|
(ص 149- 197) الفصل الثاني الخصائص الشخصية ------------------------------ (1) الإمامة يعدُّ زين العابدين علي بن الحسين (ع) الإمام الرابع من أئمة أهل البيت (ع) الذين اذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، حسب وصية رسول الله (ص). وحتى نفهم إمامة زين العابدين (ع)، لابد لنا من شرح مختصر لمعنى (الإمامة) لفظاً واصطلاحاً. المعنى اللفظي: ومعنى الإمام هو من يأتمَّ به الناس ويقتدي. وأصل الكلمة (أمّ) القوم أي تقدمهم في الصلاة أو في الفكر. والنتيجة أن الإمامة هي منصب رئاسة. والخلافة والولاية كلمتان إضافيتان ترادفان كلمة الإمامة. وقد وردت تلك الالفاظ في القرآن الكريم. فجاءت كلمة الإمام مطلقة في الهداية والضلال، وهو كل من تقدّم لفرقةٍ فاتبعه الناس. فقال تعالى في أئمة الضلال: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لاَ يُنصَرُونَ)[1]، (...فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ...)[2]. وقال في شأن ابراهيم واسحق ويعقوب (عليهم السلام): (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ...)[3]، وفي حق إبراهيم الخليل (ع): (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً...)[4]. وجاءت كلمة الخلافة ككلمة إضافية، لأنها تقتضي النيابة والبدلية. والإستخلاف لابد أن يكون عن الله عزّ وجلّ، وعن رسوله (ص) فيكون خليفة الله أو خليفة رسوله. قال عزّ وجلّ في شأن آدم مخاطباً الملائكة: (...إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ...)[5]، وقال تعالى مخاطباً النبي داود (ع): (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرْضِ...)[6]، وبخصوص موسى وهارون: (...وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي...)[7]. وقال رسول الله (ص) لعلي بن أبي طالب (ع) في غزوة تبوك: (يا علي إنما خلفتك على أهلي، أما ترضى أن تكون مني بمنـزلة هارون من موسى...)[8]. وجاءت كلمة الولاية إضافية أيضاً، لأنها أقتضت التكفل. بمعنى ان يقوم الولي بكفالة المؤمنين مهما كان عددهم. قال تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)[9]. المعنى الإعتقادي: والإمامة الشرعية أصل من أصول الدين. لأنـها رئاسة ربانية تقود الأمة إلى طريق الهداية والرشاد. ومن أجل فهم المعنى الإعتقادي للإمامة كان لابد من عرض مجموعة المبادئ التي تشكل الأساس لفكرة الإمامة: 1- ان الإمامة الكلية والولاية المطلقة لرسول الله (ص) ولخلفائه أئمة أهل البيت (ع) إنما هي بالجعل الآلهي لا بالتكوين. أي ان الإنسان لا يستطيع مهما اجتهد ودرس أن يكون بمنـزلة الإمام المعصوم (ع). لأن القضية ليست قضية اكتساب واجتهاد، إنما هي إرادة إلهية اقتضت أن يكون هؤلاء الاطهار من آل النبي محمد (ع) أئمة هدى، وإلى ذلك قال تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)[10]. فالإرادة الإلهية شاءت أن تحصر الإمامة الشرعية الكلية بهم (ع). فالإمامة بـهذا المعنى هي شرعية جعلية وليست تكوينية. أي ان الإمامة ليست مرتبة علمية، ولا منـزلة إجتماعية يكتسبها الانسان بالجدّ والاجتهاد، ولا سلطة إدارية يتلبس بها الانسان قهراً. وكل من تغلب على أمور الناس واستولى على مقدراتهم، فهو إمام قهر وغلبة. وكل من ثبتت له الولاية الآلهية وكان له زمام الدين، فهو إمام عدل وهداية. 