(ص 149- 197)

 الفصل الثاني

 الخصائص الشخصية

 ------------------------------

 (1)

الإمامة

يعدُّ زين العابدين علي بن الحسين (ع) الإمام الرابع من أئمة أهل البيت (ع) الذين اذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، حسب وصية رسول الله (ص). وحتى نفهم إمامة زين العابدين (ع)، لابد لنا من شرح مختصر لمعنى (الإمامة) لفظاً واصطلاحاً.

 المعنى اللفظي: ومعنى الإمام هو من يأتمَّ به الناس ويقتدي. وأصل الكلمة (أمّ) القوم أي تقدمهم في الصلاة أو في الفكر. والنتيجة أن الإمامة هي منصب رئاسة. والخلافة والولاية كلمتان إضافيتان ترادفان كلمة الإمامة.

وقد وردت تلك الالفاظ في القرآن الكريم. فجاءت كلمة الإمام مطلقة في الهداية والضلال، وهو كل من تقدّم لفرقةٍ فاتبعه الناس. فقال تعالى في أئمة الضلال: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لاَ يُنصَرُونَ)[1]، (...فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ...)[2]. وقال في شأن ابراهيم واسحق ويعقوب (عليهم السلام): (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ...)[3]، وفي حق إبراهيم الخليل (ع): (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً...)[4].

وجاءت كلمة الخلافة ككلمة إضافية، لأنها تقتضي النيابة والبدلية. والإستخلاف لابد أن يكون عن الله عزّ وجلّ، وعن رسوله (ص) فيكون خليفة الله أو خليفة رسوله. قال عزّ وجلّ في شأن آدم مخاطباً الملائكة: (...إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ...)[5]، وقال تعالى مخاطباً النبي داود (ع): (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرْضِ...)[6]، وبخصوص موسى وهارون: (...وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي...)[7]. وقال رسول الله (ص) لعلي بن أبي طالب (ع) في غزوة تبوك: (يا علي إنما خلفتك على أهلي، أما ترضى أن تكون مني بمنـزلة هارون من موسى...)[8].

وجاءت كلمة الولاية إضافية أيضاً، لأنها أقتضت التكفل. بمعنى ان يقوم الولي بكفالة المؤمنين مهما كان عددهم. قال تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)[9].

 المعنى الإعتقادي: والإمامة الشرعية أصل من أصول الدين. لأنـها رئاسة ربانية تقود الأمة إلى طريق الهداية والرشاد. ومن أجل فهم المعنى الإعتقادي للإمامة كان لابد من عرض مجموعة المبادئ التي تشكل الأساس لفكرة الإمامة:   

1- ان الإمامة الكلية والولاية المطلقة لرسول الله (ص) ولخلفائه أئمة أهل البيت (ع) إنما هي بالجعل الآلهي لا بالتكوين. أي ان الإنسان لا يستطيع مهما اجتهد ودرس أن يكون بمنـزلة الإمام المعصوم (ع). لأن القضية ليست قضية اكتساب واجتهاد، إنما هي إرادة إلهية اقتضت أن يكون هؤلاء الاطهار من آل النبي محمد (ع) أئمة هدى، وإلى ذلك قال تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)[10]. فالإرادة الإلهية شاءت أن تحصر الإمامة الشرعية الكلية بهم (ع). فالإمامة بـهذا المعنى هي شرعية جعلية وليست تكوينية.

أي ان الإمامة ليست مرتبة علمية، ولا منـزلة إجتماعية يكتسبها الانسان بالجدّ والاجتهاد، ولا سلطة إدارية يتلبس بها الانسان قهراً. وكل من تغلب على أمور الناس واستولى على مقدراتهم، فهو إمام قهر وغلبة. وكل من ثبتت له الولاية الآلهية وكان له زمام الدين، فهو إمام عدل وهداية.

2- ان الإمامة منصب إلهي، وليست منصباً عرفياً أو عقلائياً. وإلى ذلك يشير القرآن الكريم: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً...)[11]. فالإمامة تنتهي إلى من له ملك السموات والأرض فيقلدها من اصطفاه من عباده، ويجعلها لمن ابتلاه من خيرة خلقه. وبـمعنى آخر، أن الإمامة لا تجري مجرى الإنتخاب أو التصويت. بل هي بالتعيين الإلهي أو الإصطفاء.

ويشترط فيمن تكون له الولاية والإمامة ان تكون له اللياقة التامة الكاملة من قبيل إمتلاكه الفضائل الإنسانية والكمالات الروحية والجسمية والملكات القدسية، وتلك صفات أساسية يعلمها الله تبارك وتعالى لعباده الذين يصطفيهم لهذه المهمة العظيمة.

3- يصنّف العلماءُ المجعولاتِ الشرعية إلى صنفين. الإول: أصول الدين، وهي الإعتقادات. والثاني: فروع الدين، وهي الأعمال التكليفية. والإمامة من الصنف الأول. أي هي أصلٌ من الأصول العقائدية مثلها مثل التوحيد والنبوة والمعاد، لأنها ليست من الوظائف العملية المرتبطة بالتكليف كالصلاة والصيام والزكاة ونحوها.

ولذلك أمر الإسلام بوجوب الإيمان بالإمامة، كاعتقاد له مصاديق واقعية حية إلى يوم القيامة. وكلُ أمرٍ يجب الاعتقاد به في الدين يعدُّ من أصول الدين. فالإمامةُ أصلٌ من أصول الدين.

وأوجب الدين معرفة الإمام (ع) بنص حديث الرسول الأعظم محمد (ص) المشهور المتواتر المتفق عليه بين الفريقين: (من مات ولم يعرف إمام زمانه ماتَ ميتة الجاهلية)[12]. فالإمامة إذن أصلٌ يجب معرفته وتشخيص موارده والإيمان به إيماناً قلبياً صحيحاً.

4- ان من لوازم الإمامة اللياقة العلمية الآلهية: فالإمامة الإلهية لا تكتمل إلاّ بعلمٍ رباني وفيض إلهي يحيط بجميع شؤون ولاية الإمام عليه السلام. بمعنى انه لابد للإمام من العلم بجيمع حقائق الشريعة، وتمام خصوصيات الأحكام، وفهم تام لجميع آيات القرآن، وإدراك تام لعوالم الوجود. فالولاية التامة تقتضي علماً كاملاً بعوالم التشريع والتكوين وما له الولاية عليه وأولوية التصرف فيه.

وتشير جملة من الآيات القرآنية الشريفة إلى مراتب العلم الإلهي. فيقول تعالى بخصوص الخضر (ع): (...وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً)[13]، وبخصوص لقمان (ع): (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ...)[14]، وفي شأن داود (ع): (وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ ...)[15]، وفي حق وزير سليمان بن داود (ع): (قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ...)[16]، وبخصوص عيسى (ع): (...وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ...)[17].

 دليل اللياقة العلمية: وفي الإستدلال على اللياقة العلمية للإمام نأتي بآيتين لهما خصوصية في هذا المقام:

الأولى: قوله تعالى في قصة آدم: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ. وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ. قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ. قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ)[18].

وهذه الآية صريحة في ان الإمامة الإلهية أو الخلافة لا تتم إلا باللياقة العلمية الربانية الشاملة لجميع الحقائق والكليات. وهي موهبة خاصة لا تتوفر للملائكة الذين جبلوا على الطاعة والعبادة والتقديس. فالخلافة أو الإمامة هنا لا تحصل إلاّ بإفاضة العلم الربّاني على الخليفة الربّاني.

الثانية: قوله تعالى: (...قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ)[19]. وهذه الآية غالباً ما يستشهد بـها أئمة أهل البيت (ع) على قدرتهم العلمية والإعجازية. وهذا الذي عنده علم الكتاب ويكون شهيداً بين النبي (ص) وقومه لابد أن يكون حائزاً على فيضٍ رباني وعلمٍ إلهي وفضيلةٍ حتى يكون مؤهلاً للشهادة لرسول الله (ص) شهادة تامة من جميع الجوانب. وكيف يستطيع ذلك الشاهد إدراك أفضلية خاتم الأنبياء محمد (ص) ما لم يكن فاضلاً نفسه.

وعلمُ الكتاب يعني العلم بكل شيء، لأن الكتاب الذي يعلمه لابد أن يكون أحد أمرين: إما اللوح المحفوظ الذي دوّن فيه كل شـيء، وإما القرآن الكريـم الذي يصـرح بأنه (...تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ ...)[20]، (...وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ) [21]. وإذا انحصر الكتاب بالقرآن الكريم، فمن عنده علم الكتاب هو العالِم العارف بكليات القرآن الكريم وجزئياته. وإذا كان الذي عنده علمٌ من الكتاب قادراً على إحضار عرش بلقيس ملكة سبأ قبل أن يرتدّ إلى سليمان (ع) طرفه، فان الذي عنده علمُ الكتاب (وهو الإمام) قادر على الإحاطة العلمية الكاملة بقضايا التشريع والتكوين.

5- العصمة من لوازم الإمامة: العصمة هي مَلَكَة روحية تصون صاحبها عن الخطأ والنسيان، والجهل والعصيان. وبتعبيـر آخر فإن الإمام يجب أن يكون معصوماً عن ارتكاب المخالفات الشرعية أو ارتكاب الأعمال التي يستقبحها العقل، بصورة كلية أو جزئية، عمداً أو سهواً، ومن الصبا المبكر وحتى الممات.

