(ص 505- 536)

الباب الرابع

الولاية ومشاكل السياسة

 

الفصل العشرون : يوم الغدير (507 ـ 536).

الفصل الحادي والعشرون : وفاة رسول الله (ص) (537 ـ 560).

الفصل الثاني والعشرون : ما بعد رسول الله (ص) (561 ـ 610).

الفصل الثالث والعشرون : فاطمة الزهراء (ع) (611 ـ 648).

الفصل الرابع والعشرون : حياة الامام (ع) في عهد الخلفاء (649 ـ 690).

 ---------------------------

 الفصل العشرون

 يوم الغدير

 

الإمام ويوم الغدير* الدلالات العلمية للنصوص* (من كنتُ مولاه فعليّ مولاه): انتقال الصلاحية الشرعية* معاني الغدير: 1- نظرية الصفوة الدينية لا النخبة الإجتماعية: أ-الفوارق بين النخبة الإجتماعية والصفوة الدينية. ب- وظيفة الصفوة الدينية. ج- ديمومة الصفوة. 2- التخطيط الاجتماعي ما بعد رسول الله (ص). 3- الاندماج الدائم بين النبوة والإمامة. 4- نظرية القرار.

 ------------------

 الامام (ع) ويوم الغدير

          قرر رسول الله (ص) الخروج الى الحج في السنة العاشرة من الهجرة. واذّن في الناس بذلك، فقدم المدينة خلق كثير يأتمون به في حجته تلك التي وصُفت بانها حجة الوداع، وحجة الاسلام، وحجة البلاغ، وحجة الكمال، وحجة التمام. ولم يحج غيرها منذ الهجرة من مكة الى المدينة. فخرج (ص) من المدينة مغتسلاً متدهِّناً مترجلاً متجرداً في ثوبين صحاريين إزار ورداء. وكان الخروج من المدينة في الخامس او السادس من ذي القعدة، واخرج معه نساءه كلهن في الهوادج. وسار معه اهل بيته، وعامة المهاجرين والانصار، وجمع كبير من قبائل العرب وافناء الناس[1].

          وقيل انه خرج معه مائة وعشرون الفاً من الناس، وربما اقل او اكثر. ولكن عدّة من خرج معه كانت في حدود تلك الدائرة. واما الذين حجوا معه فاكثر من ذلك منهم المقيمون في مكة والذين اتوا من اليمن مع امير المؤمنين علي (ع) وابي موسى[2].

          ولما قضى (ص) المناسك انصرف راجعاً الى المدينة ومعه من الجموع ما ذُكر، فوصل الى غدير خم من الجحفة التي تتشعب فيها طرق المدنيين والمصريين والعراقيين يوم الخميس الثامن عشر من ذي الحجة. وفيها نزل عليه الوحي بقوله: (ياايها الرسول بلِّغ ما اُنزل اليك من ربك...)[3]. وأمره ان يقيم علياً (ع) علماً للناس ويبلغهم ما نزل فيه من الولاية وفرض الطاعة على المسلمين.

          وكان اوائل القوم قريبين من الجحفة فأمر رسول الله (ص) ان يردّ من تقدّم منهم ويحبس من تأخر عنهم في ذلك المكان. ونودي بصلاة الظهر فصلى بالناس. وكان يوماً هاجراً يضع الرجل بعض رداءه على رأسه وبعضه تحت قدميه من شدة الرمضاء، وظلّل لرسول الله (ص) بثوب على شجرة سمُرة[4] من الشمس. فلما انصرف (ص) من صلاته قام خطيباً وسط القوم على اقتاب الابل وأسمع الجميع، قائلاً :

          (الحمد لله ونستعينه ونؤمن به، ونتوكل عليه، ونعوذ بالله من شرور انفسنا، ومن سيئات اعمالنا الذي لاهادي لمن ضلّ، ولا مضلّ لمن هدى. واشهد ان لا إله الا الله، وان محمداً عبده ورسوله.

