|
(ص 57- 105) (10) مواراة أجساد قتلى آل النبي (ص): (13 محرم سنة 61 هـ) بقيت أجساد العترة الطاهرة متناثرة في عراء الطف يومين أو ثلاثة أيام. وانبرى قومٌ من بني أسد من الذين لم يشتركوا في الحرب لدفنها، فحفروا قبوراً لتلك الأجساد الطاهرة، لكنهم تحيروا في معرفتها لأن الرؤوس كانت قد فصلت عنها وأخذت إلى الشام. حتى ورد الإمام زين العابدين (ع) من الكوفة فأوقف بني أسد على شهداء أهل البيت (ع)، وأوقفهم أيضاً على أصحاب الحسين (ع). وبادر إلى حمل جثمان أبيه (ع)، فواراه الثرى، وهو يقول: (يا أبتاه، طوبى لأرض تضمنت جسدك الطاهر، فان الدنيا بعدك مظلمة، والآخرة بنورك مشرقة. أما الليل فمسهد، والحزن سرمد أو يختار الله لأهل بيتك دارك التي أنت بها مقيم، وعليك مني السلام يا ابن رسول الله ورحمة الله وبركاته). وعلّم قبر أبيه (ع) بعلامة، وكتب: (هذا قبر الحسين بن علي بن أبي طالب، الذي قتلوه عطشاناً غريباً). ووضع قبر أخيه المشهور بـ(علي الأكبر) عند رجلي والده الحسين (ع)، وبقية الشهداء من بني هاشم والأنصار في قبر واحد. ثم انطلق إلى نهر العلقمي فحفر قبراً لعمه أبي الفضل العباس قمر بني هاشم، وهو يقول: (على الدنيا بعدك العفا يا قمر بني هاشم، وعليك مني السلام من شهيد محتسب ورحمة الله وبركاته). دلالات رجوع السجاد (ع) إلى كربلاء: 1- لاشك ان انصراف الإمام زين العابدين (ع) من سجن عبيد الله ابن زياد في الكوفة لتولي أمر أبيه (ع) في كربلاء دون علمهم به من الكرامات الخاصة بالامام السجاد (ع). واذا كانت المسافة بين الكوفة وكربلاء حوالي 80 كيلومتراً ، فان قطعها يحتاج الى أكثر من يوم، بالطريق الطبيعي. إلا ان الروايات المتواترة عن أهل البيت (ع) تثبت بان اختصار تلك المسافة كان من الكرامات الخاصة بالسجاد (ع). وليس هذا غريباً، فان الله تعالى قد خصهم بكرامات عديدة، لخصائص مباركة فيهم. 2- الظاهر ان أمر رجوع الإمام زين العابدين (ع) الى كربلاء لدفن أبيه (ع) كان أمراً شائعاً متعارفاً. ويؤيده تلك المناظرة بين الإمام الرضا (ع) وابن ابي حمزة في بدايات القرن الثالث الهجري. وموضوع المناظرة كان وجوب تغسيل الإمام المعصوم من قبل إمام آخر. قال الإمام الرضا (ع) له، وهما في أوج حمى المناظرة: (اخبرني عن الحسين بن علي كان إماماً؟). قال: بلى. قال (ع): (فمن ولي أمره؟). قال: علي بن الحسين. فقال الرضا (ع): (وأين كان؟). قال ابن أبي حمزة: (كان محبوساً بالكوفة عند ابن زياد ولكنه خرج وهم لا يعلمون به حتى ولي أمر أبيه ثم انصرف الى السجن). فقال الرضا (ع): (ان من مكّن علي بن الحسين أن يأتي كربلاء فيلي أمر أبيه ثم ينصرف، يمكّن صاحب هذا الأمر ان يأتي بغداد فيلي أمر أبيه [1] وليس هو في حبس ولا أسار)[2]. ودلالة الرواية ان أمر الذهاب من الكوفة الى كربلاء لدفن أبيه (ع) كان من الكرامات المعروفة المشهورة الخاصة بالسجاد (ع). (11) في الشام (محرم / صفر سنة 61 هـ) وكتب ابن زياد الى يزيد يخبره بقتل الحسين (ع) وخبر أهل بيته[3]. ولما وصل كتاب ابن زياد الى الشام أمره يزيد بحمل رأس الحسين (ع) ورؤوس من قتل معه إليه. فأمر ابن زياد بنساء الحسين (ع) وصبيانه فجُهِّزوا، وأمر بعلي بن الحسين (ع) فغُلَّ بقيدٍ الى عنقه. وانطلق ركب سبايا آل البيت (ع) على الأقتاب إلى الشام تاركاً الكوفة ومحنها. ومتوجهاً إلى أرض لم يطأها من قبل، والى أناس لم يعرف ملامحهم ولا أخلاقهم. ولم يكلّم علي بن الحسين (ع) أحداً من جنود ابن زياد في الطريق ولا بحرف، حتى بلغوا الشام[4]. ودمشق مدينة مطردة الأنهار، كثيرة الأشجار. وكان دخول سبايا آل البيت (ع) مناسبة لأهل الشام للاحتفال، فعلّق أهلها الستور والحجب والديباج وهم فرحون مستبشرون، ودفعوا نساءهم للعب بالدفوف والطبول، كما روى ذلك سهل بن سعد الساعدي. وفي الشام تعرض الإمام السجاد (ع) لعدة مواقف نذكر منها ثلاثة لاهميتها. أولها: تذكير الناس وإرشادهم. ثانياً: مواجهته يزيد. ثالثاً: خطبته البليغة في مجلس الطاغية. وفيما يلي نعرض لكل موقف من تلك المواقف: الأول:تذكير الناس وإرشادهم استثمر آل البيت (ع) كل مناسبة كانت تسنح لهم للتعبير عن ارتباطهم بالرسالة والرسول (ص). وكان تعاملهم مع الناس