(ص 289- 323)

 الفصل الثالث

 المعالِم الإجتماعية

 -------------------------------------

 نناقش في هذا الفصل بعض المعالم الإجتماعية التي طبعت فترة الثلين الأخيرين من القرن الهجري الأول ، وأهمها: الضغط السياسي على الناس، ومشكلة الفقر والحرمان، ومشكلة الجهل والعصبية، والمشكلة الأخلاقية واستفحال حال الفساد والفاحشة، ومشكلة الرق والعبودية، والمعارضة المسلحة ضد السلطة السياسية. 

 (1)

السلطة السياسية

عاصر الإمام السجاد (ع) الدولة الأموية ابتداءً من مؤسسها معاويـة بن أبـي سفيان (ت 60هـ) وحتى الوليد بن عبد الملك (ت 96هـ). ومن أجل فهمٍ أوضح للزمن السياسي الذي عايشه السجاد (ع)، نعرض باختصار لخلفاء بني أمية خلال خمسة عقود أو أكثر. وهي الفترة التي قضاها الإمام (ع) تحت حكمهم:  

1- معاوية بن أبي سفيان: أصبح معاوية (ت 60هـ) بعد تسنمه أمارة المسلمين في الشام سنة 20 هجرية من أغنى الناس وأثراهم مالاً، بعد أن كان طليقاً من طلقاء فتح مكة، وفقيراً لا مال له يمشي حافياً تحت ركاب علقمـة بـن وائـل الحضرمـي، كما ذكر البيهقي في (المحاسن والمساوىء)[1]. أسلم هو وأبوه يوم فتح مكة، وشهد حُنيناً وكان من المؤلفة قلوبهم[2]. أي الذين اُعطوا الصدقات حتى يثبتوا على الدين.

ولما بعث أبو بكر الجيوش إلى الشام سار معاوية مع أخيه يزيد بن أبي سفيان، فلما مات يزيد استخلفَه على دمشق، فأقرَّه عمر بن الخطاب، ثم أقرَّه عثمان وجمَعَ له الشام كله، فأقام أميراً عشرين سنة، وخليفةً عشرين سنة أخرى. وعصى معاوية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)، وخرج عليه في صفين. فشق عصا المسلمين، وخرج على أميرهم.

وكان معاوية قاسياً، لم يتورع عن قتل المناوئين له وتعذيبهم وقطع صلتهم ببيت المال. وكان عمر بن الخطاب يقول فيه، إذا نظر إليه: (هذا كسرى العرب)[3]. ومن مصاديق قسوته أنه سلّط بسر بن أبي أرطأة على رقاب المسلميـن، منتهكاً حرمات المؤمنين. وعهد بقتل كل من والى علياً (ع) وأهل بيت النبي (ص).

وكان معاوية معروفاً بالغدر والخيانة. فخان الإمام الحسن بن علي (ع) عندما أعطاه ميثاقاً بالوفاء بالعهد سنة 41هـ، ولكن ما أن استتب له الأمر حتى وضع ذلك العهد تحت قدميه ولم يفِ به.  وكان يختلق على أهل الشام المختلقات ويزعم بأنه أقرب الناس إلى النبي (ص)، ولا وراث له سواه. وأدعى بأن علياً (ع) قتل الخليفة الثالث. بينما كان علي (ع) يدفع ولديه الحسن والحسين (عليهما السلام) للدفاع عن عثمان. وفي النهاية غدر معاوية بالإمام الحسن بن علي (ع) فدسّ له السّم، وقتل الصحابي الجليل حجر بن عدي وأصحابه.

وفي سنة ثلاث وأربعين "استخلف معاويةُ زيادَ بن أبيه، وهي أول قضية غُيِّرَ فيها حكم النبي عليه الصلاة والسلام في الإسلام، ذكره الثعالبي وغيره"[4]. فقد استلحق معاوية زياد بن أبيه، وجعله أخيه وسماه زياد بن أبي سفيان. وكان أبو سفيان قد أنكر أنه ابنه من سمية[5].

وبكلمة، فقد كان حكم معاوية بالخصوص يمثل كل ما حاربه الرسول (ص) من ظواهر جاهلية، كابتزاز الأموال، واستذلال الضعفاء، واحتقار الفقراء، واستلحاق الأدعياء، وقتل النجباء، وترويع الأبرياء.