فالمعصوم ينبغي ان لا يخالف التكاليف الشرعية، مع قدرته عليها، لعدّة اسباب:

الأول: ان الهدف من الإمامة هو حفظ الشريعة. فلابد أن يكون الإمام حافظاً للدين. ومن أجل تحقيق ذلك لابد ان يكون معصوماً. أي لابد أن لا يخطأ ولا ينسى ولا يجهل أمور الدين، وان لا يرتكب المعصية الشرعية أو العقلية وهو قادر عليها. ولا يمكن ان تكون العصمة في الدين متجزأة، أي لا يمكن ان يكون له فهم في أمور، وجهل في أمور اخرى. بل لابد ان تكون العصمة تامة كاملة وشاملة لجميع موارد الدين بـما فيها الاعتقادات والعبادات.

الثاني: ان الحاجة من وجود الإمامة هو عدم تفويت المصالح على العباد. أي ان الإمام المعصوم يمنع الظلم وينتصف للمظلوم، ويرفع الفساد، ويحمل الناس على الطاعة، ويمنعهم عن ارتكاب الفواحش والمنكرات، ويحسم مادة الفتـن، ويقيم الحدود والفرائض. ولو جازت المعصية من إنسان من هذا القبيل لانتفت المصلحة من وجوده.

وغير المعصوم يمكن ان يرتكب المعصية فلا تحصل الفائدة. وغير المعصوم تصدر منه الصغائر التي لا تنافي العدالة، ولا تحصل الفائدة من وجوده لأنه يحتاج عندئذٍ إلى إمام آخر لا يرتكب الصغائر. والإمام الذي يخطأ يحتاج إلى إمام آخر يمنعه عن ارتكاب الاخطاء. وحتى لو كان معذوراً فإن العذر لا يصحح تفويت تلك المصالح على العباد.

وبذلك نستنتج بأن الإمام ينبغي أن يكون معصوماً عصمة تامة، حتى تُحرز العدالة الواقعية من أفعاله وأقواله. ويؤيدها قولـه تعالى: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)[22]. وهي صريحة في ان الولاية أو الإمامة لا ينالها الظالم. والمعصية مهما كان حجمها لاتتعدى كونها أحد أنواع الظلم الثلاثة، وهي: ظلمٌ  بحق الله تعالى، أو ظلمٌ بحق الناس، أو ظلمٌ بحق النفس.  وكلّها تعدُّ تعدياً لحدود الله، وقد قال تعالى: (...وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)[23].

قال السيوطي في الدر المنثور في تفسير الآية الآنفة الذكر: (قال ابن عباس:....لا ينال عهده من هو في رتبة ظالم ولا ينبغي ان يوليه شيئاً من أمـره. وعن مجاهـد: ان المعنى هو أن لا أجعل إماماً ظالماً يقتدى به).

الثالث: هناك إحتمال بأن يخالف غير المعصوم الحقَ عمداً أو خطأً. فيلزم عندئذٍ الخروج عن طاعته والإنكار عليه من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وإذا تمّ ذلك كان خلاف الهدف الذي تم فيه نصب الإمام. وقد قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ ...)[24]. والآية صريحة في وجوب طاعة أولي الأمر على الإطلاق كوجوب طاعته عزّ وجلّ وطاعة رسوله (ص). وهذا لا يتحقق إلاّ بالعصمة، لأن غير المعصوم قد يأمر بالمعصية خطأً أو نسياناً أو جهلاً، وعندئذٍ يجب مخالفته بينما أوجبت الآية طاعته. فعندئذٍ يقع التناقض بين وجوب الطاعة للولي وحرمة الطاعة في معصية الله عزّ وجلّ. وهذا مستحيل بحق القرآن.

الرابع: ان الإمام هو مثلٌ أعلى للناس، فإذا لم يكن معصوماً وصدرت منه المعصية أحياناً، ولو كانت من الصغائر، اصبح مورداً لعدم الاطمئنان به وبقيادته. لأن الصغيرة من الإمام أقبح من الكبيرة من عموم الناس. فهنا يسقط من القلوب ولا تنقاد الناس إلى إمامته. قال تعالى في خطابه إلى نساء النبي (ص): (... مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً)[25].

الإمامُ المنصوصِ عليه:

إجمالاً، إذا كانت الإمامة هي رئاسة عامة في أمور الدين والدنيا[26]، والتقدم في ما يقتضي طاعة صاحبه والإقتداء به في ما تقدم به[27]، والتقدم لأمر الجماعـة[28]، فإن الإمام ينبغي ان يكون منصوصاً عليه من قبل الله تعالى. لأن العلم بتحقق شروط الإمامة لإنسانٍ ما لا يكون إلا عند علاّم الغيوب وهو الله عز وجل. ومنـزلتها كمنـزلة النبوة، إلا ان النبوة مرتبطة مباشرة بالوحي. والدليل على ذلك قول رسول الله (ص) لعلي بن ابي طالب (ع): (أنت مني بمنـزلة هارون من موسى إلا انه لا نبي بعدي)[29].

          ويمكننا تصور شخصية الإمام (ع) عبر هذه القطعة الأدبية الشارحة لطبيعة الإصطفاء الرباني له: 

(الحمد لله ....الذي نزه اوليائه عن دار الغرور، وسما بهم الى أنوار السرور، ولم يفعل ذلك بهم محاباة لهم على الخلائق، ولا إلجاء لهم إلى جميل الطرائق، بل عرف منهم قبولاً للألطاف، واستحقاقاً لمحاسن الأوصاف، فلم يرض لهم التعلق بحبال الإهمال، بل وفقهم للتخلق بكمال الأعمال، حتى فرغت نفوسهم عمن سواه، وعرفت أرواحهم شرف رضاه، فصرفوا أعناق قلوبهم إلى ظله، وعطفوا آمالهم نحو كرمه وفضله.

فترى لديهم فرحة المصدق بدار بقائه، وتنظر إليهم مسحة المشفق من أخطار لقائه، ولا تزال أشواقهم متضاعفة إلى ما قرب من مراده، وأريحيتهم مترادفة نحو إصداره وإيراده، وأسماعهم مصغية إلى استماع أسراره وقلوبـهم مستبشرة بحلاوة تذكاره، فحباهم منه بقدر ذلك التصديق، وحباهم من لدنه حباء البر الشفيق. فما أصغر عندهم كل ما أشغل عن جلاله، وما أتركهم لكل ما باعد من وصاله، حتى أنـهم يتمتعون بأنس ذلك الكرم والكمال، ويكسوهم أبداً حلل المهابة والجلال، فإذا عرفوا أن حياتهم مانعة عن متابعة مرامه، وبقائهم حائل بينهم وبين إكرامه، خلعوا أثواب البقاء، وقرعوا أبواب اللقاء، وتلذذوا في طلب ذلك النجاح، ببذل النفوس والأرواح، وعرضوها لخطر السيوف والرماح...)[30].

          ونستنتج مما سبق أن للإمام المنصوص عليه لياقات أخرى إضافية، وهي:

1- قبول الألطاف الإلهية. أي الرضا بما يقسم الله عزّ وجلّ من نِعَم أو إبتلاءات دنيوية.

2- التوفيق لكمال الأعمال، أي التوفيق لأداء حق الله تبارك وتعالى كاملاً في الطاعة وعدم المعصية، وأداء حقوق العباد.

3- الإشتغال بقرب المراد. وهو التسامي في مراتب العبادة، والإشتغال بالله تعالى وحده. أي تفريغ النفس من كل ما يتعلق بشواغل الحياة الدنيوية، من مال أو جاه، أو ولد أو زوجة، أو حزن أو فرح، أو شوق لغيره تعالى.

4- الإستعداد لقرع باب اللقاء في أية لحظة. أي تحقيق حالة عقلية مستعدة للموت في سبيل الله. وبذلك نعلم ان المعصوم (ع) هو أشجع الناس. لأن الشجاعة العقلية أو الإستعداد النفسي والعقلي للموت أعظم من الشجاعة الجسدية المجردة عند الإنسان.

 النص الخاص على إمامة زين العابدين (ع):

والنص على زين العابدين (ع) بالإمامة يمكن استقراؤه بطريقين:

الأول: الأخبار الواردة في الأئمة الإثنى عشر عن رسول الله (ص)، وهي:

1- عن رسول الله (ص) قال: (الأئمة من بعدي أثنا عشر. أولهم أنت يا علي وآخرهم القائم الذي يفتح الله تعالى ذكره على يديه مشارق الأرض ومغاربها)[31].

2- وعن رسول الله (ص) أيضاً انه قال: (...إذا اختلفت الأهواء وتفرقت الآراء فعليك بعلي بن أبي طالب فإنه إمام أمتي وخليفتي عليهم من بعدي... وان منه إماميَّ أمتي وسيديَّ شباب أهل الجنّة الحسن والحسين وتسعة من ولد الحسين (ع) تاسعهم قائم أمتي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً)[32].

3- في ليلة وفاته (ص)، دعا رسول الله صلى الله عليه وآله علياً (ع) وقال له: (يا أبا الحسن إحضر صحيفة ودواة). ثم أملى (ص) وصيته حتى انتهى إلى بيان الخلفاء من بعده، فقال: (يا علي سيكون بعدي اثنا عشر إماماً. فأنت يا علي أولهم، سمّاكَ اللهُ في سمائه علياً المرتضى وأمير المؤمنين والصدّيق الأكبر والفاروق الأعظم والمأمون، فلا تصلح هذه الأسماء لأحدٍ غيرك...

          وأنت خليفتي على أمتي من بعدي، فإذا حضرتك الوفاة فسلّمها إلى ابني الحسن البرّ الوصول. فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابني الحسين الشهيد الزكي المقتول. فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه علي سيد العابدين ذي الثفنات. فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه محمد باقر العلم. فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه جعفر الصادق. فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه موسى الكاظم. فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه الرضا. فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه محمد الثقة التقي. فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه علي الناصح. فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه الحسن الفاضل. فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه محمد المستحفظ من آل محمد)[33].

الثاني: الروايات التي وردت في إمامة علي بن الحسين (ع) خاصة، وقد ذكرنا قسماً منها في الفصل الأول. ولكن الإستدلال يحتم علينا ذكرها هنا أيضاً، وهي:

1- عن الزهري قال: (كنا عند جابر فدخل عليه علي بن الحسين (ع)، فقال: كنت عند رسول الله (ص) فدخل عليه الحسين بن علي (ع) فضمّه إلى صدره وقبلّه وأقعده إلى جنبه. ثم قال: يولد لإبني هذا ابن يقال له علي، إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ من بطنان العرش: ليقم سيد العابدين فيقوم هو)[34].

2- عن أبي جعفر (ع) قال: ( ان الحسين بن علي (ع) لما حضره الذي حضره دعا ابنته الكبرى فاطمة بنت الحسين (ع)، فدفع إليها كتاباً ملفوفاً ووصية ظاهرةً. وكان علي بن الحسين مبطوناً[35] معهم لا يرون إلا ما ألمَّ به، فدَفعتْ فاطمةُ الكتابَ إلى علي بن الحسين (ع) ثم صار والله ذلك الكتاب إلينا يا زياد! قال: قلت: ما في ذلك الكتاب جعلني الله فداك؟ قال: فيه والله ما يحتاج إليه ولد آدم منذ خلق الله آدم إلى أن تفنى الدنيا والله إن فيه الحدود حتى أن فيه أرش الخدش)[36].

3- عن أبي عبد الله (ع) قال: (ان الحسين صلوات الله عليه لما صار إلى العراق استودع أم سلمة رضي الله عنها الكتب والوصية، فلما رجع علي بن الحسين (ع) دفعتها إليه)[37].

4- روى المجلسي بإسناده عن محمد بن مسلم قال: (سألت الصادق جعفر بن محمد (ع) عن خاتم الحسين بن علي (ع) إلى من صار، وذكرت له اني سمعت أنه أخذ من اصبعه فيما أخذ. قال (ع): ليس كما قالوا، ان الحسين أوصى إلى ابنه علي بن الحسين (ع) وجعل خاتمه في اصبعه وفوّض إليه أمره كما فعله رسول الله (ص) بأمير المؤمنين (ع)، وفعله أمير المؤمنين بالحسن (ع)، وفعله الحسن بالحسين (ع)، ثم صار ذلك الخاتم إلى أبي بعد أبيه، ومنه صار إلي فهو عندي. وإني لألبسه كل جمعة وأصلي فيه). قال محمد بن مسلم: فدخلت إليه يوم الجمعة وهو يصلي فلما فرغ من الصلاة مدّ إلي يده، فرأيت في إصبعه خاتماً نقشه لا إله إلاّ الله عدّة للقاء الله. فقال: هذا خاتم جدي أبي عبد الله الحسين بن علي)[38].

 صفات الأئمة (ع):

وكان الإمام زين العابدين (ع) ينبّه الأمة ويرشدها إلى فكرة الإمامة وصفات الإمام (ع):    1- قال (ع) بخصوص وصف أئمة أهل البيت (ع): (نحن أئمة المسلمين، وحجج الله على العالمين، وسادة المؤمنين، وقادة الغرّ المحجلين، وموالي المؤمنين، ونحن أمان أهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء، وبنا يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بأذنه، وبنا يمسك الأرض أن تميد بأهلها، ولم تخل الأرض منذ خلق الأرض من حجة لله مشهور أو غائب مستور، ولا تخلو الأرض إلى أن تقوم الساعة من حجة لله فيها، ولولا ذلك لم يعبد الله). فقيل له: كيف ينتفع الناس بالغائب المستور؟. فقال (ع): (كما ينتفعون بالشمس إذا سترها السحاب)[39].

2- وبخصوص الدعاء لهم (ع)، قال: (ربِّ صلِّ على أطايبِ أهلِ بيتهِ (ص) الذين اخترتَهُم لأمرك، وجعلْتَهم خزنةَ علمِكَ، وحفظةَ دينكَ، وخلفاءَكَ في أرضكَ، وحُجَجك على عبادك، وطهرتهم من الرجسِ والدنسِ تطهيراً بإرادتك، وجعلتَهُم الوسيلةَ إليك، والمسلكَ إلى جنتِكَ. ربِّ صلِّ على محمدٍ وآله صلاةً تُجزِلُ لهم بها من تُحفِكَ وكرامتك، وتكمل لهم الأشياءَ من عطاياك ونوافلك[40]، وتوِّفرُ عليهمُ الحظَّ من عوائدك وفوائدك. ربِّ صلِّ عليه وعليهم صلاةً لا أمدَ في أولها، ولا غايةَ لأمدها، ولا نهايةَ لآخرها. ربِّ صلِّ عليهم زنةَ عرشك وما دونَه، وملءَ سمواتك وما فوقُهنَّ، وعددَ أراضيك وما تحتهُنَّ وما بينهُنَّ، صلاةً تقربهم منك زلفى، وتكون لك ولهم رضى، ومتصلة بنظائرهن أبداً)[41].

3- (نحن خلفاء الأرض، ونحن أولى الناس بالله، ونحن المخصوصون في كتاب الله، ونحن أولى الناس بالله، ونحن الذين شرع الله لنا دينه، فقال: (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ...)[42] فقد علمنا، وبلّغنا واستودعنا علمهم، ونحن ورثة الأنبياء، ونحن ذرية أولي العلم، أن أقيموا الدين بآل محمد (ص) ولا تتفرقوا فيه)[43].

4- وبخصوص وجوب طاعة الإمام: (اللهم إنك أيدْتَ دينكَ في كلِ أوان بإمام أقمتَهُ علماً لعبادك، ومناراً في بلادِكَ[44]، بعد أن وصلتَ حبلَهُ بحبلِكَ، وجعلته الذريعةَ إلى رضوانكَ، وافترضتَ طاعتَهُ، وحذَّرتَ معصيتَهُ، وأمرتَ بامتثالِ أوامرهِ، والانتهاءِ عند نـهيهِ، وألاّ يتقدمَهُ متقدمٌ، ولا يتأخرَ عنه متأخرٌ، فهو عصمةُ اللائذين، وكهفُ المؤمنين، وعروةُ المستمسكين، وبهاءُ العالمين.

اللهم فأوزِع لوليّكَ[45] شكرَ ما أنعمتَ به عليه، وأوزعنا مثلَهُ فيه، وآتهِ من لدنكَ سلطاناً نصيراً،  وافتحْ له فتحاً يسيراً، وأعِنْهُ بركنِكَ الأعزِّ، وأشدُدْ أزرَهُ، وقوِّ عضُدَهُ، وراعهِ بعينِكَ، واحمهِ بحفظك، وانصُرْهُ بملائكتك، وأمدُدْهُ بجندِكَ الأغلبِ، وأقمْ به كتابك، وحدودكَ وشرائعكَ، وسننَ رسولِكَ صلواتك اللهم عليه وآله، وأحيِ بهِ ما أماتَهُ الظالمون من معالمِ دينك. وأجْلِ به صدأَ الجورِ عن طريقتك، وأبنِ به الضراءَ من سبيلك، وأزِلْ به الناكبين عن صراطك، وامْحقْ به بُغاةَ قصدكَ عوجاً، وألِنْ جانبَهُ لأوليائك، وابسُطْ يدَهُ على أعدائك، وهبْ لنا رأفتَهُ ورحمتَهُ وتعطفَهُ وتحننَهُ، واجعلنا له سامعين مطيعين، وفي رضاهُ ساعين، وإلى نصرتِهِ والمدافعةِ عنه مُكنفِينَ وإليك وإلى رسولك صلواتك اللهم عليه وآله بذلك متقربين)[46]

(2)

الأفضلية

تقتضي الإمامة المطلقة ان يكون الإمام المعصوم أفضل الناس في زمانه وأكملهم من ناحية الفضائل الإنسانية والكمالات. ذلك ان الإمامة الحقة رئاسة ربانية، ويقبح عقلاً جعلها لمن هو مفضول. فكيف يكون المفضول قائداً للفاضل؟ لا يمكن ذلك. وقد قال تعالى: (...أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّي إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)[47]، و(...قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الألْبَابِ)[48].

