(ص 561- 586)

الفصل الثاني والعشرين

 ما بعد رسول الله (ص)

 احداث ما بعد الوفاة: القسم الاول: السقيفة* السقيفة والسياسة: 1- السقيفة: المؤتمر وجدول الاعمال. 2- السقيفة والصراع الاجتماعي والسياسي: أ-الصعيد النفسي. ب- الصعيد السياسي. ج- الصعيد الاجتماعي. د – صراع المصالح. 3- الاسلام والضغوط المتقاطعة. 4-وفاة النبي (ص) وانتقال السلطة. 5- لعبة السقيفة ولعبة الخلافة. 6- السقيفة والجماعات السياسية* القسم الثاني: صيانة القرآن: 1- شخصية علي (ع) والقرآن الكريم. 2- المصحف الحق المحفوظ بين الدفتين. 3 ـ تلاميذ الامام (ع). 4 ـ علّة تضارب الاقوال حول جمع القرآن.

 ---------------------

 أحداث ما بعد الوفاة

          كانت وفاة رسول الله (ص) صدمة عظيمة لافراد المجتمع المدني، الا ان الموت لم يكن غائباً تماماً عن اذهانهم. فقد لمّح النبي (ص) مرات عديدة في حجة الوداع وفي غدير خم وفي المدينة بعد رجوعه اليها من ان اجله قد دنا، وانه ينتظر اللحظة التي يلبي فيها نداءَ ربه. وقد اوصى بالخلافة لعلي (ع)، فلينم قرير العين متنعماً (ص) بلقاء ربه. ولكن الاحداث لم تجرِ كما خُطط لها، بل اتخذت منحىً خطيراً للغاية عندما انعقدت السقيفة دون علم علي (ع)، وفي اللحظة التي كان يضع فيها رسول الله (ص) في مثواه الاخير. فكانت السقيفة من اعظم احداث فترة ما بعد الوفاة، وكان جمع القرآن من قبل الامام (ع) المحطة الثانية في تلك الحقبة الزمنية الحاسمة. ولذلك فقد قسّمنا احداث هذا الفصل الى قسمين : السقيفة، وصيانة القرآن الكريم.

 

القسم الاول: السقيفة

          ذكر صاحب كتاب «الامامة والسياسة» ان رسول الله (ص) لما قُبض طلب العباس عم النبي (ص) مبايعة الامام (ع)، فقال «لعلي بن ابي طالب كرم الله وجهه : أبسط يدك أبايعك، فيقال : عم رسول الله بايع ابن عم رسول الله (ص)، ويبايعك أهل بيتك، فإن هذا الامر اذا كان لم يقل... وقد كان العباس (رض) لقي ابا بكر فقال : هل اوصاك رسول الله بشيء ؟ قال : لا. ولقي العباس ايضاً عمر، فقال له مثل ذلك. فقال عمر : لا. فقال العباس لعلي رضي الله عنه : ابسط يدك أبايعك ويبايعك اهلُ بيتك»[1].

إجتماع الانصار الى سعد بن عبادة :

          واجتمعت الانصار (رض) الى سعد بن عبادة، فقالوا له : ان رسول الله (ص) قد قُبض. فقال سعد لابنه قيس : اني لا استطيع ان أسمع الناس كلاماً لمرضي، ولكن تلق مني قولي فأسمعهم. فكان سعد يتكلم، ويحفظ ابنه قوله، فيرفع صوته، لكي يسمع قومه.

          فكان مما قال، بعد ان حمد الله واثنى عليه : يا معشر الانصار إن لكم سابقة في الدين وفضيلة في الاسلام ليست لقبيلة من العرب. ان رسول الله (ص) لبث في قومه بضع عشرة سنة، يدعوهم الى عبادة الرحمن، وخلع الاوثان. فما آمن به من قومه الا قليل. والله ما كانوا يقدرون ان يمنعوا رسول الله (ص)، ولا يعرفوا دينه، ولا يدفعوا عن أنفسهم، حتى اراد الله تعالى لكم الفضيلة، وساق اليكم الكرامة، وخصكم بالنعمة ورزقكم الايمان به وبرسوله (ص)، والمنع له ولاصحابه والاعزاز له ولدينه، والجهاد لاعدائه. فكنتم أشد الناس على من تخلّف عنه منكم، وأثقله على عدوكم من غيركم، حتى استقاموا لامر الله تعالى طوعاً وكرهاً، واعطى البعيد المقادة صاغراً داحراً حتى اثخن الله تعالى لنبيه بكم الارض، ودانت باسيافكم له العرب، وتوفاه الله تعالى وهو راض عنكم وبكم قرير العين، فشدوا أيديكم بهذا الامر، فإنكم أحق الناس واولاهم به.

