|
(ص 347 - 378) الفصل الرابع الآثار المدوَّنة ----------------------------------------- من الآثار الكاملة المدوَّنة للإمام السجاد (ع): الصحيفة السجادية، ورسالة الحقوق، ورسالة في الزهد. وتلك كتب ورسائل خاطبَ بها الإمام (ع) ثلاث جهات. فقد خاطب السجاد (ع) الله تبارك وتعالى في (الصحيفة السجادية)، وخاطبَ المجتمع في (رسالة الحقوق)، وخاطبَ الدنيا وما فيها في (رسالة الزهد). والصورة الكلية لتلك الرسائل قائمة على المضمون العقائدي والإخلاقي للدين ورسالة خاتم الأنبياء (ص). والدعاء أدب ديني مبارك، على نسقٍ رائعٍ جميلٍ، ولغة ثرية، ومفاهيم غنيّة، وبلاغة عبقرية. وهذا الطريق البارع من طرق البيان اختص به النبي (ص) وأهل البيت (ع) دون غيرهم من العالمين. وزمانهم (ع) كان يحفل بأهل الأدب والبيان والبلاغة والشعر، ولكن لم يرقَ إلى هذا النثـر الديني الرائع غير أدبـهم، ولم تسمُ إلى هذا المنثـور المعجز سوى ألسنتهم الناطقة بالحق. ومن بيان الروعة في أدب الإمام السجاد (ع) في الصحيفة السجادية ورسالة الحقوق ورسالة الزهد، أنه أطنب ببلاغة معجِزة في وصف الجنّة والنار، والنعيم والعذاب، والآخرة والدنيا، والخير والشر، والإيمان والفسوق، تشويقاً وتهويلاً. والإطناب في فلسفة اللغة من أرقى مراتب البلاغة ومن أروع صورها ووجوهها. والهدف من كل ذلك ترغيب الناس على عمل الخير، والبر بالناس وبأنفسهم، وزجرهم عن ارتكاب الشر، والابتعاد عن القبيح الحرام. (1) الصحيفة السجادية الصحيفة السجادية هي مجموعة من الأدعية التي أنشأها الإمام السجاد (ع) أيام حكم بني أمية، رواها عنه ولداه: الإمام محمد الباقر (ع) (ت 114هـ)، وزيد بن علي (ت 122هـ). وأملاها الباقر (ع) على ولده الإمام جعفر الصادق (ع) ، بينما ورثها يحيى (ت 125هـ) من أبيه زيد. وأملاها الإمام الصادق (ع) على عمر بن هارون الثقفي البلخي (ت 194هـ)، حيث حافظ على الصحيفة واعتنى بها اعتناءً شديداً، وعنه رواها الرواة. أ- في سند الصحيفة ووثاقتها وكانت تلك المجموعة من الأدعية تسمى بالدعاء الكامل كما جاء في رواية ابن الأعلم ان البلخي نقل عن يحيى قوله: (...ولأخرجن صحيفة من الدعاء الكامل). وبعد أن أصبح تداول الصحيفة مشهوراً عند الطائفة، عرفت بالصحيفة السجادية. وسميت بالصحيفة السجادية الكاملة، لأن للزيدية صحيفة غير تامة ناقصة عن المشهورة، وتقرب من نصفها، فاشتهرت هذه بالكاملة قبال تلك. كما نقل ذلك السيد المرعشي (ت 1411هـ) عن السيد جمال الدين الكولباني (ت 1340هـ)[1]. ومن ناحية السند، فقد حظيت الصحيفة بإهتمام واسع من قبل علماء أهل البيت (ع). فقد أسند إليها النجاشي (ت 450هـ)، والطوسي (ت 460هـ)، وابن شهر آشوب (ت 588هـ). وأشار المجلسي الأول (ت 1070هـ)، وهو والد مصنف بحار الأنوار المجلسي الثاني (ت 1111هـ)، في إجازته المؤرخة سنة 1064هـ: (إنه لاشك في أن الصحيفة الكاملة، عن مولانا سيد الساجدين بذاتها وفصاحتها وبلاغتها، واشتمالها على العلوم الإلهية التي لا يمكن لغير المعصوم الإتيان بها والحمد لله رب العالمين على هذه النعمة الجليلة العظيمة التي اختصت بنا معشر الشيعة)[2]. قال مصنف جواهر الكلام (ت 1266هـ) في معرض حديثه عن كون إقامة الجمعة من مناصب الإمامة كالقضاء والحدود: (وفي الصحيفة [رقم الدعاء 48] المعلوم أنها من السجاد (ع) في دعاء يوم الجمعة وثاني العيدين: "اللهم إن هذا المقام لخلفائك وأصفيائك ومواضع أمنائك في الدرجة الرفيعة التي اختصصتم بها قد ابتزوها، وأنت المقدر لذلك – إلى أن قال- : حتى عاد صفوتك وخلفائك مغلوبين مقهورين مبتـزين يرون حكمك مبدلاً..." وفيه مواضع للدلالة على المطلوب)[3]. وقال الشيخ الأنصاري (ت 1281هـ) في كفارة الغيبة أنـها من حقوق الناس، ويتوقف رفعها على إسقاط صاحبها حقه، وقال: (وفي الدعاء التاسع والثلاثين من أدعية الصحيفة السجادية ودعاء يوم الاثنين من ملحقاتها ما يدل على هذا المعنى)[4]. وقال السيد الأمين (ت 1371هـ): ( وبلاغة ألفاظها وفصاحتها التي لا تبارى، وعلو مضامينها وما فيها من أنواع التذلل لله تعالى والثناء عليه، والأساليب العجيبة في طلب عفوه وكرمه والتوسل إليه أقوى شاهد على صحة نسبتها، وإن هذا الدرّ من ذلك البحر، وهذا الجوهر من ذلك المعدن، وهذا المعدن من ذلك الشجر، مضافاً إلى اشتهارها شهرة لا تقبل الريب، وتعدد أسانيدها المتصلة إلى مُنشئها صلوات الله عليه وعلى آبائه وأبنائه الطاهرين (ع)، فقد رواها الثقات بأسانيدهم المتعددة المتصلة إلى زين العابدين عليه السلام). وأشار السيد البروجردي (ت 1380هـ) إلى ذلك قائلاً: (ولا يخفى أن كون الصحيفة من الإمام (ع) من البديهيات، وهي زبور آل محمد (ص) يشهد بذلك أسلوبها ونظمها ومضامينها التي يلوح منها آثار الإعجاز، ولها إسناد ذكرها الشيخ والنجاشي، ولشارحها السيد علي خان رحمه الله ألفا سند عن آبائه)[5]. وذكر الشيخ أغا بزرك الطهراني: (الصحيفة السجادية الأولى المنتهي سندها إلى الإمام زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب... وللأصحاب اهتمام بروايتها ويخصونها بالذكر في إجازاتهم. وعليها شروح كثيرة ذكرت في محلها، وهي من المتواترات عند الأصحاب، لاختصاصها بالإجازة والرواية في كل طبقة وعصر، ينتهي سند روايتها إلى الإمام أبي جعفر الباقر (ع)، وزيد الشهيد ابنا علي بن الحسين عن أبيهما علي بن الحسين (ع)، المتوفى مسموماً سنة 95 للهجرة)[6]. واستدرك جمعٌ من علماء آل البيت (ع) على ما لم يرد في الصحيفة السجادية المشهورة من أدعية السجاد (ع) فجمعوا أدعية الإمام (ع) في صحف سُميت بالثانية والثالثة، وهكذا. فمنها: الصحيفة الثانية: جمعها الشيـخ محمـد بن الحسـن الحر العاملي (ت 1104هـ)، واستخرجها من الأصول المعتمدة عنده، وكتب آخرها: (...