ولذلك وجد بنو أمية في أئمة أهل البيت (ع) واتباعهم كل شروط العداء التأريخي. فزجوا الأبرياء في ظلمات السجون، وقتلوا الأولياء والصالحين منهم. يلخص السلفي في (الطيوريات) وجه الصراع بين معاوية وعلي، فيقول على لسان عبد الله بن أحمد بن حنبل: (سألت أبي عن عليّ ومعاوية، فقال: اعلم أن علياً كان كثير الأعداء [ممن قاتلهم من عرب الجاهلية]، ففتشَ له أعداؤه عيباً فلم يجدوا، فجاءوا إلى رجل قد حارَبَهُ وقاتله فاطرَوْهُ كِياداً منهم له)[6].

وبينما نرى فضل أهل البيت (ع) ينتشر في الآفاق، نجد من المسلمين من يشكك في شخصية معاوية ولياقته الإسلامية في إمرة المسلمين، فعبد الله بن عباس يقول: (ليس في معاوية خصلة تقرّبه من الخلافة)[7]. وصعصعة بن صوحان العبدي يقول: (...إنما أنت طليق، وابن طليق أطلقكما رسول الله (ص). أنى تصلح الخلافة لطليق؟!)[8]. ويصفه المغيرة بن شعبة وهو من ولاة معاوية: (بأنه [أي معاوية] أخبث الناس)[9]. ويصفه سمرة بن جندب حينما عزله عن ولاية البصرة: (لعن الله معاوية، والله لو أطعت الله كما أطعت معاوية لما عذبني أبداً)[10].

عاش الإمام السجاد (ع) حوالي عقدين من باكورة حياته، وهو يرى معاوية يحكم بلاد المسلمين. فذاق من مرارة الظلم ما ذاقه جميع أهل البيت (ع). ورأى سُنَّة رسول الله (ص) يغّيرها معاوية كيفما يشاء. يقول سعيد بن المسيب: أول من أحدث الأذان في العيد هو معاوية، وأول من نقص التكبير. أخرجه ابن أبي شيبة. وأول من استحلف في البيعة، استحلفهم بالله. فلما كان عبد الملك بن مروان استحلفهم بالطلاق والعتاق. وأول من نسب من جاء بسفاح إليه، وهو زياد بن أبيه، خلافاً للقرآن الكريم والسنّة المطهرة. أحدث كل ذلك ولم يكن له التقدم في الإسلام،  ولا سابقة مع رسول الله (ص)، ولا قرابة منه.  

2- يزيد بن معاوية: ويوصي معاويـة بن أبي سفيان قبل مماتـه لإبنه يزيد (ت 64هـ) بالخلافة.

قال ابن سيرين: وفَدَ عمرو بن حزم على معاوية، فقال له: أذكرك الله في أمة محمد (ص) بمن تستخلف عليها. فقال: نصِحتَ وقلتَ برأيِكَ وإنه لم يبق إلا إبني وأبناؤهم، وإبني أحقُّ!

وقال عطية بن قيس: خطب معاوية فقال: اللهم إن كنتُ إنما عهدتُ ليـزيد لما رأيت من فضله فبلِّغُهُ ما أملّتُ وأعِنْه. وإن كنتُ إنما حملني حُبُّ الوالد لولده وأنه ليس ما صنعتُ به أهلاً فاقبضه قبل أن يبلغ ذلك[11].

وقد أجمع رجال المدينة الذين زاروا يزيد، وبعد ان اعتلى عرش الخلافة وحكم الناس، على فسقه وشربه الخمر وامتهانه الصلاة وإيتائه المنكر وتسفيهه عقائد المسلمين. وقد وصفه المسعودي بقوله: (كان يبادر بلذته، ويجاهر بمعصيته، ويستحسن خطأه، ويهون الأمر على نفسه في دينه إذا صحت له دنياه)[12].            وقام يزيد بثلاث إنجازات في أربع سنوات من حكمه. الأولى: قتل الإمام الحسين (ع) سبط رسول الله (ص) في كربلاء. والثانية: إباحة مدينة النبي (ص) وقتل صحابة رسول الله (ص). والثالثة: إستباحة مكة وحرق الكعبة المشرفة.

