) ص 611- 632)

الفصل الثالث والعشرين

 فاطمة الزهراء (ع)

 

فاطمة الزهراء (ع) والاحداث العظيمة. مراحل التحرك: 1- المطالبة بالحقوق: أ-النحلة. ب- دعوى الميراث. ج- سهم ذوي القربى. 2- الاجهار في المعارضة. 3- مقاطعة قريش. استشهادها (ع). فاطمة الزهراء (ع) والانوثة الدينية: 1- النظرية الدينية في الأنوثة. 2- معاني الأنوثة. 3- خصائص فاطمة الزهراء (ع). الأرض والسياسة في (فدك): 1- فدك: الارض. 2 ـ فدك : الملكية.

 -------------------

 فاطمة الزهراء (ع) والأحداث العظيمة

          عاشت فاطمة الزهراء (ع) خلال احتضار ابيها رسول الله (ص) ووفاته (ص) اياماً صعبة وعصيبة. فقد افتقدت الاب الرحوم والنبي الخاتم (ص) والمصطفى الذي اختارته السماء رحمة للعالمين. فعندما «صارت الى قبر ابيها (ص) وقفت عليه وبكت، ثم اخذت من تراب القبر فجعلته على عينها ووجهها ثم انشأت تقول :

ماذا على من شمّ تربة أحمد *** ان لا يشمّ مدى الزمان غواليا

صبّت عليّ مصائب لو انها *** صُبّت على الايام عدن لياليا

ولها (ع) ترثي أباها (ص)[1]:

اغبر آفاق السماء وكورت *** شمس النهار وأظلم العصرانِ

والارض من بعد النبي كئيبة *** أسفاً عليه كثيرة الاحزانِ

فليبكه شرقُ البلاد وغربُها *** ولتبكه مضرٌ وكلُ يمان

وليبكه الطود الأشمّ وجوّه *** والبيت ذو الاستار والأركانِ

ياخاتم الرسلِ المبارك صنوه *** صلّى عليك منـزّلُ القرآنِ

          وبعدما رأت ما انتهت اليه وصية رسول الله (ص) حول ولاية الامام (ع)، واحداث السقيفة، بدأت تحركها السياسي ضد قريش التي اغتصبت ولاية الامر.

التحرك ضد قريش :

          وكان ذلك التحرك قد مرّ بمراحل ثلاث :

الاولى : مطالبتها بحقها في فدك وسهم ذوي القربى.

الثانية : الاجهار في معارضتها استلام قريش الخلافة بعد النبي (ص).

الثالثة : مقاطعتها قريشاً حتى استشهادها (ع).

          وكانت تلك المراحل متضافرة تساند بعضها بعضاً في اعلان مظلوميتها. خصوصاً الامر المتعلق بانتهاك حرمة الولاية الشرعية.

المرحلة الاولى : المطالبة بالحقوق

          واهم ما كان في يدها (ع) : فدك. وهي قرية بالحجاز بينها وبين المدينة يومان، وقيل : ثلاثة. وفيها عين فوارة ونخيل كثيرة[2]. وقصة فدك : ان رسول الله (ص) عندما انتهى من معركة خيبر «بقيت بقية من اهل خيبر تحصنوا، فسألوا رسول الله (ص) ان يحقن دمائهم ويسيرهم، ففعل. فسمع بذلك اهل فدك، فنـزلوا على مثل ذلك. فكانت لرسول الله (ص) خاصة، لانه لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب»[3].

          وقد قال تعالى في كتابه الكريم : (وما افاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكنّ الله يسلّط رسله على من يشاء والله على كل شيء قدير. ما افاء الله على رسوله من اهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل...)[4]. وفي رواية اخرى انه (ص) لما فرغ من خيبر قذف الله الرعب في قلوب اهل فدك، فبعثوا الى رسول الله (ص) فصالحوه على النصف من فدك[5]. فانزل الله تعالى على نبيه (ص) : (فآت ذا القربى حقه...)[6] ، ثم «اوحى اليه ان ادفع فدك الى فاطمة (ع)، فدعاها رسول الله (ص) فقال لها : يافاطمة، ان الله أمرني ان ادفع اليك فدك. فقالت : قد قبلت يارسول الله من الله ومنك. فلم يزل وكلاؤها فيها حياة رسول الله (ص) فلما ولي ابو بكر اخرج عنها وكلاءها...»[7]. فتقدمت الزهراء (ع) الى الخليفة الاول في مطالبتها بحقها بثلاث دعاوى : أ ـ النحلة. ب ـ الميراث. ج ـ سهم ذوي القربى.

