(ص 324 - 346)

طلب العلم:

          وأمام تلك السياسة الهادفة إلى إبقاء الناس على ما هم عليه من جهل، قام الإمام السجاد (ع) أولاً بالتشجيع على طلب العلم، عبر أحاديث ومواعظ كان يوجهها لطلبته ومريديه. فكان يردد دائماً: (لو يعلم الناس ما في طلب العلم لطلبوه ولو ببذل المهج، وخوض اللجج. إن الله تبارك وتعالى أوحى إلى دانيال إنَّ أمقتَ عبدٌ إليَّ: الجاهل، المستخف بحق أهل العلم، التارك للإقتداء بهم. وإنَّ أحبَّ عبيدي إليَّ: التقي، الطالب للثواب الجزيل، اللازم للعلماء، التابع للحكماء)[1]. وإذا جاء طالب العلم رحبَّ به، وقال له: (مرحباً بوصية رسول الله صلى الله عليه وآله). وكان (ع) إذا نظر إلى الشباب الذين يطلبون العلمَ أدناهم إليه، وقال: (مرحباً بكم أنتم ودايع العلم. ويوشك إذا أنتم صغار قومٍ أن تكونوا كبار آخرين)[2].

وفي رسالة الحقوق وقرَّ (ع) العلم والتعليم، والعالِم والمتعلم، والمحاضِر والمستمع. ومنع (ع) على العلماء أن يأخذوا أجراً على تعليمهم الناس[3].

وكان (ع) يردد: (الفكرةُ مرآةٌ تري المؤمن حسناته وسيئاته)[4]. وأن: (سادة الناس في الدنيا: الأسخياء، وفي الآخرة: أهل الدين، وأهل الفضل والعلم، لأن العلماء ورثة الأنبياء)[5].

وأنكبّ السجاد (ع) على إذاعة أحاديث رسول الله (ص) الصحيحة بسند صحيح عن أبيه الحسين (ع)، عن علي بن أبي طالب (ع) عن رسول الله (ص). وكانت تلك مهمة صعبة في ظروف سياسية وإجتماعية تضيق الخناق على شيعة أهل البيت (ع)، في الوقت الذي يأمر السلطان فيه الولاة بوضع أحاديث نبوية مختلَقَة وبثها بين الناس حتى ينشأ جيل جديد يؤمن بفضائل الخليفة الأموي مهما كان بعيداً عن الإسلام.

وكانت سياسة منع تدوين الحديث التي بدأت بعد وفاة رسول الله (ص) واستمـرت حتى عهـد عمر بن عبـد العزيـز (ت 101هـ) تساعد – بقصدٍ أو دون قصد- على اشاعة أجواء إختلاق الأحاديث.

والمعروف ان الحجاج الثقفي اعتدى على صحابة رسول الله (ص) فختم على أيديهم وأعناقهم، إذلالاً لهم وحذراً من أن يحدّثوا الناس بفضائل أهل البيت (ع)، أو يسمع الناس حديثهم[6].

فكان للإمام السجاد (ع) دورٌ اساسي في بث أحكام الإسلام التي لم تمتد لها يد التـزوير والتحريف. فنشرَ الفضائل ونهى عن الرذائل، وشرحَ الواجبات والمستحبات، والمحرمات والمكروهات. ونادى بالولاية الشرعية. وكانت عملية رواية الحديث آنذاك تعدُّ تحدياً لسياسة السلطة وأوامرها.

 تلامذة السجاد (ع):

وقد ثبَّتَ الشيخ الطوسي في (رجاله)[7] أسماء (173) راوياً عنه، من بين المئات الذين كانوا يسمعون رواية الحديث أو تفسير القرآن مباشرة منه دون واسطة. وهذا عدد كبير من طلاب العلم في مدينة واحدة كالمدينة المنورة. ومن أولئك الرواة أسماء لامعة في دنيا الرواية وسماء العلم.

فكان منهم أبان بن تغلب (ت 141هـ) الذي كان مقدماً في فنون القرآن والحديث والأدب واللغة والنحو، يطلب منه الإمام الباقر (ع) لاحقاً: (أجلس في مسجد المدينة، وأفتِ الناس. فإني أحب أن يرى في شيعتي مثلك)[8]. ويقول الإمام الصادق (ع) فيه شبيه ذلك. وعندما كانوا يلومونه على روايته عن الإمام السجاد (ع)، كان يقول: (كيف تلوموني في روايتي عن رجل ما سألته عن شيء إلا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله).

