(ص 453 - 479)

 الفصل الخامس

 نصوصٌ منتقاةٌ

 --------------------------------

النصوص التالية هي حكم وأقوال منتخَبة للإمام علي بن الحسين (ع) في حقول دينية وحياتية شتى، جمعها فكرُ الإمام (ع). وهي على تنوعها، تعكس إلمام السجاد (ع) بالعلوم الإلهية ومنابع الفيض السماوي على الإمام (ع). 

 (1)

في الدين والحياة

تناول الإمام زين العابدين (ع) في خطابه الإرشادي إلى الناس جملة من المفاهيم الدينية حول صفات الإنسان وطبيعة إيمانه، والدنيا ووجوه اغراءاتها، والآثار الشخصية والإجتماعية للإحسان، ومجموعة من سنن الأنبياء (عليهم السلام) وطرق تعاملهم مع الناس. ومتون تلك الأحاديث تعبـّر عن شمولية الدين لمناحي الحياة ودور القيم الأخلاقية في تهذيبها.

 الدين:

1- جماع الدين: تقدم رجل إلى الإمام السجاد (ع) فسأله عن كيفية الدعوة إلى الدين؟ فقال (ع): (ادعوك إلى الله تعالى وإلى دينه، وجماعه أمران. الأول: معرفة الله. والآخر: العمل برضوانه. وإن معرفة الله أن تعرفه بالوحدانية، والرأفة والرحمة، والعلم والقدرة، والعلو على كل شيء، وأنه النافع الضار القاهر لكل شيء، الذي لا تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبيـر. وأن محمداً عبده ورسوله، وأن ما جاء به هو الحق من عند الله تعالى، وأن ما سواهما هو الباطل. فإذا أجابوا إلى ذلك فلهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين)[1].

 الذنب:

2- أنواع الذنوب: النص التالي للإمام زين العابدين (ع) يكشف عن طبيعة الذنوب ومقتضياتها:

(الذنوب التي تغير النعم: البغي على الناس، والزوال عن العادة في الخير واصطناع المعروف، وكفران النعم، وترك الشكر، قال الله تعالى: (...إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ...)[2].

والذنوب التي تورث الندم: قتل النفس التي حرّم الله، قال الله تعالى في قصة قابيل حين قتل أخاه فعجز عن دفنه: (...فأصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ)[3]، وترك صلة القرابة حتى يستغنوا، وترك الصلاة حتى يخرج وقتها، وترك الوصية ورد المظالم، ومنع الزكاة حتى يحضر الموت وينغلق اللسان.

والذنوب التي تنـزل النقم: عصيان العارف، والتطاول على الناس، والاستهزاء بهم، والسخر بهم.

والذنوب التي تدفع النعم: أظهار الإفتقار، والنوم عن العتمة[4]، وعن صلاة الغداة،  واستحقار النعم، وشكوى المعبود.

والذنوب التي تهتك العصم: شرب الخمر، واللعب بالقمار، وتعاطي ما يضحك الناس من اللغو والمزاح وذكر عيوب الناس، ومجالسة أهل الريب.

والذنوب التي تنـزل البلاء: ترك اغاثة الملهوف، وترك معونة المظلوم، وتضييع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

والذنوب التي تديل الأعداء: المجاهرة بالظلم، واعلان الفجور، وإباحة المحظور، وعصيان الأخيار، واتباع الأشرار.

والذنوب التي تعجّل الفناء: قطيعة الرحم، واليمين الفاجرة، والأقوال الكاذبة، والزنا، وسد طرق المسلمين، وادعاء الإمامة بغير حق.

والذنوب التي تقطع الرجاء: اليأس من روح الله، والقنوط من رحمة الله، والثقة بغير الله، والتكذيب بوعد الله.

والذنوب التي تظلم الهواء: السحر والكهانة، والإيمان بالنجوم، والتكذيب بالقدر، وعقوق الوالدين.