ووقائع عظيمة كواقعة كربلاء بفظاعتها، وواقعة الحرة بوحشيتها، وضرب الكعبة بالمنجنيق واحتراق استارها وسقفها من شرارة نيرانهم، أحدث هزّة عنيفة في ضمير الناس. فلم يعهدوا ذلك حتى من المشركين، باستثناء جيش ابرهة الذي لم يصل الكعبة حتى أحرقه الله تعالى بحجارةٍ من سجيل.

وتذكر الروايات التأريخية أمثلة عديدة من وحشيتهم. فهذا الصحابي الجليل أبو سعيد الخدريّ لزم بيته في المدينة، فدخل عليه نفر من أهل الشام، فقالوا: أيها الشيخ من أنت؟ فقال: أنا أبو سعيد الخدري صاحب رسول الله (ص)، فقالوا: ما زلنا نسمعُ عنك. فبحظك أخذت في ترككَ قتالنا، وكفَّكَ عنا، ولزُومَ بيتك؛ ولكن أخرج إلينا ما عندك. قال: والله ما عندي مال، فنتفوا لحيته، وضربوه ضربات. ثم أخذوا ما وجدوه في بيته حتى الصواع[13].

وجيء إلى مسلم بن عقبة، وهو بالمدينة يقتل الناس صبراً،  بسعيد بن المسيب، فقال له: بايع! فقال: أبايع على سيرة أبي بكر وعمر، فأمر بضرب عنقه. فشهد رجلٌ أنه مجنون فخلّى سبيله. ذكره ابن كثير عن المدائني.

وما توقف الجيش الأموي عن تلك المذابح في المدينة ومكة، إلا بسماع موت يزيد في منتصف ربيع الأول عام أربع وستين.

3- معاوية بن يزيد بن معاوية(ت 64هـ): وجاء الخبـر بموت يزيد والقتال مستمر بين جيش عبد الله بن الزبير والجيش الأموي. فنادى ابن الزبير: يا أهل الشام إن طاغيتكم قد هلكَ. فانفلّوا وذلّوا وتخطَّفهم الناسُ. ودعا ابنُ الزبير إلى بيعة نفسه، وتسمّى بالخلافة. بينما بايعَ أهلُ الشامِ معاويةَ بن يزيد.

واضطرب الأمويون بعد معاوية بن يزيد بن معاوية الذي فاجئهم بتخليه عن الخلافة، وماجوا في الفتنة، وهرعوا إلى معلمه فاتهموه بتعليمه محبة أهل البيت (ع) فدفنوه حياً[14].

وكانت مدة خلافته أربعين يوماً، ومات وله إحدى وعشرون سنة، ولما احتُضِرَ قيل له: ألا تستخلف؟ قال: ما أصبتُ من حلاوتها فلِمَ أتحمل مرارتها؟[15]. وكان لهذا الشاب ستة عشر سنة عندما أدخل رأس الحسين (ع) وسباياه والسجاد (ع) على أبيه يزيد في المسجد الأموي. ولعل أثر ذلك بقي في نفسه فأبت الخلافة!

4- عبد الله بن الزبير (ت 73هـ): لما مات يزيد بن معاوية بويع له بالخلافة، وأطاعَهُ أهلُ الحجاز واليمن والعراق وخراسان، ولم يبقَ بلداً خارجاً عنه إلا الشام ومصر فإنه بويع بهما معاوية بن يزيد، فلم تطل مدته. فلما مات أطاع أهلهما ابنَ الزبير وبايعوه.

ثم خرج مروان بن الحكم فغلب على الشام ثم مصر، واستمر إلى أن مات سنة خمس وستين، وقد عهد إلى ابنه عبد الملك.

واستمر ابن الزبير بمكة خليفة إلى أن تغلَّبَ عبد الملك، فجهز لقتاله جيشاً بقيادة الحجاج في أربعين ألفاً، فحاصره بمكة أشهراً، ورمى عليه المنجنيق، وخذَلَ ابنَ الزبير أصحابُهُ وتسللوا إلى الحجاج، فظفر به وقتله وصلبه لسبعَ عشرةَ خلت من جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين.

ولم يُحمل إلى رسول الله (ص) رأس إلى المدينة قط، ولا يوم بدر. وأول من حُملت إليه الرؤوس هو يزيد بن معاوية ومن ثم عبدُ الله بن الزبير.