وثابت بن أبي صفية المعروف بأبي حمزة الثمالي (ت 150هـ) من أبرز علماء عصره في الحديث والفقه وعلوم اللغة، وكان يرجع إليه الموالون في الكوفة لإحاطته بفقه أهل البيت (ع).

ورشيد الهجري من أصحاب أمير المؤمنين (ع)، وهو العالِم الذي قتله عبيد الله بن زياد، حيث قطعوا يديه ورجليه وهو لا يزال يحدّث بفضائل أهل البيت (ع)، فقطعوا لسانه وصلبوه على جذع النخلة في الكوفة.

وزيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب (ع) الذي كان عالماً ثقةً، جليلَ القدر، كريمَ الطبع، طريفَ النفس، كثيرَ البرّ. قصده الناس من الآفاق لطلب فضله.

وزيد بن علي بن الحسين (ت 122هـ)، وكان عابداً ورعاً، فقيهاً سخياً شجاعاً. ظهر بالسيف يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويطلب بثأر جده الحسين (ع).

وسعيد بن جبير (ت95 هـ)، من أبرز علماء عصره، وكان يسمى (جهبذ العلماء)، من أئمة الإسلام في التفسير والفقه، وأنواع العلوم، وكثرة العمل الصالح[9]. وكان كثير الخشية من الله، وكان يقول: (إن أفضل الخشية أن تخشى الله خشية تحول بينك وبين معصيته، وتحملك على طاعته، فتلك هي الخشية النافعة)[10]. قتله الحجاج ظلماً وعدواناً بسبب إختصاصه بالإمام السجاد (ع).

وسليم بن قيس الهلالي العامري (ت 90 هـ) من السابقين في التأليف، وله الكتاب المعروف بكتاب سليم بن قيس. كان من أصحاب الإمام السجـاد (ع)، وعدّه البـرقي من الأولياء من أصحاب أمير المؤمنين (ع).    

وأبو الأسود الدؤلي (ظالم بن عمرو) (ت 69هـ) من ألمع علماء عصره، مؤسس علم النحو بإشارة من أمير المؤمنين علي (ع)، ومن شعره:

وما طلب المعيشـة  بالتمنـي** ولكن  ألق  دلوك  في  الدلاءِ

تجيء بملئها  طوراً ،  وطـوراً  ** تجيء  بحمأة  وقليـل  مـاءِ

ومن وصيته لابنه: (يا بني إذا كنت في قومٍ فحدثهم على قدر سنّك، وفاوضهم على قدرِ محلك، ولا تتكلمن بكلام من هو فوقك، فيستثقلوك. ولا تنحط إلى من دونك، فيحتقروك. فإذا وسع الله عليك فأبسط، وإذا أمسك عليك فأمسك. ولا تجاود الله فان الله أجود منك، واعلم أنه لا شيء كالاقتصاد، ولا معيشة كالتوسط، ولا عزّ كالعلم، إن الملوك حكام الناس، والعلماء حكام الملوك)[11]. أقول: وهذه آثار تعليم الإمام علي بن أبي طالب (ع) عليه. وقد حاول معاوية ان يصرفه عن ولائه لأهل البيت (ع) فلم يفلح.

وغير هؤلاء الاعلام عدد آخر كبير. وهذا يدلُّ على ان الإمام السجاد (ع) أسس لقاعدة علمية في المدينة على مدى أربع وثلاثين عاماً يحدّث فيها عن جده المصطفى (ص) ويفسر فيها القرآن ويبثّ الفضائل في كل مكان. مع ان الوضع الإجتماعي العام كان وضع حروب وسفك دماء وإرعاب وإرهاب لا مثيل له.

تحريك الوضع العلمي:

وعلى ضوء ذلك، شجع التحرك العلمي للسجاد (ع) المدرسة العلمية لمذهب السنّة والجماعة على الحركة أيضاً، فنشطت مجموعة من أهل العلم ممن تتلمذ على يد السجاد (ع) أيضاً على بث علوم الإسلام، لكن بعيداً عن أهل البيت (ع).