          فاجابوه جميعاً : أن قد وفقت في الرأي، وأصبت في القول، ولن نعدو ما رأيت توليتك هذا الامر، فأنت مقنع ولصالح المؤمنين رضا[2].

إسراع قريش الى السقيفة :

          فأتى الخبر الى ابي بكر، ففزع اشد الفزع، وقام ومعه عمر، فخرجا مسرعين الى سقيفة بني ساعدة. فلقيا ابا عبيدة بن الجراح، فانطلقوا جميعاً ، حتى دخلوا سقيفة بني ساعدة، وفيها رجال من الاشراف، معهم سعد بن عبادة، فاراد عمر ان يبدأ بالكلام. وقال : خشيت ان يقصر ابو بكر عن بعض الكلام.

          فلما تيسر عمر للكلام، تجهز ابو بكر وقال له : على رسلك، فستُكفى الكلام. فتشهد ابو بكر، وقال : ان الله جل ثناؤه بعث محمداً (ص) بالهدى ودين الحق، فدعا الى الاسلام، فأخذ الله تعالى بنواصينا وقلوبنا الى ما دعا اليه. فكنا معشر المهاجرين اول الناس اسلاماً، والناسُ لنا فيه تبع. ونحن عشرة رسول الله (ص)، ونحن مع ذلك أوسط العرب أنساباً، ليست قبيلة من قبائل العرب الا وقريش فيها ولادة. وأنتم ايضاً والله الذين آووا ونصروا، وأنتم وزراؤنا في الدين، ووزراء رسول الله (ص)، وأنتم إخواننا في كتاب الله تعالى وشركاؤنا في دين الله عز وجل وفيما كنا فيه من سراء وضراء. والله ما كنا في خير قط إلا كنتم معنا فيه، فأنتم أحب الناس الينا، واكرمهم علينا، وأحق الناس بالرضا بقضاء الله تعالى، والتسليم لامر الله عز وجل ولما ساق لكم ولإخوانكم المهاجرين، وهم أحق الناس فلا تحسدوهم، وأنتم المؤثرون على أنفسهم حين الخصاصة. والله ما زلتم مؤثرين إخوانكم من المهاجرين، وأنتم أحق الناس ألا يكون هذا الامر واختلافه على ايديكم، وأبعد ان لا تحسدوا إخوانكم  على خير ساقه الله تعالى اليهم. وإنما ادعوكم الى ابي عبيدة أو عمر، وكلاهما قد رضيتُ لكم ولهذا الامر، وكلاهما له أهل.

          فقال عمر وابو عبيدة : ما ينبغي لأحد من الناس ان يكون فوقك يا ابا بكر، انت صاحب الغار ثاني اثنين. وأمرك رسول الله (ص) بالصلاة !! فأنت أحق الناس بهذا الامر.

النقاش بين الانصار والمهاجرين:

          فقال الانصار : والله ما نحسدكم على خير ساقه الله اليكم، وإنا كما وصفت يا أبا بكر والحمد لله، ولا احد من خلق الله تعالى أحب الينا منكم، ولا أرضى عندنا ولا أيمن ولكنا نشفق مما بعد اليوم. ونحذر ان يغلب على هذا الامر من ليس منا ولا منكم، فلو جعلتم اليوم رجلاً منا ورجلاً منكم بايعنا ورضينا. على انه إذا هلك اخترنا آخر من الانصار فاذا هلك اخترنا آخر من المهاجرين ابداً ما بقيت هذه الامة. كان ذلك أجدر أن يعدل في امة محمد (ص) وان يكون بعضنا يتبع بعضاً، فيشفق القرشي ان يزيغ فيقبض عليه الانصاري، ويشفق الانصاري ان يزيغ فيقبض عليه القرشي.