والذنوب التي تكشف الغطاء: الاستدانة بغير نية الأداء، والإسراف في النفقة على الباطل، والبخل على الأهل والولد وذي الأرحام، وسوء الخلق، وقلّة الصبـر، واستعمال الضجر، والاستهانة بأهل الدين.

والذنوب التي ترد الدعاء: سوء النية وخبث السريرة، والنفاق مع الاخوان، وترك التصديق بالإجابة، وتأخير الصلوات المفروضات حتى تذهب أوقاتها، وترك التقرب إلى الله عزّ وجلّ بالبـر والصدقة، واستعمال البذاء والفحش في القول، والزور وكتمان الشهادة، ومنع الزكاة والقرض والماعون، وقساوة القلوب على أهل الفقر والفاقة، وظلم اليتيم والأرملة، وانتهار السائل ورده بالليل)[5].

 الإنسان:

3- أعين العبد: (ان للعبد أربعة أعين: عينان يبصر بهما أمر دينه ودنياه، وعينان يبصر بهما أمر آخرته. فإذا أراد الله بعبدٍ خيراً فتح له العينين اللتين في قلبه فأبصر بهما الغيب وأمر آخرته. وإذا أراد به غير ذلك ترك القلب بما فيه)[6].

4- الإنسان والقَسْم: (لا تحلفوا إلا بالله، ومن حلفَ بالله فليصدق. ومن حُلِفَ له بالله فليرضَ. ومن حُلِفَ له بالله فلم يرضَ فليس من الله)[7].

5- وثاقة الإنسان وعدالته: (إذا رأيتم الرجل قد حسُن سمته وهديه، وتمادى في منطقه، وتخاضع في حركاته، فرويداً لا يغرنكم، فما أكثـر من يعجزه تناول الدنيا، وركوب الحرام منها، لضعف بنيته ومهانته، وجبن قلبه، فنصب الدين فخّاً له، فهو لا يزال يختل الناس بظاهره. فإن تمكن من حرام أقتحمه.

وإذا وجدتموه يعفّ عن المال الحرام فرويداً لا يغرنكم، فإن شهوات الخلق مختلفة، فما أكثر من يتأبى عن الحرام وإن كثـر، ويحمل نفسه على شوهاء قبيحة، فيأتي منها محرماً.

فإذا رأيتموه كذلك فرويداً لا يغرنكم حتى تنظروا عقدة عقله، فما أكثر من ترك ذلك أجمع ثم لا يرجع إلى عقل متين، فيكون ما يفسده بجهله أكثر مما يصلحه بعقله.

فإذا وجدتم عقله متيناً فرويداً لا يغرنكم حتى تنظروا أيكون هواه على عقله، أم يكون عقله على هواه؟ وكيف محبته للرياسة الباطلة وزهده فيها؟ فإن في الناس من يترك الدنيا للدنيا، ويرى أن لذة الرياسة الباطلة أفضل من رياسة الأموال والنعم المباحة المحللة، فيترك ذلك أجمع طلباً للرياسة، حتى إذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالأثم فحسبه جهنم وبئس المهاد. فهو يخبط خبط عشواء، يقوده أول باطله إلى أبعد غايات الخسارة، ويمد به بُعد طلبه لما لا يقدر في طغيانه، فهو يحلّ ما حرم الله، ويحرّم ما أحلّ الله لا يبالي ما فات من دينه إذا سلمت له الرياسة التي قد شقي من أجلها. فأولئك الذين غضب الله عليهم ولعنهم وأعدّ لهم عذاباً أليماً.

ولكن الرجل كل الرجل الذي جعل هواه تبعاً لأمر الله، وقواه مبذولة في قضاء الله، يرى الذلّ مع الحق أقرب إلى عز الأبد مع العز في الباطل، ويعلم أن قليل ما يحتمله من ضرائها يؤدي إلى دوام النعيم في دار لا تبيد ولا تنفد، وأن كثيراً ما يلحقه من سرائها إن اتبع هواه يؤدي به إلى عذاب لا انقطاع له ولا زوال. فذلك الرجل تمسكوا به، واقتدوا بسنته، وإلى ربكم توسلوا به، فإنه لا تردّ له دعوة، ولا يخيب من طلبه)[8].