وكان منهم: عروة بن الزبير، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وسليمان بن يسار، وعبيد الله بن عتبة بن مسعود، وخارجة بن زيد، وسعيد بن المسيب، وفيهم يقول الشاعر:

إذا قيل من في العلم سبعة  أبحر** روايتهم ليست عن العلم  خارجة

فقل: هم عبيد الله عروة  قاسم ** سعيد ابو بكر سليمان  خارجـة

والمتميز منهم بالخصوص: سعيد بن المسيب المخزومي، من علماء عصره. روى عن السجاد (ع). وفي رجال الكشي: نسب إلى الإمام زين العابدين (ع) قولاً يمتدحه فيه. وقد اختلف الرواة في وثاقته. قال في (معجم رجال الحديث): (إن الصحيح هو التوقف في أمر الرجل لعدم تمامية سند المدح والقدح... ولقد أجاد المجلسي حيث اقتصر على نقل الخلاف في حال الرجل من دون ترجيح)[12].

وبالإجمال، فقد ساهم الإمام زين العابدين (ع) في تنشيط الحركة العلمية التي حاول الأمويون إيقاف عجلتها. وعدّل (ع) مسارها نحو الطريق الصحيح، بعدما انحرفت أيام حكمهم.

 (4)

مشكلة العصبية

          وكان من سياسة معاوية ومن جاء بعده من خلفاء تأجيج الصراع القبلي، وتفريق القبائل والعشائر العربية، وخلق فجوة بين العرب والعجم من أجل السيطرة عليهم جميعاً. وإذا أضفنا إلى ذلك سياسة الترهيب والترغيب التي استخدموها بين الناس، لانكشفت لنا صورة المجتمع الذي أُريد له ان يقام على أساس الشعوبية والعصبية القبلية.

واصبحت سمة العصر – على الصعيد الأدبي- "فخر النـزارية على اليمنية، وفخر اليمنية على النـزارية حتى تخربت البلاد، وثارت العصبية في البدو والحضر"[13].

ومن ذلك نعرض نموذجاً لشعر الكميت[14] ومدحه قومه المضريين وهجاءه القحطانيين:

لنا قمر  السماء  وكل نجـم ** تشير  إليـه  أيدي  المهتدينـا

وجدت الله  إذ  سمى نـزاراً ** وأسكنهم   بمكـة   قاطنينـا

لنا جعل المكـارم  خالصات ** وللناس  القفا  ولنـا  الجبينـا

وما خرجت هجائن من نزار ** فوالخ من فحول الأعجمينا[15]

وما حملوا الحمير  على  عتاق ** مطهمة فيلفـوا  مبلغينـا[16]

وما ولدت بنات  بني نـزار ** حلائل  أسوديـن  وأحمرينـا

بني الاعمام  أنكحنا  الأيامى **  وبالآبـاء    سمينـا   البنينـا

فقد نسب لقومه كل المآثر ووصفهم بالأقمار والكواكب المضيئة، بينما وصف القحطانيين بكل مذمة، وعيّرهم بتزويجهم بناتهم من الأحباش والفرس فولدن سوداً وحمراً، تشبهاً بتلقيح الحمير للخيل العتاق حتى تنتج بغالاًً.

فواجهه دعبل الخزاعي يردّه ويشيد بقومه من القحطانيين:

أفيقي  من  ملامك  يا ظعينـا** كفاك اللوم مـر  الأربعينـا

ألم  تحزنك  أحداث  الليالـي** يشين الذوائـب  والقرونـا

أحيي الغرَّ من  سروات  قومي** لقد حييت  عنايـا  مدينـا

فإن يك آل  اسرائيل  منكـم** وكنتم  بالأعاجم  فاخرينـا

فلا تنـس  الخنازير  اللواتـي** مسخن مع  القرود  الخاسيئنا

بأيلة  والخليج  لهـم  رسـوم** وآثار  قَدُمـن   وما محينـا

وما طلب الكميت طلاب وتر** ولكنا   لنصرتنـا   هجينـا

لقد علمت  نزار  أن  قومـي** إلى نصر  النبـوة  فاخرينـا

          وعندما جاء الإسلام الغى العصبيات القبلية الجاهلية، فنساها الناس، حتى جاء حكم بني أمية فتعصبوا لمضر، كما كان الأمر قبل الإسلام.

