كان للمشركين على المسلمين بتمليك الله اياهم ذلك على ما شرط فيه...»[31].

وقوله (ع) لاحد اتباعه وهو عبد الله بن زمعة عندما طلب منه مالاً: «إنَّ هذا المالَ &#