وغاية الإمامة هي سوق العالَم إلى الكمال المطلق والصلاح الدائم وتحصيل سعادة الدارين.

والإمام زين العابدين (ع) كان يجمع صفات الفضائل البشرية والكمالات، فقد كان (ع) معصوماً، أعلم الناس في زمانه بشريعة المصطفى محمد (ص)، وأحرص الناس على هدايتهم، وأحفظهم على رعاية شؤون الأمة، وأرقبهم لحقوق الرعية، وأعرفهم بالسياسة الشرعية.

يقول الشيخ المفيد (ت 413 هـ): كان الإمام علي بن الحسين أفضل خلق الله بعد أبيه علماً وعملاً فهو أولى بأبيه وأحقُّ بمقامه من بعده بالفضل والنسب والأولى بالإمام الماضي أحقُّ بمقامه من غيره[49]

ولو أخذنا بقول سعيد بن المسيب، من علماء المدينة المعاصر للإمام (ع)[50]، دليلاً على أفضلية الإمام السجاد (ع) لكفى. قال: (ما رأيت أفضل من علي بن الحسين، وما رأيته قط إلاّ مقتُّ نفسي)[51]، و(ما رأيت أورع منه)[52].

والزهري، وهو فقيه بني أمية على الحجاز والشام، يقول: (لم أدرك في أهل البيت رجلاً كان أفضل من علي بن الحسين)[53].

وزيد بن أسلم، من مفسري القرآن، يقول: (ما رأيتُ مثل علي بن الحسين فَهِماً حافظاً)[54].

ويشير الذهبي إلى انه (ع) كان: (أهلاً للإمامة العظمى لشرفه وسؤدده وعلمه وتألهه وكمال عقله)[55]. ويشير اليعقوبي إلى انه (ع) كان: (أفضل الناس وأشدهم عبادة)[56].

وهذه النماذج تكفي للتدليل على أفضليته (ع) في العلم والورع والتقوى في زمانه. والأفضل – بموجب نظرية الإمامة- ينبغي أن يكون قائداً وإماماً للمفضول.

وقد وصفه علـي بن عيسـى بن أبي الفتـح الأربلـي (ت 693 هـ) وصفاً جامعاً مانعاً رائعاً، فقال: (مناقب الإمام علي بن الحسين تكثر النجوم عدداً، ويجري واصفها إلى حيث لا مدى، وتلوح في سماء المناقب كالنجوم لمن بـها اهتدى، وكيف لا وهو يفوق العالمين إذا عدا علياً وفاطمة والحسن والحسين ومحمداً، وهذا تقديم لسجعٍ في الطبع فلا تكن متردداً، ومتى أعطيت الفكر حقه وجدت ما شئت فخاراً وسؤدداً، فإنه الإمام الرباني، والهيكل النوراني، بدل الأبدال، وزاهد الزهاد، وقطب الأقطاب، وعابد العباد، ونور مشكاة الرسالة، ونقطة دايرة الإمامة، وابن الخيـرتين، والكريم الطرفين، قرار القلب، وقرة العين علي ابن الحسين، وما أدراك ما علي بن الحسين؟!! الأواه الأواب، العامل بالسنّة والكتاب، الناطق بالصواب، ملازم المحراب، المؤثر على نفسه. المرتفع في درجات المعارف، فيومه يفوق على أمسه، المتفرد بمعارفه، الذي فُضِّلَ على الخلائق بتليده وطارفه، وحكم في الشرف فتسنم ذروته، وخطر في مطارفه. وأعجز بما حواه من طيب المولد، وكريم المحتد، وذكاء الأرومة، وطهارة الجرثومة، عجز عنه لسان واصفه، وتفرد في خلواته بـمناجاته، فتعجبت الملائكة من مواقفه، وأجرى مواضعه خوف ربه، فأربى على هامي الصوب وواكفه[57].

فانظر أيّدك الله في أخباره، والمح بعين الاعتبار عجائب آثاره، وفكّر في زهده وتعبده وخشوعه، وتهجده ودؤوبه في صلاته، وأدعيته في أوقات مناجاته، واستمراره على ملازمة عبادته، وإيثاره وصدقاته، وعطاياه وصلاته، وتوسلاته التي تدلّ على فصاحته وبلاغته على خشوعه لربه، وضراعته ووقوفه موقف العصاة مع شدة طاعته واعترافه بالذنوب على براءة ساحته، وبكائه ونحيبه، وخفوق قلبه من خشية الله، ووجيبه وانتصابه وقد أرخى الليل سدوله، وجرَّ على الأرض ذيوله، مناجياً ربه تقدست أسماؤه، مخاطباً له تعالى، ملازماً بابه عزّ وجلّ، مصوّراً نفسه بين يديه، معرضاً عن كل شيء، مقبلاً عليه، قد انسلخ من الدنيا الدنية، وتعرّى من الجثة البشرية، فجسمه ساجد في الثرى وروحه متعلقة بالملأ الأعلى، يتململ إذا مرت به آية من آيات الوعيد حتى كأنه المقصود بها، وهو عنها بعيد، تجد أموراً عجيبة وأحوالاً غريبة، ونفساً من الله سبحانه قريبة، وتعلم يقيناً لاشك فيه ولا ارتياب، وتعرف معرفة من قد كشف له الحجاب، وفتحت له الأبواب، ان هذه الثمرة من تلك الشجرة، كما ان الواحد جزء من العشرة، وان هذه النطفة العذبة من ذلك المعين الكريم، وان هذا الحديث من ذلك القديم، وان هذه الدرة من ذلك البحر الزاخر، وان هذا النجم من ذلك القمر الباهر، وان هذا الفرع النابت من ذلك الأصل الثابت، وان هذه النتيجة من هذه المقدمة، وان خليفة محمد وعلي والحسن والحسين وفاطمة المكرمة المعظمة هذا أصله الطاهر)[58].

وكانت له من صفات الكمال ما يمكن استقراؤها من صحائف التأريخ، عبر الوريقات القادمة. 

(3)

الأفضلية في العلم

تميّـز الإمام زين العابدين (ع) بذهنٍ متقدٍ، وعلمٍ جمّ، وقدرة عقلية إلهامية أكثر منها إكتسابية. وقد ألمحنا سابقاً إلى ان من شروط الإمامة: العلمُ اللدني، أي العلم المفاض من قبل الله تبارك وتعالى على الإمام (ع). وقد أشار الإمام جعفر الصادق (ع) إلى ذلك فقال: (اعطاه الله علمه واستودعه سره وأحيى به مناهج سبله وفرائضه وحدوده، فقام بالعدل عند تحير أهل الجهل...)[59].

ولذلك اشتهر بين الناس في زمانه أنه (ع) كان أوسع الناس علماً. وكان عنده من العلماء والرواة الذين رووا عنه من العلوم ما لا يحصى[60]. ومن أجل إدراك شخصيته العلمية، لابد من عرض نماذج له في التفسير والحديث والفقه والكلام.

 أ-القرآن الكريم:

وكان من حبه وشغفه بالقرآن الكريم أنه قال: (لو مات ما بين المشرق والمغرب لما استوحشت بعد ان يكون القرآن معي)[61]. ولم يقتصر انشغاله بالقرآن على حفظه وتفسيره والتدبر في معانيه، بل كان (ع) من أحسن الناس صوتاً في تلاوته، وكان السقائون الذين يمرون ببابه يقفون لاستماع صوته[62]. ولا عجب، وهو العارف بالقرآن الكريم، ان يدعو الناس إلى التدبر في معانيه، فيقول: (آيات القرآن خزائن كلما فتحتَ خزانةً ينبغي لك أن تنظر ما فيها). وكان اهتمامه (ع) بالقرآن منصّباً على أمرين. الأول: التأكيد على أهمية القرآن الكريم للمسلمين. والثاني: تفسير آيات الكتاب المجيد وشرحها.

أولاً: أهمية القرآن:

تنبع أهمية القرآن الكريم من كونه كلام الله المجيد، الذي يخاطب فيه المولى عزّ وجلّ عقل المسلم وضميره وروحه. فهو مصباح هداية، ووسيلة لمنازل الشرف في الآخرة، وسبباً لحطّ الذنوب، وشفيع يرتضيه الله تبارك وتعالى لغفران زلات المذنبين. وعلى ضوء ذلك، كان الإمام زين العابدين (ع) حريصاً على تبيين أهمية القرآن في حياة الإنسان، عن طريق الدعاء والمناجاة، أو الإرشاد والموعظة:  

1- يقول (ع) في فضل القرآن: (اللهم صلّ على محمد وآله، واجبُـرْ بالقرآنِ خلَّتنا من عدم الاملاقِ[63]، وسُقْ إلينا به رغَدَ العيشِ، وخِصْبَ سعةِ الأرزاقِ، وجِّنبنا به الضرائبَ[64] المذمومة، ومدانيَ الاخلاقِ[65]، واعصِمنَا به من هُوَّةِ الكفر، ودواعي النفاقِ، حتى يكونَ لنا في القيامةِ إلى رضوانِكَ وجنانِكَ قائداً، ولنا في الدنيا عن سخَطِكَ وتعدِّي حدودِكَ ذائداً، ولما عندكَ بتحليلِ حلالهِ وتحريمِ حرامهِ شاهداً.