5- مروان بن الحكم (ت 65هـ): قال الذهبي ان مروان بن الحكم "لا يُعَدُّ من أمراء المؤمنين، بل هو باغٍ خارج على ابن الزبير، ولا عَهْدُه إلى إبنه بصحيح، وإنما صحت [في رأي الذهبي] خلافة عبد الملك من حين قتل ابن الزبير سنة 73هـ"[16]. ولقد كانت لمروان بن الحكم  طريد رسول الله (ص) خبرة في الإدارة أيام الخليفة الثالث حيث استوهبه واستوهب بني أمية وآل أبي معيط أموالاً طائلة من بيت مال المسلمين.

وفي أيام مروان "استخفى المؤمنون، وكانت الشيعة تُطلب في أقطار الأرض تهدر دماؤهم وأموالهم، وأظهروا لعن أمير المؤمنين (ع) على منابرهم"[17]. وعللّوه: (بأنه لا يستقيم لنا الأمر إلا بذلك)[18].

ومات مروان بن الحكم خنقاً، قتلته زوجته أم خالد. قال ابن الأثير غطته بوسادة حتى مات قتلاً[19].

6- عبد الملك بن مروان (ت 86 هـ): وجاء في سنة 73 للهجرة جبار آخر في حياة الإمام زين العابدين (ع) وهو عبد الملك بن مروان، وهو القائل: (لا يأمرني أحدٌ بتقوى الله بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه)[20]، و(إني لا أداوي هذه الأمة إلا بالسيف حتى تستقيم لي قناتكم)[21]. وكان بخيلاً حتى سُمي بـ"رشح الحجارة"[22]، وعانى الناس في حكمه من الجوع والفقر والظلم.

وقد ولى على الكوفة الحجاج بن يوسف الثقفي، "فكان الحجاج لا يصبـر عن سفك الدماء، وارتكاب أمور لا يقدر عليها غيره"[23]. وكان الحجاج يفتخر قائلاً: (والله ما أعلم اليوم رجلاً على ظهر الأرض هو أجرأ على دمٍ مني)[24]. فوضع سيفه على رقاب القرّآء والعلماء فضلاً عن بقية عباد الله.

وفي سنة أربع وسبعين سار الحجاجُ إلى المدينة، وأخذ يتعنتُ على أهلها ويستخِفُّ ببقايا مَنْ فيها من صحابة رسول الله (ص)، وختم على إعناقهم وأيديهم، يُذِلّهم بذلك. كأنس، وجابر بن عبد الله، وسهل بن سعد الساعدي[25].

ويروى عن نفاق عبد الملك ومكره في رواية تأريخية لها دلالة. قال يحيى الغساني: لما نزل مسلم بن عقبة المدينة دخلتُ مسجد النبي عليه الصلاة والسلام، فجلستُ إلى جنب عبد الملك، فقال لي عبد الملك: أمن هذا الجيش أنت؟ قلت: نعم. قال: ثكلتك أمك! أتدري إلى مَنْ تسير؟ إلى أول مولود في الإسلام[26]، وإلى ابن حواريِّ النبي (ص)، وإلى ابن ذات النطاقين، وإلى من حنَّكه النبي (ص)، أما والله إن جئته نهاراً وجدته صائماً، ولئن جئته ليلاً لتجدنَّه قائماً، فلو أن أهل الأرض أطبقوا على قتله لأكبَّهم الله جميعاً في النار!

فلما صارت الخلافة إلى عبد الملك وجَّهَنا مع الحجاج حتى قتلناه[27].

قال أحد الشعراء وهو يصف غدر عبد الملك بن مروان:

يا قوم لا تُغْلَبُوا عن  رأيكم فلقد** جَرَّبتُمُ  الغـدر من  أبناء مروانا

أمسَوْا وقد قتلوا عَمْرا وما رشدوا** يَدْعون غَدْراً  بعهدِ  الله  كَيْسانا

ويقتلون الرجالَ  البُزْلَ  ضاحيـة** لكي  يُوَلوا  أمورَ  الناس  وِلْدَانا

تلاعَبُوا بكتـاب  الله  فاتَّخَـذُوا** هواهُمُ في  معاصـي  الله  قرآنا

وتذكر أحدى الروايات مدى تكالب الناس على المال:

كان عمرو بن سعيد على الشام زمن إمارة عبد الله بن الزبير، وكان له أنصار كثيرون. فاستدرجه عبد الملك إلى قصره وأمرُ الخلافةِ لم يستتب بعد، وقتله بقطع رأسه.