تعامل المعلم مع تلميذه، والوالد مع ولده. وكانوا (ع) ينشرون المعارف والعلوم، ويغفرون الخطأ والزلل، ويهدون الناس إلى طريق الحق. وفي ذلك رواية لها أهمية خاصة، لانها تكشف طريقة تعامل الإمام زين العابدين (ع) مع الناس في الشام. فقد فتح المسلمون بلاد الشام، وحكمها خالد بن الوليد ومعاوية بن ابي سفيان. ولم يرَ أهل الشام النبي (ص) أو اصحابه، فاعتبروا سلوك معاوية واصحابه سنّة للمسلمين. وليس مستغرباً ان نقرأ الرواية التالية: عندما دنا شيخ طاعن في السن من جمهور المحتفلين واقترب من نساء الحسين (ع) وعياله وهم في ذلك الوضع، بادرهم بالقول: الحمد لله الذي قتلكم وأهلككم وأراح البلاد عن رجالكم، وأمكن أمير المؤمنين (يزيد) منكم. فقال له علي بن الحسين (ع): (يا شيخ هل قرأت القرآن؟). قال: نعم. قال (ع): فهل عرفت هذه الآية: (...قُل لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إلاّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ...)[5]، قال الشيخ: نعم قد قرأت ذلك. فقال علي بن الحسين (ع) له: فنحن القربى. يا شيخ فهل قرأت في سورة بني إسرائيل: (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ...)[6]، فقال الشيخ: قد قرأت. فقال علي بن الحسين (ع): (فنحن القربى). يا شيخ فهل قرأت هذه الآية: (وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى...)[7] ؟ قال الشيخ: نعم. فقال له علي بن الحسين (ع): (فنحن القربى). يا شيخ فهل قرأت هذه الآية: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)[8] ؟ قال الشيخ: قد قرأت ذلك. فقال علي بن الحسين (ع): (فنحن أهل البيت الذي خصصنا الله بآية الطهارة يا شيخ). فبقي ذلك الانسان ساكتاً نادماً على ما تكلم به، وقال: بالله إنكم هم. فقال علي بن الحسين (ع): (تالله إنا لنحن هم من غير شك وحق جدنا رسول الله صلى الله عليه وآله). فبكى الشيخ، ثم رفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم إنا نبـرأ إليك من عدو آل محمد (ص) من جن وإنس. ثم قال: هل لي من توبة. فقال (ع): (نعم إن تبت تاب الله عليك وأنت معنا). فقال: أنا تائب. فبلغ يزيد بن معاوية حديث الشيخ، فأمر به، فقتل[9]. وفي تلك الرواية دلالات، منها: 1- ان أهل الشام كانوا يعتقدون بما كان يقوله لهم إعلام بني أمية ولا يستنكرونه، بل كانوا يأخذونه أخذ المسلّمات. 2- ان القابلية على التغيير عند الأمة كانت موجودة. فما أن احتجّ عليه الإمام (ع) بالقرآن وبمصاديقه وأفحمه في ذلك، حتى قبَلَ ذلك الشيخ بالحجة واقتنع بها. وهذا المنحى في التغيير أتخذه الإنبياء (ع) وأئمة أهل البيت (ع) طريقاً لهداية الناس. 3- ان طريق أهل البيت (ع) كانت له مبادئ، أهمها: الرحمة بالرعية، والصفح عن اخطائهم، وقبول توبتـهم. ولذلك كان الإمام السجاد (ع) يطمح لندم ذلك الإنسان ويرجو الإعتراف بخطائه. ولم يشترط عليه شيء لقبول تلك التوبة، ودرأ ذلك التقصير. 4- تفصح الرواية عن جهود السلطة الأموية في كمّ أفواه الناس، فما أن علموا برواية الشيخ وحديثه مع السجاد (ع)، حتى أمروا بقتله. لأن إطلاع الناس على حقائق الدين والتأريخ، نذيرٌ بزوال حكمهم. الثاني:مواجهة الظالم ولاشك ان مواجهة الحاكم الظالم بعد معركة خاسرة عسكرياً أمرٌ صعب بل مرعب. خصوصاً إذا كانت السبايا من النساء والصبيان والمرضى. إلاّ ان موقفا زينب (ع) وزين العابدين (ع) أمام يزيد الطاغية قد قلبا كل المقاييس. فقد توقع بنو أمية إذلال السبايا واهانتهم والتشفي منهم، في وقت غابت عنهم فصاحة أهل البيت (ع) وحجتهم البالغة القوية. وعلى أية حال، فقد خابت آمال بنو أمية عندما انطلقت زينب (ع) في خطبتها الفصيحة البليغة تعدد مثالبهم وتكشف انحرافهم عن الاسلام وعن تعاليم القرآن المجيد والسنة النبوية الشريفة. بينما أرجع الإمام زين العابدين (ع) مصيبة كربلاء إلى ظلم بني أمية وإرادتهم، ذلك الظلم المكتوب في الكتاب قبل ان يبـرأ الله عز وجل الخلق. وبتعبيـر آخر، أراد الإمام السجاد (ع) تذكير الناس بان المصائب ومنها مصيبة كربلاء مكتوبة في اللوح المحفوظ، ذلك الكتاب الذي فيه ما كان وما يكون وما هو كائن الى يوم القيامة. فالله عزّ وجلّ يعلم ما في اللوح من