ولم يتوقفوا عند ذلك، بل اعتبـروا الموالي أدنى من العرب في الرتبة والحقوق الإنسانية، خلافاً لتعاليم الإسلام. فكانوا لا يزوجون الموالي[17]، بحيث يروى أن حاكم البصرة (بلال بن أبي بُردة) ضرب شخصاً من الموالي، لأنه تزوج امرأة عربية[18].

ووجهت تهمة العنصرية إلى محمد بن مسلم الزُهّريّ، لأنه كان لا يروي الحديث عن الموالي[19].

وحاول الإمام السجاد (ع) تصحيح ذلك المسار البعيد عن روح الدين، فكان (ع) يشيع أنه: (لا يفخر أحدٌ على أحدٍ، فإنّكم عبيدٌ، والمولى واحدٌ) وهو الله عزّ وجلّ. وكان (ع) يجالس أحد الموالي، فقيل له: أنت سيد الناس وأفضلهم، تذهب إلى هذا العبد وتجلس معه؟

فقال (ع): (أءتي من أنتفع بمجالسته في ديني)[20]. (إنما يجلس الرجل حيث ينتفع)[21]. وكان (ع) يكرر هذه الآية: (فإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءلُونَ)[22].

وموقفه المعروف من عبد الملك بن مروان حول زواج الأماء: (...وقد رفع الله بالإسلام الخسيسة، وتمَّم به النقيصة، وأذهب به اللؤم، فلا لؤم على امرىءٍ مسلمٍ، وإنما اللؤم لؤم الجاهلية)[23]. و(لا حَسَبَ لقرشي ولا عربي إلا بالتواضع ولا كرم إلا بالتقوى...)[24] وهو مصداق لقوله تعالى: (...إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ...)[25].

والعصبية القبلية لها منشأ كباقي المشكلات الإجتماعية، وهو الجهل بالإسلام وتعاليمه السمحة وأخلاقيته السامية في المساواة بين الناس على إختلاف ألوانهم وأجناسهم. ولا أخالُ أن هناك عالِماً بمبادئ الإسلام يتعصب لقومٍ على باطل لمجرد أنهم من نفس جنسه أو منشأه أو لون بشرته.

 (5)

المشكلة الأخلاقية

وسادت المدينة المنوّرة في حكم بني أمية حياةٌ من اللهو والطرب والعبث والمجون، أشاعتها السلطة لاسقاط هيبة ذلك المركز الإسلامي الذي يحتضن في أحشائه جسد رسول الله (ص)، وساعد عليها الوضع الجديد الناتج عن انفتاح الناس على ثقافات الشعوب المختلفة التي دخلت الإسلام حديثاً. وأصبح إقتناء الجواري والمغنيّات من خصائص ذلك الزمان.

وشاع الغناء آنذاك حتى اصبحت المدينة المنوّرة مركزاً له. ووصل الأمر إلى ان الغناء في المدينة "كان لا ينكره عالمهم، ولا يدفعه عابدهم"[26]. وكان "أبو يوسف يخاطب أهل المدينة قائلاً: ما أعجب أمركم يا أهل المدينة في هذه الأغاني، ما منكم شريف ولا دنيء يتحاشى عنها"[27]. وكان "العقيق[28] إذا سال، وأخذ المغنون يلقون أغانيهم لم تبق في المدينة مخبأة، ولا شابة، ولا شاب، ولا كهل إلا خرج ببصره ويسمع الغناء"[29].

وكان لا يهمّ الخليفة الأموي إلا من يصف له الخمر والسكر. قال الأصمعي: دخل الأخطل على عبد الملك، فقال: ويحك! صف لي السكر. قال: أولّه لذة، وآخره صُدَاع، وبين ذلك حالة لا أصف لك مبلغها. فقال: ما مبلغها؟ قال: لملكُكَ يا أمير المؤمنين [عندها] أهوَنُ عليَّ من شِسْع نعلي، وأنشأ يقول[30] :

إذا ما نديمي عَلَّني ثم عَلَّني** ثلاثَ  زجاجات  لهـن هديـر

خرجت أجُرُّ الذيل تيهاً كأنني** عليك أميرَ المؤمنين  أميـرُ

ومن فواحشهم أنهم نشروا الغناء المختلط بين الرجال والنساء دون ستار. وهذا من الفحش والفساد بحق تلك المدينة التي شهدت نزول جبرئيل إليها بالوحي السماوي على رسول الله (ص).