6- عليكَ نفسكَ: (كفى بالمرء عيباً أن يبصر من الناس ما يعمى عليه من نفسه، أو يؤذي جليسه بما لا يعنيه)[9].

7- يا بن آدم: (ان الله يقول يا ابن آدم أرضَ بما أتيتك تكن من أزهد الناس، واعمل بما افترضت عليك تكن من أعبد الناس، واجتنب عما حرّمتُ عليك تكن من أورع الناس)[10].

8- حقٌ يفي بأهل الأرض: جاء إليه رجلٌ برجلٍ يزعم انه قاتل أبيه، وقد اعترف به، ووجب عليه القصاص. فسأله علي بن الحسين (ع) العفو ليعظم ثوابه، فلم تطب نفس ابن المقتول بالعفو. فقال (ع): (إن كان لهذا القاتل عليك حقٌ، فهب له هذه الجناية، واغفر له ذنبه). فقال: يا ابن رسول الله، له عليَّ حق لم يبلغ العفو عن قتل أبي.

          فقال (ع): (فماذا تريد منه؟). قال: أريد القود. فإن أراد المصالحة صالحته وتركت القود لأجل حقه. فقال (ع): (ما حقه عليك؟). قال: انه علمني توحيد الله ونبوة رسوله (ص)، وإمامة علي والأئمة (ع). فقال السجاد (ع): (ألم ترَ أن هذا يفي بدم أبيك. بلى والله ان هذا ليفي بدماء أهل الأرض كلهم من الأولين والآخرين، سوى الأنبياء والأئمة إن قتلوا فإنه لا يفي بدمائهم شيء)[11].

 الموت:

9- الموت للمؤمن والكافر: (الموت للمؤمن كنـزع ثياب وسخة، وفك أغلال ثقيلة، والاستبدال بأفخر الثياب، وأوطأ المراكب.

وللكافر كخلع ثياب فاخرة، والنقل من منازل أنيسة، والاستبدال بأوسخ الثياب وأخشنها، وأوحش المنازل وأعظمها)[12].

 المؤمن:

10- صفات المؤمن: (المؤمن خلط عمله بحلمه، يجلس ليعلم، وينصت ليسلم، لا يحدّث بالأمانة للاصدقاء، ولا يكتم الشهادة للبعداء، ولا يعمل شيئاً من الحق رياءً، ولا يتركه حياءً. إن زُكّيَ خاف مما يقولون، ويستغفر الله لما لا يعلمون، ولا يضره جهل من جهله)[13].

11- الدعاء للمؤمن بظهر الغيب: (إن الملائكة إذا سمعوا المؤمن يدعو لأخيه بظهر الغيب أو يذكره بخير، قالوا: نعم الأخ أنت لأخيك، تدعو له بالخير، وهو غائب عنك، وتذكره بخيـر. قد أعطاك الله مثليّ ما سألت له، وأثنى عليك مثليّ ما أثنيت عليه، ولك الفضل عليه.

وإذا سمعوه يذكر أخاه بسوء ويدعو عليه، قالوا له: بئس الأخ أنت لأخيك، كف أيها المستر على ذنوبه وعورته، واربع على نفسك، واحمد الله الذي ستر عليك، واعلم أن الله أعلم بعبده منك)[14].

12- المتحابون في الله: (إذا جمع الله الأولين والآخرين نادى منادٍ يسمعه الناس يقول: أين المتحابون في الله؟ فيقوم عنق من الناس، فيقال لهم: اذهبوا إلى الجنة بغير حساب، فتتلقاهم الملائكة ويسألونهم عن العمل الذي جازَ بـهم إلى الجنة، فيقولون: نحن المتحابون في الله. فيقولون: وأي شيء كانت أعمالكم؟ فيقولون: كنا نحب في الله، ونبغض في الله. فيقولون لهم: نعم أجر العاملين)[15].