آجال، قبل ان يخلق الخلق. وهذا المعنى مستخلص من قوله تعالى في سورة الحديد: (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إلاّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ)[10]. فواقعة الطف لم تكن مفاجئة لهم (ع). بل ان الأحاديث المتواترة تشير إلى انهم كانوا يتنبأون بها قبل وقوعها، في مناسبات معروفة عديدة. مع يزيد: ولما أدخل ثقل[11] الحسين (ع) ونساؤه برفقة السجاد (ع) على الطاغية يزيد وقد أوثقوهم بالحبال، ابتدأ الإمام (ع) خطابه ليزيد: (ما ظنك بجدنا رسول الله (ص) لو يرانا على مثل هذه الحالة؟). فأمر يزيد بحلّ الوثاق وقال: قبّح الله ابن مرجانة (عبيد الله بن زياد). لو كان بينكم وبينه قرابة لما فعل بكم هذا. ثم دعا يزيد بقضيب خيزران فجعل ينكت به ثنايا الحسين (ع)، فأقبل عليه أبو برزة الأسلمي وقال: (ويحك يا يزيد أتنكت بقضيبك ثغر الحسين ابن فاطمة (ع) أشهد لقد رأيت النبي (ص) يرشف ثناياه وثنايا أخيه الحسن (ع) ويقول: أنتما سيدا شباب أهل الجنة، فقتل الله قاتلكما ولعنه وأعد له جهنم وساءت مصيراً). فغضب يزيد وأمر بإخراجه فأخرج سحباً من المجلس، وجعل يزيد يتمثل بأبيات ابن الزبعرى: ليت أشياخي ببدر شهدوا** جزع الخزرج من وقع الأسل لأهلوا واستهلوا فرحـاً** ثم قالوا يا يزيـد لا تشل قد قتلنا القرم من ساداتهم** وعدلنـاه ببـدر فاعتـدل لعبت هاشم بالملك فـلا** خبـر جاء ولا وحي نزل لست من خندف إن لم أنتقم** من بني أحمد ما كان فعـل خطبة زينب بنت علي (ع): فقامت زينب بنت علي بن أبي طالب (ع) وقد ناهزت الخمسين من العمر، والإمام زين العابدين (ع) جالس مع السبايا، فقالت: (الحمد لله رب العالمين وصلى الله على رسوله وآله أجمعين، صدق الله سبحانه كذلك يقول: (ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا السُّوأَى أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِءُون)[12]، أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء فأصبحنا نساق كما تساق الأسرى إن بنا هواناً على الله وبك عليه كرامة، وإن ذلك لعظم خطرك عنده، فشمخت بأنفك ونظرت في عطفك جذلان مسروراً حين رأيت الدنيا لك مستوثقة، والأمور متسقة، وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا. فمهلاً مهلاً أنسيت قول الله تعالى: (وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْماً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ)[13]. أمن العدل يا ابن الطلقاء تخديرك حرائرك وإمائك، وسوقك بنات رسول الله (ص) سبايا قد هتكت ستورهن، وأبديت وجوههن، تحدوا بهن الأعداء من بلد إلى بلد، ويستشرفهن أهل المناهل والمناقل، ويتصفح وجوههن القريب والبعيد والدني والشريف، ليس معهن من رجالهن ولي ولا من حماتـهن حمي. وكيف يرتجى مراقبة من لفظ فوه أكباد الأذكياء، ونبت لحمه من دماء الشهداء، وكيف ويستبطأ في بغضاء أهل البيت من نظر إلينا بالشنف والشنان، والإحن والأضغان، ثم تقول غير متأثم ولا مستعظم: لاهلّـوا واستهلّـوا فرحـاً ثم قالـوا يا يزيـد لا تشل منتحياً على ثنايا أبي عبد الله (ع) سيد شباب أهل الجنة تنكتها بمخصرتك، وكيف لا تقول ذلك وقد نكأت القرحة وإستأصلت الشأفة باراقتك دماء ذرية محمد (ص) ونجوم الأرض من آل عبد المطلب وتهتف بأشياخك، زعمت إنك تناديهم. فلتردن وشيكاً موردهم ولتودن إنك شللت وبكمت ولم تكن قلت ما قلت، وفعلت ما فعلت. اللهم خذ لنا بحقنا، وانتقم ممن ظلمنا، وأحلل غضبك بمن سفك دمائنا، وقتل حماتنا. فوالله ما فريت إلا جلدك، ولا حززت إلا لحمك، ولتردن على رسول الله (ص) بما تحملت من سفك ذريته، وانتهكت من حرمته في عترته ولحمته، وحيث يجمع الله شملهم ويلم شعثهم ويأخذ بحقهم، (وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ)[14]. وحسبك بالله حاكماً وبمحمد (ص) خصيماً وبجبرائيل ظهيراً، وسيعلم من سوّل لك ومكنك من رقاب المسلمين، بئس للظالمين بدلاً وأيكم شر مكاناً وأضعف جنداً. ولئن جرت علي الدواهي مخاطبتك، إني لأستصغر قدرك، وأستعظم تقريعك، وأستكثر توبيخك. لكن العيون عبرى، والصدور حرى. ألا فالعجب كل العجب لقتل حزب الله النجباء بحزب الشيطان الطلقاء. فهذه الأيدي تنطف من