          فقام ابو بكر، فحمد الله واثنى عليه وقال : ان الله تعالى بعث محمداً (ص) رسولاً الى خلقه، وشهيداً على امته ليعبدوا الله ويوحدوه وهم إذ ذاك يعبدون آلهة شتى، يزعمون انها لهم شافعة، وعليهم بالغة نافعة. وانما كانت حجارة منحوتة، وخشباً منجورة، فاقرأوا ان شئتم : (انكم وما تعبدون من دون الله...)[3] ، (ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله...)[4] ، وقالوا : (...ما نعبدهم الا ليقربونا الى الله زلفى...)[5]. فعظم على العرب ان يتركوا دين آبائهم، فخص الله تعالى المهاجرين الاولين رضي الله عنهم بتصديقه، والايمان به، والمواساة له والصبر معه على الشدة من قومهم، وإذلالهم وتكذيبهم إياهم وكل الناس مخالف عليهم، زار لهم، فلم يستوحشوا لقلة عددهم وإزراء الناس بهم واجتماع قومهم عليهم. فهم اول من عبدَ الله في الارض، واول من آمن بالله تعالى ورسوله (ص)، وهم اولياؤه وعشيرته، وأحق الناس بالأمر من بعده لا ينازعهم فيه الا ظالم. وانتم يا معشر الانصار من لا ينكر فضلهم ولا النعمة العظيمة لهم في الاسلام، رضيكم الله تعالى أنصاراً لدينه ولرسوله، وجعل إليكم مهاجرته. فليس بعد المهاجرين الأولين احدٌ عندنا بمنـزلتكم، فنحن الامراء، وانتم الوزراء، لا نفتات دونكم بمشورة، ولا تنقضي دونكم الامور.

مناقشة الحباب بن المنذر:

          فقام الحباب بن المنذر، فقال: يا معشر الانصار: املكوا عليكم أيديكم، فإنما الناس في فيئكم وظلالكم، ولن يجير مجير على خلافكم، ولن يصدر الناس الا عن رأيكم. أنتم اهل العز والثروة وأولو العدد والنجدة، وانما ينظر الناس ما تصنعون، فلا تختلفوا، فيفسد عليكم رأيكم، وتقطع اموركم. انتم اهل الايواء والنصرة، واليكم كانت الهجرة. ولكم في السابقين الاولين مثل ما لهم، وأنتم اصحاب الدار والايمان من قبلهم. والله ما عبدوا الله علانية الا في بلادكم، ولا جمعت الصلاة الا في مساجدكم، ولا دانت العرب للاسلام الا بأسيافكم، فأنتم اعظم الناس نصيباً في هذا الامر وإن ابى القوم، فمنا امير ومنهم امير.

          فقام عمر، فقال : هيهات لا يجتمع سيفان في غمد واحد. إنه والله لا يرضي العرب ان تؤمركم ونبيها من غيركم، ولكن العرب لا ينبغي ان تولي هذا الامر الا من كانت النبوة فيهم، وأولو الامر منهم، لنا بذلك على من خالفنا من العرب الحجة الظاهرة، والسلطان المبين. من ينازعنا سلطان محمد وميراثه، ونحن اولياؤه وعشيرته، الا مدل بباطل، او متجانف لإثم، او متورط في هلكة.

          فقام الحباب بن المنذر، فقال : يا معشر الانصار : املكوا  على ايديكم، ولا تسمعوا مقالة هذا واصحابه، فيذهبوا بنصيبكم من هذا الامر، فإن أبوا عليكم ما سألتم فأجلوهم عن بلادكم، وتولوا هذا الامر عليهم. فأنتم والله اولى بهذا الامر منهم، فإنه دان لهذا الامر ما لم يكن يدين له بأسيافنا. اما والله إن شئتم لنعيدنها جذعة[6]. والله لا يرد عليّ أحدٌ ما أقول الا حطمت أنفه بالسيف.

          قال عمر بن الخطاب : فلما كان الحباب هو الذي يجيبني، لم يكن لي معه كلام، لانه كان بيني وبينه منازعة في حياة رسول الله (ص)، فنهاني عنه، فحلفت أن لا أكلمه كلمة تسوؤه ابداً[7]. ثم قام ابو عبيدة، فقال : يا معشر الانصار أنتم اول من نصر وآوى، فلا تكونوا اول من يبدل ويغيّر.