أ ـ النحلة :

          وهي قول الزهراء (ع) بان اباها (ص) قد وهبها فدكاً في حياته (ص). ويستدلّ على ذلك ان فاطمة (ع) عندما كلّمت ابا بكر حول موضوع فدك قال لها : «ياابنة رسول الله، والله ما ورث ابوك ديناراً ولا درهماً، وانه قال : ان الانبياء لا يورثون. فقالت : ان فدكاً وهبها لي رسول الله (ص)...»[8].

          ويستدل ايضاً على ان فدكاً كانت بيد فاطمة الزهراء (ع) خلال حياة ابيها (ص)، ثم اُنتزعت منها، قول امير المؤمنين (ع) في كتابه لعثمان بن حنيف : «بلى كانت في ايدينا فدك من كلّ ما أظلته السماء، فشحت عليها نفوس قوم وسخت عنها نفوس قوم آخرين. ونعم الحَكَمُ الله، وما أصنع بفدك وغير فدك، والنفسُ مظانّها في غد جَدَثٌ، تنقطع في ظلمته آثارها، وتغيب أخبارها...»[9].

فاطمة (ع) واحتجاج الخليفة الاول :

          وتفصيل الامر، ان فاطمة (ع) احتجت على ابي بكر، فقالت له : «ان رسول الله اعطاني فدكاً. فقال : هل لك بيّنة ؟ فشهد لها عليّ وام ايمن، فقال لها : أفبرجل وامرأة تستحقينها ؟ »[10]. واحتجاج الخليفة بتلك الطريقة في غاية الغرابة. ذلك :

          1 ـ ان فاطمة الزهراء (ع) لا يمكن ان تطالب الخليفة امراً ليس لها. خصوصاً وهي العابدة الزاهدة التقية المعصومة. ودليل عصمتها امران :

الاول : طهارتها التي وُصفت في قوله تعالى : (انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيراً)[11]. والارادة الالهية هنا تدلّ على وقوع الفعل للشيء المراد.

الثاني : يدلُّ على عصمتها قوله (ص) : «فاطمةٌ بضعةٌ مني، من آذاها فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله عز وجل». ولو كانت تقترف الذنوب لا يمكن ان يكون مؤذيها مؤذياً لرسول الله (ص). فكان على الخليفة الاول تصديقها (ع).

          2 ـ ان البيّنة التي يطلبها القاضي ـ على الاغلب ـ انما يُراد منها التغليب في الظن على صدق المدّعى. ولاشك ان العدالة معتبرة في الشهادات لانها تؤثر في غلبة الظن. ولذلك اُجيز للحاكم ان يحكم بعلمه من غير شهادة، لان علمه اقوى من الشهادة.

          وقد روي ان اعرابياً نازع النبي (ص) في ناقة. فقال (ص) : «هذه لي، وقد خرجت اليك من ثمنها». فقال الاعرابي : من يشهد لك بذلك ؟ فقال خزيمة بن ثابت : أنا أشهد بذلك. فقال النبي (ص) : «من اين علمت وما حضرت ذلك ؟». قال : لا. ولكن علمت ذلك من حيث علمتُ انك رسول الله. فقال (ص) : «قد اجزت شهادتك، شهادتين». فسُمي ذا الشهادتين[12].

          وفيما نحن فيه، كان على الخليفة الاول الا يستظهر عليها (ع) بطلب شهادة او بيّنة. فهو يعلم مكانها في الدين وموقعها من رسول الله (ص).

          3 ـ وقع الخليفة الاول في اول تناقض فقهي له بعد بيعة قريش له. فإن كانت فاطمة (ع) قد طالبت بفدك وتدعي ان اباها (ص) نحلها ايّاها احتاجت الى اقامة البيّنة، فلم يبق لقول ابي بكر المنسوب الى رسول الله (ص) : «نحن معاشر الانبياء لا نوّرث» من معنى. وإن كانت تطالب بميراث فلا حاجة بها الى الشهود. فالذي يستحق التركة لا يحتاج الى شاهد الا اذا كان نسبه مُنكراً او مجهولاً.