دمائنا، والأفواه تتحلب من لحومنا، وتلك الجثث الطواهر الزواكي تنتابـها العواسل وتعفرها أمهات الفراعل ولئن اتخذتنا مغنماً، لتجدنا وشيكاً مغرماً، حين لا تجد إلا ما قدمت يداك وما ربك بظلام للعبيد. فإلى الله المشتكى وعليه المعول. فكد كيدك، وأسع سعيك، وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، ولا تدرك أمدنا، ولا ترحض عنك عارها. وهل رأيك إلا فند، وأيامك إلا عدد، وجمعك إلا بدد، يوم ينادي المنادي ألا لعنة الله على الظالمين. فالحمد لله رب العالمين الذي ختم لأولنا بالسعادة والمغفرة، ولآخرنا بالشهادة والرحمة، ونسأل الله أن يكمل لهم الثواب ويوجب لهم المزيد ويحسن علينا الخلافة إنه رحيم ودود وحسبنا الله ونعم الوكيل). تصاغر يزيد: فقال يزيد بن معاوية: يا صيحـة تحمد من صوائح ما أهون الموت على النوائح ثم قال يزيد: أيه يا علي بن الحسين. أبوك الذي قطع رحمي، وجهل حقي، ونازعني في سلطاني، فصنع الله به ما رأيت. فقال السجاد (ع): بسم الله الرحمن الرحيم: (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إلاّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ. لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَآ آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ)[15]. قال يزيد: بل قل: (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ...)[16]. فردّ الإمام (ع): (هذا في حق من ظَلمَ ، لا في حق من ظُلم). ثم قال (ع): (يا ابن معاوية وهند وصخر لم تنـزل النبوة والإمرة إلا لآبائي وأجدادي من قبل أن تولد. ولقد كان جدي علي بن أبي طالب في بدر وأحد والأحزاب في يده راية رسول الله (ص)، وأبوك وجدك في أيديهما راية الكفار. ويلك يا يزيد لو تدري ما صنعت وما الذي ارتكبت بأبي وأهل بيته لهربت في الجبال، وافترشت الرماد، ودعوت بالويل والثبور، فابشر بالخزي والندامة إذا اجتمع الناس ليوم الحساب). وفي رواية المسعودي ان يزيد سأل زين العابدين (ع): كيف رأيت يا علي بن الحسين؟ قال (ع): (رأيت ما قضاه الله عز وجل قبل ان يخلق السموات والأرض). فشاور يزيد جلساءه في أمره ، فاشاروا بقتله. فابتدر زين العابدين (ع) الكلام، فحمد الله وأثنى عليه. ثم قال: (يا يزيد لقد أشار عليك هؤلاء بخلاف ما أشار جلساء فرعون عليه، حيث شاورهم في موسى وهارون، فانهم قالوا له: ارجه وأخاه. وقد أشار هؤلاء عليك بقتلنا... ان أولئك كانوا الراشدة، وهؤلاء لغير رشدك [ماضون]. ولا يقتل الأنبياء وأولادهم إلا أولاد الأدعياء). فأمسك يزيد مطرقاً[17]. (12) الثالث: خطبة الإمام (ع) في مجلس يزيد ثم أوعز يزيد إلى خطيبٍ من خطباء السوء اعتلاء المنبر، والنيل من علي (ع) والحسين (ع). فقام وبالغ في الذم وأطنب في مدح معاوية ويزيد. فانبرى السجاد (ع) مخاطباً: (ويلك أيها المتكلم اشتريت رضا المخلوق بسخط الخالق فتبوأ مقعدك من النار...). وكان من أدب الإمام (ع) الجمّ أن يسأل يزيد، وهو صاحب المجلس على كل حال، كي يسمح له بالكلام. والكلام في المجالس يحتاج إلى إذن. فقال (ع): (أتأذن لي أن أصعد هذه الأعواد فأتكلم بكلمات فيهن لله رضا، ولهؤلاء الجالسين أجر وثواب). فرفض يزيد في البداية ولكن الحاضرين - وهم من خلّص حاشية يزيد - أصروا عليه وهم يتوقعون انه (ع) لا يحسن الخطابة أو هكذا تظاهروا. فوافق يزيد. فقام الإمام (ع)، فقال: (الحمد لله الذي لا بداية له والدائم الذي لا نفاد له، والأول الذي لا أولية له، والآخر الذي لا آخرية له، والباقي بعد فناء الخلق، قدّر الليالي والأيام، وقسّم فيما بينها، فتبارك الله الملك العلام). ثم استطرد في ذلك كثيراً إلى أن قال: (أيها الناس أعطينا ستّاً، وفضّلنا بسبع. أعطينا: العلم، والحلم، والسماحة، والفصاحة، والشجاعة، والمحبة في قلوب المؤمنين. وفضّلنا: بأن منّا النبيّ المختار محمداً (ص)، ومنّا الصدّيق، ومنّا الطيار، ومنّا أسد الله وأسد رسوله (ص)، ومنّا سيّدة نساء العالمين فاطمة البتول، ومنّا سبطا هذه الأمة وسيدا شباب الجنة. فمن عرفني فقد عرفني. ومن لم يعرفني أنبأته بحسبي ونسبي. أنا ابن مكة ومنى. أنا ابن زمزم والصفا. أنا ابن من حمل الركن بأطراف الرداء. أنا ابن خير من ائتزر وارتدى. أنا