(ص 323- 350)

 الباب الثالث

 الدفاع عن الاسلام: الجهاد المسلّح

 

الفصل الحادي عشر: معركة بدر الكبرى (325 _ 350).

الفصل الثاني عشر: معركة اُحد (351 _ 368).

الفصل الثالث عشر: غزوة الخندق (369 _ 384).

الفصل الرابع عشر: غزوة خيبر (385 _ 398).

الفصل الخامس عشر: واقعة ذات السلاسل (399 _ 416).

الفصل السادس عشر: فتح مكة (417 _ 436).

الفصل السابع عشر: غزوة حُنين (437 _454).

الفصل الثامن عشر: غزوة تبوك (455 _ 480).

الفصل التاسع عشر: نظرة شاملة لحروب الامام (ع) مع النبي (ص) (481 _ 504).

 --------------

 

الفصل الحادي عشر

معركة بدر الكبرى

 

علي (ع) ومعركة بدر الكبرى * صور من معركة بدر * الدلالات العلمية للنصوص: 1- علي (ع): قتل النصف ممن قُتل ببدر. أ- المغزى العسكري. ب- المغزى النفسي. ج- آثار قتل النصف: الرُعب! د- دور الملائكة في المعركة. 2- الجوانب الاجتماعية والاقتصادية للمعركة: أ- معركة بدر والظرف القانوني. ب- معركة بدر واقتصاد مكة. ج- معركة بدر: امتحان المسلمين.

----------------------
 

علي (ع) ومعركة بدر الكبرى

بدر اسم بئر على بعد 160 كيلو متراً عن المدينة. وقت المعركة المسماة باسم ذلك البئر، في السنة الثانية للهجرة يوم الجمعة 17 من شهر رمضان المبارك. وقبل وقوع القتال انزل الله تعالى على نبيه (ص): (وإن جَنَحُوا لِلسِّلمِ فاجنَح لَها...)[1]. فبعث (ص) الى المشركين ينهاهم عن القتال، فوافق عتبة بن ربيعة وقال: ما رد هذا قومٌ فافلحوا... يا معشر قريش انّ محمداً ابن عمكم فخلوه والعرب. فان يكُ صادقاً فأنتم أعلى عيناً به، وإن يكُ كاذباً كفتكم ذؤبان العرب أمره. فأبى ابو جهل ولم يقبل بأقلّ من القتال.

وكان علي (ع) حامل الراية في اول حرب يشارك فيها مع رسول الله (ص)، وهي اول حروب النبي (ص) أيضاً. وكان عمره (ع) يومذاك خمساً وعشرين سنة. والظاهر ان المعركة وقعت بعد عقد علي (ع) على فاطمة (ع) وقبل البناء بها.

بداية المعركة يصفها لنا رافع مولى رسول الله (ص) قال: «لما اصبح الناس يوم بدر اصطفّت قريش، امامها: عتبة بن ربيعة، واخوه شيبة، وابنه الوليد. فنادى عتبة رسول الله (ص): يا محمد اخرج لنا أكفاءنا من قريش فبرز اليهم ثلاثة من شباب الانصار. فقال لهم عتبة: من أنتم؟ فانتسبوا. فقال: لا حاجة لنا في مبارزتكم انما طلبنا بني عمنا، فقال رسول الله (ص) للانصار: ارجعوا الى مواقفكم. ثم قال: قم يا علي، قم يا حمزة، قم يا عبيدة، قاتلوا على حقكم الذي بعث الله به نبيكم. فقاموا فصفوا في وجوههم وكان على رؤوسهم البيض[2] فلم يعرفوهم، فقال عتبة: من انتم يا هؤلاء؟ تكلموا، فان كنتم اكفاءنا قاتلناكم. فقال حمزة بن عبد المطلب: انا حمزة بن عبد المطلب، انا اسد الله واسد رسوله. فقال عتبة: كفء كريم. وقال علي: انا علي بن ابي طالب. وقال عبيدة: انا عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب. فقال عتبة لابنه الوليد: قم يا وليد ابرز لعلي: وكان اصغر الجماعة سنّاً. فاختلفا بضربتين أخطأت ضربة الوليد ووقعت ضربة علي (رضي الله عنه) على اليد اليسرى من الوليد فأبانتها، ثمّ ثنى عليه باخرى فخرّ قتيلاً»[3]. وبارز حمزة عتبة فقتله حمزة (رض). وبارز عبيدة شعبة، فأصاب سيف شعبة عضلة ساق عبيدة فقطعها فاستنقذه علي (ع) وحمزة (رض) وقتلا شيبة، وحُمِل عبيدة فمات بالصفراء[4].