          اما بعد : ايها الناس قد نبّأني اللطيف الخبير انه لم يعمر نبي الا مثل نصف عمر الذي قبله، واني أوشك ان اُدعى فأجيب. واني مسؤول  وانتم مسؤولون، فماذا أنتم قائلون ؟

          قالوا : نشهد أنك قد بلّغت ونصحت  وجهدت فجزاك الله خيراً.

          قال (ص) : ألستم تشهدون ان لا إله الا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وان جنته حق، وناره حق، وان الموت حق، وان الساعة آتية لاريب فيها، وان الله يبعث من في القبور ؟

          قالوا : بلى نشهد بذلك.

          قال (ص) : اللهم اشهد. ثم قال (ص) : ايها الناس الا تسمعون ؟

          قالوا : نعم.

          قال (ص) : فاني فرط على الحوض، وانتم واردون عليَّ الحوض، وإن عرضه ما بين صنعاء وبصرى. فيه اقداح عدد النجوم من فضة. فانظروا كيف تخلفوني في الثقلين[5]؟

          فنادى مناد : وما الثقلان يارسول الله ؟

          قال (ص) : الثقل الاكبر كتاب الله طرفٌ بيد الله عز وجل وطرفٌ بايديكم فتمسكوابه لا تضلّوا. والآخر الاصغر عترتي. وان اللطيف الخبير نبأني انهما لن يتفرّقا حتى يردا عليّ الحوض، فسألتُ ذلك لهما ربي. فلا تقدموهما فتهلكوا، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا.

ثم اخذ بيد علي (ع) فرفعها حتى رؤي بياض آباطهما وعرفه القوم اجمعون. فقال (ص): ايها الناس مَنْ اولى الناس بالمؤمنين من انفسهم ؟

          قالوا : الله ورسوله اعلم.

          قال (ص) : ان الله مولاي، وانا مولى المؤمنين، وانا اولى بهم من انفسهم. فمن كنتُ مولاه فعلي مولاه. يقولها ثلاث. ولفظ احمد بن حنبل : اربع مرات. ثم قال (ص) : اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه ، وأحب من أحبه، وأبغض من أبغضه، وأنصر من نصره، وأخذل من خذله، وأدر الحق معه حيث دار. ألا فليبلّغ الشاهد الغايب.

          ثم لم يتفرقوا حتى نزل الوحي بقوله : (اليوم اكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي...)[6]. فقال رسول الله (ص) : الله اكبر على اكمال الدين، واتمام النعمة، ورضى الرب برسالتي، والولاية لعلي من بعدي)[7].

          ثم طفق القوم يهنئون امير المؤمنين (ع) وممن هنأه في مقدّم الصحابة : الشيخان ابو بكر وعمر، كلٌ يقول: بخ بخ لك يابن ابي طالب اصبحت وأمسيت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة. وقال ابن عباس: وجبت والله في اعناق القوم.

          فقال حسان : إئذن لي يارسول الله ان اقول في عليّ ابياتاً تسمعهن. فقال : قل على بركة الله. فقام حسان فقال : يامعشر مشيخة قريش أتبعها قولي بشهادة من رسول الله في الولاية ماضية ثم قال[8] :

يُناديهمُ يوم الغدير نبيّهم *** بخمٍّ وأسمع بالنبيِّ مناديا

وقد جاءه جبريل عن أمر ربه *** بأنَّك معصومٌ فلا تك وانيا

وبلّغهمُ ما أنزل الله ربّهم اليك *** ولا تخش هناك الأعاديا

فقام به إذ ذاك رافع كفّه *** بكفِّ عليٍّ مُعلن الصوت عاليا

فقال : فمن مولاكمُ وولّيكم؟ *** فقالوا ولم يبدوا هناك تعاميا

: إلهك مولانا وأنت وليّنا *** ولن تجدن فينا لك اليوم عاصيا

فقال له : قم ياعليٌّ فإنني *** رضيتك من بعدي إماماً وهاديا

فمن كنت مولاهُ فهذا وليّه *** وكن للذي عادى علياً معاديا

فياربّ اُنصر ناصريه لنصرهم *** إمام هدى كالبدر يجلو الدياجيا

 