يقول العبد محمد بن الحسن بن علي بن محمد الحر العاملي، عفا الله عنه، هذا ما وصل إليَّ مما خرج عن الصحيفة الكاملة)[7]. وتحتوي الصحيفة على ثلاثةٍ وستين دعاءً. طبعت بالهند عام 1311هـ[8]. الصحيفة الثالثة: جمعها المولى عبد الله بن عيسى بن صالح الاصفهاني المعروف بالأفندي (القرن الثاني عشر) مصنف (رياض العلماء). وقد استدرك فيها ما فات الحر العاملي، وقد طبعت على الحجر[9]، ثم طبعت بقم عام 1400هـ. الصحيفة الرابعة: جمعها المحدّث حسين النوري (ت 1320هـ). وقد استدرك فيها ما فات الأفندي، وقد جمع سبعاً وسبعين دعاءً غير مذكورة في سائر الصحائف[10]. الصحيفة الخامسة: جمعها السيد محسن الأمين (ت 1371هـ)، طبعت بدمشق عام 1330هـ. وقد استدرك فيها الصحائف السابقة، ومجموع أدعيتها مائة واثنان وثمانين دعاءً، انفرد منها باثنين وخمسين دعاءً[11]. وهناك صحف أخرى غير مطبوعة كما ذكر مصنف الذريعة (رحمه الله). مصادر الصحيفة: ومصادر الصحيفة السجادية أربعة: 1- رواية محمد بن أحمد بن مسلم بن مطهر، عن أبيه، عن عمير بن المتوكل، عن أبيه الذي ينتهي السند إليه. ذكرها النجاشي والطوسي في رجالهما[12]. 2- رواية ابن مالك عن أحمد بن عبد الله عن محمد بن صالح، عن عمر بن المتوكل، عن المتوكل بن هارون، عن يحيى بن زيد، عن الإمام الصادق (ع). ذكرها الشيخ الطوسي في رجاله. 3- رواية أبو الحسن علي بن النعمان الأعلم (المصري)، عن عمير بن المتوكل، عن المتوكل[13]. وهي المشهورة، نشرها السيد محمد المشكاة (ت 1401هـ). 4- رواية الحسين بن إشكيب المروزي (الثقة)، عن عمير بن هارون المتوكل البلخي، وهذه النسخة مفقودة. ب - الدلالات العلمية للصحيفة تحتوي الصحيفة السجادية، بالإضافة إلى بلاغتها اللغوية وروعة مضامينها العرفانية، على جملة من المفاهيم والحقائق العلمية التي كانت غامضة زمن الإمام السجاد (ع)؛ وكانت تُفهم على نحو المجاز أو التشبيه اللفظي، وهي: 1- اليد صانعة الحضارات: في دعائه في التحميد لله عزّ وجلّ، يقول (ع): (الحمد لله الذي ركب فينا آلات البسط، وجعل لنا أدوات القبض)[14]. وأهم آلات القبض والبسط عند الإنسان اليدين اللتان تنبسطان وتنقبضان بإرادته واختياره. وذلك الإنبساط والإنقباض هو الذي يساعد الإنسان على صنع الحجر واستخراج الحديد ومسك القلم وحمل الأشيـاء. ولولا البسط والقبض في اليدين لما استطاع الإنسان – على مر التأريخ – إنشاء الحضارات وبناء القصور وتذليل الأرض لمنافعه. وإلتفاتة دقيقة في دعائه (ع) وهي: ان الله عزّ وجلّ ركّب آلة البسط (أي أنه تعالى خلق اليد) بصورتـها التكوينية الطبيعية، وأعطى الإنسان (بالجعل) القدرة على تحريكها وقبضها. وبذلك جعل للإنسان خيار استثمار تلك الأداة من أجل نفعه، فقال (ع): (وجعل لنا أدوات القبض). 