وكان المهاجرون «يوم بدر سبعة وسبعين رجلاً وكان الأنصار مائتين وستة وثلاثين رجلاً، وكان صاحب راية رسول الله (ص) علي بن ابي طالب (ع)»[5]. فيكون مجموع المسلمين ثلاثمائة وثلاثة عشر مقاتلاً. وكان معهم فرَسان وسبعون بعيراً. فكان الرجلان والثلاثة يتعاقبون على بعير واحد. وكان المشركون تسعمائة وخمسين رجلاً بصحبة مائتي فرس وسبعمائة بعير.

من الناحية النفسية والعسكرية كانت معركة بدر الكبرى اعظم غزاة غزاها رسول الله (ص) وأشدها نكاية في المشركين «قُتل فيها سبعون من المشركين قتل علي (ع) نصفهم وقتل المسلمون والملائكة النصف الآخر...»[6]. وانجلت المعركة عن سبعين اسيراً من المشركين بالاضافة الى سبعين قتيلاً منهم وفرّ الباقون. واستشهد من المسلمين اربعة عشر رجلاً. قال تعالى مخاطباً المسلمين: (ولَقَد نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدرٍ وأنتُم أذلَّةٌ فاتّقوا اللهَ لَعَلَّكُم تَشكُرُونَ)[7].

وبالرغم من اختلاف الروايات في عدد الذين قتلهم علي (ع) يوم بدر، الاّ ان المرجّح تأريخياً ان امير المؤمنين (ع) قتل النصف ممن قُتل ببدر أو قريباً منه، وكانوا من اكابر قريش وقادتهم. عندها نادى منادٍ من السماء يوم بدر: «لا سيف الا ذو الفقار، ولا فتى الا علي»[8]. يقول ابن شهر آشوب: «وجدت في كتاب المقفع قول هند:

أبي وعمي وشقيق بكري                     اخي الذي كان كضوء البدر

بهم كسرت يا علي ظهري[9]

وكان من جملة من قتلهم علي (ع) يوم بدر من بني امية:

1- حنظلة بن ابي سفيان اخو معاوية.

2- العاص بن سعيد العاص.

3- عقبة بن ابي معيط.

4- الوليد بن عتبة اخو هند وخال معاوية.

وقتل (ع) ايضاً:

5- ابا قيس بن الوليد أخا خالد بن الوليد.

واشترك في قتل:

6- عتبة وهو جد معاوية وهو اموي ايضاً.

وبذلك فقد قتل الامام (ع) في بدر وحدها من المشركين جد معاوية وخاله واخاه وبعضاً من عشيرته. وكان لذلك اثر بالغ في نفس ابن ابي سفيان بالخصوص والأمويين عموماً ضدّ امير المؤمنين (ع)، كما سنلمس ذلك لاحقاً في الفصول القادمة باذنه تعالى.

 صور من معركة بدر:

وقد تضمّنت واقعة «بدر» لقطات وصور وشواهد كثيرة تدلّ على المُثل التي يستطيع ان يخلقها الاسلام، ومقدار التضحيات التي يستطيع ان يقدمها المؤمنون به، ومن ذلك:

1- كان الآباء يقاتلون أبناءهم، والاخوة اخوتهم. فكان حمزة مع رسول الله (ص) وكان اخوه العباس مع المشركين. وكان علي بن ابي طالب (ع) مع رسول الله (ص) وكان اخوه عقيل بن ابي طالب مع المشركين. وكان عبيدة بن الحارث مع رسول الله (ص) وكان اخوه نوفل بن الحارث مع المشركين. وكان ابو بكر مع المسلمين وابنه عبد الرحمن يقاتل مع المشركين. وكان ابو حذيفة مع المسلمين وابوه عتبة مع المشركين. وقد اوردت الكتب التأريخية ان العباس وعقيل ونوفل قد اسلموا، ولكن المشركين اكرهوهم على الخروج يوم بدر. قال العباس: يا رسول الله انني كنت مسلماً، ولكن القوم استكرهوني. فقال (ص) له: الله اعلم باسلامك، اما ظاهر امرك فقد كان علينا.

2- ان علياً (ع) رأى أخاه عقيلاً مع اسرى المشركين، فتجاهله ولم يلتفت اليه. فقال له عقيل: يا ابن ام والله لقد رأيت مكاني. فتركه وحاد عنه، وهو اخوه لامه وابيه.

