|
(ص 417 - 436) الفصل السادس عشر فتح مكة
علي (ع) وفتح مكة * تصرفات خالد بن الوليد: آثار ما قبل الاسلام * الدلالات العلمية للنصوص: 1- الحق والباطل: من زاوية فلسفية: أ - الباطل. ب - الحق. 2- فتح مكة: طراز الفتوحات الكبرى. 3 - فتح مكة: استراتيجية جاء الحق وزهق الباطل.
--------------------- علي (ع) وفتح مكة فُتحت مكة المكرمة في شهر رمضان من السنة الثامنة للهجرة. وخبرُها انه كان من شروط صلح الحديبية بين رسول الله (ص) وبين قريش انه من أحبّ ان يدخل في عَقد رسول الله (ص) وعهده فليدخل فيه، ومن أحبّ أن يدخل في عقد قريش وعهدهم فليدخل فيه. فدخلت بنو بكر في عقد قريش وعهدهم، ودخلت خزاعة في عقد رسول الله (ص) وعهده. ولكن بنو بكر وقريش تظاهرت على خزاعة واصابوا منهم مقتلاً ونقضوا عهدهم مع رسول الله (ص). فقدم عمرو بن سالم الخزاعي الى المدينة ووقف على رسول الله (ص) وهو جالس في المسجد بين الناس، فقال يستثيره على قتال اهل مكة من المشركين: يا ربّ اني ناشدٌ محمداً حلفَ أبينا وابيه الأتلدا[1] قد كنتمُ وُلداً وكنّا والدا ثُمّتَ أسلمنا فلم ننـزع يدا[2] فانصُر هداك الله نصراً أعتدا وادعُ عباد الله يأتوا مددا[3] فيهم رسولُ الله قد تجرّدا ان سِيم خَسفا وجهه تربَّدا[4] في فيلق كالبحر يجري مُزبِدا إن قريشاً أخلفوك الموعِدا[5] ونقضوا ميثاقك المؤكدا وجعلوا لي في كداءِ رُصّدا[6] وزعموا أن لستُ ادعو أحداً وهم أذلّ وأقلّ عددا هم بيتونا بالوتير هُجَّدا وقتّلونا رُكّعاً وسُجّدا[7] وأحست قريش بعظمة الجريمة التي ارتكبتها ضد المسلمين. وتسارعت الاحداث، فقدم ابو سفيان المدينة واراد ان يكلّم رسول الله (ص) لتصحيح ما ارتكب من خطأ فادح بنقضه العهد مع المسلمين ولكنه لم يفلح، فلم يردّ (ص) عليه شيئاً. فعندها «دخل على علي بن ابي طالب رضوان الله عليه، وعنده فاطمة بنت رسول الله (ص) ورضي عنها، وعندها حسن بن علي غلام يدبّ بين يديها. فقال: يا علي، انك امسّ القوم بي رحماً[8]، واني قد جئت في حاجة فلا ارجعن كما جئت خائباً، فاشفع لي الى رسول الله. فقال: ويحك يا ابا سفيان! والله لقد عزم رسول الله (ص) على امر لا نستطيع ان نكلّمه فيه. فالتفت الى فاطمة فقال: يا ابنة محمد، هل لكِ أن تأمري بُنَيَّك هذا فيُجيرَ بين الناس، فيكون سيد العرب الى اخر الدهر؟ قالت: والله ما بلغ بُنيَّ ذلك ان يجيرَ بين الناس، وما يجير احدٌ على رسول الله (ص). قال: يا ابا الحسن، اني ارى الامور قد اشتدّت عليَّ، فانصحني. قال (ع): والله ما أعلم لك شيئاً يغني عنك شيئاً، ولكنك سيد بني كنانة، فقُم فأجِرْ بين الناس، ثم الحق بأرضك. قال: أو ترى ذلك مغنياً عنّي شيئاً؟ قال (ع): لا والله، ما اظنه، ولكني لا اجد لك غير ذلك. فقام ابو سفيان في المسجد، فقال: ايها الناس، اني قد أجرت بين الناس. ثم ركب بعيره فانطلق. فلما قدم على قريش قالوا: ما وراءك؟ قال: جئت محمداً فكلمته فوالله ما ردّ عليَّ شيئاً... ثم جئت علياً فوجدته الين القوم، وقد أشار عليَّ بشيء صنعته، فوالله ما ادري هل يغني ذلك شيئاً ام لا؟...»