اللهم صلّ على محمدٍ وآله، وهوِّنْ بالقرآنِ عند الموتِ على أنفسِنَا كرْبَ السياقِ[66] وجهْدَ الأنين، وترادُفَ الحشارجِ[67] إذا بلغتِ النفوسُ التراقي[68] وقيلَ من راق، وتجلَّى ملَكُ الموتِ ليقبِضَها من حُجُبِ الغيوبِ، ورماها عن قوسِ المنايا بأسهُمِ وحشةِ الفِراقِ، ودافَ لها من ذُعافِ الموتِ[69] كأساً مسمومةَ المذاقِ، ودنا منَّا إلى الآخرةِ رحيلٌ وانطلاقٌ، وصارتِ الأعمالُ قلائدَ في الأعناق، وكانت القبورُ هي المأوى إلى ميقاتِ يومِ التلاقِ.

اللهم صلّ على محمدٍ وآله، وبارك لنا في حلولِ دارِ البلى، وطولِ المقامةِ بين أطباقِ الثرى، واجعلِ القبورَ بعد فراقِ الدنيا خيرَ منازلنا، وافسح لنا برحمتك في ضيقِ ملاحِدنَا، ولا تفضحْنَا في حاضري القيامةِ بموبقاتِ آثامنَا، وارحم بالقُرآنِ في موقفِ العرْضِ عليكَ ذُلَّ مقامِنا، وثبّت به عند اضطرابِ جسرِ جهنمَ يومَ المجازِ عليها زللَ أقدامنا، ونوِّر به قبلَ البعثِ سُدَفَ قبورنا[70]، ونجِّنا به من كلِّ كرب يومَ القيامةِ، وشدائدِ أهوالِ يومِ الطامةِ، وبيِّض وجوهَنَا يوم تسوَدُّ وجوهُ الظلمةِ في يومِ الحسرةِ والندامةِ، واجعل لنا في صدورِ المؤمنين وُدّاً، ولا تجعل الحياةَ علينا نكداً)[71].

2- ويقول (ع) في كون القرآن وسيلة إلى أشرف المنازل: (اللهم صلَّ على محمدٍ وآله، واجعلنا ممن يعتصِمُ بحبلهِ، ويأوي من المتشابهاتِ إلى حرزِ معقلهِ، ويسكُنُ في ظلِّ جناحهِ، ويهتدي بضوءِ صاحبهِ، ويقتدي بتبلُّجِ أسفارهِ، ويستصبحُ بمصباحهِ، ولا يلتمسُ  الهدى في غيره. اللهم وكما نصبتَ به محمداً علماً للدلالةِ عليك، وأنهجتَ بآلهِ سُبلَ الرضا إليك، فصلّ على محمدٍ وآله، واجعل القُرآنَ وسيلةً لنا إلى أشرفِ منازلِ الكرامةِ، وسُلَّماً نعرُجُ فيه إلى محلِّ السلامةِ، وسبباً نُجزى به النجاةَ في عرصةِ القيامةِ، وذريعةً نُقدِمُ بها على نعيمِ دارِ المُقامةِ.

اللهم صلّ على محمدٍ وآله، واحطُطْ بالقُرآنِ عنا ثقلَ الأوزارِ، وهب لنا حُسنَ شمائلِ الأبرارِ، واقفُ بنا آثارَ الذينَ قاموا لك اناءَ الليلِ وأطرافَ النهارِ، حتى تُطهِّرنا من كل دَنَسٍ بتطهيرهِ، وتقفوا بنا آثارَ الذين استضاؤوا بنورهِ، ولم يُلهِهِمُ الأملُ عن العملِ، فيقطعَهُم بخُدَعِ غرورهِ. اللهم صلِّ على محمدٍ وآله، واجعل القرآنَ لنا في ظلم الليالي مُؤِنساً، ومن نزغاتِ الشيطانِ[72] وخطراتِ الوساوسِ حارِساً ولأقدامِنا عن نقلها إلى المعاصي حابساً، ولألسنتِنا عن الخوضِ في الباطلِ من غير آفةٍ مخرساً، ولجوارِحِنا عن اقترافِ الآثامِ زاجراً، ولما طوتِ الغفلةُ عنا من تصفُّحِ الاعتبارِ ناشراً، حتى تُوصِلَ إلى قلوبِنا فهمَ عجائبهِ، وزواجرَ أمثالهِ التي ضَعُفتِ الجبالُ الرواسي على صلابتها عن احتمالهِ.

اللهم صلِّ على محمدٍ وآله، وأدِمْ بالقرآنِ صلاحَ ظاهرِنا، واحجُبْ به خطراتِ الوساوسِ عن صحةِ ضمائرنا، واغسِلْ بهِ درنَ قلوبِنَا، وعلائقَ أوزارنا، واجمع به مُنتشرَ أمورِنَا، وأروِ به في موقفِ العرضِ عليك ظمأ هواجرِنا، واكسُنَا به حُلَلَ الأمانِ يومَ الفزعِ الأكبرِ في نشورنا)[73].

3- وفي دعائه بعد ختم القرآن يقول (ع): (...اللَّهم فإذا أفدتنا المعونةَ على تلاوتهِ، وسهلّتَ جواسيَ ألسنتنا[74] بحُسنِ عبادتهِ، فاجعلنا ممن يرعاهُ حقَّ رعايتهِ، ويديِنُ لكَ باعتقادِ التسليمِ لمحكمِ آياتهِ، ويفزَعُ إلى الإقرارِ بمتشابههِ، ومُوضَحاتِ بيناتهِ. اللَّهم إنك أنزلتَهُ على نبيكَ محمدٍ صلى الله عليه وآله مُجمَلاً، وألهمتَهُ علمَ عجائبِهِِ مُكمَّلاً، وورثتنا علمَهُ مفسَّراً، وفضلّتنا على من جهِلَ علمَهُ، وقوَّيتنا عليه لترفعنا فوقَ من لم يُطِقْ حملَهُ.

اللَّهم فكما جعلتَ قلوبنَا له حملةً، وعرَّفتنا برحمتكَ شرفَهُ وفضلَهُ، فصلِّ على محمدٍ الخطيبِ بهِ، وعلى آلهِ الخُزّانِ لهُ، واجعلنا ممن يعترفُ بأنه من عندِكَ حتى لا يعارضنا الشكُّ في تصديقهِ، ولا يختلجنا الزيغُ عن قصدِ طريقهِ)[75].

4-الحال المرتحل: قيل له (ع) أي الأعمال أفضل؟ قال (ع): (الحالُ المرتحل). فقيل له: وما ذاك؟ قال (ع): (هو فتح القرآن وختمه فانه كلما جاء بأوله أرتحل بآخره. ولقد قال رسول الله (ص): من أعطاه الله القرآن فرأى ان رجلاً أعطي أفضل مما أعطاه الله فقد صغَّر عظيماً وعظّم صغيراً)[76].

 ثانياً: تفسير القرآن:

ولم يقتصر إهتمام الإمام السجاد (ع) بالقرآن الكريم بحفظه أو تلاوته فحسب، بل تعدى إلى فهم شامل لمعاني الكتاب السماوي. ذلك لأن في آيات القرآن: المحكم والمتشابه، والظاهر والباطن، والمطلق والمقيد، والناسخ والمنسوخ. ولا يمكن ان يتجرأ أحدٌ على تفسير القرآن الكريم دون أساس علمي شرعي يخوّله بذلك. وهو القائل (ع): (نحن خلفاء الأرض، ونحن أولى الناس بالله، ونحن المخصوصون في كتاب الله...)، (ونحن ورثة الأنبياء، ونحن ذرية أولي العلم)، (...فقد علمنا وبلغنا واستودعنا علمهم)[77]. فلا ريب أن نأخذ بعلمه (ع) في تفسير كتاب الله المجيد:

1- في تفسير الآية الكريمة: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً)[78]، قال (ع): (إنه سبحانه وتعالى جعل الأرض ملائمة لطباعكم، موافقة لأجسادكم، ولم يجعلها شديدة الحمأ[79] والحرارة فتحرقكم، ولا شديدة البرودة فتجمدكم، ولا شديدة الريح فتصدع هاماتكم، ولا شديدة النتـن فتعطبكم[80]، ولا شديدة اللين كالماء فتغرقكم، ولا شديدة الصلابة فتمتنع عليكم في دوركم وابنيتكم وقبور موتاكم، ولكنه عزّ وجلّ جعل فيها من المتانة ما تنتفعون به، وتتماسكون وتتماسك عليها أبدانكم وبنيانكم، وجعل فيها ما تنقاد به لدوركم وقبوركم وكثير من منافعكم، فلذلك جعل الأرض فراشاً لكم.

ثم قال عزّ وجلّ: (وَالسَّمَاء بِنَاءً) أي سقفاً من فوقكم، محفوظاً يدير فيها شمسها وقمرها ونجومها لمنافعكم.

ثم قال عزّ وجلّ:  (وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاءً) يعني المطر ينـزله من علٍ ليبلغ قلل جبالكم وتلالكم وهضابكم وأوهادكم[81]، ثم فرّقه رذاذاً ووابلاً وهطلاً[82] لتنشفه أرضوكم، ولم يجعل ذلك المطر نازلاً عليكم قطعة واحدة فيفسد أرضكم وأشجاركم وزروعكم وثماركم.    