يصوّر مصنف (الأغاني) أحد تلك الليالي الماجنة، فيقول: (أن جميلة جلست يوماً، ولبست برنساً طويلاً[31]، وألبست من كان عندها برانس دون ذلك، ثم قامت ورقصت وضربت بالعود وعلى رأسها البرنس الطويل، وعلى عاتقها بردة يمانية، وعلى القوم أمثالها. وقام ابن سريج يرقص، ومعبد، والغريدي، وابن عائشة، ومالك، وفي يد كل منهما عود يضرب به على ضرب جميلة ورقصها. فغنّت وغنّى القوم على غنائها. ثم دعت بثياب مصبغة، ودعت للقوم بـمثل ذلك فلبسوا، وتمشت ومشى القوم خلفها، وغنت وغنوا بغنائها بصوت واحد)[32].

في تلك الليالي ذاتها كان الإمام زين العابدين (ع) يقف خاشعاً في جوف الليل يعبد الله ركوعاً وسجوداً، ويدعو الله بخشوع ودموعه تنهمر: (...إلهي عُبَيْدُكَ بفنائكَ، سائلُكَ بفنائكَ، فقيرك بفنائكَ. إلهي لكَ يرهبُ المترهِّبْونَ، وإليكَ أخلصَ المستهِلُّونَ، رهبةً لك، ورجاءً لعفوك. يا إلهَ الحقِّ ارحم دعاءَ المستصرخينَ، واعفُ عن جرائمِ الغافلينَ. وزِدْ في إحسانِ المنيبين يومَ الوفودِ عليك يا كريم)[33].

 (6)

مشكلة الرقّ

وعلى أثر الفتوحات الواسعة في القرن الأول الهجري، أزداد عدد الرقيق بشكل مذهل في مجتمع المسلمين. واستغل بنو أمية قضية الرق لمصالح شخصية كخدمة البلاط والتلذذ بالرغبات الجسدية والاستيلاد. ولذلك تلمس خبرة عبد الملك بن مروان بذلك، كما ورد في نصيحته لحاشيته: (من أراد أن يتخذ جارية للتلذذ فليتخذها بربرية، ومن أراد أن يتخذها للولد فليتخذها فارسية، ومن أراد أن يتخذها للخدمة فليتخذها رومية)[34].

وبذلك ابتعدوا عن العلل الحقيقية لقضايا الرق في الإسلام؛ وأهمها هو تربية الكفار المحاربين على القيم الأخلاقية الدينية قبل تحريرهم ودمجهم في المجتمع الإسلامي الواسع.

وعالج الإمام السجاد (ع) قضية الرقّ عبر الوسائل التالية:

1- عامل الرقيق معاملة إنسانية لأنه كان (ع) يفهم مغزى العبودية والعلّة التي شرعت لأجلها. فكان (ع) يعلمهم الفضائل والأخلاق السامية. وكان (ع) يقول لهم: (قولوا: يا علي بن الحسين إن ربك قد أحصى عليك ما عملت، كما أحصيت علينا ما عملناه)[35]. فهو يريد منهم فهم تلك الحقيقة الدينية الرائعة التي تقول بأن الناس كلهم عبيدٌ لله تبارك وتعالى. وما العبودية الدينية المفترضة إلا وسيلة من وسائل إخراج الإنسان من الكفر إلى الإيمان.

2-كان (ع) يشتريهم بأعداد كبيرة ويعتقهم بعد فترة قصيرة بحجج وأساليب مختلفة. فإذا اساؤا التصرف أطلقهم، وإذا سمع من يحدّثه حديثاً عن رسول الله (ص) أعتقهم، وإذا جاء العيد أعتقهم ، وهكذا. فكانت سياسة الإمام (ع) هو التعليم والتربية وإظهار المعارف والحقائق الإسلامية. وكان لا يعتقهم حتى يعطيهم مالاً يعملون به.