          قال المعتزلي : «سألتُ علي بن الفارقي مدرس المدرسة الغربية ببغداد، فقلت له : أكانت فاطمة صادقة ؟ قال : نعم. قلت : فلِمَ لم يدفع اليها ابو بكر فدك وهي عنده صادقة ؟ فتبسّم ثم قال كلاماً لطيفاً مستحسناً مع ناموسه وحرمته وقلة دعابته، قال : لو اعطاها اليوم فدكاً بمجرد دعواها لجاءت اليه غداً وادّعت لزوجها الخلافة، وزحزحته عن مقامه. ولم يكن يمكنه الاعتذار والموافقة بشيء، لانه يكون قد أسجل على نفسه انها صادقة فيما تدعي كائناً ما كان من غير حاجة الى بينة ولا شهود.

          وهذا كلام صحيح، وإن كان اخرجه مخرج الدعابة والهزل»[13].

          4 ـ من اصول القضاء انه يجوز ان يقضي بيمين وشاهد. وقد روى ابو داود «ان رسول الله (ص) قضى بيمين وشاهد»[14]. فكان بامكان الخليفة ان يفعل ذلك اقتداءً برسول الله (ص)، لكنه لم يفعل.

          5 ـ ان جملة : «نحن معاشر الانبياء لا نوّرث» قد طبّقت فقط على فاطمة الزهراء (ع) فمُنعت من فدك، بينما لم يطبقوا القاعدة على زوجات النبي (ص) وبالخصوص عائشة ام المؤمنين. فعندما دخل رسول الله (ص) المدينة اراد شراء موضع المسجد من قوم بني النجار فوهبوه له. فكان بيتاً له ومسجداً، قال كتاب الله : (ياايها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي الا ان يؤذن لكم...)[15]. ولم يكن لزوجته عائشة داراً بالمدينة ولا لابيها ولا لعشيرتها لانهم من اهل مكة. ولم يروَ انها بنت بيتاً لنفسها. ولكنها عندما ادعت حجرة النبي (ص) بعد وفاته حيث دفن  فيها، صدقها ابو بكر وسلمها اليها بمجرد سكناها، او دعواها.

          ومن المعلوم ان البيوت للازواج. فقد ورد في الذكر الحكيم : (ياايها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن واحصوا العدّة واتقوا الله ربكم، لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن الا ان يأتين بفاحشة مبينة...)[16]. والمراد ببيوتهنّ : البيوت التي كنَّ يسكنها قبل الطلاق، أضيفت اليهن بعناية السكنى، لا الملك.

احتجاج علي (ع) على الخليفة الاول :

          بعد ان ادرك الامام (ع) ما فُعِلَ في فدك من اخراج وكيل فاطمة الزهراء (ع) ونكرانهم ملكيتها لفاطمة (ع)، اتى (ع) ابا بكر وهو في المسجد وحوله المهاجرون والانصار.

          فقال (ع) : يا ابا بكر لِمَ منعت فاطمة ميراثها من رسول الله (ص) وقد ملكته في حياة رسول الله (ص) ؟[17]

          فقال ابو بكر : هذا فيء للمسلمين، فإن اقامت شهوداً ان رسول الله جعله لها، والا فلا حقّ لها فيه.

          فقال الامام (ع) : ياابا بكر تحكم فينا بخلاف حكم الله في المسلمين ؟

          قال : لا.

          قال (ع) : فإن كان في يد المسلمين شيء يملكونه، ثم ادعيت أنا فيه من تسأل البيّنة ؟

          قال : ايّاك اسأل البيّنة.

          قال (ع) : فما بال فاطمة سألتها البيّنة على ما فيها في يديها. وقد ملكته في حياة رسول الله (ص) وبعده ولم تسأل المسلمين بيّنة على ما ادعوها شهوداً، كما سألتني على ما أدعيت عليهم ؟

          فسكت ابو بكر. فقال عمر : يا عليّ دعنا من كلامك فانّا لا نقوى على حجتك، فان أتيت بشهود عدول، والا فهو فيء للمسلمين لا حقّ لك ولا لفاطمة فيه.