2- نظرية العرض والطلب: في دعائه في الاستسقاء يقول (ع): (اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً...تملأ منه الجباب، وتفجر به الانهار، وتُنبت به الأشجار، وتُرخِصُ به الاسعار في جميع الأمصار)[15]. ونُسبَ إليه أيضاً: (ان الله تعالى وكل بالأسعار ملكاً يدبرها، فلن يغلو من قلّة ولن يرخص من كثرة)[16]. فإذا هطل المطر ارتوت الأرض ونمت الأشجار وأينعت الثمار، فوفرة المطر تزيد المحصول الزراعي. وإذا ازداد المحصول الزراعي انخفضت اسعاره. وهذه هي جوهر فكرة العرض والطلب في الاقتصاد الحديث. فتوفر المحاصيل الزراعية في السوق – نتيجة وفرة المطر – تُخفِض قيمتها، فتنخفض عندها الأسعار. وإذا صحت نسبة القول الثاني إليه (ع)، فهي تؤدي إلى نفس النتيجة. فهو وإن ينفي صحة نظرية الطلب والعرض ويربطها بالقضية الغيبية، إلا ان مجرد طرح تلك النظرية يدلّ على سبق فكري عظيم. ولا أخال أن أحداً سبق الإمام زين العابدين (ع) في طرح هذه الفكرة التي قامت عليها النظرية الاقتصادية الحديثة. 3- كروية الأرض: في دعائه (ع) في ولوج الليل بالنهار: (...يولج كل واحد منهما في صاحبه، ويولج صاحبه فيه...) يستفاد بالدلالة على كروية الأرض من تكرار جملة (يولج...). قال الشيخ بهاء الدين العاملي (ت 1031هـ): (ان تكرار الجملة الثانية تؤدي – حسب الظاهر- المراد منها. وهو حمل الواو على الحال لأمر مستغرب وهو حصول الزيادة والنقصان معاً في كل واحد من الليل والنهار في آن واحد. وذلك بحسب اختلاف البقاع كالشمالية عن خط الإستواء والجنوبية عنه سواء كانت مسكونة أم لا، فأن صيف الشمالية شتاء الجنوبية وبالعكس فزيادة النهار ونقصانه واقعان في وقت واحد لكن في بقعتين، وكذلك زيادة الليل ونقصانه). وبمعنى أوضح أنه "أراد صلوات الله عليه بهذا البيان البديع التعريف بما لم تدركه العقول في تلك العصور وهو كروية الأرض، وحيث إن هذا المعنى كان بعيداً عن أفهام الناس لانصراف العقول عن إدراك ذلك، تلطف – وهو الإمام العالم بأساليب البيان- بالإشارة إلى ذلك على وجه بليغ، فإنه (ع) لو كان بصدد بيان ما يشاهده عامة الناس من أن الليل ينقص تارةً فتضاف من ساعاته إلى النهار، وينقص النهار تارةً أخرى فتضاف من ساعاته إلى الليل، لاقتصر على الجملة الأولى: (يولج كل واحد منهما في صاحبه) ولما احتاج إلى ذكر الجملة الثانية: (ويولج صاحبه فيه). إذن فذكر الجملة الثانية