|
(ص 106 - 148) (22) المرحلة الثالثة: (سنة 67 – 95 هـ) يقول ابن أبي الحديد المدائني: (وولي عبد الملك بن مروان، فاشتد على الشيعة حين ولى الحجاج بن يوسف فتقرب الناس اليه ببغض علي (ع)، وموالاة أعدائه، وموالاة من يدعي قوم من الناس أنهم أيضا أعداؤه. فاكثروا في الرواية في فضلهم وسوابقهم ومناقبهم. واكثروا مـن البغض مـن علـي (ع) وعيبه، والطعن فيه، والشنآن له)[1]. أبصر الإمام السجاد (ع) مجتمع المسلين يذوب في الطغيان والفساد، ولا يهمّ الأمراء والسلاطين إلا نوادي الطرب ومجالس الغناء، والناسُ على دين ملوكهم. وحيث ان صعوبة الوقت وحراجة الزمان قد حجبته عن ارتقاء المنابر وإرشاد المسلمين، فقد اتـخذ لنفسه منهجاً آخر للبيان والإرشاد، وهو اسلوب الدعاء والمناجاة وعبادة الله عز وجل. فكانت أدعيته وثائق ثقافية دينية تعلّم الناس اسلوب الرجوع إلى الله تعالى، وتلهب الروح، وتملىء القلب حباً لله وخشية منه عزّ وجلّ. وكتب رسالة في الحقوق، أوضح فيها حقوق العباد على ضوء الشريعة. وكانت مناجاته الرقيقة مع خالقه ومولاه العظيم تنقّي أرواح المؤمنين من أدران الدنيا، وتهيّج اشتياقهم لملاقاته. والى ذلك ينقل الزهري مناجات علي بن الحسين سيد العابدين (ع) محاسباً نفسه وداعياً ربه بالقول: (يا نفس حتى متى إلى الدنيا غرورك؟ وإلى عمارتها ركونك؟ أما اعتبرتِ بمن مضى من أسلافك، ومن وارته الأرض من الافك؟ وفجعتِ به من إخوانك، ونقل إلى البلاء من أقرانك[2]؟ فهم في بطون الأرض بعد ظهورها** محاسنهم فيها بوال دواثـِر خلت دورهم منها وأقوت عراصهم** وساقتهم نحو المنايا المقادر خلوا عن الدنيا وما جمعوا لها** وضمتهم تحت التراب الحفائر (23) في أيام عبد الملك بن مروان (73- 86هـ) استقرت الخلافة لعبد الملك بن مروان سنة ثلاث وسبعين للهجرة وهي سنة مقتل عبد الله بن الزبيـر. ومات سنة ست وثمانين. أي دام ملكه ثلاث عشرة سنة. واشتهر بشرب الخمر وسفك الدماء والغدر، بعد أن كان يتصنع العلم والعبادة. قال نافع: لقد رأيت المدينة وما بها شاب أشدّ تشميراً ولا أفقه ولا أنسك ولا أقرأ لكتاب الله من عبد الملك بن مروان! ولكن ما أن أفُضيَّ الأمر إليه والمصحف في حجره، إلاّ أطبقه وقال: (هذا آخر العهد بك). وكان عبد الملك بن مروان كثيراً ما يجلس الى أم الدرداء، فقالت له مرة: بلغني يا أمير المؤمنين أنك شربت الطلاء[3] بعد النسك والعبـادة، قـال: (إي والله والدمـاء قـد شربتها ]أيضـاً] ) [4]. وكانت من أعظم مساوئه محاربة زين العابدين (ع) واقعاً والتظاهر بأمرٍ آخر أقلّه المودة الكاذبة لذلك الإمام الرباني(ع)، وكذلك تولية الحجّاج الثقفي على العراق يذلّ المسلمين والصحابة قتلاً وضرباً وشتماً وحبساً. والمشهور عنه انه أوصى ولده (الوليد) بالحجّاج وقال له: أكرمه فانه هو الذي وطّأ لكم المنابر. عبد الملك بن مروان والإمام زين العابدين (ع): وهنا جملة من الأمور التي واجهت الإمام زين العابدين (ع) في عهد عبد الملك بن مروان: أولاً: محاولات عبد الملك الحط من شأن الإمام (ع): كان عبد الملك بن مروان يرى في شخصية الإمام زين العابدين (ع) منافساً قوياً نحو الخلافة. وكانت الناس ترى السجاد (ع) إماماً معصوماً من ائمة أهل البيت (ع) ومن ذرية المصطفى؛ وعهدُ الناسِ بالنبي (ص) قريب تأريخياً. وكان سلوك الإمام السجاد (ع) يثبت واقع كونه إماماً واجب الطاعة. إلاّ ان عبد الملك حاول التقليل من شأن السجاد (ع) رابع أئمة أهل البيت (ع) والإنتقاص من قدره. وكان يزعجه (ع) في كل فرصة تسنح له. فكان يرسل إلى عامله بالمدينة أن يحمله (ع) إلى الشام مثقلاً بالحديد أكثر من مرة. فحُمل الإمام (ع) إلى الشام على ظهر دابة مكبلاً بالقيود، فيـراه الزهري على تلك الحال في بعض المنازل، فيتألم ويتضجر. ولكن الإمام (ع) يشير عليه بان ذلك ينبغي ان لا يكربه، بل ان ثقل الحديد يذكّر العبد بعذاب الله عزّ وجلّ[5]. وما ان يصل دمشق حتى يدخلوه على عبد الملك كي يرعبوه بهيبة السلطان وجبروته. ولكن هيهات. فان عرش السلطنة لا يرعب ولي الله. بل خلافاً لتوقعهم، فان الخليفة هو الذي ارتعب من الإمام السجاد (ع). ويمثّله قول عبد الملك الخليفة في سياق حديث للزهري جواباً عن سؤالٍ عن السجاد (ع): (...ثم خرج – أي زين العابدين – فو الله لقد أمتلئ ثوبي منه خيفةً)[6]. ونستفيد من ذلك، أنها كانت موعظة للزهري وعبد الملك معاً: 1- ان عذاب الله تعالى أمرٌ عظيم تهون دونه جميع الأمور، والأسر والقيد وسائل لتذكير الإنسان بعذاب الله تعالى. 2- ان حال الأسر والقيد ينبغي ان لا يكربا المؤمن، طالما كان الأمر بيد الله، وهو قادر سبحانه على ان يغير الأمور ويقلبها. 3- ان الخالق سبحانه وتعالى منح الكرامة والفيض الالهي لأئمة أهل البيت (ع)، فكانوا قادرين على إنزال الرعب بالطغاة. ثانياً: عبد الملك والمصير إليه: وعندما خرج عبد الملك إلى الحج سنة خمس وسبعين للهجرة وأراد الكعبة، رمى ببصره إلى زين العابدين (ع) تعلوه الهيبة العلوية ونور الإمامة وهو يرتعد من خشية الله عز وجل. فلم يلتفت الإمام (ع) إلى عبد الملك وهو الخليفة والأمير والسلطان. فحزَّ في نفسه إعراض السجاد (ع) عنه. فقال عبد الملك لمن حضر عنده: رده إليّ. يقصد باستدعاء الإمام زين العابدين (ع) إلى محضره. فلما جيء به (ع) إليه، قال له عبد الملك: اني لستُ قاتل أبيك، فما يمنعك من المصير إليّ؟ فقال الإمام (ع): (ان قاتل أبي (ع) أفسد دنياه عليه بما فعله، وأفسد أبي عليه بذلك أخرته. فإن أحببت ان تكون مثله، فكن). قال عبد الملك: كلا. ولكن صر إلينا لتنال من دنيانا. ولكن الإمام زين العابدين (ع) لم يكن بحاجة الى دنياه[7]، وملكه الزائل أهون عليه من شِسع نعله. وفي رواية الزهري قال: دخلت مع علي بن الحسين (ع) على عبد الملك بن مروان، فاستعظم عبد الملك ما رأى من أثر السجود بين عيني علي بن الحسين (ع)، فقال: يا أبا محمد! لقد بيّن عليك الاجتهاد، ولقد سبق لك من الله الحسنى، وأنت بضعة من رسول الله (ص) قريب النسب، وكيد السبب، وإنك لذو فضل عظيم على أهل بيتك وذوي عصرك، ولقد أوتيت من الفضل والعلم والدين والورع ما لم يؤته أحد مثلك ولا قبلك، إلاّ من مضى من سلفك. وأقبل يثني عليه ويطريه. فقال علي بن الحسين (ع): (كلما ذكرته ووصفته من فضل الله سبحانه وتأييده وتوفيقه، فأين شكره على ما أنعم؟ كان رسول الله (ص) يقف في الصلاة حتى تورم قدماه، ويظمأ في الصيام حتى يعصب [ أي يجفّ] فوه، فقيل له: يا رسول الله! ألم يغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول (ص): (أفلا أكون عبداً شكوراً، لله على ما أولى وأبلى، وله الحمد في الآخرة والأولى). والله لو تقطعت أعضائي، وسالت مقلتاي على صدري، لن أقوم لله جل جلاله بشكر عشر العشير من نعمة واحدة من جميع نعمه التي لا يحصيها العادّون، ولا يبلغ حد نعمةٍ منها على جميع حمد الحامدين، لا والله... لا يشغلني شيء عن شكره وذكره، في ليل ولا نـهار، ولا سر ولا علانية. ولولا أن لأهلي عليّ حقاً، ولسائر الناس من خاصّهم وعامهم عليّ حقوقاً لا يسعني إلا القيام بها حسب الوسع والطاقة حتى أؤديها إليهم، لرميتُ بطرفي إلى السماء، وبقلبي إلى الله، ثم لم أرددهما حتى يقضي الله على نفسي وهو خير الحاكمين). وبكى (ع)، وتباكى عبد الملك وقال: شتان بين عبدٍ طلب الآخرة وسعى لها سعيها، وبين من طلب الدنيا من أين جاءته، ما له في الآخرة من خلاق! ثم أقبل يسأله عن حاجاته وعما قصد له، فشفعه فيمن شفع...[8]. ثالثاً: الإمام السجاد (ع) وسياسة الروم: حاولت دولة الروم في الربع الأخير من القرن الأول الهجري التعـرض لدولـة المسلميـن – على ما فيها من فساد إداري- وإهانتها وابتـزازها، وقد نقل لنا التأريخ حادثتان لهما أهمية تأريخية ودينية: 1- تحدى ملك الروم المسلمين بعدما كتبَ عبد الملك بن مروان في صدور الطوامير (قل هو الله أحد) مشفوعة بذكر النبي محمد (ص) ومؤرخة بتأريخ تلك الفترة. فكتب ملك الروم: إنكم أحدثتم في طواميركم شيئاً من ذكر نبيكم، فاتركوه وإلاّ أتاكم من دنانيرنا ذكر ما تكرهون. فعظم ذلك على المسلمين. فاستشار عبدُ الملك الإمامَ زين العابدين (ع)، فأشار (ع) عليه بأن يحرِّم على المسلمين التعامل بدنانير أهل الروم، ويضرب للمسلمين سكِكاً فيها ذكر الله وذكر رسوله محمد (ص). فضُربتْ الدنانير الإسلامية سنة خمس وسبعين. 2- ملكُ الروم توعد عبدَ الملك بن مروان بالمسير لحربه بجنود لا قِبَلَ له بها، وقالَ في كتابه: أكلتُ لحم الجمل الذي هرب عليه أبوك من المدينة لاغزونك بجنود مائة ألف ومائة ألف[9]. فكتب عبد الملك الى الحجاج ان يوقف علي بن الحسين (ع) على الكتاب ويسأله الجواب ويتهدده إن أبى. فأمتثل الحجاج أمر سيده عبد الملك. فقال السجاد (ع) للحجاج: (ان لله تعالى لوحاً محفوظاً يلحظه في كل يوم ثلثمائة لحظة، ليس فيها لحظة الا يحيي فيها ويميت، ويعزّ ويذلّ، ويفعل ما يشاء. واني لأرجو أن يكفيك منها لحظة واحدة). فكتب الحجاج بهذه الموعظة إلى عبد الملك، فكتبها إلى ملك الروم. فلما قرأ الكتاب قال: (ما خرج هذا الكلام إلاّ من معدن النبوة). وكفَّ عن المسير لحرب المسلمين[10]. ودلالة الموقفين نجملهما كالتالي: أ- ان السجاد (ع) اثبت بـهذين الموقفين أنه الأمين على الدين، وحافظ الشريعة، والناصح لأمة محمد (ص). فمع كل فساد عبد الملك وانحرافه، إلاّ ان الإمام (ع) كان مكلفاً بتقديم النصيحة من أجل حفظ دولة المسلمين. ب- الظاهر ان كلمات الإمام السجاد (ع) في الموقف الثاني كان لها واقع علمي في الكتب الدينية لأهل الروم. ولذلك اضطرب الملك القاهر، فتفككت نيته عن غزو بلاد الاسلام. رابعاً: وارث رسول الله (ص): حاول عبد الملك بن مروان الإنتساب إلى رسول الله (ص) عن طريق تـملك سلاحه (ص). فقرر شراء سيف رسول الله (ص) ودرعه. فكتب إليه (ع) يطلب منه ذلك ويهدده إن لم يفعل. فكتب زين العابدين (ع) إليه: (أما بعد، ان الله ضمنَ للمتقين المخرج من حيث يكرهون، والرزق من حيث لا يحتسبون، وقال جلّ ذكره: (...إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ)[11]، فانظر أينّا أولى بـهذه الآية)[12]. ولكن عبد الملك لم يقتنع بذلك، فكتب الى عامله في الكوفة الحجاج بن يوسف يأمره ان يشتريهما له. فأرسل الحجاج على علي بن الحسين (ع) واغتصب منه (ع) درعاً وسيفاً ينسبان الى رسول الله (ص). ولما حج عبد الملك تلك السنة، واجتمع بزين العابدين (ع)، سأله عليه السلام رد السيف والدرع المغصوبين منه، وعرّفه بأنّ الحجاج أخذهما بالقهر منه. فزاده عبد الملك في الثمن دراهماً، فأبى (ع) من البيع. فأقسم عليه عبد الملك أن يمضي البيع. فقال (ع): على شريطة أن تكتب كتاباً تُشهد فيه قبائل قريش بأني وارث رسول الله (ص) وان الدرع والسيف له دون كل هاشمي وهاشمية، فأجابه عبد الملك الى ذلك، وكان نص الكتاب: (بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما اشتراه عبد الملك بن مروان من علي بن الحسين وارث رسول الله (ص). اشترى درع رسول الله (ص) وسيفه اللذان ورثهما منه بمائة ألف درهم. وقد قبض علي بن الحسين الثمن وقبض عبد الملك الدرع والسيف. ولا حق ولا سبيل لأحدٍ من بني هاشم، ولا لأحدٍ من العالمين). وأحضر قبائل قريش قبيلة قبيلة، وأشهدهم على ما جرى بينه وبين علي بن الحسين (ع). وأخذ زين العابدين (ع) الكتاب والمال. فكانت قريش يقول بعضهم لبعض ان عبد الملك أجهل الخلق، يقرّ لعلي بن الحسين (ع) انه وارث رسول الله (ص) دون الناس جميعاً، ويتسمى بأمرة المؤمنين ويصعد على منبر رسول الله (ص)، وهو أحق به منه، أن هذا لـهو الخسران المبين[13]. وبذلك سجّل الإمام (ع) على عبد الملك بن مروان دليلاً على اغتصابه الخلافة الشرعية من أهلها. خامساً: عبد الملك وآثار الجاهلية: ولم يهدأ لعبد الملك بال، بل كان يتحين الفرص للإيقاع بزين العابدين (ع) في الموارد التي كان يعتقد أنها منقصة للدين والشرف، ومنها: تزويج الإمام (ع) مربيته من مولى له، وزواجه (ع) من مولاة له كان قد أعتقها. أ- فقد كانت