2- ان الإمامة منصب إلهي، وليست منصباً عرفياً أو عقلائياً. وإلى ذلك يشير القرآن الكريم: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً...)[11]. فالإمامة تنتهي إلى من له ملك السموات والأرض فيقلدها من اصطفاه من عباده، ويجعلها لمن ابتلاه من خيرة خلقه. وبـمعنى آخر، أن الإمامة لا تجري مجرى الإنتخاب أو التصويت. بل هي بالتعيين الإلهي أو الإصطفاء. ويشترط فيمن تكون له الولاية والإمامة ان تكون له اللياقة التامة الكاملة من قبيل إمتلاكه الفضائل الإنسانية والكمالات الروحية والجسمية والملكات القدسية، وتلك صفات أساسية يعلمها الله تبارك وتعالى لعباده الذين يصطفيهم لهذه المهمة العظيمة. 3- يصنّف العلماءُ المجعولاتِ الشرعية إلى صنفين. الإول: أصول الدين، وهي الإعتقادات. والثاني: فروع الدين، وهي الأعمال التكليفية. والإمامة من الصنف الأول. أي هي أصلٌ من الأصول العقائدية مثلها مثل التوحيد والنبوة والمعاد، لأنها ليست من الوظائف العملية المرتبطة بالتكليف كالصلاة والصيام والزكاة ونحوها. ولذلك أمر الإسلام بوجوب الإيمان بالإمامة، كاعتقاد له مصاديق واقعية حية إلى يوم القيامة. وكلُ أمرٍ يجب الاعتقاد به في الدين يعدُّ من أصول الدين. فالإمامةُ أصلٌ من أصول الدين. وأوجب الدين معرفة الإمام (ع) بنص حديث الرسول الأعظم محمد (ص) المشهور المتواتر المتفق عليه بين الفريقين: (من مات ولم يعرف إمام زمانه ماتَ ميتة الجاهلية)[12]. فالإمامة إذن أصلٌ يجب معرفته وتشخيص موارده والإيمان به إيماناً قلبياً صحيحاً. 4- ان من لوازم الإمامة اللياقة العلمية الآلهية: فالإمامة الإلهية لا تكتمل إلاّ بعلمٍ رباني وفيض إلهي يحيط بجميع شؤون ولاية الإمام عليه السلام. بمعنى انه لابد للإمام من العلم بجيمع حقائق الشريعة، وتمام خصوصيات الأحكام، وفهم تام لجميع آيات القرآن، وإدراك تام لعوالم الوجود. فالولاية التامة تقتضي علماً كاملاً بعوالم التشريع والتكوين وما له الولاية عليه وأولوية التصرف فيه. وتشير جملة من الآيات القرآنية الشريفة إلى مراتب العلم الإلهي. فيقول تعالى بخصوص الخضر (ع): (...وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً)[13]، وبخصوص لقمان (ع): (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ...)[14]، وفي شأن داود (ع): (وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ ...)[15]، وفي حق وزير سليمان بن داود (ع): (قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ...)[16]، وبخصوص عيسى (ع): (...وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ...)[17]. دليل اللياقة العلمية: وفي الإستدلال على اللياقة العلمية للإمام نأتي بآيتين لهما خصوصية في هذا المقام: الأولى: قوله تعالى في قصة آدم: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ. وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ. قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ. قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ)[18]. وهذه الآية صريحة في ان الإمامة الإلهية أو الخلافة لا تتم إلا باللياقة العلمية الربانية الشاملة لجميع الحقائق والكليات. وهي موهبة خاصة لا تتوفر للملائكة الذين جبلوا على الطاعة والعبادة والتقديس. فالخلافة أو الإمامة هنا لا تحصل إلاّ بإفاضة العلم الربّاني على الخليفة الربّاني. الثانية: قوله تعالى: (...قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ)[19]. وهذه الآية غالباً ما يستشهد بـها أئمة أهل البيت (ع) على قدرتهم العلمية والإعجازية. وهذا الذي عنده علم الكتاب ويكون شهيداً بين النبي (ص) وقومه لابد أن يكون حائزاً على فيضٍ رباني وعلمٍ إلهي وفضيلةٍ حتى يكون مؤهلاً للشهادة لرسول الله (ص) شهادة تامة من جميع الجوانب. وكيف يستطيع ذلك الشاهد إدراك أفضلية خاتم الأنبياء محمد (ص) ما لم يكن فاضلاً نفسه. وعلمُ الكتاب يعني العلم بكل شيء، لأن الكتاب الذي يعلمه لابد أن يكون أحد أمرين: إما اللوح المحفوظ الذي دوّن فيه كل شـيء، وإما القرآن الكريـم الذي يصـرح بأنه (...تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ ...)[20]، (...وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ) [21]. وإذا انحصر الكتاب بالقرآن الكريم، فمن عنده علم الكتاب هو العالِم العارف بكليات القرآن الكريم وجزئياته. وإذا كان الذي عنده علمٌ من الكتاب قادراً على إحضار عرش بلقيس ملكة سبأ قبل أن يرتدّ إلى سليمان (ع) طرفه، فان الذي عنده علمُ الكتاب (وهو الإمام) قادر على الإحاطة العلمية الكاملة بقضايا التشريع والتكوين. 5- العصمة من لوازم الإمامة: العصمة هي مَلَكَة روحية تصون صاحبها عن الخطأ والنسيان، والجهل والعصيان. وبتعبيـر آخر فإن الإمام يجب أن يكون معصوماً عن ارتكاب المخالفات الشرعية أو ارتكاب الأعمال التي يستقبحها العقل، بصورة كلية أو جزئية، عمداً أو سهواً، ومن الصبا المبكر وحتى الممات. فالمعصوم ينبغي ان لا يخالف التكاليف الشرعية، مع قدرته عليها، لعدّة اسباب: الأول: ان الهدف من الإمامة هو حفظ الشريعة. فلابد أن يكون الإمام حافظاً للدين. ومن أجل تحقيق ذلك لابد ان يكون معصوماً. أي لابد أن لا يخطأ ولا ينسى ولا يجهل أمور الدين، وان لا يرتكب المعصية الشرعية أو العقلية وهو قادر عليها. ولا يمكن ان تكون العصمة في الدين متجزأة، أي لا يمكن ان يكون له فهم في أمور، وجهل في أمور اخرى. بل لابد ان تكون العصمة تامة كاملة وشاملة لجميع موارد الدين بـما فيها الاعتقادات والعبادات. الثاني: ان الحاجة من وجود الإمامة هو عدم تفويت المصالح على العباد. أي ان الإمام المعصوم يمنع الظلم وينتصف للمظلوم، ويرفع الفساد، ويحمل الناس على الطاعة، ويمنعهم عن ارتكاب الفواحش والمنكرات، ويحسم مادة الفتـن، ويقيم الحدود والفرائض. ولو جازت المعصية من إنسان من هذا القبيل لانتفت المصلحة من وجوده. وغير المعصوم يمكن ان يرتكب المعصية فلا تحصل الفائدة. وغير المعصوم تصدر منه الصغائر التي لا تنافي العدالة، ولا تحصل الفائدة من وجوده لأنه يحتاج عندئذٍ إلى إمام آخر لا يرتكب الصغائر. والإمام الذي يخطأ يحتاج إلى إمام آخر يمنعه عن ارتكاب الاخطاء. وحتى لو كان معذوراً فإن العذر لا يصحح تفويت تلك المصالح على العباد. وبذلك نستنتج بأن الإمام ينبغي أن يكون معصوماً عصمة تامة، حتى تُحرز العدالة الواقعية من أفعاله وأقواله. ويؤيدها قولـه تعالى: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)[22]. وهي صريحة في ان الولاية أو الإمامة لا ينالها الظالم. والمعصية مهما كان حجمها لاتتعدى كونها أحد أنواع الظلم الثلاثة، وهي: ظلمٌ بحق الله تعالى، أو ظلمٌ بحق الناس، أو ظلمٌ بحق النفس. وكلّها تعدُّ تعدياً لحدود الله، وقد قال تعالى: (...وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)[23]. قال السيوطي في الدر المنثور في تفسير الآية الآنفة الذكر: (قال ابن عباس:....