          فقال الامام (ع) : ياابا بكر تقرأ كتاب الله ؟

          قال : نعم.

          قال (ع) : اخبرني عن قول الله عز وجل : (انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيراً)[18] ، فيمن نزلت، فينا او في غيرنا ؟

          قال : فيكم.

          قال (ع) : فلو ان شهوداً شهدوا على فاطمة بنت رسول الله (ص) بفاحشة ما كنت صانعاً بها ؟

          قال : كنت أقيم عليها الحدّ، كما أقيمه على نساء المسلمين.

          قال (ع) : اذن كنت عند الله من الكافرين.

          قال : ولِمَ ؟

          قال (ع) : لانك رددت شهادة الله لها بالطهارة، وقبلت شهادة الناس عليها، كما رددت حكم الله وحكم رسوله أن جعل لها فدكاً قد قبضته في حياته. ثم قبلت شهادة اعرابي بائل على عقبيه عليها وأخذت منها فدكاً، وزعمت انه فيء للمسلمين. وقد قال رسول الله (ص) : «البيّنة على المدعي، واليمين على المدعى عليه». فرددت قول رسول الله (ص) ... قال ] الراوي [ : فدمدم الناس وانكروا ونظر بعضهم الى بعض، وقالوا : صدق والله علي بن ابي طالب (ع)...»[19].

تداول فدك بين الايادي عدا فاطمة (ع) :

          قال ابو الفداء في ذكر بعض ما نقم الناس على عثمان : «وأقطع مروان ابن الحكم فدكاً، وهي صدقة رسول الله (ص) التي طلبتها فاطمة ميراثاً، فروى ابو بكر عن رسول الله (ص) : نحن معاشر الانبياء لا نورث، ما تركناه صدقة. ولم تزل فدك في يد مروان وبنيه، الى ان تولى عمر بن عبد العزيز فانتزعها من اهله وردها صدقة»[20].

          واخرج البيهقي : «قال الشيخ : انما اقطع مروان فدكاً في ايام عثمان بن عفان وكأنه تأول في ذلك ما روى عن رسول الله (ص) : اذا أطعم اللهُ نبياً طعمة فهي للذي يقوم من بعده وكان مستغنياً عنها بماله فجعلها لاقربائه ووصل بها رحمهم... وذهب آخرون الى ان المراد بذلك، التولية وقطع جريان الارث فيه. ثم تصرف في مصالح المسلمين كما كان ابو بكر وعمر يفعلان»[21].

          واشار ابن عبد ربه الاندلسي : «ومما نقم الناس على عثمان انه آوى طريد رسول الله (ص) الحكم بن ابي العاص... وقطع فدك مروان وهي صدقة لرسول الله (ص) وافتتح افريقية واخذ خمسه فوهبه لمروان»[22].

          ثم دارت الايام حتى جاء عصر المأمون - عبد الله بن هارون الرشيد- «فدفعها الى ولد فاطمة وكتب بذلك الى قثم بن جعفر عامله على المدينة : اما بعد فان أمير المؤمنين - يقصد المأمون- بمكانه من دين الله وخلافة رسوله (ص) والقرابة به أولى من استن سنته، ونفذ أمره وسلم لمن منحه منحة وتصدق عليه بصدقة منحته وصدقته، وبالله توفيق امير المؤمنين وعصمته واليه في العمل بما يقربه اليه رغبته. وقد كان رسول الله (ص) اعطى فاطمة بنت رسول الله (ص) فدك وتصدّق بها عليها، وكان ذلك امراً ظاهراً معروفاً لا خلاف فيه بين آل رسول الله (ص). ولم تزل تدعي منه ما هو أولى به من صدق عليه فرأى امير المؤمنين ان يردها الى ورثتها ويسلمها اليهم تقرباً الى الله تعالى باقامة حقه وعدله والى رسول الله (ص) بتنفيذ أمره وصدقته. فأمر باثبات ذلك في دواوينه والكتاب به الى عماله. فلئن كان ينادي في كل موسم بعد ان قبض الله نبيه (ص) ان يذكر كلّ من كانت له صدقة او وهبة او عدة ذلك فيقبل قوله وينفذ عدته، ان فاطمة رضي الله عنها لأولى بأن يصدق قولها فيما جعل رسول الله (ص) لها.