3- ان حارثة بن سراقة كان مع رسول الله (ص) فقُتل، فجاءت امه وقالت: يا رسول الله اخبرني عن ابني حارثة، ان كان في الجنة صبرت، والاّ ملئتُ الدنيا نياحة، فقال لها رسول الله (ص): «ويحك أهبلت؟ انها جنان ثمان، وان ابنك اصاب الفردوس الاعلى». فرضيت واطمأنت بقضاء الله سبحانه.

4- لما تهيأ المشركون للقتال قال رسول الله (ص) لاصحابه: قوموا الى جنة عرضها السماوات والارض. فقال عمير بن الحمام الانصاري: يا رسول الله، جنة عرضها السماوات والارض! قال (ص): نعم، قال: بخ بخ... قال (ص): وما حملك على قول بخ بخ. قال: رجاء أن اكون من اهلها. فقال له النبي (ص): انك من اهلها. ولما سمع البشارة بالجنة رمى من يده تمرات كان يأكلها، وقال: لئن انا حييت حتى اكل تمراتي هذه انها لحياة طويلة. فبرز الى القتال وهو يقول:

ركضا الى الله بغير زاد                       الا التقى وطلب المعاد

والصبر في الله على الجهاد                    وكل زاد عرضة النفاد

غير التقى والبر والرشاد

وما زال يقاتل، حتى استشهد.

 الدلالات العلمية للنصوص

كانت معركة بدر الكبرى تحمل دلالات عظيمة في المواجهة المتفاقمة بين الايمان والشرك. فقد كانت تلك المعركة تحمل مفاتيح الانتصار او الهزيمة لكلا الطرفين المتصارعين. وحتى ان الرعب الذي دبّ في صفوف المشركين من سيف رسول الله (ص) وسيف علي (ع) وسيوف بقية المسلمين، والملائكة التي ساهمت في تكثير عدد المسلمين، كانت له ظروفه النفسية والقانونية التي تفصح عن قوة الايمان الخارقة واستحالة التعايش السلمي بين الشرك والايمان. 

1- علي (ع): قتل النصف ممن قُتل ببدر:

لقد افرغ الامام (ع) طاقته البطولية في اول معركة يخوضها ضد الشرك. فقد بثّ في ساحة المعركة رعباً نفسياً حقيقياً في قلوب المشركين. وكان (ع) اداة السماء في القاء الرعب في قلوبهم. فغيّرت تلك البطولة سلوك المشركين وبدلته من هجوم وشيك ضد المسلمين الى فرار اكيد وهزيمة نكراء وتحطيم لادارة الشرك والوثنية. 

أ- المغزى العسكري:

ان التوازن التسليحي بين جيشي المشركين والمسلمين _ على قلة عدد المسلمين _ يدعونا الى التأمل في اهمية الشجاعة الفردية ودورها الحاسم في نتيجة المعركة. فقد كان الفرَس والسيف والرمح والدرع ادوات المعركة واسلحتها. وتلك الاسلحة كانت تعطي المعركة نوعاً من الثبات الاستراتيجي، وتكشف عن شجاعة المقاتلين وبراعتهم في خوض القتال ببسالة. وهنا كان دور علي (ع) في المعركة حاسماً، لان بطولته الفريدة كانت ركناً اساسياً في انتصار المسلمين.

فلا شك ان قتله ذلك العدد الكبير من ابطال المشركين، كان لابد ان يقلب التوازن العسكري المتعارف بين الفريقين. ذلك لان تلك البطولة الفريدة ادخلت عاملاً جديداً على ساحة المعركة، وهو العامل النفسي. فالرعب النفسي الذي اصاب المشركين يوم بدر جعلهم يفرون من ساحة المعركة مذعورين.