لزين العابدين (ع) مربية كريمة شريفة كان يطلق عليها لقب (أمي). ووالدته توفيت في نفاسها كما هو المشهور، إلاّ انه (ع) أنزل مربيته منـزلة أمه. وقد زوجها بأحد عتقائه. فكتب إليه عبد الملك يعيّره بذلك: (بلغني انك زوجت أمك [وهي المربية المقصودة] من مولاك. وقد وضعتَ شرفك وحسبكَ). فكتب إليه زين العابدين (ع): (ان الله رفع بالإسلام كل خسيسة، وأتم به الناقصة، وأذهب به اللؤم. فلا لؤم على مسلم. إنما اللؤم لؤم الجاهلية. واما تزويـجي أمي ، فانما أردت بذلك برَّها). فلما انتهى الكتاب الى عبد الملك قال: لقد صنع علي بن الحسين (ع) أمرين ما كان يصنعهما أحد، وزاد بذلك شرفاً [14]. ويُفهم من تلك الرواية: 1- أن الأمرين الشريفين اللذان أشار إليهما عبد الملك هما: الأول: عتقه (ع) أحد الرقيق. والثاني: تكريم المعتوق بتزويجه المربية التي ربت الإمام (ع) وسماها أمّه. 2- انه ساهم (ع) في تزويج مربيته، من أجل البر بـها. وهذا خلقٌ عظيم. 3- انه استلهم (ع) من الدين الحنيف شرف المساواة بين البشر. فساوى بين السادة والعبيد، وعتق (ع) العبيد وزوجهم من ماله الخاص. ب - وبلغ عبد الملك بن مروان ان علياً بن الحسين (ع) تزوج مولاة له، فكتب اليه: (انك علمت ان في اكفائك من قريش من تتمجد به في الصهر وتستنجبه في الولد، فلا لنفسك نظرت ولا على ولدك أبقيت). فكتب اليه السجاد (ع): (اما بعد فقد بلغني كتابك تعنفني فيه بتزويجي مولاتي، وتزعم انه كان في قريش من أتـمجد به في الصهر واستنجبه في الولد. وانه ليس فوق رسول الله (ص) مرتقى في مجدٍ ولا مستزادٍ في كرم. وكانت هذه الجارية ملك يميني، خرجتْ مني إرادةً لله عز وجل بأمرٍ ألتمس فيه ثوابه. ثم ارتـجعتها على سنة رسول الله (ص). ومن كان زكياً في دين الله تعالى، فليس يخلُّ به شيء من أمره، وقد رفع الله بالاسلام الخسيسة وتمم به النقيصة، واذهب اللؤم فلا لؤم على امرئ مسلم. وانما اللؤم لؤم الجاهلية والسلام). فلما وقف عبد الملك على الكتاب رمى به الى ولده سليمان. وبعد ان قرأه، قال: يا أمير لشد ما فخر عليك علي بن الحسين (ع). فقال: (يا بني لا تقل ذلك، فانه ألسن بني هاشم التي تفلق الصخر، وتغرف من بحر، ان علي بن الحسين يا بني يرتفع من حيث يتضع الناس)[15]. ودلالتها: 1- ان السجاد (ع) أعتق أمة كانت له. ثم تزوجها. فاعتبـر عبد الملك ذلك من موارد الانتقاص. 2- ولكن السجاد (ع) استشهد بعمل رسول الله (ص) وهو حجة لا يقبل الرد والإنكار. وقد اعتق رسول الله (ص) صفية بنت حي بن أخطب وتزوجها، وأنكح عبده زيد بن حارثة بنت عمته زينب بنت جحش[16] (وكانت أمها أميمة ابنة عبد المطلب سيد البطحاء). ثم طلّق زيدُ بن حارثة زوجته زينب فتزوجها النبي (ص). 3- كان مبدأ بني أمية: القومية والقبلية. وكان مبدأ السجاد (ع): الإسلام. ولذلك قال (ع): (وقد رفع الله بالإسلام الخسيسة وتـمم به النقيصة. واذهب اللؤم. فلا لؤم على امرئ مسلم. وانما اللؤم لؤم الجاهلية)، وتلك الكلمات القليلة كانت كافية في الرد على رواسب الجاهلية التي كانت تعتمل في نفس عبد الملك بن مروان. سادساً: رسالة الإمام (ع): وكتب الإمام السجاد (ع) رسالة موعظة إلى عبد الملك وفيها: (أما بعد. فانك أعزّ ما تكون بالله، وأحوج ما تكون إليه، فإن عززت به فاعف له، فإنك به تقدر، وإليه ترجع، والسلام)[17]. (24) في أيام الوليد بن عبد الملك (86- 96هـ) ولي الوليد بن عبد الملك الخلافة سنة ست وثمانين للهجرة وتوفي سنة ست وتسعين، أي مدة خلافته عشر سنوات. وكان الوليد جباراً ظلوماً[18]. وكان يغلب عليه اللحن، وقد خطب في المسجد النبوي، فقال: يا أهلُ المدينة (بالضم). مع ان القاعدة هي ان (أهل) منادى مضاف، فلابد أن ينصب. فعاتبه أبوه على إلحانه، وأشار عليه: أنه لا يلي العرب إلا من يحسن كلامهم. فجمع أهل النحو ليعلموه قواعد اللغة، إلا انه خرج بعد فترة وهو أجهل من قبل[19]. وأخـرج أبو نعيم في الحليـة عن ابن شوذب قال: قال عمر بن عبد العزيز [عندما ولي الوليد الخلافة] (وكان الوليد بالشام، والحجاج بالعراق، وعثمان بن حبارة بالحجاز، وقرة بن شريك بمصر): امتلأت الأرض والله جَوْراً[20]. والفارق التأريخي هو انه مع جبـروته وظلمه فقد تـمت في عهده فتوحات واسعة. وهذا يبين ان أمر الفتوحات لا يرتبط بعدالة الحاكم. بل أن الإسلام كدين أقوى من الحاكم كفرد. فقد يكون الخليفة جائراً ظالماً، ولكن الناس تدخل في الدين الحنيف بإعتبار التوحيد والقرآن والصورة الكلية للإسلام. وفي عهده قتل سعيد بن جُبَيـر شهيداً، قتله الحجاج الثقفي في الكوفة. الوليد والإمام زين العابدين (ع): وهنا مجموعة من الشواهد التي مرَّ بـها السجاد (ع) أيام الوليد: أولاً: خشية المخزومي من الإمام (ع): بالغ ولاة المدينة الإساءة إلى الإمام السجاد (ع) وكان منهم هشام بن اسماعيل المخزومي والي المدينة من قبل عبد الملك بن مروان (ت 86 هـ)، بالرغم من وصية سيده عبد الملك بعدم التحرش بالإمام (ع) وعدم أيذائه. ودار دولاب الحياة ومرت الأيام وإذا بالمخزومي يُعزل من قبل الوليد بن عبد الملك (ت 96 هـ) ويُجلد امام دار مروان بن الحكم. وكانت خشية المخزومي هي ان يقابله الإمام السجاد (ع) بالمثل وينتقم منه. ولكن السجاد (ع) كان أرفع من ذلك وأسمى. فقد أمر (ع) أصحابه وخواصه الا يتعرضوا لهشام المخزومي، بعد ان أذله الله وسلبه سلطته. وعلم المخزومي بذلك فاستبدل سلوكه تجاه الإمام (ع) بسلوك آخر. فكان، وهو يرى زين العابدين (ع)، لا يتمالك نفسه إلا بالهتاف: الله اعلم حيث يجعل رسالته[21]. ودلالات ذلك: 1- كان مبدأه (ع) العفو عن الظالمين الذين ظلموه. ويؤيده قوله (ع): (لو ان قاتل أبي أودع عندي السيف الذي قتل به أبي لأديته إليه)[22]. وتواتر الروايات القائلة بعفوه وسماحة نفسه تسقط الروايات المتعارضة التي تصوره وكأنه كان محباً للانتقام، من ظالميه. 