مخالفة بشير بن سعد ونقضه لعهدهم :

          ولما رأى بشير بن سعد ما اتفق عليه قومه من تأمير سعد بن عبادة، قام حسداً لسعد بن عبادة. وكان بشير من سادات الخزرج، فقال : يا معشر الانصار، أما والله لئن كنا اولى الفضيلة في جهاد المشركين، والسابقة في الدين، ما أردنا إن شاء الله غير رضا ربنا، وطاعة نبينا، والكرم لأنفسنا، وما ينبغي أن نستطيل بذلك على الناس، ولا نبتغي به عوضاً من الدنيا. فان الله تعالى ولي النعمة والمنة علينا بذلك. ثم ان محمداً رسول الله (ص) رجل من قريش، وقومه أحق بميراثه، وتولي سلطانه. وأيم الله لا يراني الله أنازعهم هذا الامر أبداً، فاتقوا الله ولا تنازعوهم ولا تخالفوهم 

بيعة ابي بكر :

          ثم قام ابو بكر على الانصار، فحمد الله تعالى واثنى عليه، ثم دعاهم الى الجماعة، ونهاهم عن الفرقة، وقال : إني ناصح لكم في أحد هذين الرجلين : أبي عبيدة بن الجراح، أو عمر فبايعوا من شئتم منهما، فقال عمر : معاذ الله ان يكون ذلك وأنت بين أظهرنا، أنت أحقنا بهذا الامر، وأقدمنا صحبة برسول الله (ص)، وأفضل منا في المال، وانت أفضل المهاجرين وثاني اثنين، وخليفته على الصلاة ! والصلاة افضل اركان دين الاسلام، فمن ذا ينبغي ان يتقدمك، ويتولى هذا الامر عليك ؟ أبسط يدك أبايعك. فلما ذهبا يبايعانه سبقهما اليه بشير الانصاري فبايعه، فناداه الحباب بن المنذر : يا بشير بن سعد، عُقُّك عُقاقُ ما اضطرك الى ما صنعت ؟ حسدت ابن عمك على الإمارة ؟ قال : لا والله، ولكني كرهت أن أنازع قوماً حقاً لهم.

          فلما رأت الأوس ما صنع بشير بن سعد وهو من سادات الخزرج، وما دعوا اليه المهاجرين من قريش، وما تطلب الخزرج من تأمير سعد بن عبادة، قال بعضهم لبعض وفيهم أسيد بن حضير : لئن وليتموها سعداً عليكم مرة واحدة، لا زالت لهم بذلك عليكم الفضيلة، ولا جعلوا لكم نصيبا فيها ابداً، فقوموا فبايعوا ابا بكر، فقاموا اليه فبايعوه !

          فقام الحباب بن المنذر الى سيفه فأخذه، فبادروا اليه فأخذوا سيفه منه، فجعل يضرب بثوبه وجوههم، حتى فرغوا من البيعة. فقال : فعلتموها يا معشر الانصار، اما والله لكأني بابنائكم على ابواب ابنائهم، قد وقفوا يسألونهم بأكفهم ولا يسقون الماء. قال ابو بكر : أمنا تخاف يا حباب ؟ قال : ليس منك أخاف، ولكن ممن يجيء بعدك[8]. قال ابو بكر : فإذا كان ذلك كذلك، فالأمر اليك والى اصحابك، ليس لنا عليك طاعة. قال الحباب : هيهات يا ابا بكر، اذا ذهبت انا وانت، جاءنا بعدك من يسومنا الضيم.

تخلّف سعد بن عبادة عن البيعة :

          فقال سعد بن عبادة : اما والله لو أن لي ما أقدر به على النهوض، لسمعتم مني في اقطارها زئيراً يخرجك أنت واصحابك، ولألحقتك بقوم كنت فيهم تابعاً غير متبوع، خاملاً غير عزيز. فبايع الناس ابو بكر حتى كادوا يطئون سعداً. فقال سعد : قتلتموني. فقال عمر بن الخطاب : اقتلوه قتله الله. فقال سعد : احملوني من هذا المكان، فحملوه فأدخلوه داره وترك أياماً.

          ثم بعث اليه ابو بكر : أن أقبل فبايع، فقد بايع الناس، وبايع قومك. فقال : اما والله حتى أرميكم بكل سهم في كنانتي من نبل، وأخضب منكم سناني ورمحي، وأضربكم بسيفي ما ملكته يدي، وأقاتلكم بمن معي من اهلي وعشيرتي. لا والله لو أن الجن اجتمعت لكم مع الانس ما بايعتكم حتى أعرض على ربي، وأعلم حسابي.