وقد اشار القرآن الكريم في مواطن متعددة _ في بدر وغيرها _ عن انزال الرعب في قلوب المشركين من قبل الله سبحانه وتعالى. ولا شك ان لله جنوده في بثّ الرعب فيهم. فكان (ع) احد هؤلاء الجنود المكلّفين بتلك المهمة الشاقة. فقال سبحانه وتعالى في خصوص غزوة اُحد عندما حثهم على طاعته ونبههم على ان هزيمة المسلمين كانت من قبل انفسهم، لا منه عزّ وجلّ: (سَنُلقي في قُلُوبِ الذينَ كَفَروا الرُّعبَ بِما أشركُوا باللهِ ما لَم يُنـزِّل بِهِ سُلطاناً...)[10]. وفي خصوص غزوة بدر: (... سأُلقي في قُلُوبِ الذينَ كَفَرُوا الرُّعبَ فاضرِبُوا فَوقَ الأعناقِ...)[11]. وفي خصوص واقعة الخندق وما اعقبها من امر بني قريظة من اليهود: (... وقَذَفَ في قُلُوبِهُمُ الرُّعبَ فَريقاً تَقتُلُونَ وتأسرُونَ فَريقاً)[12]. وفي خصوص اجلاء بني النضير من اليهود لما نقضوا العهد بينهم وبين المسلمين، ومقاتلة المسلمين لهم: (...فأتاهُمُ اللهُ مِن حَيث لَم يَحتَسِبُوا وقَذَفَ في قُلُوبِهمُ الرُّعبَ...)[13]. فكان وعداً جميلاً من الله سبحانه بان المؤمنين سينصروَن بالرعب، وقد كان رسول الله (ص) يذكر ذلك فيما حباه الله تعالى وخصه به من بين الانبياء (ع).

فغيّر ذلك العامل النفسي ميزان المعركة، مع ان جيش المسلمين لم يتجاوز ثلث جيش المشركين مع قلة العدة وشحّة الحديد. ولا شك ان تلك الشجاعة _ مضافاً الى عوامل اُخرى كالوعد الالهي بالنصر، ونزول الملائكة لتكثير عدد المسلمين في عيون الاعداء _ ولّدت عند المقاتلين حماساً واندفاعاً نحو الاستمرار في القتال حتى النصر النهائي على الشرك في الارض. وقلّة عدد المقاتلين في الطرف الاسلامي، والامداد الالهي عبر نزول الملائكة، لم يلغِ اهمية الحرب واحقيتها.

بل ان معركة بدر الكبرى كانت حرباً حتمية ضد المشركين كان لابد لها ان تقع. ذلك لانها كانت حالة دفاعية ضد هجوم وشيك من قبل قريش، وكانت عقوبة على جرائمهم في عبادة الاوثان، وكانت تعويضاً للمسلمين عما خسروه في مكة من مال ونفس وعرض. ولا شك ان انتصار المسلمين في معركة بدر الكبرى فتح البوابة لتثبيت دين التوحيد على الارض، واقامة العدالة في العالم.

وكانت اخلاقية رسول الله (ص) المستمَدة من الدين كفيلة بتحقيق ذلك، خصوصاً اذا ما علمنا بان رحمة الاسلام وتعاليمه واخلاقيته في القتال كان قد سجلها التأريخ بكثير من الاكبار والاجلال.

فالتأريخ عندما يتحدث عن المعارك فانه يمرّ على عللها واسبابها وبداياتها ونهاياتها بشكل سريع عابر، ولكنه يتوقف عند اخلاقية الاطراف المتحاربة. فيدرس سلوك المتحاربين واخلاقيتهم على ساحة المعركة. فالعظمة في شخصية المقاتل تتبلور عندما يتصرف ذلك المقاتل بوحي عقيدته، تحت ظل السيوف. بمعنى ان السيف اذا كان مرفوعاً على اساس الحق، فانه يكون سيفاً عادلاً لا يظلم ولا يجحف ولا ينتهك حرمات الناس. وقد كان علي (ع) قمة في ذلك. فقد كان يرفع السيف عن مدبِرهم، ولا يجهز على جريحهم، ولا يقاتل الا طغاتهم واعاظم مجرميهم.

ولذلك فان قتله (ع) للنصف ممن قُتل في بدر قد احدث ضجة نفسية عظيمة في صفوف المشركين وقلوبهم لم يخمد صداها ابداً. فقد كان ظهوره (ع) بتلك القوة الخارقة وهو في فورة الشباب، قد خلق صورة حقيقية من الرعب والقلق في نفوس المقاتلين عند عبدة الاوثان والاصنام. وبقيت تلك الصورة المرعبة شاخصة في كل المعارك التي خاضها فيما بعد. فمن الذي يواجه علياً (ع) فيفري جلده ويدخله جحيم الدنيا قبل الآخرة؟

ب- المغزى النفسي:

ان الحرب النفسية ضد العدو في ساحة القتال او حولها لا تقتصر على الدعاية الاعلامية. فالهدف من الحرب النفسية هو التأثير على رأي العدو وسلوكه في المعركة دون استخدام الموارد العسكرية والسياسية والاقتصادية. وبتعبير آخر، ان هدف الحرب النفسية هو اشعار العدو بان الجيش المقابل يمتلك اسلحة مادية وغير مادية تستطيع ان تحقق نصراً حاسماً في تلك المعركة. فكيف يستطيع المسلمون في تلك اللحظات الحاسمة اشعار العدو بانهم يمتلكون سلاحاً خارقاً يستطيع ان يحقق نصراً حاسماً عليهم؟ لا شك ان ذلك يتطلب امرين:

الاول: سلاح غير منظور قادر على محاربة العدو حرباً نفسية شرسة، وذلك بتكثير عدد المقاتلين في اعين العدو. فكانت ملائكة الرحمن التي ارسلها الله سبحانه، واشار لها الذكر الحكيم بالقول: (... إذ تَستَغيثُونَ رَبَّكُم فاستَجابَ لَكُم أنّي مُمِدُّكُم بِألفٍ مِنَ الملائِكَةِ مُردِفينَ)[14].

الثاني: سلاح منظور يراه العدو ويلمسه ويحسّ بعمق آثاره ومقتضياته، وهو علي بن ابي طالب (ع) البطل الذي ليس له مثيل.

فقد كانت البطولة الخارقة للامام (ع) احدى الوسائل المهمة لتلك الحرب النفسية. فقد قلبت بطولة الامام (ع) سلوك ابطال المشركين وجعلتهم ينهزمون امامه كالنمور المجروحة الكسيرة.

فالبطولة تحت هذا العنوان، كانت عملاً رمزياً خارقاً قام به علي (ع) من اجل اقناع الطرف المقابل بالفرار من ساحة المعركة. وقد وقع ذلك فعلاً، فبدأت فرسان العرب من المشركين تسابق الريح حتى لا يمسها حسام علي بن ابي طالب (ع).

وهذه الحرب النفسية افضل من الدعاية المنظّمة التي تستخدمها الجيوش بأمل تغيير سلوك العدو. ذلك لان الخطة التي استخدمها الامام (ع) لم تحتج الى عيون وجواسيس تنظر للعدو، ولم تحتج الى عمليات انتقام وحشية من اجل ارعابه، ولم تحتج الى عمليات لتنظيف دماغه او غسله. بل كانت شجاعة فائقة لبطل واحد، وضعت المعركة النفسية في الاطار الصحيح. فتلك المعركة النفسية كانت بحاجة الى سيف واحد وهو سيف ذو الفقار، والى فتى شجاع واحد وهو علي (ع) وعندها كانت المعركة النفسية في بدر الكبرى تحاول افساد علل المشركين الذين خرجوا الى تلك الآبار وفي قناعاتهم انهم سيهزمون المسلمين هزيمة قاسية سوف تتحدث عنها العرب مئات السنين.

ولكن سيف الامام (ع) قلب المعركة النفسية ضدهم لانه (ع) بقتل النصف ممن قُتل ببدر قد حطم اراداتهم ودمر نظامهم العسكري عبر قتله النخبة من ابطالهم.

وبطبيعة الحال، فان للحرب النفسية دوراً مؤثراً وفعالاً في تغيير موازين المعركة وقلبها ضد العدو. وفي ضوء هذا الاصل نستطيع ترتيب النقاط التالية:

1- ان الحرب النفسية تعدّ اليوم السلاح الرابع بعد سلاح الجو والبحر والبر، لانها اثبتت فعاليتها في تغيير سلوك العدو ونفسيته بما يخدم مصالح الطرف المحارِب.

2- كانت البطولة الشخصية في ذلك الزمان اهم الاسلحة والادوات في الحرب النفسية الناجحة. اما اليوم، فبسبب تقدم وسائل الاتصالات، فان الحرب النفسية اصبحت تتخذ أشكالاً اُخرى وانماطاً مختلفة. الا ان الهدف في كليهما ينحصر في دائرة واحدة وهي تغيير سلوك العدو. وهذا هو ما حققه سيف علي (ع) في بدر.

3- يمكن قياس فعالية الحرب النفسية ضد العدو عن طريق احصاء حناجر الفارين من المشركين وصيحاتهم في ساحة المعركة في بدر. كما يمكن قياس فعالية الحرب النفسية الحديثة عن طريق تغير الرأي العام واحساسه بالاحباط والهزيمة النفسية.