[9]. وأمر رسول الله (ص) بالجهاز، فتجهز عشرة آلاف من المسلمين، ولم يتخلّف عنه احد. وخرجوا جميعاً نحو مكة. فلما نزل رسول الله (ص) «مرَّ الظهران» قدم ابو سفيان يستظهر الخبر، فأخذه العباس بن عبد المطلب الى رسول الله (ص). فلما رآه (ص) قال: ويحك يا ابا سفيان، ألم يأنِ لك ان تعلم انه لا اله الا الله؟ قال: بأبي انت وأمّي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك! والله لقد ظننت ان لو كان مع الله الهٌ غيره لقد أغنى عنّي شيئاً بعد. قال: ويحك يا ابا سفيان! الم يأنِ لك ان تعلم اني رسول الله؟ قال: بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك! اما هذه والله فان في النفس منها حتى الان شيئاً. فقال له العباس: ويحك! أسلم واشهد ان لا اله الا الله وأن محمداً رسول الله قبل ان تضرب عنقك. قال: فشهد شهادة الحق، فأسلم! قال العباس: قلت يا رسول الله، ان ابا سفيان رجل يحب هذا الفخر، فاجعل له شيئاً. قال: (نعم. من دخل دار ابي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن)[10]. وعندما رأى ابو سفيان جنود الله تمر من امامه في مضيق الوادي التفت الى العباس وقال: «والله يا ابا الفضل، لقد أصبح ملك ابن اخيك الغداة عظيماً، قال العباس: يا ابا سفيان انها النبوّة. قال: فنعم اذن»[11]. وحينما دخلوا قال سعد بن عبادة: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحلّ الحُرمة! وهو رأي لم يستشر فيه رسول الله (ص)، ويدلّ على حجم الآثار الجاهلية المترسبة عند بعض المسلمين. فتدارك النبي (ص) الموقف الذي يمكن ان يتطور الى سفك دماء، وقال (ص) لعلي بن ابي طالب (ع): أدركه، فخذ الراية منه، فكن انت الذي تدخل بها[12]. وهكذا كان، فدخل رسول الله (ص) وبيد علي (ع) الراية ثم جيش النبي (ص) من ورائهما. وكان رسول الله (ص) قد عهد الى امرائه من المسلمين، حين أمرهم ان يدخلوا مكة، ان لا يقاتلوا الا من قاتلهم. لكنه امرهم بالخصوص بقتل اربعة نفر هم : عبد الله بن سعد بن ابي سرح، والحويرث بن نفيل، وابن خطل، ومقبس بن ضبابة. وامرهم ايضاً بقتل قينتين كانتا تغنيان بهجاء رسول الله (ص). وقال (ص): اقتلوهم وان وجدتموهم متعلّقين بأستار الكعبة. فقتل علي (ع): الحويرث بن نفيل واحدى القينتين وأفلتت الأخرى. وقتل (ع) ايضاً: مقبس بن ضبابة في السوق. وادرك ابن خطل وهو متعلّق بأستار الكعبة، فاستبق اليه سعيد بن حريث وعمار بن ياسر، فسبق سعيد عماراً فقتله. اما عبد الله بن سعد الذي كان قد ارتدّ مشركاً بعد ان كتب بعضاً من الوحي وحرّفه، فظُفر به ولكن عثمان بن عفان غيّبه وطلب له الامان من رسول الله (ص) في قصة ذُكرت في مكان آخر من هذا الكتاب. ثم ولاه عمر بن الخطاب بعض اعماله في خلافته، ثم ولاه عثمان بن عفان بعد عمر[13]!! ولما دخل رسول الله (ص) مكة، دخل صناديد قريش الكعبة وهم يظنون ان السيف لا يرفع عنهم. فأتى (ص) الحرم وقام على باب الكعبة فقال: «لا اله الا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الاحزاب وحده، ألا كل مأثُرة أو دم أو مال يُدّعى فهو تحت قدمي هاتين الا سدانة البيت[14] وسقاية الحاج... يا معشر قريش، ان الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية، وتعظُّمها بالآباء. الناس من آدم، وآدم من تراب، ثم تلا هذه الآية: (يا أيُّها النّاسُ إنّا خَلَقناكُم مِن ذكرٍ واُنثى وجعلناكم شُعُوباً وقبائلَ لِتَعارَفُوا إنَّ أكرَمَكُم عِندَ اللهِ أتقاكُم...) الآية كلها. ثم قال: يا معشر قريش، ما ترون انّي فاعلٌ فيكم؟ قالوا: خيراً، أخ كريم، وابن اخ كريم. قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء»[15]. وكان الله سبحانه قد امكنه من رقابهم عنوة فكانوا له فيئاً، فلذلك سُمّي اهل مكة الطلقاء. و«لما فتح الله مكة على رسول الله (ص) أمر النبي (ص) علياً (كرم الله وجهه) أن يصعد على منكبه ليقذف الصنم التي كانت اعظم الاصنام عن المسجد الحرام»[16]. وتفصيل ذلك كان على لسان علي بن ابي طالب (ع) كما يرويها احمد بن حنبل، قال (ع): « انطلقت انا والنبي (ص) حتى أتينا الكعبة فقال لي رسول الله (ص): اجلس وصعد على منكبي فذهبت لانهض به فرأى مني ضعفاً فنـزل وجلس لي نبي الله (ص) وقال: اصعد على منكبي، فصعدت على منكبيه، فنهض بي . قال: فانه يخيّل اليَّ اني لو شئت لنلتُ افق السماء حتى صعدت على البيت وعليه تمثال صِفر او نحاس، فجعلت ازاوله عن يمينه وعن شماله وبين يديه ومن خلفه حتى اذا استمكنتُ منه قال لي رسول الله (ص): اقذف به، فقذفتُ به فتكسّر كما تنكسر القوارير»[17]. وفي رواية اخرى ان علياً (ع) لما عالجه كان رسول الله (ص) يقول له: ايه ايه (... جاءَ الحقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهوقاً)[18]»[19]. تصرفات خالد بن الوليد: آثار ما قبل الاسلام وعندما فتحت مكة، بعث رسول الله (ص) السرايا فيما حول مكة تدعوا الى الله عزّ وجلّ، ولم يأمرهم بقتال. وكان ممن بعث خالد بن الوليد وأمره ان يسير بأسفل تهامة داعياً، ولم يبعثه مقاتلاً، ومعه قبائل من العرب: سُليم بن منصور، ومُذلج بن مُرّة. فوطئوا بني جذيمة بن عامر. فلما رآه القوم اخذوا السلاح. فقال خالد: ضعوا السلاح، فان الناس قد اسلموا. فلما وضعوا السلاح أمر بهم خالد عند ذلك. فكُتِفوا، ثم عرضهم على السيف، فقتل من قتل منهم. فلما انتهى الخبر الى رسول الله (ص) رفع يديه الى السماء، ثم قال: اللهم اني ابرء اليك مما صنع خالد بن الوليد[20]. فدعا رسول الله (ص) علي بن ابي طالب (رضوان الله عليه)، فقال: يا علي، اخرج الى هؤلاء القوم، فانظر في امرهم، واجعل امر الجاهلية تحت قدميك. فخرج علي (ع) حتى جاءهم ومعه مال قد بعث به رسول الله (ص)، فَودَى لهم الدماء وما أصيب لهم من الاموال، حتى انه لَيدي لهم ميلَغة الكلب[21]. حتى اذا لم يبق شيء من دم ولا مال الا وَدَاه، بقيت معه بقية من المال. فقال لهم علي (رضوان الله عليه) حين فَرَغ منهم: هل بقي لكم بقية من دم او مال لم يُودَ لكم؟ قالوا: لا. قال: فاني اعطيكم هذه البقية من هذا المال، احتياطاً لرسول الله (ص) مما لا يعلم ولا تعلمون، ففعل. ثم رجع الى رسول الله (ص)، فأخبره الخبر، فقال (ص): أصبت وأحسنت. ثم قام رسول الله (ص) فاستقبل القبلة قائماً شاهراً يديه، حتى انه ليرى ما تحت منكبيه، يقول: «اللهم اني أبرأ اليك مما صنع خالد بن الوليد، ثلاث مرات»[22]. وبعد مقتل هؤلاء الابرياء من بني جذيمة، اُثيرت مشادة لفظية بين خالد بن الوليد وعبد الرحمن بن عوف. فقال له عبد الرحمن بن عوف: عملت بأمر الجاهلية في الاسلام. فقال: انما ثأرت بأبيك. فقال عبدالرحمن: كذبت، قد قتلتُ قاتل ابي، ولكن ثأرتَ بعمك الفاكِه بن المُغيِرة، حتى كان بينهما شر. فبلغ ذلك رسول الله (ص)، فقال (ص): «مهلاً يا خالد، دع عنك اصحابي. فوالله لو كان لك اُحدٌ ذهباً ثم انفقته في سبيل الله ما ادركت غدوةَ رجل من اصحابي ولا روحته»[23]. وكانت تلك الادانة من قبل رسول الله (ص) تدلّ على ان آثار الجاهلية لا زالت باقية في نفوس هؤلاء. فكيف ينسى التأريخ سيف ذي الفقار لانه سيف علي (ع) ويطبّل ويزمّر لسف الله المسلول _ سيف خالد بن الوليد _ وهو يقوم بتلك التصرفات التي يتبرأ منها رسول الله (ص)؟ وهل يُصح ان يُدخَل خالد بن الوليد ضمن صحابة رسول الله (ص)، وهو (ص) نفسه يُخرجه بالقول: «مهلاً يا خالد دع عنك اصحابي فوالله لو كان لك اُحدٌ ذهباً ثم انفقته في سبيل الله ما ادركت غدوة رجل من اصحابي...»؟
الدلالات العلمية للنصوص هناك دلالات علمية يمكن استنباطها من النصوص التي اوردناها في فتح مكة. ومن تلك الدلالات: تنبأ الدين ببقاء الحق وزوال الباطل، والطراز الرفيع لفتح مكة بين الفتوحات، وبطولة الامام (ع) التي كان من اهم آثارها: فتح مكة وانكسار دولة الشرك الى الابد. 1- الحق والباطل: من زاوية فلسفية عندما تكسرت اصنام قريش في فتح مكة على يدي رسول الله (ص) وعلي بن ابي طالب (ع)، قال (ص): ايه ايه (...جاءَ الحقُّ وزهقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهوقاً)[24]. فما هو الباطل الذي حُكم عليه بالموت والزوال؟ وما هو الحق الذي اُقرّ له بالحياة؟ يعبّر الحق عن صفات الكمال المطلق، وكل شيء يتصل بالله سبحانه هو الحق: (هُوَ الذي أرسَلَ رَسُولَهُ بالهُدى ودينِ الحقِّ...)[25]، (فتعالى اللهُ المَلِكُ الحَقُّ...)[26]، (هُنالِكَ الولايَةُ للهِ الحقِّ هُوَ خيرٌ ثَواباً وخَيرٌ عُقباً)[27]، (ذلِكَ بأنَّ اللهَ هو الحقُّ وأنهُ يُحيي المَوتى...)[28]. بينما لا يمثّل الباطل الا الشيطان وكل ما يدعو اليه هو شر وفساد، كما اشار تعالى: (... فَماذا بَعدَ الحقِّ إلاّ الضّلالُ فأنّى تُصرَفُونَ)[29]، (ذلِكَ بأنَّ اللهَ هُوَ الحقُّ وأنَّ ما يَدعونَ مِن دونِهِ هُوَ الباطِلُ...)[30]. أ - الباطل: هناك تساؤل وجيه يمكن ان يطرح في هذا المقام وهو: هل ان الباطل قضية متعلقة بالاخلاق او انه قضية متعلقة بالدين؟ وهل يمكن طرد الباطل من العقل، ثم من الحياة الاجتماعية، من دون مساعدة الدين؟ طبيعياً، يعدُّ الباطل حقيقة مسقلة بذاتها بسبب قابلية النفس الانسانية على الاقتراب منه او الابتعاد عنه. واهم مصاديق الباطل: الفجور والكفر. فقد خلق الله سبحانه النفس الانسانية والهمها الفجور والتقوى فقال: (ونَفسٍ وما سَوّاها . فألهَمَها فُجُورَها وتَقواها)[31]. فالنفس الانسانية كيان يمتلك القدرة والعلم والحكمة، وقد سواها سبحانه وتعالى ورتب خلقها ونظّم قواها واعضائها. والقى في روعها وافاض عليها صوراً علمية من التصور والتصديق، وعرّفها صفات الافعال من التقوى والفجور. فالعنوان المشترك بين التقوى والفجور هو متن الفعل. مثال ذلك: اكل المال وهو مشترك بين اكل مال اليتيم وهو فجور، واكل المال الحلال وهو من التقوى. ومثال آخر: المباشرة وهو عمل مشترك بين الزنى وهو فجور، والزواج الشرعي وهو من التقوى. ومثال ثالث: العبادة وهو عمل مشترك بين عبادة الصنم وهو فجور، وعبادة الله سبحانه وهو تقوى. والمحصَّل من الآيات الشريفة هو ان الله عزّ وجلّ عرّف الانسان بخصائص الافعال من فجور او تقوى، وميّز له الافعال المتصلة بالتقوى والاخرى المتصلة بالفجور. ومن تلك الآيات الشريفة نستلهم ان هناك تناقضاً منطقياً بين الحق والباطل. فلابد ان يهزم احدهما الآخر ويدحره، ولا يمكن ان يجتمعا في مكان واحد في نفس الوقت. بل لابد من استقلالية تحمي احدهما عن الآخر. فاما هذا واما ذاك. أي اما الفساد والظلم والشيطان: وهو الباطل. واما الخير والصلاح والعدالة: وهو الحق. ولم يقف القرآن الكريم موقفاً حيادياً من الباطل بل ادانه في مواطن عديدة، فخاطب اهل الكتاب: (يا أهلَ الكِتابِ لِمَ تَلبِسُونَ الحقَّ بالباطِلِ وأنتُم تَعلَمُونَ)[32]، وخاطب عبدة الاوثان: (... أفَبالباطِلِ يُؤمِنونَ وبِنِعمَةِ اللهِ يَكفُرونَ)[33]، ونقل عن المنكرين: (ويُجادِلُ الذينَ كَفَروا بالباطلِ لِيُدحِضُوا بِهِ الحقَّ...)[34]. ونقل عن الكافرين ومجادلتهم بالباطل لدحض الحق: (... وجادلوا بالباطِلِ لِيُدحِضُوا بِهِ الحقَّ فأخذتُهُم فَكَيفَ كانَ عِقابِ)[35]، وخاطب المسلمين بضرورة مراعاة شرعية التعامل التجاري عبر قوله: (يا أيُّها الذينَ آمَنُوا لا تأكُلُوا أموالَكُم بَينَكُم بالباطِلِ إلاّ أن تَكُونَ تِجارَةً عَن تراضٍ مِنكُم...)[36]، وادان الكافرين اجمالاً بقوله: (...والذينَ آمنوا بالباطِلِ وكَفَروا باللهِ أولئكَ هُمُ الخاسِرونَ)[37]. ومن ذلك نفهم ان طبيعة الاشياء في الكون تتناغم مع الخير والصلاح والعدالة والتوحيد، ومن كل ما يمثله الحق من مفاهيم وافكار. وعندما يقوم الانسان بفعل الباطل من فساد وظلم وعبادة للشيطان والوثن، فانه انما ينتهك طبيعة الاشياء التي خلقها الله سبحانه. فهنا لابد من دحر الباطل الذي ينتهك النظام الكوني المبني على اساس العدالة والخير والتوحيد. كما قال: (ولَوِ اتَّبَعَ الحقُّ أهواءَهُم لَفَسَدَتِ السماواتُ والأرضُ...)[38]. ومجيء الاسلام كان انذاراً للباطل بالتوقف عن الوجود في ذات المؤمن على الاقل. فالمؤمن بتعاليم الدين السماوي يؤمن بالحق ويبني وجوده الاجتماعي والذاتي الجديد على اساس ايقاف الباطل وحذفه من حياته. وهذا يعني اننا اذا الغينا الباطل من الساحة الاجتماعية، كما فعل رسول الله (ص) وعلي (ع) بتحطيم الاصنام، فان ذوات الناس سوف تنفتح على الخير والاستماع الى الحق. وهنا يتخير الانسان بحرية، في ذلك الجو المنفتح وتلك الارضة الواسعة، بين الحق والباطل. ولو كان الباطل قضية متعلقة بالاخلاق لاستطاع الانسان دحرها من دون مساعدة الدين، بل لكان العقل سلاحاً كافياً