ولذلك أصبح في المدينة جيش من الموالي يلهج بذكر زين العابدين (ع). وعندما تعرض رجلٌ للإمام (ع) وهو خارجٌ من المسجد وسبه، ثارت عليه العبيد والموالي، فطمأنهم وأشار عليهم بأنه قادرٌ على التعامل مع الرجل، وهكذا كان[36].

وعندما سمعوا بأنباء ضغط ابن الزبير على آل أبي طالب في مكة، تجمع قومٌ من السودان بالمدينة غضباً لذلك ومراغمةً لابن الزبير، كما رواه البلاذري. فرأى ابن عمر غلاماً له فيهم، وهو شاهرٌ سيفه! فقال له: رباح! قال رباح: والله، إنا خرجنا لنردّكم عن باطلكم إلى حقنا. فبكى ابن عمر، وقال: اللهم إن هذه لذنوبنا[37].

وكانت هناك شواهد عديدة ذكرناها في مطاوي هذا الكتاب عن عتق الإمام (ع) للعبيد والأماء لآيةٍ قرآنية يذكرونها، أو لادبٍ جم يظهرونه له، أو لمناسبةٍ دينيةٍ كالعيد تمرُّ على الإمام (ع).

العبودية بين الدين والاقتصاد:

ولابد لنا ونحن نعرض مشكلة العبودية والرّق في القرن الأول، من التعرض للفروقات الأساسية بين الرق في الإسلام والرق في اوروبا في القرون الثلاثة الأخيرة.

يرجع تأريخ العبودية التي استحدثها الرجل الأوروبي الأبيض إلى بدايات القرن السابع عشر الميلادي، في أوج الصراع الاستعماري بين بريطانيا وفرنسا والبرتغال على استثمار الأراضي الزراعية خارج حدود القارة الأوروبية التي كانت تنتج السكر والتبوغ ونحوها. فبدأت البواخر المحملّة بالبضائع الصناعية والزراعية بالإبحار من (نيو انجلند) في العالم الجديد متجهة نحو افريقيا، عارضة هذه البضائع عن طريق المبادلة بالرقيق.

وكان الدافع الاقتصادي والسيطرة السياسية على مقدرات شعوب أفريقيا من أهم عوامل تجارة الرقيق. فالعبيد، حسب النظرية الرأسمالية، حيوانات صالحة لزراعة التبوغ والسكر. ويعتبر استعباد الزنوج من قبل أوروبا البيضاء من أفظع جرائمها بحق الإنسانية. فكانوا يحشرون الرجال والنساء والاطفال بالقوة والإكراه في سفن كبيرة ويربطونهم بالسلاسل ويجبرونهم على الاستلقاء على ظهورهم لأكثر من ثلاثة أشهر دون تسهيلات إنسانية في الأكل أو تفريغ الفضلات حتى تصل الباخرة إلى موطنها الجديد لبيع العبيد.

والإسلام لم يُدِنْ استعباد الإنسان لأخيه الإنسان فحسب، بل قد استخدم مفهوم العبودية ذاته لتحرير الإنسان من قيود الإنحراف العقائدي. ووضع لذلك أسساً وضوابطَ منها:

أ- اعتبر تحرير العبيد جزءً من التكاليف الشرعية التعبدية مع تحقق شروطها، كما ورد في حكم كفارة قتل الخطأ (...وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ...)[38]، وكفارة اليمين (...وَلَـكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ...)[39]، وكفارة الظهار (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا...)[40]، وعموم البرّ (وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ. فَكُّ رَقَبَةٍ)[41]، ونحوها. وبذلك حلّ مشكلة العبودية السائدة زمن الرسالة، ومشكلة العبودية التي قد تحصل في أي زمان ومكان.

ب- جعل مفهوم العبودية قائماً على اساس اختلاف الدين اثناء الدفاع عن الوطن الإسلامي وليس لون البشرة، كما هو معمول به في النظام الاوروبي. ولعلّ السر في تشريع العبودية القائمة على اساس الدين هو تحرير الفرد المستعبَدْ من القيود الفكرية التي تكبلّه بها العقائد المنحرفة، فيرى داخل العبودية طريقه للتحرر والخلاص.

وبالإجمال، فإن الإسلام أقر العبودية التي تؤدي إلى تحرير الإنسان فكرياً ودينياً. وبذلك فإنه فتح للفرد المنحرف فكرياً، باباً للنظر والتأمل في رسالة العدالة الإلهية والإيمان بها. أما العبودية الأوروبية فقد أنشأت بالأصل لاستغلال الإنسان أخاه الإنسان دون ذنب سوى اختلاف الجنس ولون البشرة.