          فلما أتي بذلك ابو بكر من قوله، قال عمر : لا تدعه حتى يبايعك، فقال لهم بشير بن سعد : إنه قد أبى ولجّ، وليس  يبايعك حتى يُقتل، وليس بمقتول حتى يقتل ولده معه، وأهل بيته وعشيرته، ولن تقتلوهم حتى تقتل الخزرج، ولن تقتل الخزرج حتى تقتل الأوس، فلا تفسدوا على أنفسكم أمراً قد استقام لكم، فاتركوه فليس تركه بضارّكم، وانما هو رجل واحد. فتركوه وقبلوا مشورة بشير بن سعد، واستنصحوه لما بدا لهم منه. فكان سعد لا يصلي بصلاتهم، ولا يجمع بجمعتهم[9]، ولا يفيض بإفاضتهم. ولو يجد عليهم أعواناً لصال بهم، ولو بايعه أحد على قتالهم لقاتلهم، فلم يزل كذلك حتى مات ابو بكر، وولي عمر بن الخطاب، فخرج الى الشام فمات بها، ولم يبايع لاحد. وقد اقام بحوران ومات سنة 15 وقيل سنة 14 وقيل سنة 11، وقد وُجِد ميتاً على مغتسله وقد اخضرّ جسده. وقيل ان قبره بالمنيحة قرية من غوطة دمشق وهو المشهور.

بنو هاشم وامية والبيعة :

          واجتمعت بنو هاشم عند بيعة الانصار الى علي بن ابي طالب (ع)، ومعهم الزبير بن العوام، وكانت امه صفية بنت عبد المطلب. وانما كان يعدّ نفسه من بني هاشم. وكان علي (ع) يقول : ما زال الزبير منا حتى نشأ بنوه، فصرفوه عنّا.

          واجتمعت بنو امية على عثمان، واجتمعت بنو زهرة الى سعد وعبد الرحمن بن عوف، فكانوا في المسجد الشريف مجتمعين. فلما أقبل عليهم ابو بكر وابو عبيدة وقد بايع الناس ابا بكر قال لهم عمر : ما لي أراكم مجتمعين حلقاً شتى، قوموا فبايعوا ابا بكر، فقد بايعته وبايعه الانصار. فقام عثمان بن عفان ومن معه من بني امية فبايعوه. وقام سعد وعبد الرحمن بن عوف ومن معهما من بني زهرة فبايعوا.

          واما علي (ع) والعباس بن عبد المطلب ومن معهما من بني هاشم فانصرفوا الى رحالهم ومعهم الزبير بن العوام، فذهب اليهم عمر في عصابة فيهم أسيد بن حضير وسلمة بن أسلم، فقالوا : انطلقوا فبايعوا ابا بكر، فابوا. فخرج الزبير بن العوام بالسيف. فقال عمر : عليكم بالرجل فخذوه، فوثب عليه سلمة بن أسلم، فأخذ السيف من يده،  فضرب به الجدار. وانطلقوا به فبايع.

إباية الامام (ع) بيعة ابي بكر:

          وقد ورد في روايات القوم ان علياً (ع) اُتي به الى ابي بكر وهو يقول : انا عبد الله واخو رسوله، فقيل له بايع ابا بكر. فقال : انا احق بهذا الامر منكم، لا ابايعكم وانتم اولى بالبيعة لي. أخذتم هذا الامر من الانصار، واحتججتم عليهم بالقرابة من النبي (ص)، وتأخذونه منا أهل البيت غصباً ؟ ألستم زعمتم للأنصار أنكم اولى بهذا الامر منهم لمكان محمد منكم، فأعطوكم المقادة، وسلموا اليكم الإمارة. وأنا احتجّ عليكم بمثل ما احتججتم به على الانصار نحن اولى برسول الله حياً وميتاً فأنصفونا إن كنتم تخافون الله من انفسكم، واعرفوا لنا من الامر مثل ما عرفت الانصار لكم، والا فبؤوا بالظلم وانتم تعلمون.

          فقال له عمر : إنك لست متروكاً حتى تبايع، فقال له علي (ع) : احلب حلباً لك شطره، واشدد له اليوم أمره يردده عليك غداً. ثم قال (ع) : والله يا عمر لا أقبل قولك ولا أبايعه.