ثم قال عزّ وجلّ: (فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ) يعني مما يخرجه من الأرض رزقاً لكم (فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً) أي أشباهاً وأمثالاً من الأصنام التي لا تعقل ولا تسمع ولا تبصر ولا تقدر على شيء (وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) أنها لا تقدر على شيء من هذه النعم الجليلة التي انعمها عليكم ربكم تبارك وتعالى)[83].

2- في تفسير قوله تعالى: (...وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً)[84] قـال(ع): (بيّنـهُ - أي القرآن في تلاوته- تبييناً، ولا تنثـره نثـر البقل، ولا تهذهِ هذي الشعر. قفوا عند عجائبه لتحركوا به القلوب، ولا يكن همّ أحدكم آخر السورة).

3- في تفسير قوله تعالى: (وَأَشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ)[85]: (إذا كان يوم القيامة بعث الله الناس من حفرهم عزلاً، جرداً مرداً، في صعيد واحد يسوقهم النور، وتجمعهم الظلمة، حتى يقفوا على عتبة المحشر، فيزدحمون دونها، ويمنعون من المضي، فتشتد أنفاسهم، ويكثر عرقهم، وتضيق بهم أمورهم، ويشتد ضجيجهم، وترتفع أصواتهم، وهو أول هول من أهوال القيامة.

فينادي منادٍ اسمعوا منادي الجبار. فيسمع آخرهم كما يسمع أولهم، فتخشع قلوبهم، وتضطرب فرائصهم، ويرفعون رؤوسهم الى ناحية الصوت مهطعين إلى الداعي، ويقول الكافرون: هذا يوم عسير. فيأتي النداء من قبل الجبار: أنا الله لا إله إلا أنا، أنا الحكم الذي لا يجور، أحكم اليوم بينكم بعدلي وقسطي، لا يظلم اليوم عندي أحد، آخذ للضعيف من القوي، ولصاحب المظلمة بالقصاص من الحسنات والسيئات، وأثيب على الهبات، ولا يجوز هذه العقبة ظالم. ولا أحد عنده مظلمة يهبها لصاحبها، إلا وأثيبه عليها، وآخذ له بها عند الحساب، واطلبوا مظالمكم عند من ظلمكم بها في الدنيا، وأنا شاهدكم وكفى بي شهيداً)[86].

4- في تفسير قوله تعالى: (أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ...)[87]: (اني ضامن عن ربي تعالى أن الصدقة لا تقع في يد العبد حتى تقع في يد الرب تعالى). وكان (ع) يقول: (ليس من شيء إلا وكل به ملك، إلا الصدقة فإنها تقع في يد الله تعالى)[88].

5- في تفسير قوله تعالى: (...قُل لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إلاّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى...)[89] قال (ع): (هي قرابتنا أهل البيت)[90].

          أقول: ان الأجر المطلوب في آية المودة لم يكن من سنخ المال. فالأنبياء أرقى وأجلّ من أن يطلبوا مالاً أو يأخذوا جعلاً على تبليغ رسالة السماء. وقد صارح أنبياء الله (ع) بنفي الأجرة على التبليغ، ففي الحكاية عن هود وصالح وشعيب ويوسف عليهم السلام[91]: (وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إلاّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ)[92]. وعن نوح (ع): (...فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ...)[93]، وفي الحكاية عن النبي محمد (ص): (قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إلاّ عَلَى اللَّهِ...)[94]، وقوله: (...قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ)[95]. وطلب المال لا تتحمله طباع الناس: (أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ)[96]، (أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ)[97].

          ولكن المقصود من المودة في القربى هو موالاة آل الرسول (ص)، وهو من سنخ الدعوة الإلهية. وهذا المطلب يليق بمقام النبوة، والدعوة إليه والتعريف به. ويكون طلب الرسول (ص) من الأمة مودة آله الأقربين وهم أئمة الهدى الاثنا عشر (ع) وفاطمة الزهراء (ع)، تحنناً منه (ص) عليهم. لأنه يعود في النهاية على نفعهم ومصلحتهم.

6- في تفسير قوله تعالى: (وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ. لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ)[98]، قال (ع): (الحق المعلوم الشيء الذي يخرجه من ماله ليس من الزكاة والصدقة المفروضتين...يصل به رحماً، ويقوي به ضعيفاً ويحمل له كَلَّه[99]، أو يصل أخاً في الله، أو لنائبة تنوبه)[100].

أقول: السائل هو الفقير الذي يسأل، والمحروم: الفقير الذي يتعفف ولا يسأل. وسياق الآيات القرآنية الواردة في الزكاة تؤيد هذه الرواية. فان للزكاة موارد مسماة لمستحقيها في آية الصدقة: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ...)[101]، والآية ليست مختصة بالسائل والمحروم.

7- في تفسير قوله تعالى: (...فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ)[102]: (هو العفو من غير عتاب)[103]

8- في تفسير قوله تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)[104]: (وَلَكُمْ) يا أمة محمد (فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) لأن من همَّ بالقتل فعرفَ أنه يقتصَّ منه، فكفّ لذلك من القتل، كان حياة للذي همَّ بقتله، وحياة لهذا الجاني الذي أراد أن يقتل، وحياة لغيرهما من الناس: إذا علموا أن القصاص واجب، ولا يجسرون على القتل مخافة القصاص (يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ) اُولي العقول (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)[105].

9- في قوله تعالى: (...وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)[106]، قال (ع): (البرزخ هو القبر...والله ان القبر لروضة من رياض الجنة أو حفرة من النار)[107].

10- في قوله تعالى: (اللهُ الصّمَدُ)[108]: (الصمد الذي لا شريك له، ولا يؤوده حفظ شيء، ولا يعزب عنه شيء، والذي لا جوف له... والذي لا يأكل ولا يشرب، والذي لا ينام، والذي لم يزل ولا يزال)[109].

11- قيل لعلي بن الحسين (ع): يا ابن رسول الله كيف يعاتب الله هؤلاء الأخلاف [عرب قريش] على قبائح أسلافهم وهو سبحانه يقول: (...وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى...)[110]. فقال (ع): (ان القرآن نزل بلغة العرب، فهو يخاطب أهل اللسان بلغتهم فإنك ترى الرجل التميمي يقول: أغرنا على قوم كذا. وإنما غار عليهم أسلافه. ويقول العربي: نحن فعلنا ببني فلان كذا، ونحن سبينا آل فلان، ونحن خربنا البلد الكذائي، ولا يريد أنهم باشروا ذلك بأنفسهم، وإنما يريد هؤلاء بالإفتخار أن قومهم فعلوا كذا. وهكذا قول الله عزّ وجلّ في هذه الآيات انما هو توبيخ لاسلافهم وتوبيخ عذل لهؤلاء الموجودين. لأن هؤلاء الأخلاف رضوا بفعل أسلافهم ومصوبون لهم، فجاز أن يقول أنتم فعلتم كذا، أي انكم رضيتم بقبيح أفعالهم)[111].

 ب- الحديث الشريف:

وكان غاية العلم في القرون الهجرية الأولى هو نقل الرواية الصحيحة عن رسول الله (ص) باسانيدها الصحيحة في وقت كَثُرَ فيه الكذب على رسول الله (ص). فكان زين العابدين (ع) يروي الحديث النبوي مسنداً عن أبيه الحسين (ع) عن علي بن أبي طالب (ع) عن رسول الله (ص). فكان نقل الحديث النبوي الصحيح له قيمة عظمى في حفظ الدين، لأن السنّة النبوية الشريفة تعدُّ المصدر الثاني للشريعة بعد القرآن الكريم. فحُفِظَ القرآن الكريم بالوعد الإلهي: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)[112]، وحُفِظتْ السنّة النبوية بأئمة أهل البيت (ع) وتفانيهم في صيانتها عن التحريف.

فكان الدرس العلمي للإمام زين العابدين (ع) ينعقد في مسجد النبي (ص) بالمدينة، يطرح فيها أحاديث شريفة يرفعها إلى رسول الله (ص) بسند متصل صحيح. وكان يذكر أقوال أمير المؤمنين (ع) بسند صحيح. ومن المسلَّم به عند الطائفة أن أمير المؤمنين علي (ع) كان لا يقول شيئاً إلا واقتبسه أو نقله عن رسول الله (ص). وبالنتيجة فان درس الإمام زين العابدين (ع) كان علماً نابعاً من منابع الإسلام الأصيلة.

أولاً: ما رواه عن النبي (ص):

وهذه روايات رواها الإمام (ع) بسند صحيح متصل برسول الله (ص):

1- قال رسول الله (ص): (والذي نفسي بيده ما جمع شيء إلى شيء أفضل من حلم إلى علم)[113].

2- قال رسول الله (ص): ( لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن حبنا أهل البيت)[114].

3- قال رسول الله (ص): (ما يوضع في ميزان امريء يوم القيامة أفضل من حسن الخلق)[115].

4- قال رسول الله (ص) في آخر خطبته: (طوبى لمن طاب خلقه، وطهرت سجيته، وصلحت سريرته، وحسنت علانيته، وأنفق الفضل من ماله، وأمسك الفضل من قوله، وأنصف الناس من نفسه)[116].