وكان أصحاب عمرو بن سعد وعددهم يربو على أربعة آلاف رجل مسلّح خارج القصر، وهم ينتظرون إذا خَفتَ صوت عمرو عليهم، شهروا سيوفهم على عبد الملك وأخذوا بثأر سيدهم عمرو.

استشار عبد الملك حاشيته، فأشاروا عليه: ارمِ الرأس المقطوع على أصحاب عمرو، ثم ارمِ عليهم الدنانير والدراهم يتشاغلون بها.

وهكذا كان، فأمر عبد الملك برأس عمرو أن يطرح إليهم من أعلى القصر، فطُرح إليهم. وطرحت الدنانير، ونثرت الدراهم. ثم هتف عليهم الهاتف ينادي: إن أمير المؤمنين قد قتل صاحبكم، بما كان من القضاء السابق، والأمر النافذ. ولكم على أمير المؤمنين عهد الله وميثاقه، أن يحمل راجلكم، ويكسو عاريكم، ويغني فقيركم، ويبلغكم إلى أكمل ما يكون من العطاء والرزق...قال: فصاحوا نعم نعم نعم سمعاً وطاعةً لأمير المؤمنين[28].

عاش الإمام السجاد (ع) في هذه الأجواء الإجتماعية، بينما كان يتوارد إلى سمعه ما كتبه الحجاج إلى عبد الملك مشيراً عليه قتل علي بن الحسين (ع) حتى يثبت ملكه. فيجيبه عبد الملك: (أما بعد: فجنبني دماء بني هاشم، واحقنها. فإني رأيت آل أبي سفيان لما ولغوا فيها لم يلبثوا أن أزال الله عنهم الملك). ولكن عبد الملك ولغ في دماء المؤمنين بالواسطة. فكان الحجاج يده اليمنى التي يقطع بها رؤوس الأبرياء. وما عسى أن يفعل السجاد (ع)، وهو يرى ماكنة القتل والقطع تدور ليل نهار، غير التوسل بالله عزّ وجلّ بالانتقام.

المعارضة اللفظية:

ومع صرامة سيف عبد الملك، إلا ان التأريخ ينقل لنا بعض المواجهات اللفظية التي وقعت آنذاك. وهي تعكس بمجملها صورة من صور وعي الناس لحقيقة أمر الخلافة واغتصابها من أهلها. ولكن الخوف الذي لجََمَ الأفواه وقَطَعَ الألسن، كان هو المسيطر على الجو العام للمجتمع. وكانت الناس تستلهم من وجود الإمام زين العابدين (ع) ما يجعلها تتجرأ على عبد الملك بن مروان ونحوه من الخلفاء. ومن تلك المواجهات اللفظية:

يحدث أبو حمزة الثمالي أن رجلاً قد سمع عبد الملك يخطب بمكة، فلما صار إلى موضع العظة من خطبته قام إليه، وقال: (مهلاً إنكم تأمرون ولا تأتمرون، وتنهون ولا تنتهون، وتعظون ولا تتعظون. أفاقتداءً بسيرتكم أم طاعةً لأمركم؟ فإن قلتم إقتداءً بسيرتنا، فكيف يقتدى بسيرة الظالمين؟! وما الحجة في اتباع المجرمين الذين اتخذوا مال الله دولاً وجعلوا عباد الله خولاً؟! وإن قلتم أطيعوا أمرنا واقبلوا نصحنا! فكيف ينصح غيره من لم ينصح نفسه؟ أم كيف يجب طاعة من لم تثبت له عدالة؟

وإن قلتم خذوا الحكمة من حيث وجدتموها واقبلوا العظة ممن سمعتموها. فلعلّ فينا من هو أفصح بصنوف العظات، وأعرف بوجوه اللغات، فتزحزحوا عنها، واطلقوا قفالها، وخلو سبيلها، ينتدب لها التي شردتموهم في البلاد ونقلتموهم عن مستقرهم إلى كل وادٍ. فوالله ما قلدناكم أزمة أمورنا وحكمناكم في أموالنا وأبداننا لتسيروا بسيرة الجبارين. غير انا بصراء بانفسنا باستيفاء المدة، وبلوغ الغاية وتمام المحنة، ولكل قائم منكم يوم، لا يعدوه كتاب لابد ان يتلوه، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون). فقام إليه أصحاب المسالح[29]، وقبضوا عليه، فكان آخر عهدنا به[30].