الدلالات العلمية للنصوص

1- كان رسول الله (ص) كان ينعي نفسه في مناسبات عديدة قبل وفاته. فقد نعى نفسه في حجة الوداع، واوصى وصاياه الشهيرة في المرض الذي توفي فيه. وكان التلازم بين نعي الذات او قل التنبؤ بالرحيل الى الرفيق الاعلى وبين اعلان ولاية علي (ع) يعني انتقال الولاية على الامة من النبوة الى الامامة. وقوله (ص): (من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه)[9] يعني انتقال جميع صلاحيات الولاية التي كان يتمتع بها النبي (ص) الى الامام (ع) عدا الوحي. وهذا يعني استمرار المسيرة الاسلامية على نفس الخط المرسوم من قبل السماء.

          2- كان استخلاف علي (ع) على المدينة خلال غزوة تبوك كافياً لاعداد الرأي العام لولايته. فلابد ان يكون ما حصل في غدير خم عملاً متوقعاً. فالمعادلة واضحة وطرفاها متوازيان. وهما: التنبؤ من قبل النبي (ص) بقرب رحيله الى عالم الآخرة، والوصية لعلي (ع) بادارة الامر من بعده (ص).

 

(من كنتُ مولاه فعلي مولاه) : انتقال الصلاحية الشرعية

          عندما وقف رسول الله (ص) في غدير خم مخاطباً المسلمين : (من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه)[10] ، كان يعلن انتقال الصلاحية الشرعية بعد وفاته (ص) من النبوة الى الامامة. وانتقال الصلاحية الشرعية يقتضي انتقال القيادة الاجتماعية والسياسية من محمد رسول الله (ص) الى علي بن ابي طالب (ع). ذلك ان الصلاحية الشرعية في ولاية امر المسلمين، بما فيها حقوقهم وواجباتهم وعباداتهم ومعاملاتهم، كانت تعني سريان قيادة رسول الله (ص) للمجتمع الاسلامي، الا انه لا نبي بعده (ص).

          فمن اجل ان تستمر المسيرة الاسلامية الى يوم القيامة، كان لابد من التوصية بامر الدين الى من له الاهلية والكفاءة في تحمل المسؤولية الشرعية في ادارة المجتمع. فمحمد (ص) خاتم الانبياء اوصى لعلي (ع) بأمرة المؤمنين بعد وفاته (ص) امام اضخم تجمع للمسلمين يحصل ابداً في ذلك الزمان، وهو تجمع غدير خم قبل افتراق الطرق المؤدية الى اوطان المسلمين. ولكن المشكلة التأريخية بقيت قائمة، وهي ان نظرية انتقال الصلاحية الشرعية من جيل الى آخر استبطنت صراعاً اجتماعياً بين الاجنحة الفاعلة في المجتمع.

1- الطموح والصراع نحو الخلافة:

ولاشك ان تنامي قوة المسلمين وتزايد عددهم واتساع  مساحة دولتهم كان يغذّي الطموحات نحو ابعاد علي (ع) عن وصاية رسول الله (ص) وخلافته. ذلك لان النضج العام لم يكن قد وصل حداً يستطيع التمييز فيه بين الحق والباطل او بين الخير والشر.

          وقد اصبح الطموح نحو السلطة السياسية بعد مجيء الاسلام الى الجزيرة العربية اكبر حجماً واعظم وزناً، ذلك لان السلطة اصبحت كبيرة وضخمة بضخامة الاسلام وقدرته على تعبئة الامم للنهوض من سباتها ضد الشرك والظلم. فلو كانت السلطة زمن الجاهلية تقاس بدرجة واحدة، فانها اصبحت بعد ظهور الاسلام تقاس بمائة درجة. لان الاسلام استوعب او في طريقه لاستيعاب العالم القديم باجمعه.