13- أهل الفضل: (إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ: ليقم أهل الفضل. فيقوم ناس قبل الحساب، فيقال لهم: انطلقوا إلى الجنة، فتتلقاهم الملائكة ويسألونهم إلى أين؟ فيقولون: إلى الجنة. فإذا سألوهم عما استحقوا ذلك، يقولون: كنا إذا جُهل علينا حلمنا، وإذا ظلمنا صبرنا، وإذا أسيء إلينا غفرنا. فيقال لهم: ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين...

ثم ينادي منادٍٍٍ: ليقم جيران الله عزّ وجلّ، فيقوم ناس،  فيقال لهم: انطلقوا إلى الجنة فتسألهم الملائكة عما استحقوا ذلك، وما مجاورتهم لله عزّ وجلّ؟ فيقولون: كنا نتزاور في الله، ونتجالس في الله، ونتبادل في الله، فيقولون: ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين)[16].

14- علامات المؤمن: قال الإمام زين العابدين (ع): (علامات المؤمن خمس). فقال له طاووس اليماني: وما هي يا ابن رسول الله؟ قال (ع): (الورع في الخلوة، والصدقة في القلّة، والصبـر عند المصيبة، والحلم عند الغضب، والصدق عند الخوف)[17].  

15- من أخلاق المؤمن: (من أخلاق المؤمن: الإنفاق على قدر الإقتار[18]، والتوسعة على قدر التوسع، وانصاف الناس، وابتداؤه بالسلام عليهم)[19].

16- منجيّات المؤمن: (ثلاث منجيّات للمؤمن: كف لسانه عن الناس وعن اغتيابهم، وشغله بما ينفعه لدنياه وآخرته، وطول بكائه على خطيئته)[20].

17- لطفه تعالى بالمؤمن: (ان العبد المؤمن ليطلب الإمارة والتجارة، فإذا اشرف من ذلك على ما يهوى بعث الله إليه ملكاً يصدّه عن أمرٍ لو دخل فيه لاستحق النار. فينـزل الملَك ويصدّه عن ذلك الأمر بلطف الله تعالى، ويصبح العبد يقول لقد دهاني مَن دهاني، فعل الله به وفعل. وما يدري ان الله جلّ وعلا هو الناظر له في ذلك ولو تركه وذلك الشيء لدخل النار).

18- الخطوتان والجرعتان والقطرتان: (ما من خطوة أحب إلى الله تعالى من خطوتين: خطوةٌ يسد بها المؤمن صفاً في سبيل الله، وخطوة إلى ذي رحم قاطع. وما من جرعة أحب إلى الله تعالى من جرعتين: جرعة غيظ يردها بحلم، وجرعة مصيبة يردها بصبـر. وما من قطرة أحبّ إلى الله تعالى من قطرتين: قطرة دم في سبيل الله وقطرة دمعة في سواد الليل لا يريد بها عبدٌ إلا الله عزّ وجلّ)[21].

19- من شروط الأمان يوم القيامة: (ثلاث من كُنَّ فيه كان في كنف الله تعالى وأظله يوم القيامة في ظل عرشه وآمنه من الفزع الأكبر: من اعطى الناس من نفسه ما هو سائلهم لنفسه، ورجلٌ لم يقدم يداً ولا رجلاً حتى يعلم انه في طاعة الله قدمها أو في معصيته، ورجلٌ لم يعب أخاه بعيبٍ حتى يترك ذلك العيب من نفسه وكفى بالمرء شغلاً بعيبه عن عيوب الناس)[22].

20- أهل الحكمة: (لا تحتقر اللؤلؤة النفيسة ان تجلبها من الكبا الخسيسة[23]، فان أبي حدثني قال سمعتُ أمير المؤمنين (ع) يقول: ان الكلمة من الحكمة لتلجلج[24] في صدر المنافق نزاعاً إلى مظانها حتى يلفظ بها فيسمعها المؤمن فيكون أحق بها وأهلها، فيلقفها)[25].  

 المنافق:

21- صفات المنافق: (المنافق ينهى ولا ينتهي، ويأمر ولا يأتي، إذا قام للصلاة اعترض، وإذا ركع ربض، وإذا سجد نقر، يمسي وهمه العشاء ولم يصم، ويصبح وهمه النوم ولم يسهر)[26].