ويحدث الشيخ الديلمي: ان رجلاً قال لعبد الملك الخليفة: أناظرك وأنا آمن؟ قال: نعم.

فقال له: اخبرني عن هذا الأمر الذي صار إليك بنصٍ من الله ورسوله (ص)؟ قال: لا.          فقال: اجتمعت الأمة وتراضوا بك؟ قال: لا.

فقال: كانت لك بيعة في اعناقهم فوفوا بها؟ قال: لا.

فقال: اختارك أهل الشورى؟ قال: لا.

فقال: أليس قد قهرتهم على أمرهم واستأثرت بفيئهم دونهم؟ قال: بلى.

فقال: بأي شيء سُميت أمير المؤمنين ولم يؤمرك الله ورسوله (ص) ولا المسلمون؟

فقال له عبد الملك: أخرج عن بلادي وإلا قتلتك!

فقال الرجل: ليس هذا جواب أهل العدل والإنصاف[31].

7- الوليد بن عبد الملك (ت 96هـ): وقبل هلاكه عهد عبد الملك بالخلافة إلى ولده الوليد وأوصاه بالحجاج خيراً، فقال: (وانظر الحجاج فأكرمه، فإنه هو الذي وطأ لكم المنابر وهو سيفك يا وليد، ويدك على من ناواك، فلا تسمعن فيه قول أحد، وأنت إليه أحوج منه إليك. وادعُ الناس إذا متُ إلى البيعة فمن قال برأسه هكذا، فقل بسيفك هكذا)[32].

ويمكنك مقارنة هذه الوصية بوصية الإمام زين العابدين (ع) لابنه الباقر (ع): (يا بُني أياك وظلم من لا يجد عليك ناصراً إلا الله)[33]. ووصايا الرسل (ع) وابناء الأنبياء (ع) من سنخ واحد شريف. ووصايا الملوك والسلاطين من سنخ مضاد.  

الخلاصة: ان نظام الحكم الأموي الذي عايشه السجاد (ع) كان بعيداً عن رحمة الإسلام ومبادئه في العدالة والإنصاف. كان نظاماً دموياً يسفك الدماء، وينتهك الأعراض، ويبتز الأموال. فجعل الناس تعيش في رعب دائم. فلا سلطة قضائية عادلة يؤمَّل منها ان تحقق الحد الأدنى من العدل، ولا حرية عبادة يستطيع الإنسان فيها أن يختار إمامه الشرعي أو مذهبه الذي يتعبد به، ولا فسحة لنقد السلطان وتقويمه عندما يكون الإنحراف عن المبادئ أسطع من الشمس في رابعة النهار.

فبقيت السلطة الروحية متمثّلَة بالإمام زين العابدين (ع) تراقب الوضع العام وتحاكمه بالقدر الممكن، وترعى الضعفاء والفقهاء والمحرومين بالمقدار المتيسر. ولم يكن من علاج للجبروت السياسي غير التوجه إلى الله عزّ وجلّ بالصلاة والدعاء وإشاعة تلك الثقافة الدينية التي تذلل النفس البشرية لله تعالى لا لغيره.

فعندما كان الإمام السجاد (ع) يسمع قول الوليد بن يزيد وهو يصور طغيان الأمويين وجبروتهم:

فدع عنك ادَّكارك آل سعدى** فنحن الأكثرون حصى ومالاً

ونحن المالكون الناس قسـرا ** نسومهم المذلـة والنكـالا

ونوردهم حياض الخسف  ذلاً** ومـا نألوهـم إلا خبـالاً

يردهم (ع) – وهو في محراب عبادته - وبلسانِ حالٍ يقول:

(اللهُمَّ ...وأَجرِ مِن أَسبابِ الحلالِ أَرزاقِي، وَوجِّه فِي أبوابِ البِرِّ إنفَاقِي، وازوِ عنِّي منَ المالِ ما يُحْدِثُ لِي مَخْيَلَةً أَو تَأَدِّياً إلى بَغْي، أَو مَا أَتَعقَّبُ منهُ طُغيَـاناً. أللهُمَّ حَبِّبْ إليَّ صُحبَـةَ الفُقرَاءِ، وأَعنِّي على صُحبتِهِمْ بحُسنِ الصَّبـرِ، ومـا زَوَيْتَ عنِّي منْ متَاعِ الدُّنيا الفانيَةِ فاذخَرهُ لِي فِي خَزائنِكَ الباقيةِ، وَاجعَلْ ما خَوّلتَنِي مِن حُطَامِهَا، وعَجَّلتَ لِي مِن مَتَاعِهَا بُلْغَةً إلَى جِوارِكَ، ووُصلَةً إلَى قُربِكَ، وذرِيعَةً إلَى جنَّتِكَ إنَّكَ ذو الفَضلِ العَظِيمِ، وأنتَ الجوَادُ الكَريمُ)[34].

وكان (ع) يتعوذ من دولة السلطان الظالمة، فيقول: (إن للحُمق دولةً على العقل، وللمنكر دولةً على المعروف، وللشر دولةً على الخير، وللجهل دولةً على الحلم، وللجزع دولةً على الصبـر، وللخُرقْ دولةً على الرفق، وللبؤس دولةً على الخصب، وللشدة دولةً على الرخاء، وللرغبة دولةً على الزهد، وللبيوت الخبيثة دولةً على بيوتات الشرف، وللأرض السبخة دولةً على الأرض الخصبة. فنعوذ بالله من تلك الدول، ومن الحياة في النقمات)[35].

وهذا التعوذ من غلبة أهل الجور والظلم (الَدوْلة) واستيلائهم على مقدرات الناس، هو تعوذٌ من الشر الذي يجلبه الإستيلاء، وهو مصداق لقوله تعالى: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ. مِن شَرِّ مَا خَلَقَ)[36].

تحليل لموقف الإمام زين العابدين (ع):

          بقي الإمام (ع) معارضاً للسلطة الأموية طول حياته، لأنه رأى فيها من الظلم والتحريف والقهر ما لا يُطاق. وجاهد بكل ما يستطيع – وبلحاظ دقة الزمان- في إبقاء صوت الإسلام مسموعاً وقوياً عند عامة الناس. وحول موقفه هذا نقرأ مجموعة من الأفكار:

1- ان السياسة الأموية التي وضع معاوية بن أبي سفيان خطوطها الأولى كانت وراء الكثير من الأزمات السياسية والإقتصادية، التي دفعت بالمسلمين إلى الخوف ومن ثم التملق إلى الحاكم، وهبطت بالناس إلى حدود الضيق والإنحطاط والفقر. فكان الإمام السجاد (ع) يعارض تلك السياسة باساليب متنوعة، منها: خطابه إلى الناس في الكوفة والشام والمدينة. ومنها: رسائله إلى عبد الملك بن مروان، والوليد بن عبد الملك، وإلى شيعته ومحبيه، وإلى علماء البلاط كالزهري واشباهه. ومنها: اشارته إلى محمد بن الحنفية، والمختار، وابن الزبير. ومنها: سلوكه العام الذي رفض فيه الظلم الذي كان يمارسه الحاكم، وتوجَهَ بدعائه وخطابه إلى أعدل العادلين بل العدل المطلق وهو الله سبحانه يبتغي كرمه وجوده.

وبذلك كان السجاد (ع) يمثل الأمل في الصراع بين الحق والباطل، والمرجع العادل الذي ترجع إليه الأمة وقت الأزمات.

2- ان القهر السياسي الذي عانى منه أهل العراق والحجاز وبقية مناطق المسلمين، جعل الناس تميل بدرجات متزايدة صوب أئمة أهل البيت (ع). خصوصاً عندما وجدوا انفتاح السجاد (ع) على النادمين وأهل التوبة والاستغفار. فقد كانت بابه (ع) مفتوحة للجميع. ولم يفلت من ذلك إلا الشقي كعبد الله بن الزبير، الذي لم يستظل بشمس علوم آل البيت (ع) ولم ينل تقديرهم ولا حبهم.