2- انه (ع) كان يقابل ظالميه، وبعد ان هبطوا إلى أقصى حالات الضعف، بالإحسان والرأفة. كما حصل مع هشام المخزومي، ومروان بن الحكم وعياله ونحوهم. ثانياً: السجاد ودعاء الكرب: ولى الوليد على المدينة صالح بن عبد الله المري، وكتب إليه بإخراج العلوي الحسن بن الحسن من السجن، وضربه خمسمائة سوط. فأخرجه إلى المسجد ليضربه أمام الناس. ولما سمع الإمام زين العابدين (ع) بذلك خفَّ إليه وأشار عليه بدعاء الكرب حتى يفرج الله عنه. وهو: (لا إله إلا الله الحليم الكريم، لا إله إلا الله العليُّ العظيم، سبحان الله رب السموات السبع ورب [الأرضين السبع] ورب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين). فجعل الحسن يردد هذا الدعاء ، حتى صرف الله عنه. فلم ينفذ الوالي ما أمر به، واشفق عليه، وكتب إلى الوليد بشأنه، فأمره بالإفراج عنه[23]. ثالثاً: سراج الدنيا في ظلمات بني أمية: ولى الوليد على المدينة سنة 87 هـ عمر بن عبد العزيز. وكان الأخير يتظاهر بالعدل والتقوى، ولكنه كان يتجاهل الإمام زين العابدين (ع). ففي بداية ولايته على المدينة أحضر عمرُ بن عبد العزيز: عروة بن الزبير، وأبا بكر بن سليمان بن أبي خيثمة، وعبد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وغيرهم من فقهاء المدينة يطلب منهم العون على أمر الدين وتقويـمه عند الأعوجاج كي لا يزلّ فيهوى في النار[24]. ولم يدعُ السجاد (ع) إلى الإجتماع. فكيف يكون ذلك، وهو القائل: (ان علي بن الحسين سراج الدنيا وجمال الإسلام وزين العابدين)[25]. قال في الكشكول: (لما وضح لعمر بن عبد العزيز ميل الناس عن بني أمية لافراطهم في سب باب مدينة علم الرسول (ص) [علي بن أبي طالب (ع)]، وأخذت الأندية تلهج بوخامة هذه الدنية أراد أن يبـرر موقفه أمام الناس فاظهر الإستياء من هذه الفعلة ومنع العمال والولاة مما اعتادوه من لعن أمير المؤمنين وردّ على العلويين فدكاً رجاء ان يستميل القلوب ويستهوي الأفئدة. وإلا فهو ما جبل عليه من العداء. فان الشجرة المرّة لا تنبتُ إلا مرّاً)[26]. (25) مع هشام بن عبد الملك حج هشام ابن عبد الملك (ت 125 هـ) في زمن أبيه[27] في سنة 85 أو 86 هجرية على الأرجح. وكان عمره آنذاك في حدود الرابعة عشرة من العمر. ذلك لأن ولادته كانت سنة نيف وسبعين كما في تأريخ الخلفاء للسيوطي ص 247. وتولى الخلافة بعد حوالي عشرين سنة من تأريخ قصيدة الفرزدق، أي سنة خمس ومائة للهجرة. وكان قد أحتشد بالبيت الحرام ذلك العام، جمهور غفير من الحجيج للطواف والصلاة والتبرك بالحجر الأسود. حتى ان هشاماً لما رأى ازدحام الناس على الحجر وتعسرَ عليه استلامه برفق، وُضِعَ له منبر جلس عليه ينظر الجمع على راحته ويسلم من مدافعة الرجال. وبينما هو على ذلك الحال، أقبل الإمام زين العابدين (ع) ونور الإمامة يسطع من محياه، وعليه إزار ورداء، من أحسن الناس وجهاً وأطيبهم رائحة، فهابه الحجيج، وبصر به بعض من يعرفه من الحجاج فنادى بأعلى صوته: (هذا بقيةُ الله في أرضه، هذا بقيةُ النبوة، هذا إمام المتقين، وسيد العابدين). فتقهقر الجمع، حتى استلم الحجر وحده وقام باداء ما وجب عليه من دون تدافع أو مزاحمة. فتعجبت حاشية هشام من ذلك، وأخذوا يتساءلـون عنه. فتغيـر لون هشام – وهو الشاب المرشح للخلافة- ولم يرقه ان ينوه بمعرفته بالسجاد (ع) أخر ذرية رسول الله (ص) في ذلك الزمان. فانكر معرفته ظاهراً، وهو على معرفةٍ به باطناً. فقيّض الله له ولياً يضمر إيمانه بآل البيت (ع) في وقت كان معروفاً بشاعر البلاط الأموي. وهذا المتفاني بحب ذرية رسول الله (ص) هو الفرزدق (همام بن غالب بن صعصعة ت 110هـ)، فقال شعراً جميلاً يعرّف به زين العابدين وفضل أهل البيت (ع). والجدير بالذكر ان الفرزدق كان قد دخل مع أبيه على الإمام علي (ع) في البصرة سنة 37 هـ. فسأل الإمـام (ع) عن الفرزدق - ولم يكن له من العمر اكثر من سبع وعشرين سنة – فقيل انه يقول الشعر، فأرشده (ع) الى ما هو خير له من ذلك وهو تعلم القرآن. وعمل بالنصيحة واستفادها في شعره لاحقاً. قصيدة الفرزدق: قال: انا اعرفه، وانشأ الفرزدق[28]: (يا سائلي أين حلّ الجود والكرم** عندي بيانٌ إذا طلابه قدمُ) هذا الذي تعرف البطحاء وطأته** والبيت يعرفه والحلُّ والحَرَمُ هذا ابن خيـر عباد الله كُلِّهمُ** هذا التقيُّ النقي الطاهر العلمُ اذا رأته قريشٌ قال قائلهـا** إلى مكارم هذا ينتهي الكَرَمُ يُنمى إلى ذروةِ العزِّ التي قصُرَت** عن نيلها عَرَبُ الأقوامِ والعَجَمُ يكاد يمسكُه عرفان راحته** ركنُ الحطيمِ إذا ما جاءَ يستلمُ يُغضي حياءً ويُغضى من مهابته** فما يُكلَّمُ إلا حين يبتسمُ[29] بكفه خيزرانٌ ريحُها عَبـقٌ** من كفِّ أروع في عرنينه شممُ[30] من جدّه دانَ فضل الأنبياء له** وفضلُ أمتَّه دانت له الأممُ ينشقُ نورُ الهدى عن نور غرته** كالشمسِ ينجابُ عن إشراقها الظلمُ[31] مشتقَّةٌ من رسول الله نبعتُه** طابت عناصره والخيمُ والشِيَمُ[32] هذا ابنُ فاطمةٍ إن كنتَ جاهله** بجدِّه أنبياء الله قد خُتِمُوا الله فضَّله قِدماً وشرَّفه** جرى بذاكَ له في لوحه القلمُ فليسَ قولُكَ: من هذا ؟ بضائره** العُربُ تعرف مَن أنكرتَ والعَجَمُ كِلتا يديه غياثٌ عمَّ نفعهما** يستوكفانِ ولا يعروهما العدمُ[33] سهلُ الخليقة لا تُخشى بوادره** يزينه اثنان: حُسنُ الخُلقِ والكَرَمُ[34] حَّمال أثقال أقوام إذا فُدُحوا** حُلو الشمائل تحلو عنده نعم[35] لا يُخلِفُ الوعدَ ميمون نقيبتُه** رحبُ الفناء أريبٌ حين يعترمُ[36] ما قال لا قط إلا في تشهده** لولا التشهد كانت لاؤه نعم عمَّ البرية بالإحسانِ فانقشعت** عنها الغيابة والإملاق والعدمُ من معشرٍ حبُّهم دين وبغضُهم** كفر، وقربهم منجى ومُعتَصمُ إن عُدَّ أهل التقى كانوا أئمتهم** أو قيل: من خيرُ أهل الأرض؟ قيل: لا يستطيعُ جواد بُعْدَ غايتِهم** همُ ولا يُدانيهم قومٌ وإن كَرمُوا هُمُ الغيوث إذا ما أزمةٌ أزَمَتْ** والأسدُ أسُدُ الشرى والبأس مُحتدِمُ [37] لا ينقض العُسْرُ بسطاً من أكِفهم** سيانِ ذلك وإن أثرَوا وإن عَدِمُوا [38] يُستَدْفَعُ السوء والبلوى بحبِهمُ** ويستربّ به الإحسانُ والنِّعمُ مُقَدَّمٌ بعدَ ذكرِ اللهِ ذكرُهُمُ** في كل بدءٍ ومختومٌ به الكَلِمُ يأبى لهم أن يُحلّ الذَّمُّ ساحتهم** خيمٌ كريمٌ وأيدٍ بالندى هُضُمُ[39] أيُّ الخلائق ليست في رقابهم** لأوَّليةِ هذا أوله نعمُ من يعرفِ الله يعرف أوَّلِيَّة ذا** فالدينِ من بيتِ هذا ناله الأممُ ولم يرق هشام تلك المصارحة التي سترها دون الشاميين، وكبر عليه مدح الإمام زين العابدين (ع) بمحضره. فأمر بسجن الفرزدق بعسفان بين مكة والمدينة، والظاهر أنه أوصى بقطع صلته وعطائه من البلاط. ولكن الفرزدق لم يعبأ بذلك. ووصلته هدية مالية من الإمام (ع) هي أعظم هدايا ذلك الزمان. قيل انها اثني عشر الف درهم، وقيل ألف دينار مشفوعة بالعذر بعدم وجدان الأكثر. فأرجعها الفرزدق خوفاً من فوات الأجر الإلهي الذي توخاه من حبه لآل الرسول (ص). فأعلمه الإمام (ع) بقبول الله تعالى نصرته لذرية رسول الله (ص)، وأنهم (ع) لا يرجعون بعطاياهم. دلالات قصيدة الفرزدق: 1- لاشك ان قصيدة الفرزدق تعدُّ من أعظم الوثائق التاريخية التي تكشف حب الأمة الإسلامية لآل البيت (ع) في القرن الأول الهجري. وتكشف أيضاً عن معرفة الأمة (على لسان الفرزدق) لفضائل ذرية رسول الله (ص) وطهارتهم وتقواهم وعصمتهم. وديباجة القصيدة تشير الى أدب جم ونظر بعيد وبلاغة متناهية. وهذا ينطبق على أدب الفرزدق وشاعريته. 2- ان ذكر تلك القصيدة الرائعة في مصادر تاريخية واسعة يدلّ على تواترها وشيوعها بين الناس. لم لا وقد وُصِفَ الفرزدق بأعظم وصفٍ، وهو انه فاز بحب أهل البيت (ع). فقال ابن العماد الحنبلي (ت 1089 هـ) في شذرات الذهب: (مما يرجى له الزلفى وعظيم الفائدة بحميته في أهل بيت رسول الله (ص) ومدحه زين العابدين علي بن الحسين وإعرابه عن الرغبة والرهبة) [40]. وقال ابن خلكان في الوفيات واليافعي في مرآة الجنان: (للفرزدق مكرمة يرجى له فيها الرحمة في دار الآخرة)[41] ثم ذكر الرواية تلازمها تلك القصيدة الرائعة. وقال ابن كثير في البداية والنهاية: (قال الفرزدق للسجاد (ع) انما قلت هذا لله عز وجل ونصرةً للحق وقياماً بحق رسول الله في ذريته، ولست أعتاض عن ذلك بشيء)[42]. وقال السيوطي في شرح شواهد المغني: (قال الفرزدق للسجاد (ع) حين رد الصلة: يا ابن رسول الله ما قلته الا غضباً لله عز وجل ورسوله (ص) وما كنت لآخذ عليه شيئاً)[43]. وقال الكنجي الشافعي في كفاية الطالب: (سمعت الحافظ فقيه الحرم محمد بن احمد بن علي القسطلاني يقول: سمعت شيخ الحرمين أبا عبد الله القرطبي يقول: لو لم يكن للفرزدق عند الله عمل الا هذا لدخل الجنة به، لانها كلمة حق عند ذي سلطان جائر)[44]. وصح إسناد هذه الرواية، بقسميها الواقعة والقصيدة، عن السبكي [45] (ت771 هـ)، وأبو نعيم[46] (ت 430هـ)، والاصبهاني[47] (ت356 هـ)، ومحمد بن مسعود العياشي (من أعيان المائة الثالثة). 3- ان السبب الباعث لإنشاء الفرزدق قصيدته هو تجاهل هشام (ولي العهد) بمعرفة زين العابدين (ع) عند استفهام أهل الشام منه، بعدما شاهدوا جلالة الإمام (ع) وهيبته فتقهقر جمع الحجيج عن الحجر، حتى استلمه. ولن يعبأ الفرزدق بسطوة هشام ولا جبروت أبيه الخليفة الظالم، فقال قولة الحق في الإمام زين العابدين (ع). (26) الإمام (ع) في شخصيته وكان الإمام السجاد (ع) كريماً في نفسه، جليلاً في قومه. وكان القوم يعظّمون مقامه ويثنون على إمامته وعبادته وتقواه. كان أفضل هاشمي في زمانه[48]، وكان ذو فضل عظيم على أهل بيته وعصره ولقد أوتي من الفضل والعلم والدين والورع ما لم يؤته أحد مثله ولا قبله إلا من مضى من سلفه[49]، وكان أهلاً للإمامة العظمى لشرفه وسؤدده وعلمه وتألّهه وكمال عقله[50]، وروى عنه فقهاء العامة من العلوم ما لا يحصى كثرة وحُفِظَ عنه من المواعظ والأدعية وفضائل القرآن والحلال والحرام والمغازي والأيام ما هو مشهور بين العلماء[51]، وله من الخشوع وصدقة السر وغير ذلك من الفضائل[52]. ولعل كتاب محمد بن طلحة القرشي الشافعي كان قد جمع صفات زين العابدين (ع) جمعاً رائعاً، فقال: (كان قدوة الزاهدين وسيد المتقين، وإمام المؤمنين، شيمته تشهد له أنّه من سلالة رسول الله صلى الله عليه وآله، وسمته يثبت مقام قربه من الله زلفاً، وثفناته تسجّل له كثرة صلاته وتـهجدّه، وإعراضه عن متاع الدنيا ينطق بزهده فيها. درّت له اخلاق التقوى فتفوّقها، وأشرقت له أنوار التأييد فاهتدى بها، وآلفته أوراد العبادة فآنس بصحبتها، وحالفته وظائف الطاعة فتحلّى بحليتها، طالما اتخذ الليل مطية ركبها لقطع طريق الآخرة، وظمأ الهواجر دليلاً استرشد به في مسافرة المسافرة. وله من الخوارق والكرامات ما شوهد بالأعين الباصرة وثبت بالآثار المتواترة وشهد له أنّه من ملوك الآخرة...)[53]. حج خمساً وعشرين حجة راجلاً [54]. وكان المشي من المدينة إلى مكة يستغرق حوالي عشرين يوماً. وإذا كانت المسافة بين مكة والمدينة حوالي 400 كيلومتراً. وكان معدل مشي الإنسان في اليوم 20 كيلومتر استغرق الذهاب ثلاثة أسابيع، والإياب ثلاثة أخرى. وإذا افترضنا ان أداء المناسك يستغرق أسبوعين. استغرق حج الإمام (ع) شهرين من كل سنة. وكان فساد الوضع الإجتماعي وقلّة الموالين يدعوانه إلى تكثيف العمل الإرشادي، وتربية الناس على التعبد لله عزّ وجلّ، فكان (ع) يبذل وقتاً ثـميناً في موعظة المؤمنين وتدريس المتعلمين في الوقت الذي يقوم فيه بتأدية العبادات كالصلاة والصيام والحج وجهاد النفس (الجهاد الأكبر). فيتوهم المتوهِم (وهو عباد البصري) ويسأله عن سبب تركه الجهاد الأصغر، فيجيبه الإمام (ع)، بأن العلّة تكمن في قلّة الموالين الذين يُعتمد عليهم في عمل عظيم كالقيام بالسيف. فإذا وُجدوا (فالجهاد معهم أفضل من الحج)[55]. وكانت شخصية السجاد (ع) تـجذب أطراف إجتماعية متباعدة كالزهري عالم بني أمية، والفرزدق شاعر البلاط الأموي، وسعيد بن جبيـر التابعي الجليل، ومحمد بن أسامة من بني هاشم. وكان يصل الجميع بفكره ونصائحه ومحبته (ع). فهذا الزهري، عندما عاقب شخصاً ومات في العقوبة، خرج هائماً وتوحش ودخل إلى غار، فطال مقامه تسع سنين . فنصحه الإمام زين العابدين (ع) وقال له: (إني أخاف عليك من قنوطك ما لا أخاف عليك من ذنبك، فابعث بديّة مسلّمة إلى أهله واخرج الى أهلك ومعالم دينك). فقال له: فرّجت عني يا سيدي! الله أعلم حيث يجعل رسالته. ورجع الى بيته، ولزم علي بن الحسين (ع)، وكان يعدّ عند البعض من أصحابه، ولذلك قال له بعض بني مروان: يا زهري! ما فعل نبيك؟ يعني علي بن الحسين(ع)[56]. إلا ان الحق ان الزهري كان من حاشية آل مروان، ولم يثبت أنه كان من أتباع أهل البيت (ع) أصلاً. أما الفرزدق (همام بن غالب) فقد ذكرنا قصيدته ودلالالتها العقائدية، وانه قالها كلمةُ حقٍ عند سلطان جائر. وهذا سعيد بن جبير يأتم بعلي بن الحسين (ع)، فكان زين العابدين (ع) يثني عليه، وما كان سبب قتل الحجاج له إلا على هذا الأمر. وذكر أنه لما دخل على الحجاج بن يوسف قال: أنت شقي بن كسير؟ قال: أمي كانت أعرف بي، سمتني سعيد بن جبير. قال: ما تقول في أبي بكر وعمر، هما في الجنة أو في النار؟ قال: لو دخلت الجنة فنظرت إلى أهلها لعلمتُ من فيها، ولو دخلت النار ورأيت أهلها لعلمتُ من فيها. قال: فما قولك في الخلفاء؟ قال: لستُ عليهم بوكيل. قال: أيهم أحبُّ إليك؟ قال: أرضاهم لخالقي. قال: فأيهم أرضى للخالق؟ قال: علم ذلك عند الذي يعلم سرّهم ونجواهم. قال: أبيت أن تصدقني؟ قال: بل لم أحب أن أكذبك[57]. وهذا محمد بن أسامة عندما حضره الموت، دخلتْ عليه بنو هاشم، فقال لهم: قد عرفتم قرابتي ومنـزلتي منكم، وعليّ دَيْن فأحبّ أن تضمنوه عني. فقال علي بن الحسين (ع): (أما والله ثلث دَينك عليّ). ثم سكت وسكتوا. فقال علي بن الحسين (ع): (عليّ دينك كله). ثم قال علي بن الحسين (ع): (أما إنه لم يمنعني أن أضمنه أولاً إلا كراهة أن تقولوا: سبقنا)[58]. وهكذا خُلُق الأولياء أبناء الأنبياء (ع). وكان الإمام السجاد (ع) يحنو على آل عقيل ويكرمهم، لما لهم من مواقف مشرفة يوم عاشوراء، فقد ضحى أبناء عقيل وأحفاده الشبان بين يدي الإمام الحسين (ع). وكان (ع) يقول: (إني أذكر يومهم مع أبي عبد الله (ع) فأرقّ لهم)[59]. وكان من بره (ع) بآل عقيل انه بنى دورهم التي هدمها الأمويون[60]. وكانت ترد الإمام (ع) أموالٌ من مصادر مختلفة، فكان يستثمرها في ذلك. (27) الأيام الأخيرة ذكر جملة من المؤرخين [61] ان الوليد بن عبد الملك (ت 96 هـ) قد دسّ سماً للإمام زين العابدين (ع)، وقيل ان هشام بن عبد الملك (ت 125 هـ) سمه[62]. ولأن شهادته (ع) كانت أيام ملك الوليد الممتدة من سنة 86 وحتى سنة 96 للهجرة، فانه يحتمل ان الوليد قد أوعز الى أخيه هشام بسمه في المدينة في شهر محرم الحرام سنة 95 للهجرة. ولا يوجد من بين المصادر التاريخية تأريخاً دقيقاً يبين وقت إطعام السم. إلا انه من المؤكد انه قد حصل في شهر محرم الحرام . والسم لا يدع للمرء فرصة العيش إلا فترة زمنية قصيرة. ولنعش تلك الأيام الأخيرة من حياة الإمام السجاد (ع) بين الوريقات القادمة. (28) وصايا السجاد (ع) لأهل بيته وكان من عادة آل البيت (ع) إذا علموا بدنو الأجل وقرب الوفادة على الله تعالى أوصوا أهليهم بحسن طاعة الله تعالى وحسن التعامل مع الناس. وكان الإمام السابق يوصي الإمام اللاحق بوصايا الإمامة والحكمة. ومن ذلك ان مجموعة من أصحاب الإمام زين العابدين (ع) دخلت عليه أيام مرضه لعيادته، فقالوا له: كيف أصبحت يا ابن رسول الله فدتك أنفسنا. قال (ع): (في عافية والله المحمود على ذلك). ثم قال لهم: (كيف أصبحتم جميعاً). قالوا: أصبحنا لك والله يا ابن رسول الله محبين وادين. قال (ع): (من أحبنا لله تعالى أدخله الله ظلاً ظليلاً يوم لا ظل إلا ظله، ومن أحبنا يريد مكافأتنا كافأه الله عنا بالجنة، ومن أحبنا لغرض دنياً أتاه رزقه من حيث لا يحتسب)[63]. ومما أوصى به وِلدْه: (إذا أصابتكم مصيبة أو نزلت بكم فاقة فليتوضأ الرجل ويحسن وضوءه ويصلي أربع ركعات أو ركعتين، وبعد الفراغ يقول: يا موضع كل شكوى، يا سامع كل نـجوى، يا شافي كل بلاء، ويا عالم كل خفية، ويا كاشف ما يشاء. يا نـجي موسى، ومصطفى محمد، يا خليل إبراهيم، أدعوك دعاء من اشتدت فاقته، وضعفت قوته، وقلّت حيلته، دعاء الغريب الغريق الفقير الذي لا يجد لكشف ما فيه إلا أنت. يا أرحم الراحمين، لا إله إلا أنت سبحانك أني كنت من الظالمين). ثم قال (ع): (من أصابه البلاء ودعا بـهذا الدعاء أصابه الفرج من الله تعالى)[64]. وقال (ع): (يا بَنيَّ أخذَ بيدي جدي وقال: يا بُنيَّ أفعل الخير إلى كل من طلبه منك، فإن كان أهله فقد أصبت موضعه. وإن لم يكن أهله كنت أهله. وإن شتمك رجل وتحول الى يسارك وأعتذر إليك، فأقبل منه)[65]. و(جالسوا أهل الدين والمعرفة، فإن لم تقدروا عليهم فالوحدة آنس وأسلم، فإن أبيتم إلا مجالسة الناس فجالسوا أهل المروآت...)[66]. وقال (ع) لبعض ولده: (ان الله تعالى رضيني لك ولم يرضك لي، وأوصاك بي ولم يوصني بك، فعليك بالبر تحفة يسيرة)[67]. و(...اعلم أن خيـر الآباء للابناء من لم تدعـه المودّة إلى التفريط فيه، وخير الأبناء للآباء من لم يدعه التقصير الى العقوق له)[68]. وقال (ع): (يا بني خمسة لا تصاحبهم ولا توافقهم ولا تحادثهم. إياك ومصاحبة الكذاب فانه بمنـزلة السراب يقرّب لك البعيد ويبعّد لك القريب. وإياك ومصاحبة الفاسق فانه بائعك بأكلة أو أقل منها. وإياك ومصاحبة البخيل فانه يخذلك فيما تكون إليه أحوج. وإياك ومصاحبة الأحمق فانه يريد ان ينفعك فيضرك. وإياك ومصاحبة قاطع رحمه ، فاني وجدته ملعوناً في كتاب الله في ثلاثة مواضع[69]. قال تعالى: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ. أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ)[70]. وقال الله تعالى: (وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ)[71]. وقال الله تعالى: (الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ)[72].