ومعنى ذلك ان المنافق إذا قام للصلاة اعترض على وجوبها وناقش في نفعها، وإذا ركع ربض أي هوى إلى الأرض كالغنم عند ربوضها، وإذا سجد نقر مثله كمثل الطائر عند نقره الطعام.

 أمراض الدنيا:

22- الكبر والحسد: (ما من عمل أفضل عند الله تعالى بعد معرفة الله، ومعرفة رسوله أفضل من بغض الدنيا. وإن لذلك شعباً كثيـرة، وإن للمعاصي شعباً.

فأول ما عُصي الله به الكبـر، وهو معصية ابليس حين أبى واستكبـر، وكان من الكافرين.

والحسد وهو معصية ابن آدم حيث حسد أخاه فقتله، فتشعب من ذلك: حب النساء، وحب الدنيا، وحب الرياسة، وحب الراحة، وحب الكلام، وحب العلو، وحب الثـروة. فصرن سبع خصال، فاجتمعن كلهن في حب الدنيا. فقال الأنبياء والعلماء بعد معرفة ذلك: حب الدنيا رأس كل خطيئة، والدنيا دار بلاء)[27].

 صلة الرحم:

23- آثار صلة الرحم: (من سره أن يمدّ الله في عمره، وأن يبسط له في رزقه فليصل رحمه، فإن الرحم لها لسان يوم القيامة، ذلق[28]، تقول: يا رب صلْ من وصلني، واقطع من قطعني...)[29].

          أقول: ان الرحم حقيقة عرفية، أكد على صلتها الشرع الحنيف. والرحم في الأصل كما في (مفردات الراغب) هو رحم المرأة واستعير للقرابة لكونهم خارجين من رحمٍ واحدٍ فالمتصل بالسبب خارج عنهم.

          قال الشهيد الأول (ت 786هـ) في القواعد: (ان الصلة المأمور بها لا حقيقة لها شرعية ولا لغوية، فتختلف باختلاف العادات وبُعد المنازل وقربها وتصدق بكل ما تتحقق به، وأدناه السلام بنفسه ثم برسوله والدعاء بظهر الغيب والثناء في المحضر وأعظم الصلة ما فيه جلب نفع للنفس ودفع ضرر عنها. والواجب من صلة الأرحام ما يخرج به عن القطيعة المحرمة بل قيل انها من الكبائر، وغيره مستحب)[30]

 الإحسان:

24- الإطعام والإكساء: (من أطعم مؤمناً من جوع أطعمه الله من ثمار الجنة، ومن سقى مؤمناً عن ظمأ سقاه الله من الرحيق المختوم، وأيما مؤمن كسى مؤمناً من عري، لم يزل في ستر الله وحفظه ما بقيت منه خرقة)[31]. و(من أطعم مؤمناً حتى يشبع، لم يدر أحد من خلق الله ما له من الأجر في الآخرة لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل إلا الله رب العالمين). و(من موجبات المغفرة إطعام المسلم السغبان[32]). ثم تلا قوله تعالى: (أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ. يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ. أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ)[33].

25- قضاء حاجات المؤمن: (من قضى لأخيه حاجة قضى الله له مائة حاجة، ومن نفَّس عن أخيه كربة نفسَّ الله عنه كربه يوم القيامة، بالغاً ما بلغت. ومن أعانه على ظالم له، أعانه الله على إجازة الصراط عند دحض الأقدام. ومن سعى له في حاجة حتى قضاها له فسرَّ بقضائها، كان كإدخال السرور على رسول الله (ص). ومن سقاه من ظمأ، سقاه الله من الرحيق المختوم. ومن أطعمه من جوع، أطعمه الله من ثمار الجنة. ومن كساه من عري، كساه الله من استبرق وحرير. ومن كساه من غير عري لم يزل في ضمان الله ما دام على المكسي من الثوب سِلْك. ومن كفاه ما أهمه أخدمه الله من الولدان. ومن حمله على راحلة بعثه الله يوم القيامة على ناقة من نوق الجنة يباهي به الملائكة. ومن كفّنه عند موته كساه الله يوم ولدته أمه إلى يوم يموت. ومن زوّجه زوجة يأنس بها ويسكن إليها، آنسه الله في قبـره بصورة أحب أهله إليه. ومن عاده في مرضه حفته الملائكة تدعو له حتى ينصرف، وتقول: طبت وطابت لك الجنة. والله لقضاء حاجته أحب إلى الله من صيام شهرين متتابعين باعتكافهما في الشهر الحرام)[34].