إنما هو للدلالة على أن إيلاج كل من الليل والنهار في صاحبه يكون في حال إيلاج صاحبه فيه، لأن ظاهر الكلام أن الجملة الثانية حالية، ففي هذا دلالة على كروية الأرض، وأن إيلاج الليل في النهار – مثلاً- عندنا يلازم إيلاج النهار في الليل عند قوم آخرين. ولو لم تكن مهمة الإمام (ع) الإشارة إلى هذه النكتة العظيمة لم تكن لهذه الجملة الأخيرة فائدة، ولكانت تكراراً معنوياً للجملة الأولى"[17]. 4- في دعائه لأهل الثغور، حيث يدعو على الكافرين فيقول (ع): (اللهم وامزُج مياههم بالوباء وأطعمتهم بالأدواء)[18]. وهو يدل على أن الماء وسط لنقل الأوبئة الفتاكة كالكوليرا والملاريا. وهذا لم يكن معروفاً زمن النص، بل ثبت ذلك بالتجارب العلمية الحديثة. 5- وزن الأشياء. قال (ع): (سبحانك تعلم وزن السموات، سبحانك تعلم وزن الأرضين، سبحانك تعلم وزن الشمس والقمر، سبحانك تعلم وزن الظلمة والنور، سبحانك تعلم وزن الفيء والهواء)[19]. لاشك ان معرفة وزن الشيء لا تتم إلا بوجود آلة أو واسطة لقياس تلك الكتلة من المادة. فقياس الوزن بمكيال هي عملية لها ضوابط آلية كالميزان وضوابط حسابية كالأرقام. فإذا أردنا وزن شيء فإننا نأخذ ذلك الشيء ونضعه في الميزان ونحسب بالغرامات أو الأونسات وزنه. ولا يمكن وزن الشيء إلا بوجود شيء آخر مقابل له بنفس الوزن. أي لا نستطيع وزن كمية من التراب إلا بوجود كمية مقابلة من الحديد، فمقدار معين من التراب يعادل كيلو واحد من الحديد مثلاً. وإذا أراد الإنسان أن يوزن الأرض فعليه أن يحقق عملين مستحيلين لا يقدر عليهما إلا الله عزّ وجلّ، وهما: الأول: إيجاد أو صنع ميزان ضخم بحيث يستطيع أن يضع الأرض في الكفة الأولى. والثاني: إيجاد كتلة حديدية ضخمة بحجم الأرض يضعها في الكفة الثانية حتى يستطيع أن يعرف وزن الأرض. والأمر أضخم بالنسبة للسموات. فمَنْ يستطيع أن يعلم وزن الكون غير الله عزّ وجلّ؟ ولو كان للنور والظلمة وزن لعلمها الله تعالى لأنه يعلم كل شيء. فسبحانك تعلمُ وزن السموات، سبحانك تعلم وزن الأرضين. ج- قضية استغفار المعصوم (ع) ثبتت كل الدلائل التأريخية والعلمية على عصمة الأنبياء والأئمة الطاهرين (ع) عن كل ذنب، وطهارتهم عن كل دنس أو رجس، ونزاهتهم عن كل ما يوصم مقامهم، ولم يصدر عنهم شيء من المعاصي الصغيرة أو الكبيرة. فكيف نفسر قول السجاد (ع) في دعائه: (اللهم يحجبني عن مسألتك خلالٌ ثلاث، ويحدوني عليها خلّة واحدة. يحجبُني أمرٌ أمرتَ به فابطأتُ عنه، ونهيٌ نهيتَ عنه فأسرعتُ إليه، ونعمةٌ أنعمت بها عليَّ فقصرّتُ في شكرها)[20]، أو قوله (ع): (ربِّ افحمتني ذنوبي، وانقطعت مقالتي فلا حجة لي)[21]، أو قول إمام آخر: (ربِّ عصيتك بلساني ولو شئت وعزتك لأخرستني...)[22]؟ فهل ان السجاد المعصوم (ع) قد أرتكب معصية؟ أو انه قال ما لم يفعله (ع) للتوجيه والإرشاد؟ وفي الجواب على ذلك نعرض بعضاً من الآراء التي حاولت تفسير استغفار الإمام المعصوم (ع) لنفسه، وهي: 1- أورد البيضاوي في (شرح المصابيح) في شرح قول النبي محمد (ص): (ليغان على قلبي واني لاستغفر الله في اليوم مائة مرة): الغين لغةً الغيم، وغانَ على كذا أي غطاه عليه. قال أبو عبيدة: أي يتغشى قلبي ما يلبسه. وقد بلغنا عن الأصمعي انه سُئِلَ عن معنى الحديث، فقال للسائل: عن قلب من تروي. فقال: عن النبي (ص). قال: لو كان قلب غيره لكنت أفسره لك. قال القاضي: ولله در الأصمعي في انتهاج منهج الأدب وإجلاله القلب الذي جعله الله موقع وحيه ومنـزل تنـزيله. قال العيني: قيل الوجه في استغفاره (ص) وهو معصوم ان اشتغاله بالنظر في مصالح الأمة ومحاربة الأعداء وتأليف المؤلفة قلوبهم شاغل له عن عظيم مقامه من حضوره مع الله عزّ وجلّ وفراغه مما سواه فيراه ذنباً بالنسبة إليه، وإن كانت هذه الأمور من أعظم الطاعات وأفضل الأعمال فهو نزول عن عالي درجته فيستغفر لذلك، وقيل كان دائماً في الترقي في الأحوال، فإذا رأى ما قبلها دونه استغفر منه كما قيل حسنات الأبرار سيئات المقربين[23]. 2- قال الأربلي (ت 687هـ) في رد هذا الإشكال: ان الإنبياء والأئمة (ع) أوقاتهم مشغولة بالله تعالى وقلوبهم مملوءة به، وخواطرهم متعلقة بالمبدأ الأعلى جلّ شأنه. فهم في المراقبة كما قال أمير المؤمنين (ع): (اعبد ربك كأنك تراه فإن لم تره فإنه يراك). فهذه الذوات القدسية في جميع الأنات متوجهة إلى المولى تعالى ومقبلون بكلّيتهم عليه فلا يرون أحداً في الوجود إلا النور الأقدس عزّ شأنه، فكانوا يعدّون اشتغالهم بالأكل والشرب وغيرها من المباحات حطاً عن تلك المرتبة العالية والمنـزلة الرفيعة ويرونه ذنباً وتقصيراً عما يراد منهم، وإلى هذا وقعت الإشارة في كلامهم عليهم السلام: (حسنات الأبرار سيئات المقربين)...)[24]. ومن هذين الرأيين وغيرهما من الآراء نستنتج ان استغفار المعصوم (ع) إنما هي قضية رتبة عليا ومنـزلة قصوى، تُحتِّم عليه دائماً الترقي في الأحوال والتسامي إلى النور المطلق عزّ شأنه. فأي شاغل دنيوي مباح يشغله عن ذكر الله تعالى يعدُّهُ سيئة من السيئات، فيستغفر الله تعالى عن ذلك. وهذا الرأي أقرب إلى الصواب من غيره من الآراء. د- مقاطع منتخبة من أدعية الصحيفة السجادية: وهذه مقاطع قصيرة اقتطعناها من أدعية الصحيفة السجادية (305 صفحة بالطبعة الحديثة)، حاولنا فيها إبراز عبودية الإمام (ع) المخلصة لله تبارك وتعالى، وكون الصحيفة مدرسة أخلاق وعرفان وتهذيب للمؤمنين. الدعاء الأول: التحميد لله عزّ وجلّ أَلْحَمْدُ للهِ الاوَّلِ بِلا أَوَّل كَانَ قَبْلَهُ، وَ الاخِر بِلاَ آخِر يَكُونُ بَعْدَهُ. الَّذِي قَصُرَتْ عَنْ رُؤْيَتِهِ أَبْصَارُ النَّاظِرِينَ، وَ عَجَزَتْ عَنْ نَعْتِهِ أَوهامُ اَلْوَاصِفِينَ. ابْتَدَعَ بِقُدْرَتِهِ الْخَلْقَ اَبتِدَاعَاً، وَ اخْتَرَعَهُمْ عَلَى مَشِيَّتِهِ اخترَاعاً، ثُمَّ سَلَكَ بِهِمْ طَرِيقَ إرَادَتِهِ، وَبَعَثَهُمْ فِي سَبِيلِ مَحَبَّتِهِ. لا يَمْلِكُونَ تَأخِيراً عَمَا قَدَّمَهُمْ إليْهِ، وَلا يَسْتَطِيعُونَ تَقَدُّماً إلَى مَا أَخَّرَهُمْ عَنْهُ ... وَالْحَمْدُ للهِ الَّذِي رَكَّبَ فِينَا آلاَتِ الْبَسْطِ، وَجَعَلَ لَنَا أدَوَاتِ الْقَبْضِ، وَمَتَّعَنا بِاَرْواحِ الْحَياةِ، وَأثْبَتَ فِينَا جَوَارِحَ الاعْمَال، وَغَذَّانَا بِطَيِّبَاتِ الرِّزْقِ، وَأغْنانَا بِفَضْلِهِ، وَأقْنانَا بِمَنِّهِ، ثُمّ أَمَرَنَا لِيَخْتَبِرَ طاعَتَنَا، وَنَهَانَا لِيَبْتَلِيَ شُكْرَنَا فَخَالَفْنَا عَنْ طَرِيْقِ أمْرِهِ وَرَكِبْنا مُتُونَ زَجْرهِ فَلَم يَبْتَدِرْنا بِعُقُوبَتِهِ، وَلَمْ يُعَاجِلْنَا بِنِقْمَتِهِ بَلْ تَانَّانا بِرَحْمَتِهِ تَكَرُّماً، وَانْتَظَرَ مُراجَعَتَنَا بِرَأفَتِهِ حِلْماً... الدعاء الثاني: الصلاة على محمد وآله َ الْحَمْدُ للهِ الَّذِي مَنَّ عَلَيْنَا بِمُحَمَّد نَبِيِّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ دُونَ الاُمَمِ الْمَـاضِيَةِ وَالْقُـرُونِ السَّالِفَةِ بِقُدْرَتِهِ الَّتِي لاَ تَعْجِزُ عَنْ شَيْء وَ إنْ عَظُمَ، وَ لا يَفُوتُهَا شَيءٌ وَإنْ لَطُفَ، فَخَتَمَ بِنَا عَلَى جَمِيع مَنْ ذَرَأَ وَ جَعَلَنَا شُهَدَاءَ عَلَى مَنْ جَحَدَ وَكَثَّرَنا بِمَنِّهِ عَلَى مَنْ قَلَّ. اللّهمَّ فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّد أَمِينِكَ عَلَى وَحْيِكَ، وَنَجِيبِكَ مِنْ خَلْقِكَ، وَ صَفِيِّكَ مِنْ عِبَادِكَ، إمَامِ الرَّحْمَةِ وَقَائِدِ الْخَيْرِ وَ مِفْتَاحِ الْبَرَكَةِ، كَمَا نَصَبَ لاَِمْرِكَ نَفْسَهُ، وَ عَرَّضَ فِيْكَ لِلْمَكْرُوهِ بَدَنَهُ، وَكَاشَفَ فِي الدُّعَآءِ إلَيْكَ حَامَّتَهُ وَ حَارَبَ فِي رِضَاكَ أسْرَتَهُ وَقَطَعَ فِىْ إحْياءِ دِينِـكَ رَحِمَهُ ... الدعاء الثالث: الصلاة على حملة العرش اللَّهُمَّ وَحَمَلَةُ عَرْشِكَ الَّذِينَ لا يَفْتُرُونَ مِنْ تَسْبِيحِكَ، وَلا يَسْـأَمُـونَ مِنْ تَقْـدِيْسِـكَ، وَلا يَسْتَحسِرُونَ مِنْ عِبَادَتِكَ، وَلاَ يُؤْثِرُونَ التَّقْصِيرَ عَلَى الْجِدِّ فِي أَمْرِكَ، وَلا يَغْفُلُونَ عَنِ الْوَلَهِ إلَيْكَ. وَإسْرافِيْلُ صَاحِبُ الصُّوْرِ، الشَّاخِصُ الَّذِي يَنْتَظِرُ مِنْكَ الاذْنَ وَحُلُولَ الامْرِ، فَيُنَبِّهُ بِالنَّفْخَةِ صَرْعى رَهَائِنِ الْقُبُورِ. وَمِيكَآئِيلُ ذُو الْجَاهِ عِنْدَكَ، وَالْمَكَانِ الرَّفِيعِ مِنْ طَاعَتِكَ. وَجِبْريلُ الامِينُ عَلَى وَحْيِكَ، الْمُطَاعُ فِي أَهْلِ سَمَاوَاتِكَ، الْمَكِينُ لَدَيْكَ، الْمُقَرَّبُ عِنْدَكَ، وَالرُّوحُ الَّذِي هُوَ عَلَى مَلائِكَةِ الْحُجُبِ، وَالرُّوحُ الَّذِي هُوَ مِنْ أَمْرِكَ... الدعاء الرابع: الصلاة على مُصدقِّي الرُسل ...