وكانت الخصائص البطولية للامام (ع) في عموم الحرب النفسية ضد المشركين تتضافر في ثلاثة وجوه:

الاول: معرفته الدقيقة بأفراد العدو من النخبة، وضبطهم في ساحة المعركة لمصارعتهم. ولنطلق عليه اصطلاح «تحديد الهدف»، كمبارزته الوليد بن عتبة، والعاص بن سعيد بن العاص، وحنظلة بن ابي سفيان وطعيمة بن عدي، ونوفل بن خويلد.

الثانية: الخب والمواعظ والاشعار التي كان يستخدمها (ع) في زعزعة ثقة العدو بنفسه، في مواطن اُخرى بالاضافة الى بدر. مثل قوله لعمرو بن عبد ود في وقعة الاحزاب:

لا تعجلنّ فقد اتا              ك مجيب صوتك غير عاجزِ

ذو نبهة وبصيرة                  والصدق منجا كل فائزِ

اني لارجو ان اقيم                    عليك نائحة الجنائزِ

من ضربة نجلاء                  يبقى ذكرها عند الهزائزِ[15]

وقوله (ع) عند مبارزة مرحباً:

انا الذي سمّتني امّي حيدرة       كليث غابات كريه المنظرة

أوفيهم بالصاع كيل السندرة[16]

وقوله (ع) عند مبارزة ابي جرول يوم حُنين:

قد علم القوم لدى الصياح                اني لدى الهيجاء ذو نصاح[17]

ولنطلق عليه اصطلاح «زعزعة الهدف».

الثالث: الهجوم على العدو بكل بسالة، بدل الانتظار من اجل الدفاع. فالهجوم هو الذي يحقق الوصول الى الهدف وتحقيق المطلب بقتل العدو.

ففي «الارشاد» للشيخ المفيد (ت 413 هـ) ان امير المؤمنين (ع): «بارز العاص بن سعيد بن العاص بعد ان احجم عنه من سواه فلم يلبث ان قتله، وبرز اليه حنظلة بن ابي سفيان فقتله، وبرز اليه بعده طعيمة بن عديّ فقتله. وقتل بعده نوفل بن خويلد وكان من شياطين قريش، ولم يزل يقتل واحداً منهم بعد واحد حتى أتى على شطر المقتولين منهم وكانوا سبعين رجلاً، تولّى كافة من حضر بدراً من المسلمين مع ثلاثة آلاف من الملائكة المسوّمين قتل الشطر منهم[18]، وتولّى امير المؤمنين (ع) قتل الشطر الآخر وحده.

وفي «الارشاد» ايضاً: قد اثبتت رواة العامة والخاصة معاً اسماء الذين تولّى امير المؤمنين (ع) قتلهم ببدر من المشركين على اتفاق فيما نقلوه من ذلك واصطلاح. فكان ممن سمّوه: الوليد بن عتبة كما قدمنا وكان شجاعاً جريّاً وقاحاً فتاكاً تهابه الرجال. والعاص بن سعيد وكان هولاً عظيماً تهابه الابطال، وهو الذي حاد عنه عمر بن الخطاب. وطعيمة بن عديّ بن نوفل وكان من رؤوس اهل الضلال. ونوفل بن خويلد وكان من اشد المشركين عداوة لرسول الله (ص)، وكانت قريش تقدمه وتعظمه وتطيعه، وهو الذي قرن ابا بكر وطلحة قبل الهجرة بمكة وأوثقهما بحبل وعذبهما يوماً الى الليل حتى سُئل امرهما. ولما عرف رسول الله (ص) حضوره بدراً سأل الله ان يكفيه امره فقال: اللهم اكفني نوفل بن خويلد، فقتله امير المؤمنين (ع).

وقتل (ع) ايضاً: زمعة بن الاسود، والحارث بن زمعة، والنظر بن الحارث بن عبد الدار، وعمير بن عثمان بن كعب بن تيم عم طلحة بن عبد الله، وعثمان ومالك ابني عبيد الله اخوي طلحة بن عبيد الله، ومسعود بن ابي امية بن المغيرة، وقيس بن الفاكه بن المغيرة، وحذيفة بن ابي حذيفة بن المغيرة، وأبا قيس بن الوليد بن المغيرة[19]، وحنظلة بن ابي سفيان، وعمرو بن مخزوم، وابا منذر بن ابي رفاعة، ومنبّه بن الحجاج السهمي، والعاص بن منبه، وعلقمة بن كلدة، وابا العاص بن قيس بن عديّ، ومعاوية بن المغيرة بن ابي العاص، ولوذان بن ربيعة،