26- الإنفاق: (إني لأستحيي من ربي أن أرى أخاً من اخواني، فأسأل الله له الجنة وأبخل عليه بالدينار والدرهم، فإذا كان يوم القيامة قيل لي: لو كانت الجنة لك لكنت بها أبخل، وأبخل، وأبخل)[35].

27- عموم الإحسان: (إن أرفعكم درجات، وأحسنكم قصوراً وأبنية [في الجنة] أحسنكم إيجاباً للمؤمنين، وأكثركم مواساة لفقرائهم. إن الله ليقرّب الواحد منكم إلى الجنة بكلمة طيبة يكلّم بها أخاه المؤمن الفقير، بأكثر من مسيرة ألف عام يقدمه، وإن كان من المعذبين بالنار. فلا تحتقروا الإحسان إلى أخوانكم، فسوف ينفعكم حيث لا يقوم مقام غيره)[36].

28- من الدعاء المستجاب: (من الدعوات التي لا تُردّ دعاء السائل لمن أعطاه)[37].

 سنن الأنبياء والأولياء (ع):

29- لاترُدَّ آبقاً عن بابي: (أوحى الله تعالى إلى موسى (ع): حببني إلى خلقي، وحبب خلقي إلي. فقال موسى (ع): يا رب كيف أفعل؟ قال تعالى: ذكّرهم آلائي، ونعمائي ليحبوني. فلا تردّ آبقاً عن بابي، أو ضالاً عن فنائي. إن ذلك أفضل لك من عبادة مائة سنة، يصام نهارها ويقام ليلها. قال موسى (ع): من هذا العبد الآبق منك؟ قال تعالى: المتمرد. قال (ع): فمن الضال عن فنائك؟  قال تعالى: الجاهل بإمام زمانه، والغائب عنه بعدما عرفه، الجاهل بشريعة دينه. تعرّفه شريعته، وما يعبد به ربه تعالى، ويتوصل به إلى مرضاته)[38].  

30- أهلُ الله: (سأل موسى بن عمران (ع) ربه تعالى: من أهلك الذين تظلهم بظلِّ عرشك يوم لا ظلَّ إلا ظلّك؟ فأوحى إليه سبحانه وتعالى: الطاهرة قلوبهم، والتربة أيديهم، الذين يذكرون جلالي، والذين يكتفون بطاعتي كما يكتفي الصغير باللبن، والذين يأوون إلى مساجدي كما تأوي النسور إلى أوكارها، والذين يغضبون لمحارمي إذا استحلت مثل النمر إذا حرد).

31- إحسانُ محمدٍ (ص) وعليٍ (ع) للأمة: (إن كان الأبوان عظم حقهما على أولادهما لإحسانهما إليهم، فإحسان محمد وعلي صلوات الله عليهما وعلى ابنائهما إلى هذه الأمة أجلّ وأعظم، فهما أحق أن يكونا أبويها)[39].

32- الحكيم في تدبيره: كان السجاد (ع) يذكر حال من مسخهم الله قردة من بني اسرائيل، ويحكي قصتهم. فلما بلغ آخرها، قال: (ان الله تعالى مسخ أولئك القوم لاصطيادهم السمك. فكيف عند الله عزّ وجلّ حال من قتل أولاد رسول الله وهتك حريمه. ان الله وإن لم يمسخهم في الدنيا، فان المعدّ لهم من عذاب الآخرة أضعاف عذاب المسخ).