          ولذلك اصبح الصراع الاجتماعي من اجل الفوز بالجائزة الدنيوية العظمى اشد شراسة من اي زمن مضى. فلا عجب ان يؤكد رسول الله (ص) مرات عديدة بان علياً (ع) هو اخاه ووليه وناصره ورافع لوائه، وانه منه بمنـزلة هارون من موسى الا انه لا نبي بعده وانه خليفته بعده (ص)، وغيرها من الصفات التي تدلّ على انه (ص) كان يهيأ الاُمة لولاية علي بن ابي طالب (ع) الذي جمع كل صفات الولاية الشرعية والامامة الحقة.

          لقد اصبح المجتمع الاسلامي بعد حجة الوداع مجتمعاً عظيماً يمتلك القدرة الدينية والسياسية والاجتماعية للتأثير على بقية الشعوب والامم، وجلبها الى حضيرة الاسلام، بالسلام او بالحرب.

2- مراحل انتقال الصلاحية الشرعية:

          ان اعلان انتقال الصلاحية الشرعية من رسول الله (ص) الى امير المؤمنين (ع) في غدير خم لم يكن وليد يومه. بل كانت هناك مقدمات تأريخية وشرعية تثبت ان الاعلان كان نتيجة فلسفية لتلك المقدمات التي مرت بمراحل، منها :

المرحلة الاولى: الوجود بالقوة. فقد كان علي (ع) يمتلك امكانية كامنة على تحمل مسؤولية الولاية الشرعية وادارة المجتمع الاسلامي بعد وفاة رسول الله (ص). ذلك انه كان الارض الخصبة التي انبت فيها النبي (ص) كل ما يستطيع انباته من شجاعة وحلم وعلم واخلاق وطهارة وعفة وزهد وتقوى وفصاحة. بحيث كان موقع علي (ع) من النبي (ص) موقع المرآة المتلألئة، والصوت القوي، والسيف المنافح عن الحق، والشخصية الاسلامية المُثلى لامتدادت نبي الرحمة (ص). فكانت تلك الامكانية الهائلة موضع نظر المسلمين، والمشركين، والمنافقين، والذين في قلوبهم مرض على حد سواء. ولم يكن للآخرين مثيل او شبيه لتلك الامكانية.

المرحلة الثانية: الوجود بالفعل. فقد كان نمو قوة علي (ع) الاجتماعية نمواً طبيعياً، خصوصاً : في المعارك الطاحنة التي خاضها ضد الشرك، وفي حفظه القرآن المجيد وادراك باطنه وظاهره، مجمله ومبينّه، محكمه ومتشابهه،ناسخه ومنسوخه، وتعليمه المسلمين، وفي زواجه بسيدة نساء العالمين (ع)، وتبليغه سورة براءة في حج السنة التاسعة، ودعوته الناس للاسلام في اليمن، وفي توليته على المدينة من قبل رسول الله (ص) في غزوة تبوك، وفي اعلان الولاية الشرعية في غدير خم. كل ذلك اعطى الامام (ع) قوة اجتماعية ودينية، تجعل انتقال الصلاحية الشرعية من النبوة الى الامامة انتقالاً طبيعياً لا يزلزل تلك الامة التي لا تزال حديثة عهد بالدين وباحكامه وبعدالته ونظافته الاخلاقية.

          وانتقالٌ بهذا الحجم ـ اقصد بحجم النبوة التي يوحى لها والامامة المعصومة التي لا يوحى لها ـ يحتاج الى امرين مترابطين ترابطاً شديداً :

الاول : امضاء ذلك من قبل صاحب الرسالة، وهو النبي (ص)، واعلانه الى الجمهور العريض والامة الواسعة. وقد حصل ذلك يوم الغدير بالخصوص.