          فقال له ابو بكر : فإن لم تبايع فلا أكرهك. فقال ابو عبيدة بن الجراح لعلي (ع) : يابن عمّ إنك حديث السنّ وهؤلاء مشيخة قومك، ليس لك مثل تجربتهم، ومعرفتهم بالامور. ولا ارى ابا بكر الا اقوى على هذا الامر منك، واشد احتمالاً واضطلاعاً به. فسلِّم لابي بكر هذا الامر، فإنك إن تعش ويطل بك بقاء، فأنت لهذا الامر خليق وبه حقيق، في فضلك وقرابتك وسابقتك وجهادك ودينك، وعلمك وفهمك، وسابقتك ونسبك وصهرك. فقال علي (ع) : الله الله يا معشر المهاجرين، لا تخرجوا سلطان محمد في العرب عن داره وقعر بيته الى دوركم وقعور بيوتكم، ولا تدفعوا أهله عن مقامه في الناس وحقه. فوالله يا معشر المهاجرين، لنحن أحق الناس به. لأنا أهل البيت، ونحن أحق بهذا الامر منكم ما كان فينا الا القارىء لكتاب الله، الفقيه في دين الله، العالم بسنن رسول الله، المضطلع بأمر الرعية، المدافع عنهم الامور السئية، القاسم بينهم بالسوية. والله انه لفينا، لا تتبعوا الهوى فتضلوا عن سبيل الله، فتزدادوا من الحق بعداً.

          فقال بشير بن سعد الانصاري : لو كان هذا الكلام سمعته الانصار منك يا عليّ قبل بيعتها لابي بكر، ما اختلف عليك اثنان. قال : وخرج علي (ع) يحمل فاطمة بنت رسول الله (ص) على دابة ليلاً في مجالس الانصار ـ مجالس نسائهم على الاغلب ـ تسألهم النصرة، فكانوا يقولون : يابنت رسول الله، قد مضت بيعتنا لهذا الرجل، ولو ان زوجك وابن عمك سبق الينا قبل ابي بكر ما عدلنا به، فيقول علي (ع) : أفكنت أدع رسول الله (ص) في بيته لم ادفنه، وأخرج أنازع الناس سلطانه ؟ فقالت فاطمة : ما صنع ابو الحسن الا ما كان ينبغي له، ولقد صنعوا ما الله حسيبهم وطالبهم[10].

تغير السياسة بعد السقيفة :

          قال الطبرسي (من اعلام القرن السادس الهجري) وهو يتحدث عن مسارعة القوم االى تقرير ولاية الامر، وآل البيت (ع) مشغولون بتجهيز رسول الله (ص) : وبعثوا الى عكرمة بن ابي جهل وعمومته الحارث بن هشام وغيرهم فأحضروهم، وعقدوا لهم الرايات على نواحي اليمن والشام، ووجهوهم من ليلهم، وبعثوا الى ابي سفيان فارضوه بتولية يزيد بن ابي سفيان.

          ولما بايع الناس ابا بكر قيل له : لو حبست جيش اُسامة واستعنت بهم على من يأتيك من العرب ؟ وكان في الجيش عامة المهاجرين. فقال اُسامة لابي بكر : ما تقول في نفسك انت ؟ قال : قد ترى ما صنع الناس[11]، فانا أحبّ ان تأذن لي ولعمر. قال : فقد أذنتُ لكما.

          وخرج اُسامة بذلك الجيش، حتى اذا انتهى الى الشام عزله ابو بكر واستعمل مكانه يزيد بن ابي سفيان، فما كان بين خروج اُسامة ورجوعه الى المدينة الا نحو من اربعين يوماً. فلما قدم المدينة قام على باب المسجد ثم صاح : يامعشر المسلمين، عجباً لرجل استعملني عليه رسول الله (ص) فتأمّر عليّ وعزلني[12].