          فقيل له: قال لنا البعض: إن كان قتل الحسين باطلاً فهو أعظم عند الله من صيد السمك. أفلا غضب الله على قاتليه كما غضب على صائدي السمك [المخالفين لأمر الله] ؟

          فقال (ع): (قُلْ لـهم ان معاصي ابليس أعظم من معاصي من كفر باغوائه. فأهلكَ اللهُ من شاء منهم كقوم نوح وفرعون، ولم يهلك ابليس. وهو أولى بالهلاك. فما باله سبحانه أهلكَ الذين قصروا عن ابليس في عمل الموبقات، وأمهل ابليس مع ايثاره لكشف المحرمات. أما كان ربنا سبحانه حكيماً في تدبيره؟ أهْلَكَ هؤلاء بحكمته واستبقى ابليس. فكذلك هؤلاء الصائدون يوم السبت، والقاتلون الحسين (ع). يفعل في الفريقين ما يعلم. انه أولى بالصواب والحكمة، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون)[40].

 (2)

في الموعظة

تميزت مواعظ الإمام (ع) بغناها ومحتواها الفكري الإسلامي في التمييز بين الخير والشر، والفضيلة والرذيلة، والحق والباطل. وكانت تدخل أعماق نفس الإنسان، فتسبر غورها. وتفتش عن مواطن النقص والقصور في الغفلة والتغافل، وتبحث عن علل الركون إلى الدنيا والإنزواء مع الظالم، وأسباب حب الشهوة الزائلة واللذة الباطلة، وعلل صدأ القلوب وخراب النفوس، فتقدم علاجاً روحياً شافياً جامعاً مانعاً. فتورق عندها شجرة الحياة الباسقة بالفضائل والقيم السماوية العليا.

وكانت تلك المواعظ التي كان يلقيها الإمام (ع) في مسجد رسول الله (ص) في المدينة جسراً موصلاً  بين  المخلوق  والخالق، والطاعة ومن هو أولى بها، والقلوب ونواياها، والسعادة الدنيوية والتقوى، والعمل الصالح ونعيم الآخرة.

 تأديب النفس:

33- الواعظ الذاتي: (يا ابن آدم لا تزال بخير ما كان لك واعظ من نفسك، وما كانت المحاسبة من همك، وما كان لك الخوف شعاراً، والحزن لك دثاراً. يا ابن آدم إنك ميت ومبعوث، وموقوف بين يدي الله عزّ وجلّ ومسؤول، فأعدَّ جواباً)[41].

34- أبناء الآخرة: (إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة، وأن الآخرة قد ارتحلت مقبلة، ولكل واحد منهما بنون فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا الراغبين في الآخرة. ألا أن الزاهدين في الدنيا أتخذوا الأرض بساطاً، والتراب فراشاً، والماء طيباً، وقرضوا من الدنيا تقريضاً. ألا ومن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات، ومن اشفق من النار رجع عن المحرمات، ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصائب.

    ألا أن لله عباداً كمن رأى أهل الجنة في الجنة مخلدين، وكمن رأى أهل النار في النار معذبين، شرورهم مأمونة، وقلوبهم محزونة، أنفسهم عفيفة، وحوائجهم خفيفة، صبروا أياماً قليلة فصاروا بعقبى راحة طويلة. أما الليل فصافون أقدامهم، تجري دموعهم على خدودهم، وهم يجأرون[42] إلى ربهم، يسعون في فكاك رقابهم. وأما النهار فحلماء علماء بررة، أتقياء كأنهم القداح[43] قد براهم الخوف من العبادة. ينظر إليهم الناظر فيقول: مرضى، وما بالقوم من مرض. أو خولطوا، فقد خالط القوم أمر عظيم من ذكر النار وما فيها)[44].

35- عليكَ بالتعب في الدنيا للآخرة: قال السجاد (ع): (من لم يتعزَّ بعزاء الله تقطعت نفسه على الدنيا حسرات، والله ما الدنيا والآخرة