لا ينال عهده من هو في رتبة ظالم ولا ينبغي ان يوليه شيئاً من أمـره. وعن مجاهـد: ان المعنى هو أن لا أجعل إماماً ظالماً يقتدى به). الثالث: هناك إحتمال بأن يخالف غير المعصوم الحقَ عمداً أو خطأً. فيلزم عندئذٍ الخروج عن طاعته والإنكار عليه من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وإذا تمّ ذلك كان خلاف الهدف الذي تم فيه نصب الإمام. وقد قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ ...)[24]. والآية صريحة في وجوب طاعة أولي الأمر على الإطلاق كوجوب طاعته عزّ وجلّ وطاعة رسوله (ص). وهذا لا يتحقق إلاّ بالعصمة، لأن غير المعصوم قد يأمر بالمعصية خطأً أو نسياناً أو جهلاً، وعندئذٍ يجب مخالفته بينما أوجبت الآية طاعته. فعندئذٍ يقع التناقض بين وجوب الطاعة للولي وحرمة الطاعة في معصية الله عزّ وجلّ. وهذا مستحيل بحق القرآن. الرابع: ان الإمام هو مثلٌ أعلى للناس، فإذا لم يكن معصوماً وصدرت منه المعصية أحياناً، ولو كانت من الصغائر، اصبح مورداً لعدم الاطمئنان به وبقيادته. لأن الصغيرة من الإمام أقبح من الكبيرة من عموم الناس. فهنا يسقط من القلوب ولا تنقاد الناس إلى إمامته. قال تعالى في خطابه إلى نساء النبي (ص): (... مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً)[25]. الإمامُ المنصوصِ عليه: إجمالاً، إذا كانت الإمامة هي رئاسة عامة في أمور الدين والدنيا[26]، والتقدم في ما يقتضي طاعة صاحبه والإقتداء به في ما تقدم به[27]، والتقدم لأمر الجماعـة[28]، فإن الإمام ينبغي ان يكون منصوصاً عليه من قبل الله تعالى. لأن العلم بتحقق شروط الإمامة لإنسانٍ ما لا يكون إلا عند علاّم الغيوب وهو الله عز وجل. ومنـزلتها كمنـزلة النبوة، إلا ان النبوة مرتبطة مباشرة بالوحي. والدليل على ذلك قول رسول الله (ص) لعلي بن ابي طالب (ع): (أنت مني بمنـزلة هارون من موسى إلا انه لا نبي بعدي)[29]. ويمكننا تصور شخصية الإمام (ع) عبر هذه القطعة الأدبية الشارحة لطبيعة الإصطفاء الرباني له: (الحمد لله ....الذي نزه اوليائه عن دار الغرور، وسما بهم الى أنوار السرور، ولم يفعل ذلك بهم محاباة لهم على الخلائق، ولا إلجاء لهم إلى جميل الطرائق، بل عرف منهم قبولاً للألطاف، واستحقاقاً لمحاسن الأوصاف، فلم يرض لهم التعلق بحبال الإهمال، بل وفقهم للتخلق بكمال الأعمال، حتى فرغت نفوسهم عمن سواه، وعرفت أرواحهم شرف رضاه، فصرفوا أعناق قلوبهم إلى ظله، وعطفوا آمالهم نحو كرمه وفضله. فترى لديهم فرحة المصدق بدار بقائه، وتنظر إليهم مسحة المشفق من أخطار لقائه، ولا تزال أشواقهم متضاعفة إلى ما قرب من مراده، وأريحيتهم مترادفة نحو إصداره وإيراده، وأسماعهم مصغية إلى استماع أسراره وقلوبـهم مستبشرة بحلاوة تذكاره، فحباهم منه بقدر ذلك التصديق، وحباهم من لدنه حباء البر الشفيق. فما أصغر عندهم كل ما أشغل عن جلاله، وما أتركهم لكل ما باعد من وصاله، حتى أنـهم يتمتعون بأنس ذلك الكرم والكمال، ويكسوهم أبداً حلل المهابة والجلال، فإذا عرفوا أن حياتهم مانعة عن متابعة مرامه، وبقائهم حائل بينهم وبين إكرامه، خلعوا أثواب البقاء، وقرعوا أبواب اللقاء، وتلذذوا في طلب ذلك النجاح، ببذل النفوس والأرواح، وعرضوها لخطر السيوف والرماح...)[30]. ونستنتج مما سبق أن للإمام المنصوص عليه لياقات أخرى إضافية، وهي: 1- قبول الألطاف الإلهية. أي الرضا بما يقسم الله عزّ وجلّ من نِعَم أو إبتلاءات دنيوية. 