الثاني : ان يكون الاعلان عن انتقال الصلاحية الشرعية في حياة رسول الله (ص) وقبل وفاته (ص) وعلى لسانه الشريف (ص) حتى يطمئن الناس لصلاحية ذلك الانتقال. وقد حدث كل ذلك امام الملأ العام.

المرحلة الثالثة: نضوج فكرة الامامة والولاية الشرعية في اذهان الناس، بحيث ان يوم الغدير ـ وهو يوم اكمال النعمة واتمام الدين ـ لم يحمل اعتراضاً وجيهاً حمله لنا التأريخ. بل كان ابو بكر وعمر من اوائل من هنأ الامام (ع) بأمرة المؤمنين. كيف لا، وان رسول الله (ص) قال وهو ينعى نفسه : (انني اوشك ان اُدعى فاجيب داعي الله). وفيه دلالة على ان انتقال الصلاحية الشرعية كان امراً طبيعياً عند وفاة رسول الله (ص) وانتقاله الى عالم الخلود. واي غرابة في ذلك، وان الرسل والانبياء (ع) تركوا الدنيا وانتقلوا جميعاً الى عالم الآخرة.

          ولكن نضوج فكرة الامامة في اذهان المسلمين لا يعني قبولها والتسليم بها دون معارضة وطموحات شخصية، كما اشار تعالى : (وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل افأن مات او قتل انقلبتم على اعقابكم...)[11]. وكما وصفها ...يوم السقيفة : (وكان كل منهم يتمناها لنفسه)[12].

          وعلى اي تقدير، فان انتقال الصلاحية الشرعية في دولة اسلامية كدولة النبي (ص) كان له تأثيراً كبيراً على استمرارية النهج الديني والسياسة العامة وتعيين الولاة والعلاقات الاجتماعية وحفظ الثروة الاجتماعية وبيت المال وقضايا التجارة والحروب.

 

معاني الغدير

          لاشك ان لواقعة غدير خم معاني عظيمة يمكن استخلاصها من الملامح الدينية والاجتماعية لتلك الفترة الحساسة من تأريخ الاسلام. ويمكننا النظر الى تلك الواقعة باعتبارها حادثاً يخص الامة الاسلامية لقرون مديدة. حيث كان من المفترض عقلاً ان يطرح النبي (ص) تخطيطاً متكاملاً لادارة المجتمع الاسلامي بعد رحيله، عبر تصور جسر دائم بين النبوة والامامة. ولذلك كان قرار الغدير بتولية علي (ع) قراراً يقطع بيقين عقلائي في نجاح ادارة الامام (ع) للامة عقود عديدة من السنين.

 

1- نظرية الصفوة الدينية لا النخبة الاجتماعية

          ان فكرة الصفوة يمكن ان تصف ظاهرة اساسية في الحياة الاجتماعية للمجتمع المدني المتحضر. فالمجتمعات الانسانية عموماً - بسيطة كانت او معقدة، زراعية كانت او صناعية- تحتاج الى مَرجِع تعتبره رمزاً للحياة الشرعية العامة وتجسيداً للقيم الاخلاقية والدينية. ولاشك ان الاختلاف في القابليات الذهنية والروحية للناس، والتباين في الاداء بين البشر يساعد على الركون الى نظرية الصفوة. ذلك لان الاختلاف الشاسع في درجات الاذعان او التسليم تؤدي الى فوارق في النفوذ، والقيادة، والسلطة. فالانسان الذي نذعن له ونسلّم بسلطته لخصيصة معينة لا نملكها، نعطيه الحق في الحكم والادارة الاجتماعية والدينية.