ابن خير من انتعل واحتفى. أنا ابن خير من طاف وسعى. أنا ابن خير من حجّ ولبّى. أنا ابن من حمل على البراق في الهواء. أنا ابن من أسري به من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى، فسبحان من أسرى. أنا ابن من بلغ به جبرئيل إلى سدرة المنتهى. أنا ابن من دنا فتدلّى فكان قاب قوسين أو أدنى. أنا ابن من صلّى بملائكة السماء. أنا ابن من أوحى إليه الجليل ما أوحى. أنا ابن محمد المصطفى. أنا ابن علي المرتضى. أنا ابن من ضرب خراطيم الخلق حتى قالوا: لا إله إلا الله. أنا ابن من ضرب بين يدي رسول الله (ص) بسيفين، وطعن برمحين، وهاجر الهجرتين، وبايع البيعتين، وصلّى القبلتين، وقاتل ببدر وحنين، ولم يكفر بالله طرفة عين. أنا ابن صالح المؤمنين ووارث النبيين، وقامع الملحدين، ويعسوب المسلمين، ونور المجاهدين، وزين العابدين، وتاج البكّائين، وأصبر الصابرين، وأفضل القائمين من آل ياسين، رسول رب العالمين. أنا ابن المؤيد بجبرئيل، المنصور بميكائيل. أنا ابن المحامي عن حرم المسلمين، وقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين، والمجاهد أعداءه الناصبين، وأفخر من مشى من قريش أجمعين، وأوّل من أجاب واستجاب لله ولرسوله من المؤمنين، وأقدم السابقين، وقاصم المعتدين، ومبيد المشركين، وسهم من مرامي الله على المنافقين، ولسان حكمة العابدين. وناصر دين الله، ووليّ أمر الله، ولسان حكمة الله، وعيبة علمه، سمح سخيّ، بهلول زكيّ، أبطحيّ رضيّ مرضيّ، مقدام همام، صابر صوّام، مهذّب قوّام، شجاع قمقام، قاطع الأصلاب، ومفرق الأحزاب. أربطهم عناناً، وأثبتهم جناناً، وأجرأهم لساناً، وأمضاهم عزيمةً، وأشدّهم شكيمة. أسد باسل، وغيث هاطل، يطحنهم في الحروب، اذا ازدلفت الأسنّة وقربت الأعنة، طحن الرحى. ويذروهم ذرو الريح الهشيم. ليث الحجاز، وصاحب الإعجاز، وكبش العراق، الإمام بالنص والاستحقاق. مكيّ مدنيّ، أبطحيّ تهامي، خيفيّ عقبي، بدري أحدي، شجري مهاجري. من العرب سيّدها، ومن الوغى ليثها. وارث المشعرين، وأبو السبطين الحسن والحسين، مظهر العجائب، ومفرق الكتائب، والشهاب الثاقب، والنور العاقب، أسد الله الغالب، مطلوب كلّ طالب، غالب كلّ غالب، ذاك جدي علي بن أبي طالب عليه السلام. أنا ابن فاطمة الزهراء. أنا ابن سيدة النساء. أنا ابن الطهر البتول. أنا ابن بضعة الرسول (ص). أنا ابن المزمّل بالدماء. أنا ابن ذبيح كربلاء. أنا ابن من بكى عليه الجنّ في الظلماء ، وناحت عليه الطير في الهواء). ولم يزل (ع) يقول: أنا، أنا.... حتى ضج الناس بالبكاء، وخشي يزيد من وقوع الفتنة، فأمر المؤذن أن يؤذن حتى يقطع على الإمام (ع) كلامه. فصاح المؤذن: (الله اكبر). فالتفت إليه الإمام (ع) فقال له: (كبّرت كبيراً لا يقاس، ولا يدرك بالحواسّ، لا شيء أكبر من الله). فلما قال المؤذن: (أشهد أن لا إله إلا الله). قال علي بن الحسين: (شهد بها شعري وبشري، ولحمي ودمي، ومخّي وعظمي). ولما قال المؤذن: (أشهد أن محمداً رسول الله). التفت الإمام (ع) الى يزيد فقال له: (يا يزيد، محمد هذا جدي أم جدك؟ فإن زعمت أنه جدّك فقد كذبت. وإن قلت: إنه جدّي فلم قتلت عترته). ولم يحر يزيد جواباً لأن جدّ السجاد (ع) هو رسول الله (ص)، وجدّ يزيد هو ابو سفيان عدو الإسلام الذي ما قال الشهادتين إلا حقناً لدمه. دلالات خطبة السجاد (ع): 1- كان الإمام السجاد (ع) في غاية الأدب وسمو الخلق عندما طلب الإذن بالتحدث. وهو سجين مظلوم، وكان يستطيع ان يصرخ بوجه الطغاة دون إذن. إلا انها أخلاق الإمامة، ومشاعر أبناء الأنبياء (ع). 2- وصف الإمام (ع) الكرسي الذي يجلس عليه الخطيب بالأعواد لا المنبـر، لأن المنبـر مكان شريف يجلس عليه الأولياء المتقون. والأعواد يجلس عليها الصالح والطالح. وقد صعد على تلك الأعواد آنفاً خطيب من خطباء السوء. 3- أجملت الخطبة كل إنجازات أهل البيت (ع) تحت إمرة رسول الله (ص) وقيادته، وأجملت تضحياتهم في سبيل الدين، وعلو منـزلتهم، وعظيم دورهم في بناء الإسلام في نفوس الناس. وظهور البيان وفصاحته اغنانا عن التفصيل. 