5- قال رسول الله (ص): (من أحب السبل إلى الله عزّ وجلّ جرعتان: جرعة غيظ تردها بحلم، وجرعة مصيبة تردها بصبـر)[117].

6- قال رسول الله (ص): (ان الله عزّ وجلّ خلق العقل من نور مخزون مكنون، في سابق علمه الذي لم يطلع عليه نبي مرسل، ولا ملك مقرب، فجعل العلم نفسه، والفهم روحه، والزهد رأسه، والحياء عينه، والحكمة لسانه، والرأفة همه، والرحمة قلبه، ثم حشاه وقواه بعشرة أشياء: باليقين، والإيمان، والصدق، والسكينة، والإخلاص، والرفق، والعطية، والقنوع، والتسليم، والشكر. ثم قال له عزّ وجلّ: أدبر فأدبر. ثم قال له: أقبل فأقبل. ثم قال له: تكلم، فقال: الحمد لله الذي ليس له سند ولا ند، ولا شبيه ولا كفو، ولا عديل ولا مثيل، كلُّ شيءٍ لعظمته خاضع ذليل. فقال الله تبارك وتعالى: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً أحسن منك، ولا أطوع لي منك، ولا أرفع منك، ولا أشرف منك، ولا أعزّ منك. بك أواخذ، وبك أعطي، وبك أوحد، وبك أعبد، وبك ادعى، وبك أرتجى، وبك أبتغى، وبك أخاف، وبك أحذر، وبك الثواب وبك العقاب)[118].

7- قال رسول الله (ص): (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)[119].

8- قال رسول الله (ص): (انتظار الفرج عبادة، وأن من رضي بالقليل من الرزق رضي الله منه القليل من العمل)[120].

9- قال رسول الله (ص): (لا يتوارث أهل ملتين، ولا يرث مسلم كافراً، ولا كافر مسلماً) [121]. وقرأ (ع): (وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ...)[122].

10- قال رسول الله (ص): (ستة لعنهم الله وكل نبي مجاب: الزائد في كتاب الله، والمكذب بقدر الله، والتارك لسنتي، والمستحل من عترتي ما حرم الله، والمتسلط بالجبـروت ليذلّ من أعزه الله، ويعزّ من أذله الله، والمستأثر بفيء المسلمين المستحل له)[123].

11- حدثني أبي أن جده رسول الله (ص) قال: (أعبد الناس من أقام الفرائض، وأسخى الناس من أدى الزكاة، وأزهد الناس من اجتنب المحارم، وأتقى الناس من قال بالحق في ما له وعليه، وأعدل الناس من رضى للناس بما يرضى لنفسه، وكره لهم ما كره لنفسه، وأكيس الناس من كان أشد ذكراً للموت، وأغبط الناس من كان تحت التراب قد أمن العقاب ويرجو الثواب، وأعقل الناس من يتعظ بتغير الدنيا من حال إلى حال، وأعظم الناس في الدنيا خطراً من لم يجعل للدنيا خطراً، وأعلم الناس من جمع علم الناس إلى علمه، وأشجع الناس من غلب هواه، وأكثر الناس قيمة أكثرهم علماً، وأقل الناس لذة الحسود، وأقل الناس راحة البخيل، وأبخل الناس من بخل بما افترض الله عليه، وأولى الناس بالحق أعلمهم، وأقلّ الناس حرمة الفاسق، وأقلّ الناس وفاءً الملوك، وأقلّ الناس صديقاً الملوك، وأفقر الناس الطمّاع، وأغنى الناس من لم يكن للحرص أسيراً، وأفضل الناس إيماناً أحسنهم خلقاً، وأكثر الناس...[124] أتقاهم، وأعظم الناس حذراً من ترك ما لا يعنيه، وأورع الناس من ترك المراء وإن كان محقاً، وأقل الناس مروءة من كان كاذباً، وأشقى الناس الملوك، وأمقت الناس المتكبـر، وأشد الناس اجتهاداً من ترك الذنوب، وأحلم الناس من فرَّ من جهال الناس، وأسعد الناس من حالف كرام الناس، وأعقل الناس أشدهم مداراة للناس، وأولى الناس بالتهمة من جالس أهل التهمة، وأعتى الناس من قتل غير قاتله أو ضرب غير ضاربه، وأولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة، وأحق الناس بالذنب السفيه، وأذلّ الناس من أهان الناس، وأحزم الناس أكظمهم للغيظ، وأصلح الناس أصلحهم للناس، وخير الناس من انتفع به الناس)[125].

12- قال رسول الله (ص): (ما زلت أنا ومن كان قبلي من النبيين مبتلين بمن يؤذينا، ولو كان المؤمن على رأس جبل لقيض الله عزّ وجلّ من يؤذيه ليؤجره على ذلك)[126].

13- قال رسول الله (ص): (رأس العقل بعد الإيمان بالله عزّ وجلّ التحبب إلى الناس)[127].

14- قال رسول الله (ص): (إن أحب الأعمال إلى الله تعالى إدخال السرور على المؤمن)[128].

15- قال رسول الله (ص): (كفى بالمرء عيباً أن يبصر من الناس ما يعمى عليه من نفسه، وأن يؤذي جليسه بما لا يعنيه)[129].

16- أتى رجل إلى رسول الله (ص) فقال له: ما بقي من الشر شيء إلا عملته، فهل من توبة؟ فقال (ص): (هل بقي من والديك أحد؟) قال: نعم. قال (ص): (فبـره، فلعله أن يغفر لك). فولى الرجل. فقال (ص): (لو كانت أمه)[130].

17- قال رسول الله (ص): (إن المؤمن ليشبع من الطعام فيحمد الله فيعطيه الله من الأجر ما يعطي الصائم القائم، إن الله يحب الشاكرين)[131].

18- قال رسول الله (ص): (الإيمان أقرار باللسان، ومعرفة بالقلب، وعمل بالأركان)[132].

19- قال رسول الله (ص): (الإيمان قولٌ وعمل)[133].

20- روى (ع) بسنده عن آبائه (ع) أن المسلمين قالوا لرسول الله (ص): لو أكرهت يا رسول الله من قدرت عليه من الناس على الإسلام لكثر عددنا وقوينا على عدونا، فقال رسول الله (ص): (ما كنت لألقى الله عزّ وجلّ ببدعة لم يحدث إلي فيها شيء، وما أنا من المتكلفين). فأنزل الله تبارك وتعالى يا محمد: (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ)[134]....([135].

21- قال (ع): حدثني أبي سيد شباب أهل الجنة الحسين (ع)، قال: حدثني أبي علي بن أبي طالب (ع) قال: سمعت النبي (ص) يقول: (قال الله عزّ وجلّ: إني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدوني، فمن جاء منكم بشهادة أن لا إله إلا الله باخلاص دخل في حصني، ومن دخل في حصني أمن من عذابي)[136].

22- قال رسول الله (ص): (حبي وحب أهل بيتي نافع في سبعة مواطن أهوالهن عظيمة: عند الوفاة، وفي القبـر، وعند النشور، وعند الكتاب، وعند الحساب، وعند الميـزان، وعند الصراط)[137].

23- قال رسول الله (ص): (قال الله عزّ وجلّ: علي بن أبي طالب حجتي على خلقي، ونوري في بلادي، وأميني على علمي).

24- قال رسول الله (ص): (خلقت أنا وعلي من نور واحد)[138].

25- قال رسول الله (ص): (يا علي أول ما يسأل عنه العبد بعد موته شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأنك ولي المؤمنين بما جعله الله وجعلته لك، فمن أقر بذلك وكان يعتقده صار إلى النعيم الذي لا زوال له).

26- قال رسول الله (ص): (هبط عليَّ جبـرئيل فقال: إن الله يقرئك السلام ويقول: حرمت النار على صلب أنزلك، وبطن حملك، وحجر كفلك)[139]. والصلب الذي أنزله هو عبد الله، والبطن التي حملته هي آمنة بنت وهب، والحجر الذي كفله هو أبو طالب وفاطمة بنت أسد.

27- دخل رسول الله (ص) على نفر من أهله، فقال: (ألا أحدثكم بما يكون خيراً من الدنيا والآخرة لكم، وإذا كربتم أو غممتم دعوتم الله عزّ وجلّ ففرج عنكم. قالوا: بلى يا رسول الله. قال (ص) قولوا: (الله، الله، الله، ربنا لا نشرك به شيئاً. ثم ادعوا ما بدا لكم)[140].

28- قال رسول الله (ص) يخاطب أمير المؤمنين علي(ع): (الجنة تشتاق إليك، وإلى عمار، وإلى سلمان، وأبي ذر، والمقداد)[141].

29- قال رسول الله (ص): (علي بن أبي طالب خليفة الله وخليفتي، وحجة الله وحجتي، وصفي الله وصفيي، وحبيب الله وحبيبي، وخليل الله وخليلي، وسيف الله وسيفي، وهو أخي وصاحبي ووزيري، محبّه محبّي، ومبغضه مبغضي، ووليه وليي، وعدوه عدوي، وزوجته ابنتي، وولده ولدي، وحربه حربي، وقوله قولي، وأمره أمري، وهو سيد الوصيين، وخير أمتي)[142].