([73]. ثم قال (ع): (أحبكم الى الله أحسنكم عملاً، وأعظمكم عند الله عملاً أسعاكم لعياله، وأكرمكم عند الله أتقاكم لله تعالى)[74]. وقال (ع): (يا بُنيَّ اصبر على النوائب ولا تتعرض للحقوق، ولا تجب أخاك إلى الأمر الذي مضرته عليك أكثر من منفعتك له)[75]. (وإياك ومعادات الرجال فانها لن تعدمك مكر حليم أو مفاجأة لئيم)[76]. (29) وصايا السجاد (ع) لإبنه الباقر (ع) وفي أيام مرضه (ع) أيضاً جمع أولاده محمداً والحسن وعبد الله وزيداً والحسين وأوصى بالإمامة إلى أبنه محمد بن علي (ع)، وكناه الباقر. وجعل أمرهم إليه (ع). وقال له: (يا بُنيَّ: العقلُ رائد الروح، والعلم رائد العقل، والعقل ترجمان العلم. واعلم ان العلم أبقى، واللسان أكثر هذراً. وان صلاح الدنيا بحذافيرها في كلمتين بهما إصلاح شأن المعائش: ملءُ مكيالٍ ثلثاه فطنة وثلثه تغافل. لأن الإنسان لا يتغافل عن شيء قد عرفه ففطن له[77]. واعلم ان الساعات تذهب عمرك وأنك لا تنال نعمة إلا بفراق أخرى. وإياك والأمل الطويل، فكم من مؤمِّل أملاً لا يبلغه، وجامع مال لا يأكله، ومانع ما سوف يتركه. ولعله من باطل جمعه، ومن حق منعه أصابه حراماً وورثه واحتمل أصره وباء بوزره. ذلك هو الخسران المبين)[78]. وقال (ع) لأبنه الباقر (ع) أيضاً: (أوصيك بما أوصاني به أبي (ع): أصبـر على الحق وإن كان مراً)[79]. و(أفعل الخير إلى كل من طلبه منك)[80]. (يا بُنيَّ اني جعلتك خليفتي من بعدي لا يدعي فيما بيني وبينك أحد إلا قلَّده الله يوم القيامة طوقاً من النار، فاحمد الله على ذلك واشكره. يا بُنيَّ اشكر لمن انعم عليك، فانه لا تزول نعمة إذا شُكرتْ، ولا بقاء لها إذا كُفرتْ. والشاكر بشكره اسعد منه بالنعمة التي وجب عليه بها الشكر) ثم تلا قوله تعالى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ...)[81]. وفي رواية أخرى، أنه (ع) قال: (إياك يا بُنيَّ أن تصاحب الأحمق أو تخالطه، واهجره ولا تحادثه، فان الأحمق هجنه عبن[82] غائباً كان أو حاضراً. إن تكلم فضحه حمقه، وإن سكت قصر فقره عنه، وإن عمل أفسد، وإن استرعى أضاع. لا علمه من نفسه يغنيه، ولا علم غيره ينفعه، ولا يطيع ناصحه، ولا يستريح مقارنه. تودُّ أمُهُ لو أنـها ثكلته، وأسرته فقدته، وجاره بَعُدَ داره، وجليسه الوحدة من مجالسته. إن كان أصغر من في المجلس أغنى من فوقه، وإن كان أكبر أفسدهم من دونه)[83]. وبقي الزهري يزور الإمام زين العابدين (ع) أيام مرضه، فعندما زاره في تلك الأيام أكرمه الإمام (ع) فقدم إليه طبق فيه هندباء وقال له: (كُل منه انه الهندباء، وما من ورقة إلا وعليها قطرة من ماء الجنة وفيه شفاء من كل داء). وجيء إليه بدهن البنفسج، فقال (ع): (فضله على الأدهان كفضل الإسلام على الأديان). ثم دخل عليه أبو جعفر الباقر (ع)، فجعل (ع) يسّاره طويلاً، فسمع الزهري قول زين العابدين (ع) لابنه: عليك بحسن الخلق. قال الزهري: فوقع في نفسي انه نعى نفسه. فقلت له يا ابن رسول الله (ص): إن وقع من أمر الله ما لا بد لنا منه، فإلى من نختلف بعدك. قال عليه السلام: (يا أبا عبد الله الى ابني هذا. وأشار الى محمد الباقر (ع). فانه وصيي ووارثي وعيبة علمي. هو معدن العلم وباقره). قلت: يا ابن رسول الله ما معنى (باقر العلم)؟ قال (ع): (سوف يختلف إليه خلّص شيعتي، فيبقر العلم عليهم بقراً ). قلت له: هلا أوصيت إلى أكبر ولدك؟ قال (ع): (يا أبا عبد الله ليست الإمامة بالكبر والصغر. هكذا عهد إلينا رسول الله (ص)، وهكذا وجدناه مكتوباً في اللوح والصحيفة). قلت: يا ابن رسول الله كم عهد إليكم نبيكم أن يكون الأوصياء بعده؟ قال عليه السلام: (وجدنا في الصحيفة واللوح اثنى عشر اسماً مكتوبة إمامتهم وأسماء آبائهم وأمهاتـهم. يخرج من صلب محمد ابني سبعة من الأوصياء فيهم المهدي عليه السلام)[84]. وقال (ع) للباقر (ع): (أني حججتُ على ناقتي هذه عشرين حجة لم اقرعها بسوط. فاذا نفقتْ فادفنها، لا يأكل لحمها السباع. فان رسول الله (ص) قال: ما من بعير يوقف عليه موقف عرفة سبع حجج إلاّ جعله الله من نعم الجنة وبارك في نسله). فلما نفقت دفنها أبو جعفر الباقر (ع)[85]. ثم ضمّه إلى صدره (ع) وقال: (يا بني أوصيك بما أوصاني به أبي حين حضرته الوفاة، وان أباه أوصاه به، وهو: يا بني إياك وظلم من لا يجد عليك ناصراً إلا الله)[86]. ثم أخرج سفطاً وصندوقاً، وأمر أبا جعفر الباقر (ع) بحمله إليه. وكان فيه سلاح رسول الله (ص) ودرعه، وألواح موسى عليه السلام وعصاه...[87]. وقال لأبي جعفر (ع): (يا بني اذا متُ فلا يلي غسلي غيرك، فإن الإمام لا يلي غسله إلا إمام مثله يكون بعده)[88]. (30) الإستشهاد وفي الليلة التي قبض فيها عليه السلام أخبرَ من كان عنده بان هذه الليلة هي التي قدر الله فيها الرحلة الى جوار قدسه[89]. وأغمي عليه ثلاث مرات، قرأ بعد المرة الأخيرة: (إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ)[90]، و(إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِيناً)[91]. ثم قال (ع): (…الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ)[92]. ثم قبض من ساعته ولم يقل شيئاً[93]. قال جعفر بن محمد الصادق (ع): (مرض علي بن الحسين (ع) ثلاث مرضات، في كل مرضة يوصي بوصية، فاذا أفاق أمضى وصيته)[94]. وقبض الإمام زين العابدين (ع) مظلوماً شهيداً مقتولاً بأمر الوليد بن عبد الملك الذي أوعز إلى أخيه هشام بدس السم اليه، كما ألمحنا الى ذلك سابقاً. فكان مصداقاً لقول النبي (ص): (ما من نبي ولا وصي إلا شهيد)[95]، وما قاله أئمة أهل البيت (ع): (ما منا إلا مقتول شهيد)[96].فتوفي (ع) في الخامس والعشرين من محرم الحرام سنة 95 للهجرة عن عمرٍ ناهز السابعة والخمسين عاماً. فضجّت المدينة بالبكاء، وكان يوماً كيوم وفاة رسول الله (ص). وشهد جنازته البر والفاجر، وأثنى عليه الصالح والطالح. وانـهال الناس يتبعونه حتى جيء بالجنازة الى البقيع. وعندما غسلّه أبنه محمد الباقر (ع) وجدَ على كتفيه جُلْب كجُلْب البعير[97]. فسأل الناس ما هذه الآثار؟ فقيل لهم: من حمل الطعام في الليل يدور به على منازل الفقراء[98]. وتم مواراة جسده الطاهر في تربة عمه الحسن بن علي (ع) في قبة العباس ابن عبد المطلب[99]. فسلامٌ على زين العابدين (ع) يوم وُلِدَ، ويوم اُستشهدَ، ويوم يبعث حياً. (نهاية ص 148)