          ومن هنا كانت الصفوة الدينية قلّة منتَخبة انتخاباً سماوياً، ومتميزة عن بقية افراد المجتمع بسبب لياقة خاصة ورفعة مقام وسمو لا يصله اليهم احد. وقد اشار (ع) الى ذلك، فقال : (لا يقاسُ بآل محمد (ص) من هذهِ الامةِ احدٌ، ولا يُسوَّى بهم من جرَتْ نعمتُهم عليهِ ابداً : هُمْ اساسُ الدينِ، وعمادُ اليقينِ. اليهم يفيءُ الغالي، وبِهم يُلحقُ التالي. ولهم خصائصُ حقِّ الولايةِ، وفيهمُ الوصيةُ والوراثةُ...)[13]. وقال (ع) ايضاً : (اين الذين زَعَموا انهم الراسخون في العلمِ دونَنا، كَذِباً وبغياً علينا ؟ ...بنا يُستعطى الهدى ويُستجلى العمى)[14]. وفي زيارة الشهداء (ع) في كربلاء: (السلام عليكم يا اصفياء اللهِ واودائه...)[15]

          لقد كان علي (ع) يمثل الصفوة التي كانت تشتمل على جميع الفضائل والخصال الجليلة. ومع ان بعض القوى في الصراع الاجتماعي ارادت ان يكون لبعض الصحابة دور نخبوي اجتماعي اكبر من الصفوة الدينية، الا انها لم تفلح في ذلك. لان تلك النخبة ـ اذا صحّ اطلاق هذه التسمية عليها ـ كانت لا تمتلك ،مجتمعة، جميع فضائل امير المؤمنين (ع) واهل بيت النبوة (ع).

          كيف لا، وهو (ع) القائل يصف تلك الصفوة السماوية : (نحنُ الشِّعارُ والاصحابُ، والخزنةُ والابوابُ، ولا تؤتى البيوتُ الا من ابوابها، فمن أتاها من غيرِ ابوابها سُميَّ سارِقاً... فيهم كرائمُ القرآنِ، وهم كنوزُ الرحمنِ. إن نطقُوا صَدقوا، وإن صمتوا لم يُسبَقُوا)[16].

          فكان علي (ع) يمثل الصفوة الدينية في النظام الاجتماعي. ولذلك حُملتْ توليته (ع) على الاُمة في غدير خم محملاً طبيعياً منسجماً مع توجهات الدين الحنيف في ادارة المجتمع والدولة بعد غياب رسول الله (ص).

الصفوة الدينية وارشاد الجماعة:

          وينبغي ان نلتفت الى ان وجود الصفوة الدينية كان متمّماً للنشاطات الاجتماعية المترافدة. فلم يكن المقصود إلغاء دور رجال المال والتجارة، وحفظة القرآن، والشعراء، واهل الادب، ورجال العلم والسياسة، والولاة. بل ان لكل هؤلاء دوائر خاصة بهم يستطيعون ان يتحركوا فيها ولهم مسؤولياتهم ونفوذهم الاجتماعي الذي لا يتقاطع مع مسؤولية الصفوة.

          بيدَ ما حصل بعد وفاة رسول الله (ص) هو، ان قريشاً حاولت ـ بعلم او بجهل ـ ابدال الصفوة الدينية الهاشمية بنخبة اجتماعية قرشية. فبدلاً من ان يحتل امير المؤمنين (ع) مكانه الطبيعي في ادارة المجتمع الديني وارشاد الامة، نادت الانصار يوم السقيفة : منا امير ومنكم امير. وادعت قريش بانها الشجرة، وانتصرت في ادعائها ذلك، الا انها تمسكت بالشجرة واضاعت الثمرة. كما اشار الامام (ع) الى ذلك. ثم اوصى الخليفة الاول للخليفة الثاني، وجعل الخليفة الثاني الامر شورى بين ستة من الافراد. وبذلك ابدلوا الصفوة الدينية التي اُريد لها ان تحكم المجتمع الاسلامي حكماً شرعياً، بنخبة اجتماعية قرشية سيطرت على مقدرات امور الناس. وكان ذلك اعظم انحراف ديني واجهه المجتمع الاسلامي بعد رحيل النبي (ص).