2- التوفيق لكمال الأعمال، أي التوفيق لأداء حق الله تبارك وتعالى كاملاً في الطاعة وعدم المعصية، وأداء حقوق العباد. 3- الإشتغال بقرب المراد. وهو التسامي في مراتب العبادة، والإشتغال بالله تعالى وحده. أي تفريغ النفس من كل ما يتعلق بشواغل الحياة الدنيوية، من مال أو جاه، أو ولد أو زوجة، أو حزن أو فرح، أو شوق لغيره تعالى. 4- الإستعداد لقرع باب اللقاء في أية لحظة. أي تحقيق حالة عقلية مستعدة للموت في سبيل الله. وبذلك نعلم ان المعصوم (ع) هو أشجع الناس. لأن الشجاعة العقلية أو الإستعداد النفسي والعقلي للموت أعظم من الشجاعة الجسدية المجردة عند الإنسان. النص الخاص على إمامة زين العابدين (ع): والنص على زين العابدين (ع) بالإمامة يمكن استقراؤه بطريقين: الأول: الأخبار الواردة في الأئمة الإثنى عشر عن رسول الله (ص)، وهي: 1- عن رسول الله (ص) قال: (الأئمة من بعدي أثنا عشر. أولهم أنت يا علي وآخرهم القائم الذي يفتح الله تعالى ذكره على يديه مشارق الأرض ومغاربها)[31]. 2- وعن رسول الله (ص) أيضاً انه قال: (...إذا اختلفت الأهواء وتفرقت الآراء فعليك بعلي بن أبي طالب فإنه إمام أمتي وخليفتي عليهم من بعدي... وان منه إماميَّ أمتي وسيديَّ شباب أهل الجنّة الحسن والحسين وتسعة من ولد الحسين (ع) تاسعهم قائم أمتي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً)[32]. 3- في ليلة وفاته (ص)، دعا رسول الله صلى الله عليه وآله علياً (ع) وقال له: (يا أبا الحسن إحضر صحيفة ودواة). ثم أملى (ص) وصيته حتى انتهى إلى بيان الخلفاء من بعده، فقال: (يا علي سيكون بعدي اثنا عشر إماماً. فأنت يا علي أولهم، سمّاكَ اللهُ في سمائه علياً المرتضى وأمير المؤمنين والصدّيق الأكبر والفاروق الأعظم والمأمون، فلا تصلح هذه الأسماء لأحدٍ غيرك... وأنت خليفتي على أمتي من بعدي، فإذا حضرتك الوفاة فسلّمها إلى ابني الحسن البرّ الوصول. فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابني الحسين الشهيد الزكي المقتول. فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه علي سيد العابدين ذي الثفنات. فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه محمد باقر العلم. فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه جعفر الصادق. فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه موسى الكاظم. فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه الرضا. فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه محمد الثقة التقي. فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه علي الناصح. فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه الحسن الفاضل. فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه محمد المستحفظ من آل محمد)[33]. الثاني: الروايات التي وردت في إمامة علي بن الحسين (ع) خاصة، وقد ذكرنا قسماً منها في الفصل الأول. ولكن الإستدلال يحتم علينا ذكرها هنا أيضاً، وهي: 1- عن الزهري قال: (كنا عند جابر فدخل عليه علي بن الحسين (ع)، فقال: كنت عند رسول الله (ص) فدخل عليه الحسين بن علي (ع) فضمّه إلى صدره وقبلّه وأقعده إلى جنبه. ثم قال: يولد لإبني هذا ابن يقال له علي، إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ من بطنان العرش: ليقم سيد العابدين فيقوم هو)[34]. 