اَللَّهُمَّ وَأَصْحَابُ مُحَمَّد خَاصَّةً الَّـذِينَ أَحْسَنُوا الصَّحَابَةَ، وَالَّذِينَ أَبْلَوْا الْبَلاَءَ الْحَسَنَ فِي نَصْرِهِ، وَكَانَفُوهُ وَأَسْرَعُوا إلَى وِفَادَتِهِ وَسَابَقُوا إلَى دَعْوَتِهِ واسْتَجَابُوا لَهُ حَيْثُ أَسْمَعَهُمْ حجَّةَ رِسَالاَتِهِ، وَفَارَقُوا الازْوَاجَ وَالاوْلادَ فِي إظْهَارِ كَلِمَتِهِ، وَقَاتَلُوا الاباءَ وَ الابناءَ فِي تَثْبِيتِ نبُوَّتِهِ، وَانْتَصَرُوا بهِ وَمَنْ كَانُوا مُنْطَوِينَ عَلَى مَحبَّتِهِ يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ فِي مَوَدَّتِهِ، وَالّذينَ هَجَرَتْهُمُ العَشَائِرُ إذْ تَعَلَّقُوا بِعُرْوَتِهِ، وَانْتَفَتْ مِنْهُمُ الْقَرَاباتُ إذْ سَكَنُوا فِي ظلِّ قَرَابَتِهِ، فَلاَ تَنْسَ لَهُمُ اللّهُمَّ مَا تَرَكُوا لَكَ وَفِيكَ، وَأَرْضِهِمْ مِنْ رِضْوَانِكَ وَبِمَا حَاشُوا الْخَلْقَ عَلَيْكَ، وَكَانُوا مَعَ رَسُولِكَ دُعَاةً لَكَ إلَيْكَ ... الدعاءُ الخامس: دعاؤُه لنفسه وخاصته ...اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَقِنَا مِنْكَ، وَاحْفَظْنَا بِكَ، وَاهْدِنَا إلَيْكَ، وَلاَ تُبَاعِدْنَا عَنْكَ إنّ مَنْ تَقِهِ يَسْلَمْ، وَمَنْ تَهْدِهِ يَعْلَمْ، وَمَنْ تُقَرِّبُهُ إلَيْكَ يَغْنَمْ. اللّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ وَاكْفِنَا حَدَّ نَوائِبِ الزَّمَانِ، وَشَرَّ مَصَائِدِ الشّيطانِ وَمَرَارَةَ صَوْلَةِ السُّلْطَانِ. اللّهُمَّ إنَّما يَكْتَفِي الْمُكْتَفُونَ بِفَضْـل قُوَّتِكَ فَصَلِّ عَلَى محَمَّد وَآلِهِ، وَاكْفِنَا وَإنَّمَا يُعْطِي الْمُعْطُونَ مِنْ فَضْلِ جِدَتِكَ فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ وَأعْطِنَا، وَإنمَا يَهْتَدِي الْمُهْتَدُونَ بِنُورِ وَجْهِكَ فَصَلِّ عَلَى محمّد وَآلِهِ وَاهْدِنَا... الدعاءُ السادس: دعاؤه عند الصباح والمساء أَلْحَمْدُ للهِ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ بِقُوَّتِهِ، وَمَيَّزَ بَيْنَهُمَا بِقُدْرَتِهِ، وَجَعَلَ لِكُلِّ وَاحِد مِنْهُمَا حَدّاً مَحْدُوداً، وَأَمَداً مَمْدُوداً، يُولِجُ كُلَّ وَاحِد مِنْهُمَا فِي صَاحِبِهِ، وَيُولِجُ صَاحِبَهُ فِيهِ بِتَقْدِير مِنْهُ لِلْعِبَادِ فِيمَا يَغْـذُوهُمْ بِـ |