4- أظهرت الرواية بلاغة السجاد (ع) وجرأته وهو لا يزال في مقتبل العشرينات من عمره الزاخر بالعطاء الفكري والروحي والتشريعي. الإصباح في الشام: وفي بيان ما جرى عليه (ع) وعلى بقية العترة من مصاعب في الشام، وقد قيل له كيف أصبحت، فقال (ع): (كيف حال من اصبح وقد قتل أبوه، وقلّ ناصره، وينظر الى حرم من حوله أسارى، قد فقدوا الستر والغطاء، وقد أعدموا الكافل والحمى. فما تراني إلا أسيراً ذليلاً قد عدمت الناصر والكفيل، قد كسيت أنا وأهل بيتي ثياب الأسى، وقد حرمت علينا جديد العرى. فإن تسأل فها أنا كما ترى، قد شمتت فينا الأعداء، ونترقب الموت صباحاً ومساءً). ثم قال (ع): (قد أصبحت العرب تفتخر على العجم لأن محمدا صلى الله عليه وآله منهم، وأصبحت قريش تفتخر على سائر الناس لأن محمداً (ص) منهم، ونحن أهل بيته أصبحنا مقتولين مظلومين، قد حلّت بنا الرزايا، نساق سبايا، ونجلب هدايا، كأن حسبنا من أسقط الحسب، ونسبنا من أرذل النسب. كأن لم نكن على هام المجد رقينا، وعلى بساطٍ جليلٍ سعينا، وأصبح المُلْك ليزيد لعنه الله وجنوده، وأصبحت بنو المصطفى صلى الله عليه وآله من أدنى عبيده)[18]. (13) تنصل يزيد من مسؤولية قتل الحسين (ع) وعندما واجه السجاد (ع) يزيد بتلك البلاغة والشجاعة، أدرك يزيد انه خسر معركة القلوب بعد ان تغلب ظاهراً في معركة الأجساد. فحاول تدارك ذلك عبر أمرين: الأول: إلقاء مسؤولية قتل الحسين (ع) على عبيد الله بن زياد والي الكوفة والتنصل منها شخصياً. فقال موجهاً خطابه للسجاد (ع): (لعن الله ابن مرجانة. أما والله لو أني صاحبه ما سألني خصلة أبداً إلا أعطيته إياها، ولدفعت الحتف عنه بكل ما استطعت، ولو بـهلاك بعض ولدي. ولكن قضى الله ما رأيت. يا بني كاتبني بكل حاجة تكون لك وانه سيكون في قومك أمور فلا تدخل معهم في شيء)[19]. فسكت زين العابدين (ع) ولم يجبه بشيء. الثاني: تطييب خاطر السجاد (ع) مكراً وخداعا ً عبر الإلحاح عليه إن كان له حاجة. فقال الإمام (ع) في نهاية المطاف: (أريد منك أن تريني وجه أبي. وأن تعيد على النساء ما أخذ منهن، ففيها مواريث الآباء والأمهات. وإذا كنتَ تريد قتلي، فأرسل مع العيال من يؤدي بـهن الى المدينة). وتلك المطالب الثلاثة، تدخل ضمن منهج الإدانة الذي استخدمه الإمام زين العابدين (ع) في تعرية حكم بني امية: 1- فالطلب برؤية أبيه الحسين (ع) هي إدانة واضحة لقاتليه. فكيف يسمح الضمير الإسلامي لهؤلاء الفجار بقتل ابن بنت نبيهم (ص)، وهم لا زالوا يقرون بالإسلام ديناً وبمحمد (ص) نبياً؟ فهنا توجيه ضمني من السجاد (ع) بانحراف النظام الأموي الظالم عن مبادئ الإسلام. 2- والطلب بإعادة ما أخذ من نساء آل محمد (ص) نـهباً وسلباً، هو إدانة ثانية لطريقتهم الوحشية بالتعامل مع ذرية الأنبياء (ع) ومواريثهم. خصوصاً وان ما سلب من النساء كان من خصوصيات فاطمة الزهراء (ع) بنت النبي (ص)، كمغزلها ومقنعتها وقلادتـها وقميصها. 3- والطلب بإرسال مع من يؤدي بالنساء الى المدينة، على افتراض قتل السجاد (ع) صبراً، فيه إدانة ثالثة للنظام السياسي الأموي. فكيف يقبل الضمير الإسلامي قتل مريض ألمّت به علّته؟ ولو كان الأمر لهم لقتلوه (ع). ولكنهم كانوا دائماً يخشون لوم العرب على فعلتهم. وإذا كان زين العابدين (ع) يطالب بحق مهضوم، فان يزيد أجابه بنفس درجة الظلم التي وضعها منهاجاً لحكمه، فقال: (أما وجه أبيك فلن تراه. وأما ما أخذ منكم فيردّ إليكم. وأما النسوة فلا يردهن غيرك، وقد عفوت عن قتلك)[20]. وهو بذلك قرر ثلاث حقائق: 1- إمضاء قتل الحسين (ع) كسياسة معلنة للدولة الأموية. وبذلك فلا ندم ولا اعتذار في ذلك من قبل يزيد. 2- الإقرار بعدم صحة سلب سبايا آل البيت (ع). وهو إقرار رسمي أموي بعدم صحة السبي لآل الرسول (ص). لكنه كان قراراً شكلياً لم يترتب عليه أثر رجعي بـمعاقبة المجرمين الذين ارتكبوه. 