2- عن أبي جعفر (ع) قال: ( ان الحسين بن علي (ع) لما حضره الذي حضره دعا ابنته الكبرى فاطمة بنت الحسين (ع)، فدفع إليها كتاباً ملفوفاً ووصية ظاهرةً. وكان علي بن الحسين مبطوناً[35] معهم لا يرون إلا ما ألمَّ به، فدَفعتْ فاطمةُ الكتابَ إلى علي بن الحسين (ع) ثم صار والله ذلك الكتاب إلينا يا زياد! قال: قلت: ما في ذلك الكتاب جعلني الله فداك؟ قال: فيه والله ما يحتاج إليه ولد آدم منذ خلق الله آدم إلى أن تفنى الدنيا والله إن فيه الحدود حتى أن فيه أرش الخدش)[36]. 3- عن أبي عبد الله (ع) قال: (ان الحسين صلوات الله عليه لما صار إلى العراق استودع أم سلمة رضي الله عنها الكتب والوصية، فلما رجع علي بن الحسين (ع) دفعتها إليه)[37]. 4- روى المجلسي بإسناده عن محمد بن مسلم قال: (سألت الصادق جعفر بن محمد (ع) عن خاتم الحسين بن علي (ع) إلى من صار، وذكرت له اني سمعت أنه أخذ من اصبعه فيما أخذ. قال (ع): ليس كما قالوا، ان الحسين أوصى إلى ابنه علي بن الحسين (ع) وجعل خاتمه في اصبعه وفوّض إليه أمره كما فعله رسول الله (ص) بأمير المؤمنين (ع)، وفعله أمير المؤمنين بالحسن (ع)، وفعله الحسن بالحسين (ع)، ثم صار ذلك الخاتم إلى أبي بعد أبيه، ومنه صار إلي فهو عندي. وإني لألبسه كل جمعة وأصلي فيه). قال محمد بن مسلم: فدخلت إليه يوم الجمعة وهو يصلي فلما فرغ من الصلاة مدّ إلي يده، فرأيت في إصبعه خاتماً نقشه لا إله إلاّ الله عدّة للقاء الله. فقال: هذا خاتم جدي أبي عبد الله الحسين بن علي)[38]. صفات الأئمة (ع): وكان الإمام زين العابدين (ع) ينبّه الأمة ويرشدها إلى فكرة الإمامة وصفات الإمام (ع): 1- قال (ع) بخصوص وصف أئمة أهل البيت (ع): (نحن أئمة المسلمين، وحجج الله على العالمين، وسادة المؤمنين، وقادة الغرّ المحجلين، وموالي المؤمنين، ونحن أمان أهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء، وبنا يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بأذنه، وبنا يمسك الأرض أن تميد بأهلها، ولم تخل الأرض منذ خلق الأرض من حجة لله مشهور أو غائب مستور، ولا تخلو الأرض إلى أن تقوم الساعة من حجة لله فيها، ولولا ذلك لم يعبد الله). فقيل له: كيف ينتفع الناس بالغائب المستور؟. فقال (ع): (كما ينتفعون بالشمس إذا سترها السحاب)[39]. 2- وبخصوص الدعاء لهم (ع)، قال: (ربِّ صلِّ على أطايبِ أهلِ بيتهِ (ص) الذين اخترتَهُم لأمرك، وجعلْتَهم خزنةَ علمِكَ، وحفظةَ دينكَ، وخلفاءَكَ في أرضكَ، وحُجَجك على عبادك، وطهرتهم من الرجسِ والدنسِ تطهيراً بإرادتك، وجعلتَهُم الوسيلةَ إليك، والمسلكَ إلى جنتِكَ. ربِّ صلِّ على محمدٍ وآله صلاةً تُجزِلُ لهم بها من تُحفِكَ وكرامتك، وتكمل لهم الأشياءَ من عطاياك ونوافلك[40]، وتوِّفرُ عليهمُ الحظَّ من عوائدك وفوائدك. ربِّ صلِّ عليه وعليهم صلاةً لا أمدَ في أولها، ولا غايةَ لأمدها، ولا نهايةَ لآخرها. ربِّ صلِّ عليهم زنةَ عرشك وما دونَه، وملءَ سمواتك وما فوقُهنَّ، وعددَ أراضيك وما تحتهُنَّ وما بينهُنَّ، صلاةً تقربهم منك زلفى، وتكون لك ولهم رضى، ومتصلة بنظائرهن أبداً)[41]. 3- (نحن خلفاء الأرض، ونحن أولى الناس بالله، ونحن المخصوصون في كتاب الله، ونحن أولى الناس بالله، ونحن الذين شرع الله لنا دينه، فقال: (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ...)[42] فقد علمنا، وبلّغ |