ج- نادى الإسلام بمفهوم العدالة الإجتماعية بين جميع الأفراد دون النظر إلى منشأ الفرد أو لون بشرته، بل أعلن بصراحة أن كل الأفراد سواسية أمام الحكومة الشرعية والحاكم الشرعي المطلق وهو الخالق عزّ وجلّ في الحقوق والواجبات والمسؤوليات والتكاليف الدينية والإجتماعية.

د- ان جميع من اُسّروا وأصبحوا رقيقاً زمن الفتوحات الإسلامية، قد أسلموا في النهاية بعد تحريرهم، وحَسُنَ إسلامهم. خصوصاً أولئك الذين خضعوا لتربية الإمام السجاد (ع) وتعليمه. لأنهم رأوا المثال الإسلامي الحقيقي والمصداق الناصع للدين، قد تجسد في شخصيته وفكره وسلوكه (ع).             

 (7)

المعارضة المسلحة

وقعت خلال حياة الإمام السجاد (ع)، وبعد واقعة كربلاء، وقائع مسلّحة وحروب ضد السلطة الأموية كواقعة الحرة، وحركة عبد الله بن الزبير، وحركة المختار. وكان موقفه وسياسته هي التأييد الضمني لكل من حارب الظلمة من بني أمية ، لكنه (ع)لم يشارك فيها.

لم تكن تلك الحركات جميعاً منسجمة مع خط أهل البيت (ع). ولم يكن الإمام (ع) يطمح ليكون زعيم حركة إجتماعية، أو حزب سياسي، أو تكتل مذهبي. بل كان موقعه هو قيادة الأمة الإسلامية بجميع أطيافها وطبقاتها إلى طريق مرضاة الله. وموقع من هذا القبيل هو موقع الإمامة الكبرى التي شرّفها الله تعالى وألهمها المعارف الكلية، من أجل حفظ الدين. فكان (ع) يرى المصلحة الدينية العليا في عدم المشاركة بتلك الحركات.

وواقعة الحرة كانت نتيجة استنكار رجال المدينة لأفعال يزيد من شرب الخمر وعزف الطنابير، ولم تكن لمقتل الحسين (ع) الذي هزّ كل ضمير إلا ضمائر هؤلاء الذين حركهم شرب يزيد للخمر أكثر مما حركهم شربه لدماء أهل البيت (ع)!

ولم يخرج تحرك رجال المدينة عن إطار الإذن من عبد الله بن الزبير في مكة[42]. فكانت تلك الحركة – على أقل التقادير- ذات دوافع سياسية غير دينية بالضرورة.

ومع ذلك، فإن مسلم بن عقبة عندما دخل المدينة لسحق تلك الحركة، كان "لا يريد غير علي بن الحسين عليه السلام"[43]، ولكن إرادة الله وحكمة السجاد (ع) صرفاه عما كان يبغيه ذلك الظالم المسرِف في القتل.

وأما حركة عبد الله بن الزبير، فكانت واضحة المعالم. فقد كانت حركة بعيدة جداً عن طموحات أهل البيت (ع) في إقامة دولة العدل الإلهي. بل ان تلك الحركة كانت مناوئة لمباني الإسلام الأصيل. وكان عبد الله بن الزبير لا يخفي مشاعره ضد الإمام السجاد (ع) وذرية المصطفى (ص)، فقد صرح بأنه كتَمَ بغض أهل البيت أربعين عاماً[44]، وهدَّدَ آل محمد بالإحراق عليهم في شعب أبي طالب بمكة[45]، وكان يقول عنهم أنهم "أهيل سوء" يشمخون بأنوفهم[46]. وهو وصفٌ مقابل وصف الطهارة التي وصفوا بها في القرآن الكريم: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)[47].

وكان عبد الله بن الزبير يضع العيون على الإمام السجاد (ع) يراقبونه ويحصون عليه انفاسه، ويوصي أخيه مصعب بقتل الشيعة في العراق رجالاً ونساءً.

وبكلمة، فقد كانت تلك الحركة مناوئة لخط الإمامة والولاية. فلم يؤيدها زين العابدين (ع) ولا بكلمة واحدة.