3- العفو عن قتل السجاد (ع). وهو لم ينم عن تبدل في أخلاقية الخليفة الطاغية، بل ان الظروف الإجتماعية التي خلقها مقتل الحسين (ع) وخطبة السجاد وزينب (ع) هما اللذان أثنيا يزيد عن قتله (ع). وروي ان رأس الحسين (ع) أعيد لاحقاً فدفن بكربلاء مع جسده الشريف (ع)، وكان عمل الطائفة على هذا المعنى. (14) إلى المدينة (صفر/ ربيع أول سنة 61 هـ) وعهد يزيد إلى النعمان بن بشير بمصاحبة ركب آل البيت (ع)، وأمر بإخراجهم ليلاً خوفاً من الفتنة، واضطراب الوضع. وكان اختيار النعمان بن بشير لمصاحبة الركب له دلالات: 1- انه سبق وإن كان والياً على الكوفة من قبل بني أمية قبل عبيد الله بن زياد. فهو يعرف خلفيات الوضع السياسي والاجتماعي لواقعة الطف. 2- انه كان والياً مسالماً آثر عدم محاربة الحسين (ع)، وأتهم على أثرها بالضعف. ولذلك اُستبدل من قبل يزيد بن معاوية، بعبيد الله بن زياد. وعندما سار الركب، طلب السجاد (ع) من المكلف على حراسته ان يعرج إلى كربلاء ليجددوا العهد مع الحسين (ع) وأهل بيته وأصحابه من الشهداء. وكان ذلك في العشرين من صفر سنة 61 هـ ، أي بعد مضي أربعين يوماً من أحداث العاشر من محرم من نفس السنة. وكان جابر بن عبد الله الأنصاري، وهو من أواخر من بقي على قيد الحياة من صحابة رسول الله (ص)، قد شدّ الرحال لزيارة الحسين (ع). فورد كربلاء في وقت مقارب لوصول السبايا. ونترك الوصف لكتاب (اللهوف في قتلى الطفوف)، فيقول عن ركب بني هاشم (ص): (أنهم لما وصلوا الى كربلاء وجدوا جابر بن عبد الله وجماعة من بني هاشم ورجالاً من آل الرسول (ص) قد أقبلوا لزيارة قبور الحسين (ع) والشهداء من أهله وأصحابه فتلاقوا بالبكاء وأقاموا المأتم، وأجتمع إليهم من كان في جوار كربلاء من القبائل النازلة على الفرات)[21]. وكان مما قاله السجاد (ع) لجابر: (يا جابر، ها هنا والله قتلت رجالنا، وذبحت أطفالنا، وسبيت نساؤنا، وحرقت خيامنا). وبعد أيام مضى الركب يسير حثيثاً الى المدينة. ولما وصل الى أطرافها، أمر زين العابدين (ع) بشير بن خزيم بدخول المدينة ونعي الحسين (ع). فدخل بشير مسجد النبي (ص) وهو ينادي: يا أهل يثرب لا مقام لكم بها** قُتل الحسين فأدمعي مدرار الجسم منه بكربلاء مضرّج** والرأس منه على القناة يدار (15) في مدينة رسول الله (ص) وكانت تلك مقدمة مناسبة لدخوله (ع) إلى المدينة الباكية على فدح المصاب. فقام خطيباً بالناس: (الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، بارئ الخلائق أجمعين، الذي بعُد فارتفع في السماوات العلى، وقرب فشهد النجوى، نحمده على عظائم الأمور، وفجائع الدهور، وألم الفجائع، ومضاضة اللواذع، وجليل الرزء، وعظيم المصائب الفاظعة، الكاظة، الفادحة، الجائحة. أيها القوم، إن الله تعالى وله الحمد ابتلانا بمصائب جليلة، وثلمة في الإسلام عظيمة، قُتل أبو عبد الله الحسين عليه السلام وعترته، وسبيت نساؤه وصبيته، وداروا برأسه في البلدان من فوق عالي السنان، وهذه الرزية ما مثلها رزية. أيها الناس، فأي رجالات منكم يسرّون بعد قتله، أم أيّ فؤاد لا يحزن من أجله، أم أية عين منكم تحبس دمعها، أو تضن عن انهمالها، فلقد بكت السبع الشداد لقتله، وبكت البحار بأمواجها، والسماوات بأركانـها، والأرض بأرجائها، والأشجار بأغصانـها، والحيتان في لجج البحار، والملائكة المقرّبون، وأهل السماوات أجمعون؟! أيها الناس، أي قلب لا ينصدع لقتله، أم أي فؤاد لا يحنّ إليه، أم أي سمعٍ يسمع بهذه الثلمة التي ثلمت في الإسلام ولا يصمّ ؟! أيها الناس، أصبحنا مشردين، مطرودين، مذودين، شاسعين عن الأمصار، كأننا أولاد ترك وكابل من غير جرم أجرمناه، ولا مكروه ارتكبناه، ولا ثلمة في الإسلام ثلمناها. ما سمعنا بـهذا في آبائنا الأولين، إن هذا إلا اختلاق. والله لو أن النبي (ص) تقدم إليهم في قتالنا كما تقدم إليهم في الوصية بنا لما زادوا على ما فعلوا بنا. فإنا لله وإنا إليه راجعون من مصيبة ما أعظمها وأفجعها، وأكظمها وأفظعها، وأمرّها وأفدحها، فعنده نحتسب ما أصابنا، فانه عزيز ذو انتقام...). المدينة بعد مقتل الحسين (ع): وصف ابن طاووس (ت 664هـ) وضع المدينة بعد مقتل الإمام الحسين (ع)، فقال: ان زين العابدين (ع) رحل إلى المدينة بأهله وعياله ونظر إلى منازل قومه ورجاله فوجد تلك المنازل تنوح بلسان أحوالها، وتبوح باعلال الدموع وإرسالها، لفقد حماتها، وتندب عليهم ندب الثواكل، وتسأل عنهم أهل المناهل، وتهيج أحزانه على مصارع قتلاه، وتنادي لأجلهم واثكلاه، وتقول يا قوم أعذروني على النياحة والوليل، وساعدوني على المصاب الجليل، فإن القوم الذين أندب لفراقهم وأحن إلى كرم أخلاقهم كانوا سمار ليلي ونهاري، وأنوار ظلمي وأسحاري، وأطناب شرفي وإفتخاري، وأسباب