          نعم، كان يمكن للنخبة الاجتماعية ان تجتمع لدعم الصفوة الدينية وتستهدي بهديها وتعلن استعدادها للانقياد لها. فالنخبة جزء لا يتجزأ من الحياة الاجتماعية، ففي كل دائرة اجتماعية هناك نخبة مصغّرة تدير تلك الدائرة. ففي الجيش مثلاً تتواجد نخبة قديرة تدير شؤونه العسكرية، وفي التجارة تتواجد نخبة تدير تلك الدائرة، وفي الدائرة الادبية هناك نخبة تدير الادب والشعر، وهكذا. وتلك نخبٌ اجتماعية تُفرز - احياناً - من خلال كفائتها وحسن ادائها، او - على الاغلب- من خلال نظام سياسي يفرضها على المجتمع.

          الا ان الصفوة الدينية تنتخب من قبل الغيب، لان لها خصائص وخصال وفضائل من حيث الادراك والاداء غير متوفرة عند الآخرين. فهي من حيث الثقل الديني والمهارة الاجتماعية والفكرية تختلف عن بقية النخب في الرتبة فضلاً عن الدرجة.

ولاية من الطراز الاول:

          ومن هنا نفهم ان الولاية التي مُنحت لعلي (ع) يوم الغدير انما كانت ولاية دينية من الطراز الاول على صعيد الصلاحية الشرعية لادارة المجتمع الاسلامي بعد رحيل المصطفى (ص) عن عالم الدنيا. وهذا يعني نقل الصلاحيات الشرعية في القدرة، والطاقة، والنفوذ من مسرح النبوة الى مسرح الامامة. والى ذلك صرح (ص) بوضوح : (من كنتُ مولاه فعليٌ مولاه)[17]. وهو تعبير دقيق يفصح عن ان الدين السماوي لازال يحكم المجتمع عن طريق الصفوة الدينية التي بدأت برسول الله (ص) واستمرت في علي (ع) والائمة الاطهار (ع) من بعده. وطالما كانت تلك الصفوة الدينية المثل الاعلى في التأثير والقدرة والنفوذ، كان الدين بخير على مستوى الاجيال القادمة. ذلك لان الصفوة الدينية هي المحرّك الاول للمجتمع الديني، وهي النموذج الكامل الذي ينبغي ان يحتذى.

          ولكننا لو ابدلنا تلك الصفوة الدينية بنخبة اجتماعية انصع صورها خلفاء قريش وبني امية وبني العباس وغيرهم لاختلّت المعادلة الدينية، لان اولئك الخلفاء كانوا اُناساً يرتكبون الاخطاء الشرعية ولايدركون مقاصد الشريعة. فهم قاصرون في الادراك والاداء عن الصفوة الدينية التي مُنحت اعظم نعم السماء وهي نعمة العصمة في ادراك الدين واداء تكاليفه الشرعية وارشاد الاُمة الى تكاليفها وواجباتها ومحرماتها.

          وحتى عندما عزلوا الامام (ع) عن دوره الطبيعي في الولاية وصنعوا نخبة اجتماعية يوم السقيفة تمثلت ببعض زعماء قريش، فان دور الصفوة الدينية بقي نشطاً تحت الارض في ظروف التقية الصعبة. فللصفوة الدينية، اذن، دورٌ مستمر. ذلك لان الصفوة الدينية هي صفوة بعيدة المدى لها مسؤوليات عظيمة على طول التأريخ البشري في تبليغ الشريعة وتفسيرها ونقلها بأمانة الى الاجيال المتلاحقة.

          وحتى عندما استشهد امير المؤمنين (ع) وبرز معاوية واحفاده على صعيد النخبة السياسية المفروضة عن طريق السيف، بقي دور الصفوة الدينية التي تمثلت بائمة الهدى (ع) مشعاً الى اليوم، بل الى يوم القيامة. لان تلك الصفوة كانت تملك قلوب الناس وارواحهم، فكان لها اعظم التأثير على الاُمة بكافة شرائحها وطبقاتها.