30- قال رسول الله (ص) لأصحابه: (أن الله قد فرض عليكم طاعتي، ونهاكم عن معصيتي، وفرض عليكم طاعة من بعدي، ونهاكم عن معصيته، وهو وصيي، ووارثي، وهو مني وأنا منه، حبه إيمان وبغضه كفر)[143].

(تليها صفحات 198- 243)

 

 اللاحق               صفحة التحميل           الصفحة الرئيسية


 

[1] سورة القصص: الآية 41.

[2] سورة براءة: الآية 12.

[3] سورة الانبياء: الآية 73.

[4] سورة البقرة: الآية 124.

[5] سورة البقرة: الآية 30.

[6] سورة ص: الآية 26.

[7] سورة الأعراف: الآية 142.

[8] الخصائص ص 14. رواها النسائي عن سعد بن ابي وقاص.

[9] سورة  المائدة: الآية 55.

[10] سورة الأحزاب: الآية 33.

[11] سورة البقرة: الآية 124.

[12] ورد الحديث بالفاظ مختلفـة. لاحظ صحيح مسلم ج 6 ص 22، ومسند أحمد ج 2 ص 83، ومنهاج السنة لابن تيمية ج 1 ص 67، وكنـز العمال ج 3 ص 220.

[13] سورة الكهف: الآية 65.

[14] سورة لقمان: الآية 12.

[15] سورة الأنبياء: الآية 80.

 [16]سورة النمل: الآية 40.

[17] سورة آل عمران: الآية 49.

[18] سورة البقرة: الآية 30 - 33.

[19] سورة الرعد: الآية 43.

[20] سورة النحل: الآية 89.

[21] سورة الانعام: الآية 59.

[22] سورة البقرة: الآية 124.

[23] سورة البقرة: الآية 229.

[24] سورة النساء: الآية 59.

[25] سورة الأحزاب: الآية 30.

[26] شرح المواقف للجرجاني ج 8 ص 345.

[27] الإفصاح للشيخ المفيد ص 27.

[28] الحدود والحقائق للقاضي الآبي (من متكلمي الإمامية) ص 15 رقم 16.

[29] وهـو من الأحاديث المتواترة. رواه البخاري في صحيحه ج 4 ص 208. ومسلم في صحيحه ج 2 ص 360. وأحمد في مسنده ج 1 ص 173.

[30] ابن طاووس في اللهوف ص 5-6.

[31] بحار الأنوار ج 36 ص 226.

[32] المصدر السابق.

[33] الغيبة للطوسي ص 105، ومختصر البصائر ص 39 ط. النجف.

[34] كفاية الطالب للكنجي ص 448.

[35] المبطون: عليل البطن.

[36] الكافي – باب الإشارة والنص على علي بن الحسين (ع) ج 1 ص 241.

[37] المصدر السابق ج 1 ص 242.

[38] بحار الأنوار ج 46 ص 17.

[39] أمالي الصدوق ص 112.

[40] النافلة: العطية الفاضلة.

[41] الصحيفة السجادية. الدعاء السابع والأربعون ص 208.

[42] سورة الشورى: الآية 13.

[43] ناسخ التواريخ ج 2 ص 49.

[44] المنار: موضع يوضع عليه المصباح ليلاً ليراه المار بالطريق فيعرف موضعه منه.

[45] وهو كناية عن الإمام المهدي (عج) كما في شرح الصحيفة. وقال مصنف (مكيال المكارم) أن المراد بالولي في ألسنتهم ودعواتهم عليهم السلام هو الإمام صاحب العصر والزمان المهدي عجل الله فرجه.

[46] الصحيفة السجادية: الدعاء السابع والأربعون ص 209.

[47] سورة يونس: الآية 35.

[48] سورة الزمر: الآية 9.

[49] الإرشاد للشيخ المفيد.

[50] توقف العلماء المتأخرين في قدحه أو مدحه كما سيأتي في محله.

[51] تأريخ اليعقوبي ج 3 ص 46.

[52] العبر في خبر من غبر ج 1 ص 111.

[53] شذرات الذهب ج 1 ص 105.

[54] طبقات الفقهاء ج 2 ص 34.

[55] سير أعلام النبلاء ج 4 ص 240.

[56] تاريخ اليعقوبي ج 3 ص 46.

[57] الصوب: المطر. والواكف: المطر الذي يسيل قليلاً قليلاً.

[58] كشف الغمة في معرفة أحوال الأئمة (ع)- الأربلي. ترجمة علي بن الحسين (ع).

[59] غيبة النعماني ص 120.

[60] خلاصة تهذيب الكمال ص 23. أقول: أحصى علماء الرجال من رواته وتلامذته أكثر من مائة وسبعين راوياً. والذين فُقدت اسماؤهم أكثر.

[61] بحار الأنوار ج 46 ص 107.

[62] أصول الكافي ج 2 ص 616.

[63] الاملاق: الفقر.

[64] الضرائب: جمع ضريبة بمعنى الطبيعة.

[65] مداني الأخلاق: الأخلاق الدنيئة.

[66] كرب السياق: حالة المحتضر عند الموت.

[67] الحشارج: جمع حشرجة، وهي الغرغرة عند الموت.

[68] التراقي: جمع ترقوة وهي العظم المحيط بالرقبة.

[69] زعاف الموت: خالصه.

[70] سدف قبورنا: ظلمة قبورنا.

[71] الصحيفة السجادية – الدعاء الثاني والأربعون ص 174.

[72] نزغات الشيطان: جمع نزغة، وهي الوسوسة.

[73] الصحيفة السجادية- الدعاء الثاني والأربعون ص 173.

[74] جواسي: جمع جاسية وهي الغليظة. والمراد غلاظ الألسنة.

[75] الصحيفة السجادية ص 172.

[76] الكافي على هامش مرآة العقول ج 2 ص 530.

[77] ناسخ التواريخ ج 2 ص 49.

[78] سورة البقرة: الآية 22.

[79] الحمأ: شدة حرارة الشمس.

[80] تعطبكم: تهلككم.

[81] الهضاب: الأرض المرتفعة. الأوهاد: الأرض المنخفضة.

[82] الرذاذ: المطر الضعيف. الوابل: المطر الشديد. الهطل: المطر الضعيف الدائم.

[83] عيون أخبار الرضا (ع) ج 1 ص 137-138.

[84] سورة المزمل: الآية 4.

[85] سورة الزمر: الآية 69.

[86] تفسير البرهان ج 2 ص 95.

[87] سورة التوبة: الآية 104.

[88] تفسير البرهان ج 1 ص 441، وتفسير الصافي ص 223.

[89] سورة الشورى: الآية 23.

[90] أحكام القرآن للجصاص ج 3 ص 475.

[91] سورة الشعراء: الآية 109، 145، 164، 180. ومعنى مشابه في سورة يوسف: الآية 104.

[92] سورة الشعراء: الآية 109.

[93] سورة يونس: الآية 72.

[94] سورة سبأ: الآية 47.

[95] سورة الأنعام: الآية 90.

[96] سورة القلم: الآية 46.

[97] سورة المؤمنون: الآية 72.

[98] سورة المعارج: الآية 24-25.

[99] الكَلّ (بالفتح): الثقل، والعيال.

[100] وسائل الشيعة ج 6 ص 69.

[101] سورة التوبة: الآية 60.

[102] سورة الحجر: الآية 85.

[103] وسائل الشيعة ج 5 ص 519.

[104] سورة البقرة: الآية 179.

[105] الإحتجاج للطبرسي ص 319.

[106] سورة المؤمنون: الآية 100.

[107] الخصال للصدوق ج 1 ص 59.

[108] سورة الإخلاص: الآية 2.

[109] الوافي ج 1 ص 81.

[110] سورة الأنعام: الآية 164.

[111] الاحتجاج للطبرسي ص 170.

[112] سورة الحجر: الآية 9.

[113] الخصال ص 5.

[114] الخصال ص 231.

[115] أصول الكافي ج 2 ص 99.

[116] أصول الكافي ج 2 ص 156.

[117] أصول الكافي ج 2 ص 99.

[118] الخصال ص 396- 397.

[119] المعرفة والتاريخ ج 1 ص 360.

[120] الفصول المهمة لابن الصباغ ص 188.

[121] الجامع المختصر لابن الساعي ج 9 ص 87.

[122] سورة الأنفال: الآية 73.

[123] الخصال ص 308.

[124] كلمة ساقطة في المتن، ولعلها وأكثر الناس ايماناً أتقاهم.

 [125]الغايات لأبن بابويه القمي.

[126] وسائل الشيعة ج 5 ص 486.

[127] الخصال ص 17.

[128] مصادقة الأخوان للشيخ الصدوق.

[129] أصول الكافي ج 2 ص 46.

[130] الدعوات للقطب الراوندي ص 47.

[131] ربيع الأبرار ج 4 ص 328.

[132] الخصال ص 165.

[133] الخصال ص 53.

[134] سورة يونس: الآية 99.

[135] التوحيد للصدوق ص 342.

[136] التوحيد ص 25.

[137] الخصال ص 330.

[138] الخصال ص 31.

[139] التعظيم والمنّة ص 32.

[140] دعوات القطب الراوندي ص 20.

[141] الخصال ص 275.

[142] روضات الجنات ج 6 ص 183- 184.

[143] ينابيع المودة للقندوزي. باب 41.