السابق صفحة التحميل الصفحة الرئيسية
[1] شرح نهج البلاغة ج 3 ص 15. [2] أمالي الصدوق ص 452 (طبعة النجف 1389 هـ). [3] الطلاء: الخمر. [4] تأريخ الخلفاء للسيوطي ص 214- 222. طبعة مصر. [5] حلية الاولياء لابي نعيم ج 3 ص 135. [6] المناقب ج 3 ص 275. [7] الخرائج ص 194. [8] بحار الأنوار ج 46 ص 57 عن فتح الأبواب. [9] المناقب لابن شهراشوب ج 2 ص 259. [10] تاريخ اليعقوبي ج 3 ص 47. [11] سورة الحج: الآية 38. [12] المناقب ج 3 ص 302. [13] مدينة المعاجز ص 318 عن هداية الحضيني. [14] التهذيب للطوسي ج 2 ص 226. [15] الكافي على هامش مرآة العقول ج 3 ص 448 باب المؤمن كفؤ المؤمن. [16] وفيات الأعيان لابن خلكان ج 3 ص 33. [17] البصائر والذخائر- لأبي حيان التوحيدي ص 217. [18] تأريخ الخلفاء للسيوطي ص 223. [19] تأريخ ابن الأثير ج 4 ص 138. [20] المصدر السابق. [21] تاريخ الطبري ج 8 ص 61. والكامل في التاريخ لابن الاثير ج 4 ص 201. [22] نور الأبصار ص 137. [23] الإتحاف بحب الأشراف ص 76. [24] تأريخ الطبري ج 7 ص 71. والكامل لأبن الأثير ج 4 ص 201. [25] تأريخ اليعقوبي ج 3 ص 48. [26] الكشكول فيما جرى على آل الرسول (ص) – السيد حيدر الاملي ص 156. [27] طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ج 1 ص 153 بسنده المتصل الى عبد الله بن محمد عن أبيه.
المناقب ج 3 ص 306.[28] الإغضاء : إدناء الجفون. وأغضى على الشيء : سكت.[29] [30] الخيزُران: بضم الزاء شجرٌ هنديٌّ ، وهو عروق ممتدة في الأرض. وعبق به الطيب بالكسر عبقاً بالتحريك: أي لزق به. ورجلٌ عبق: إذا تطيّب بأدنى طيب لم يذهب عنه أياماً. والأروع: من يعجبك بحسنه وجهارة منظره. والعرنين: بالكسر، الأنف. والشّمم: محرّكة، ارتفاع قصبة الأنف وحسنها واستواء أعلاها. وقوله: من كفّ: فيه تجريد مضاف إلى الأروع. انجابت السحابة: انكشفت.[31] [32] الخيم: بالكسر، السجية والطبيعة. والشيم: بكسر الشين وفتح الياء: جمع الشيمة بالكسر، وهي الطبيعة. استوكف:استقطر. [33] [34] البوادر: جمع البادرة وهي ما يبدو من حدّتك في الغضب من قول أو فعل. [35] فدحه الدين: اثقله. [36] النقيبة: النفس والعقل، والمشورة ونفاذ الرأي والطبيعة. والأريب: العاقل. وقوله: يُعترم على المجهول من العرام، أي عاقل إذا أصابته شدة.
[37] الأزمة: الشدة، وأزمت أي لزمت. والشرى: (كعلى) طريق في سلمى كثيرة الأسد. واحتدم عليه غيظاً: تحرّق، والنار التهبت ، والدم اشتدت حمرته حتى تسوّد. وفيبعض النسخ البأس بالباء الموحدة ، وفي بعضها بالنون. وعلى الأول المراد أن شدتهم وغيظهم ملتهب في الحرب. وعلى الثاني المراد أن الناس محتدمون عليهم حسداً. [38] أثرى: أي كثر ماله. [39] خيم: أي لهم خيم. والندى: المطر ، ويستعار للعطاء الكثير. وهُضُم: (ككتب) جمع هضوم ، يقال يد هضوم أي تجود بما لديها. [40] شذرات الذهب ج 1 ص 142. [41] مرآة الجنان ج 1 ص 239. [42] البداية والنهاية ج 9 ص 109. [43] شرح شواهد المغني ص 250 طبعة مصر. [44] كفاية الطالب ص 306. [45] طبقات الشافعية الكبرى ج 1 ص 153. [46] حلية الأولياء ج 3 ص 139. [47] الأغاني ج 19 ص 40. [48] قاله حماد بن زيد من أبرز فقهاء البصرة (تهذيب التهذيب ج 3 ص 9). [49] قاله عبد الملك بن مروان، على الرغم من عداوته للإمام (ع) (بحار الأنـوار ج 46 ص 75). [50] قاله الذهبي في (سير أعلام النبلاء ج 4 ص 240). [51] قاله الشيخ المفيد في (الإرشاد ج 2 ص 138 و153). [52] قاله ابن تيمية في (منهاج السنّة ج 2 ص 123). [53] مطالب السؤول ج 2 ص 41. [54] العقد الفريد ج 3 ص 103. [55] المناقب ج 3 ص 298. والاحتجاج ص 171. [56] المناقب ج 3 ص 298. [57] روضة الواعظين ص 248. [58] روضة الكافي ج 8 ص 332. [59] كامل الزيارات ص 107. [60] غاية الاختصار ص 160. [61] ابن حجر في الصواعق المحرقة ص 120. وابن الصباغ في الفصول المهمة. والشبراوي في الإتحاف ص 52. [62]دلائل الإمامة لابن جرير الطبري ص 80. ومناقب ابن شهراشوب ج 2 ص 269. وتاريخ القرماني ص 111. [63] الفصول المهمة لابن الصباغ ص 218. [64] كشف الغمة للأربلي ص 165. [65] مشكاة الأنوار ص 65. [66] رجال الكشي ص 419. [67] تحف العقول ص 67. [68] العقد الفريد ج 3 ص 89. [69] كشف الغمة ص 200. [70] سورة محمد: الآية 22-23. [71] سورة الرعد: الآية 25. [72] سورة البقرة: الآية 27. [73] الوافي ج 3 ص 105. [74] تحف العقول ص 67. [75] حلية الأولياء ج 3 ص 138. والبيان والتبيين للجاحظ ج 2 ص 59. [76] بحار الأنوار ج 17 ص 160 الطبعة القديمة. [77] قال الجاحظ: لم يجعل (ع) لغير الفطنة نصيباً من الخير، ولا حظاً من الصلاح لأن الانسان لا يتغافل عن شيء الا وقد عرفه وفطن. قال الطائي: ليس الغبي بسيد في قومه، لكن سيد قومه المتغابي. [78] كفاية الأثر للخزاز القمي ص 319. [79] مجموعة ورام ص 14. [80] روضة الكافي ملحقة بتحف العقول ص 191 حديث 141. [81] سورة إبراهيم: الآية 7. أمالي الطوسي ص 319. وكفايـة الأثـر للخـزاز القمي ص 319. [82] الهجنة : القبيح وما يعيبه الانسان. والعبن : (بتشديد النون) الغليظ الخشن. [83] ناسخ التواريخ. [84] كفاية الأثر ص 319. [85] ثواب الأعمال ص 29 . والمحاسن للبرقي ج 2 ص 635. [86] بحار الأنوار ج 11 ص 44 عن الكافي. [87] بصائر الدرجات ص 46- 48. [88] الخرائج ص 20. [89] بحار الأنوار ج 11 ص 43. [90] سورة الواقعة: الآية 1. [91] سورة الفتح: الآية 1. [92] سورة الزمر: الآية 74. [93] الكافي ج 1 ص468. [94] الكافي ج 7 ص 56. [95] بصائر الدرجات ص 145. [96] أعلام الورى للطبرسي ص 211. [97] جُلْب: قشرة تعلو الجرح عند البرء. [98] تأريخ اليعقوبي ج 3 ص 45. [99] الفصول المهمة ص 221. ومطالب السؤول ص 79. والصواعق المحرقة ص 120. |