          وقد كتب امير المؤمنين الى المبارك الطبري مولى امير المؤمنين يأمره برد فدك على ورثة فاطمة بنت رسول الله (ص) بحدودها وجميع حقوقها المنسوبة اليها وما فيها من الرقيق والغلات وغير ذلك وتسليمها الى محمد بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب، ومحمد بن عبد الله بن الحسن ابن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب لتولية امير المؤمنين اياهما القيام بها لاهلها، فاعلم ذلك من رأي امير المؤمنين وما ألهمه الله من طاعته ووفقه له من التقرب اليه والى رسوله (ص)، واعلمه من قبلك. وعامل محمد بن يحيى ومحمد بن عبد الله بما كنت تعامل المبارك الطبري، وأعنهما على ما فيه عمارتها ومصلحتها ووفور غلاتها ان شاء الله، والسلام.

          وكتب يوم الاربعاء لليلتين خلتا من ذي القعدة سنة عشر ومائتين. فلما اُستُخلِف المتوكل على الله، أمر بردها الى ما كانت عليه قبل المأمون»[23].

          وهنا يثار تساؤل معقول، وهو : ان فدكاً لو كانت فيئاً للمسلمين، كما ادعاه ابو بكر، فما وجه تخصيصه بمروان ؟ وإن كان ميراثاً لفاطمة (ع) فما هو دخل الخليفة الاول والثالث في ذلك ؟ وإن كان نحلة من النبي (ص) لابنته (ع) فكيف يجوز هذا التصرف بملك الغير ؟ ان تضارب اعمال الخلفاء الثلاثة في امر فدك - حيث انتزعها ابو بكر منهم (ع)، وردها عمر اليهم، واقطعها عثمان لمروان- اكبر دليل على عدم كفائتهم في التعامل مع مصداق شرعي من مصاديق الولاية، وهو الملكية ودور ذات اليد فيها.

          وهكذا فشلت دعوى النحلة عند الخليفة الاول، فكان لابد من سلوك طريق المطالبة بميراث رسول الله (ص). فقد كانت فاطمة الزهراء (ع) البنت الوحيدة للنبي (ص).

ب ـ دعوى الميراث :

          لما حاولت الزهراء (ع) بكل ما لديها من ادلة وفصاحة وعصمة في الدين اقناع الخليفة الاول بحقها في فدك، وابى ابو بكر ان يقبل منها ذلك، رأت ان تبسط الخصومة بطريق آخر وهو طريق الميراث. فان فدك مما افاء الله به على رسوله (ص) فاذا لم تنتقل في حياته (ص) الى ابنته (ع)، حسب زعم ابي بكر، فلابد ان تنتقل اليها بعد وفاته (ص) بالميراث.

          فقالت في خطبة لها : «ايها المسلمون أأغلب على إرثي ؟ ياابن ابي قحافة، أفي كتاب الله ترث أباك ولا أرث ابي ؟ لقد جئت شيئاً فرياً. أفعلى عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم ؟ اذ يقول : (وورث سليمان داود...)[24] ، وقال فيما اقتص من خبر يحيى بن زكريا اذ قال : (...فهب لي من لدنك ولياً يرثني ويرث من آل يعقوب...)[25] ، وقال : (...وأولوا الارحام بعضهم اولى ببعض في كتاب الله...)[26] ، وقال : (يوصيكم الله في اولادكم للذكر مثل حظ الانثيين...)[27] ، وقال : (...ان ترك خيراً الوصية للوالدين والاقربين بالمعروف حقاً على المتقين)[28].

          وزعمتم ان لا حظوة لي ولا ارث من ابي، ولا رحم بيننا. أفخصكم الله بآية أخرج ابي منها ؟ ام تقولون : ان أهل ملتين لا يتوارثان ؟ او لست أنا وابي من اهل ملّة واحدة ؟ ام انتم اعلم بخصوص القرآن وعمومه من ابي وابن عمي ؟ ».

          وكان جواب الخليفة الاول في غاية الاضطراب، فمرة كان يقول : «سمعتُ رسول الله (ص) يقول : ان الله اذا اطعم نبياً طعمة فهي للذي يقوم من بعده»[29]. وقال في اخرى : «سمعتُ رسول الله (ص) يقول : انا معاشر الانبياء لا نورّث، ما تركناه صدقة»[30]. وثالثة : «سمعتُ رسول الله (ص) يقول : ان النبي لا يوّرث، من كان النبي يعوله فأنا أعوله، ومن كان النبي (ص) ينفق عليه، فأنا أنفق عليه...»[31].