وأما حركة التوابين الذين طلبوا بثأر الحسين (ع)، وحركة المختار الذي تتبع قتلة الحسين (ع) فقتلهم عن بكرة أبيهم[48]، فقد وضع (ع) لهما سياسة واضحة في المؤازرة غير المباشرة. وقد عبّر عن ذلك في مخاطبته لعمه محمد بن الحنفية: (يا عمّ، لو أن عبداً تعصّب لنا أهل البيت، لوجب على الناسِ مؤازرته، وقد وليتك هذا الأمر، فاصنع ما شئت). فهو (ع) أناب عمه لاتخاذ القرار، وهو (ع) يعلم علم اليقين بأن عمه سوف لن يتوانى عن دعم تلك الحركة في سعيها من الإقتصاص من قتلة آل محمد (ص).

وهذا التوازن الحكيم في تلك الحقبة المرعبة من تأريخ الأمة الإسلامية، حفظ الدين ورسالته السماوية العظيمة. وبقي الإمام زين العابدين (ع) علماً في العبادة والعِلْم والتقوى والزهد، وبقي منهجه (ع) لإحياء الدين حياً إلى هذا اليوم، وسوف يبقى حياً إلى يوم الدين، كما وعدنا الله بذلك. وربك لا يخلف الميعاد.   

(نهاية ص 346)

 

 السابق             صفحة التحميل              الصفحة الرئيسية


 

[1] أصول الكافي ج 1 ص 35.

[2] الأنوار البهية ص 103.

[3] حلية الأولياء ج 3 ص 140.

[4] مختصر تاريخ دمشق ج 17 ص 254.

[5] مختصر تاريخ دمشق ج 17 ص 239.

[6] أسد الغابة لابن الأثير ج 2 ص 472.

[7] رجال الطوسي ص 81- 102.

[8] معجم الآداب ج 1 ص 108.

[9] البداية والنهاية ج 9 ص 98.

[10] البداية والنهاية ج 9 ص 99.

[11] الكنى والألقاب ج 1 ص 9- 10.

[12] معجم رجال الحديث – للخوئي ج 8 ص 141.

[13] مروج الذهب ج 2 ص 197.

[14] مروج الذهب ج 2 ص 196.

      

 الهجائن: الحرات الكريمات. الفوالج: جمع فالج وهو الزوج.[15]

 عناق مطهمة: يراد بها النساء العربيات الشريفات. [16]

[17] العقد الفريد ج 3 ص 36.

[18] طبقات ابن سعد ج 7 ص 26 ق 2.

[19] المحدث الفاصل بين الراوي والواعي- للرامهرمزي ص 409. بيروت: 1391هـ.

[20] حلية الأولياء ج 3 ص 137.

[21] طبقات ابن سعد ج 5 ص 216.

[22] سورة المؤمنون: الآية 101.

[23] فروع الكافي ج 5 ص 344.

[24] تحف العقول ص 28.

[25] سورة الحجرات: الآية 13.

[26] الأغاني ج 8 ص 224.

[27] العقد الفريد ج 3 ص 233.

[28] العقيق: الخمر.

[29] العقد الفريد ج 3 ص 245.

[30] تاريخ الخلفاء ص 222.

[31] البرنس: القلنسوة الطويلة.

[32] الأغاني ج 8 ص 227.

[33] الصحيفة السجادية – دعاء وتمجيد له ص 255.

[34] تاريخ الخلفاء ص 221.

[35] بحار الأنوار ج 46 ص 103.

[36] صفوة الصفوة لابن الجوزي ج 2 ص 100.

[37] أنساب الأشراف – البلاذري ج 3 ص 295.

[38] سورة النساء: الآية 92.

[39] سورة المائدة: الآية 89.

[40] سورة المجادلة: الآية 3.

[41] سورة البلد: الآية 12- 13.

[42] مروج الذهب ج 3 ص 78.

[43] الإرشاد للمفيد ص 292.

[44] مروج الذهب ج 3 ص 84.

[45] تأريخ اليعقوبي ج 2 ص 261.

[46] مروج الذهب ج 3 ص 88.

[47] سورة الأحزاب: الآية 33.

[48] مروج الذهب ج 3 ص 84.