 

الدلالات العلمية للنصوص

          كان اجتماع السقيفة ـ دون ادنى ريب ـ اجتماعاً سياسياً عاصفاً حدد سياسة الدولة التي بناها رسول الله (ص)، لسنين طويلة قادمة. ونظرة معمّقة للاجتماع تكشف لنا حقيقة انه لا الدين ولا اخلاقه السامية كانتا الاصل في مداولة الحاضرين ونقاشهم، بل كانت الحدّة القَبلية طاغية على ذلك الاجتماع الحاسم. وهنا نقاط لابد من الاشارة اليها :

          1 ـ لم يكن بين وصية رسول الله (ص) لعلي (ع) يوم الغدير بالولاية وبين وفاته (ص) الا سبعون يوماً. وتلك مدة قصيرة زمنياً لا يمكن الادعاء فيها بنسيان خطبته (ص) في حجة الوداع ووصاياه فيما يتعلق بالولاية.

          2 ـ كان النـزاع بين المهاجرين والانصار حول الخلافة ـ في وقت كان فيه رسول الله (ص) مسجى في داره ـ يمثّل عدم رسوخ الدين في قلوبهم، وتحكم النـزعات الجاهلية فيهم، واندفاعهم نحو السلطة اكثر من اندفاعهم نحو الدين. وفلسفة التنازع ذاتها توحي بعدم فهم الدين ولا ادراك دوره الاجتماعي في بسط الانسجام والتآخي وانكار الذات.

          3 ـ ان اجتماع قريش في السقيفة بتلك الصورة لم يكن اجتماعاً تلقائياً، بل كان ينمّ عن تخطيط مسبق. ويدلُّ عليه الانسجام التام في المواقف الحساسة تلك من الانصار.

          4 ـ كانت فلسفة «نحن الامراء وانتم الوزراء»، و«لايجتمع سيفان في غمد واحد» التي جاءت بها قريش في السقيفة تثير الكثير من الاسئلة الحساسة دون جواب لحد الآن. فكيف تم توزيع الادوار السياسية تلك ؟ وما هو المسوغ الشرعي لذلك ؟ وما هو المقياس فيه ؟

          5 ـ مقدار العداوة والرفض والتحدي والاحتجاج من قبل سعد بن عبادة من جهة في مواجهة بعض رموز قريش من جهة اخرى يثبت ان تلك القضية بينهما كانت لا تقبل حلاً وسطاً. وكذلك كان موقف الزبير بن العوام والحباب بن المنذر.

          6 ـ كان موقف علي (ع) موقفاً شريفاً ينمُّ عن عصمته وامامته وشرفه الاعلى في الدين. فقد احتج عليهم احتجاجاً شرعياً بان لا يُخرِجوا سلطان محمد (ص) عن داره ـ اي عمن كان اهلٌ للولاية ـ وذكّرهم بانهم سلبوا الولاية غصباً من اهل البيت (ع).

          ولكنهم احتجوا بصغر سنه (ع) وعدم معرفته بالامور، الا انهم تناسوا انه هو الذي خلّفه رسول الله (ص) في تبوك على المدينة، وبلّغ عنه سورة براءة، واوصى به يوم الغدير. واحتج عليهم بان اهل بيت النبوة (ع) ليس فيهم الا القارئ لكتاب الله، الفقيه في دين الله، العالِم بسنن رسول الله (ص)... وهي صفات كافية للادارة الدينية للمجتمع الاسلامي.

          7 ـ كان موقف الانصار موقف ذهول، لانهم في البداية وبعد ان تنكروا لاهل البيت (ع) طمحوا بالخلافة لانفسهم. وعندما تبين لهم دهاء قريش السياسي استسلموا لها. وتظاهروا بانهم لم يسمعوا احتجاج علي وفاطمة (عليهما السلام).

 السقيفة والسياسة

          كانت الاجواء السياسية الطاغية على اجتماع السقيفة مدعاة لدراسة الفلسفة السياسية عند العرب، وطبيعة الضغوط القَبلية التي لا ترى الا السلطة وشهوتها مداراً للحياة الاجتماعية. ولذلك ولدت السقيفة صراعاً لم يسبق له مثيل في تأريخ العرب الاسلامي، بقيت آثاره الى اليوم. بل تبقى آثاره السلبية الى يوم القيامة.

1 ـ السقيفة : المؤتمر وجدول الاعمال

          كان اجتماع السقيفة الذي تم خلال الفترة التي انشغل بها علي (ع) وبنو هاشم بتجهيز النبي (ص) ودفنه، مؤتمراً بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. فقد كان اجتماعاً لافراد جاءوا بدعوة ـ على الاغلب تأريخياً&n