          وقد انفرد ابو بكر برواية حديث : «نحن معاشر الانبياء لا نوّرث، ما تركناه صدقة»[32].

الرد على احتجاج الخليفة الاول :

          1 ـ ان اختلاق حديث : «نحن معاشر الانبياء لا نوّرث...» يناقض آيات الارث الواردة في القرآن الكريم. فقد نص القرآن على ان الانبياء يورثون. وقد احتجت فاطمة الزهراء عليهم بالقرآن. قال تعالى : (وورث سليمانُ داودَ...)[33]، وفي خبر يحيى بن زكريا اذ قال : (...فهب لي من لدنك ولياً يرثني ويرث من آل يعقوب...)[34] وغيرها من الآيات القرآنية التي تثبت ان النبي يوّرث. وصريح القرآن يقتضي دخول النبي (ص) في آيات الارث مثل : (يوصيكم الله في اولادكم...)[35].

          2 ـ لو كان حديث «نحن معاشر الانبياء لا نورّث ...» صحيحاً، ومقتضاه ان الانبياء (ع) لا يورثون، فكيف تم لزوجات النبي (ص) اخذ حجرات بيته (ص) من غير بيّنة ولا شهادة. ونسبة البيوت اليهن لا تقتضي الملك، بل ان العادة جارية فيها بانها تستعمل من جهة السكنى، ولذلك قال تعالى : (وقرن في بيوتكن...)[36] ، و(...لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن الا ان يأتين بفاحشة مبينة)[37]. فهنا اراد تعالى منازل الازواج التي يُسكنون فيها زوجاتهم، ولم يرد به اضافة الملك.

          3 ـ ومما نقض رواية نفي الارث ان «ابا بكر دفع الى علي (ع) آلة رسول الله (ص) ورايته وحذاءه، وقال : ما سوى ذلك صدقة»[38]. واختلف العباس وعلي (ع) في بغلة رسول الله (ص) وسيفه وعمامته، و«حكم بها - ابو بكر - ميراثاً لعلي (ع). ولو كانت صدقة لما حلّت على علي (ع)، فكان يجب على ابي بكر انتزاعها منه»[39]. و«اذا كان النبي (ص) غير موروث، كيف سلّم البغلة والعمامة الى امير المؤمنين (ع) ؟ وكان ينبغي ان لا يعطيه اياه !! وكذلك البردة والقضيب كان يجب ان لا يتداولها الخلفاء !...»[40].

وعلى اي تقدير فقد فشلت دعوى الميراث باقناع الخليفة الاول بأحقية فاطمة (ع) بأرث ابيها. فكان لابد من التقدم خطوة اخرى، والمطالبة بسهم ذوي القربى.

ج ـ سهم ذوي القربى :

          «كان النبي (ص) يخص أقاربه بسهم من الخمس ويخص نفسه بسهم آخر، ولذا قسّم اموال خيبر، واعطى المسلمين حقهم، وجعل الكتيبة[41] خمس الله وخمس النبي (ص) وسهم ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل»[42]. وقد قال تعالى : (واعلموا انما غنمتم من شيء فان لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل...)[43]. فكانت سيرته (ص) ان يختص بسهم من الخمس، ويخص اقاربه بسهم آخر منه.

          ولما ولي ابو بكر اسقط سهم النبي (ص) وسهم ذوي القربى، ومنع بني هاشم من الخمس وجعلهم كغيرهم. فارسلت اليه فاطمة (ع) تسأله ان يدفع اليها ما بقي من خمس خيبر فابى ان يدفع اليها شيئاً.

          قال ابن ابي الحديد : «وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنه، انه - اي الخمس - كان على ستة: لله وللرسول سهمان، وسهم لاقاربه، وثلاثة اسهم للثلاثة ]المسكين والفقير وابن السبيل[ ، حتى قبض (ص) فاسقط ابو بكر ثلاثة اسهم، وقسّم الخمس كله على ثلاثة اسهم، وكذلك فعل عمر.