من اسلحة دحر الباطل. ولكن الحقيقة تقول بان للباطل كياناً مستقلاً لا يقف امامه الا الدين. فمع ان العقل يدعو الى التوحيد والعدل، الا ان العقل المجرد عن الايمان قد يدعو الى الفساد والدمار والشرك. فالعقل لوحده لا يستطيع دحر الباطل. ولو كان العقل كافياً لادراك معاني الوجود لانتفى دور الدين في الحياة الانسانية. فقضية الباطل اذن ليست متعلقة بالفلسفة الاخلاقية فقط، بل ان ازالة الباطل موكولة الى تعاليم الدين ومقدار ادائها من قبل المؤمنين. فلا شك ان زوال الباطل يتحقق عندما يمارس المكلّفون تكاليفهم الشرعية ويتنعمون برحمة القوانين الدينية، وعندها ينتفي الفساد والظلم والشرك. فتثبيت الحق مرهون بتقوية شوكة الدين. ومن هنا نفهم مغزى مخاطبته (ص) لعلي (ع): ايه ايه (... جاءَ الحقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقاً)[39]. فبتحطيم رمز الوثنية والشرك في مكة، بدأ الاذعان لتقبل فكرة انتصار الاسلام وانتشار قيمه السماوية في الخير والعدالة والمحبة والصلاح على مبادئ الظلم والفساد والشرك. ومن هنا جاء الحق وزهق الباطل بكل ما تحمله تلك الالفاظ من معان ومفاهيم وافكار. فقد جاء الحق عبر رسالة السماء محمّلاً بمفاهيم العدالة والخير والاخوة والمحبة والتعاون، وعندها انفتح الباب للانسان لاختيار طريق الخير بدل طريق الشر، وعندها كانت الحكمة الالهية: (لا إكراهَ في الدّينِ قَد تَبيَّنَ الرُشدُ مِنَ الغيّ...)[40] لان الانسان بطبيعته يختار الخير على الشر، ويختار الحق على الباطل. ذلك ان الباطل يؤدي دائماً الى الالم والمعاناة على صعيد الانسانية، ولا يؤدي الشر إلا الى الحرب، والظلم، والاجحاف بحقوق الآخرين. ولذلك فان الدين يحارب الباطل اينما وُجد، لان الدين لا ينمو ولا يستقر بوجود الباطل. فالدين يدعو الى الصفاء، والامانة، والمحبة، والولاء. بينما يدعو الباطل الى الخيانة، والبغض، والدماء، والاضطراب. وبكلمة فان الشر يحطم الروح الانسانية، ويعكر الصفاء الذهني والنفسي الذي يجلبه الدين، ويدمر الفرص العقلائية لانتخاب الدين كبديل في الحياة تمشياً مع قوله تعالى: (لا إكراهَ في الدّينِ قَد تَبيَّنَ الرُشدُ مِنَ الغَيِّ...)[41]. اما الخير _ وهو احد مصاديق الحق _ فانه يجلب على الانسان سعادة ابدية، لان الخير يربط الانسان بالله سبحانه، ويربط الافراد بعضهم ببعض عن طريق القيم العليا في الحب والتعاون والتآخي. وجوهر الفكرة ان العقل لا ينهض الى مستوى طرد الباطل. فلابد من تدخل الدين في طرد الباطل من النفس أولاً ثم سحق الباطل على المستوى الاجتماعي واحقاق الحق عن طريق الادارة الدينية للمجتمع. ب - الحق: ان الحق في ذاته أمرٌ حسنٌ له قيمة اخلاقية عليا في حياة الانسان. فالحق يشمل الخير في كل جوانبه، ولذلك وصف الله سبحانه نفسه بانه الحق المبين كما قال: (... ويَعلَمُونَ أنَّ اللهَ هُوَ الحقُ المُبينُ)[42]. ولكن يمكن تصنيف الحق، فيما نحن فيه، الى صنفين: الحق على الصعيد الذاتي، والحق على الصعيد الموضوعي. فعلى الصعيد الذاتي: فقد وصف الله عزّ وجلّ نفسه بالحق، لان الحق يمثل كل جوانب الخير، ف |