قوتي وإنتصاري، والخلف من شموسي وأقماري. كم ليلة شردوا باكرامهم وحشتي، وشيدوا بأنعامهم حرمتي، وأسمعوني مناجات أسحارهم، وأمتعوني بإبداع أسرارهم، وكم يوم عمروا آمالي بمحافلهم، وعروا طبعي بفضائلهم، وأورقوا عودي بـماء عهودهم، وأذهبوا نحوسي بـماء سعودهم. وكم غرسوا لي من المناقب، وحرسوا محلي من النوائب، وكم أصبحت بـها أشرف على المنازل والقصور، وأميس في ثوب الجذل والسرور. وكم اعتاشوا في شعابي من أموات الدهور. وكم إنتاشوا على أعتابي من رفات المحذور. فأقصدني فيهم منهم الحمام، وحسدني عليهم حكم الأيام، فأصبحوا غرباء بين الأعداء وغرضاً لسهام الإعتداء. وأصبحت المكارم تقطع بقطع أناملهم، والمناقب تشكو لفقد شمائلهم، والمحاسن تزول بزوال أعضائهم، والأحكام تنوح لوحشة أرجائهم. فيا لله من ورع أريق دمه في تلك الحروب، وكمال نكس علمه بتلك الخطوب. ولئن عدمت مساعدة أهل العقول، وخذلني عند المصائب جهل العقول، فإن لي مسعداً من السنن الدارسة والأعلام الطامسة، فإنها تندب كندبي، وتجد مثل وجدي وكربي. فلو سمعتم كيف ينوح عليهم لسان حال الصوات، ويحن إليهم إنسان الخلوات، وتشتاقهم طوية المكارم، وترتاح إليهم أندية الأكارم، وتبكيهم محاريب المساجد، وتناديهم مآريب الفوائد، لشجاكم سماع تلك الواعية النازلة، وعرفتم تقصيركم في هذه المصيبة الشاملة. بل لو رأيتم وحدتي وانكساري، وخلو مجالسي وآثاري، لرأيتم ما يوجع قلب الصبور، ويهيج أحزان الصدور. لقد شمت بي من كان يحسدني من الديار، وظفرتْ بي أكف الأخطار. فيا شوقاه إلى منـزل سكنوه، ومنهل أقاموا عنده واستوطنوه. ليتني كنت إنساناً أفديهم حز السيوف، وأدفع عنهم حر الحتوف، وأشفي غيظي من السنان، وأرد عنهم سهام العدوان... ولقد أحسن ابن قتيبة (رض) وقد بكى على المنازل المشار إليها فقال[22]: مررت على أبيات آل محمد** فلم أرَ أمثالها يوم حلت لا يبعد الله الديار وأهلها** وإن أصبحت منهم بزعمي تخلت ألا إن قتلى الطف من آل هاشم** أذلت رقاب المسلمين فذلت وكانوا غياثاً ثم أضحوا رزية** لقد عظمت تلك الرزايا وجلت ألم تر أن الشمس أضحت مريضة** لفقد حسين والبلاد إقشعرت (16) مواريث الإمامة واستلم الإمام زين العابدين (ع) بعد دخوله المدينة، مواريث الإمامة. تقول المصادر التاريخية: ان الحسين (ع) لما سار إلى العراق استودع مواريث النبوة والإمامة التي تسلمها من أخيه الحسن (ع)، عند أم سلمة (أم المؤمنين). وأمرها ان تدفعها إلى ولده زين العابدين (ع). فلما رجع السجاد (ع) إلى المدينة بعد واقعة كربلاء، تسلم الوديعة من أم سلمة (رضوان الله عليها)[23]. وفي حديث الإمام الصادق (ع) ان علياً بن الحسين (ع) لما انتهى إليه الأمر، فتح الخاتم الرابع من الوصية المنـزلة على جده (ص)، فقرأ فيها: (يا علي اطرق واصمت)[24]. فقام عليه السلام بما أُمِرَ من السكوت والاعتزال، واختلى عن الاختلاط بالناس حتى ضرب له بيتاً من الشعر خارج المدينة[25]، تفرغاً فيه للعبادة والابتهال لله عز وجل، وحفظاً لدماء شيعته. لكنه استثمر (ع) الدعاء في تلك الفترة الحرجة من أجل تعريف الناس بخالقهم سبحانه، وإرشادهم إلى طرق الإتصال به وبدينهم. وكان (ع) دائم الاتصال بعمته زينب الكبرى، فكانت (ع) تتلقى منه الأحكام الإلهية وتفيضها على الشيعة ستراً على زين العابدين من عادية اعدائه [26]. ويروى ان الإمام الحسين (ع) كان مُديناً لجماعة بمبلغ سبعين ألف دينار، فأهتمّ السجاد (ع) بذلك حتى قيلَ أنه أمتنع عن الطعام والشراب حتى جمَعَ المبلغ ودفعه إلى دائنيه، وفاءً منه (ع) لتفريغ ذمة أبيه (ع)[27]. روايات أخر: وذكرت روايات أخرى بمعانٍ وألفاظ مختلفة، منها: أ- سئل الإمام الصادق (ع) عن خاتم الحسين بن علي (ع) إلى من صار؟ وذُكِرَ له أنه أخذ من إصبعه فيما أخذ. قال (ع): (ليس كما قالوا. إن الحسين (ع) أوصى إلى ابنه علي بن الحسين (ع)، وجعل خاتمه في أصبعه، وفوّض إليه أمره، كما فعله رسول الله (ص) بأمير المؤمنين (ع)، وفعله أمير المؤمنين بالحسن (ع)، وفعله الحسن بالحسين (ع)، ثم صار ذلك الخاتم إلى أبي (ع) بعد أبيه، ومنه صار إليّ، فهو عندي وإني لألبسه كل جمعة وأصلي فيه). قال محمد بن مسلم: فدخلت عليه يوم الجمعة وهو يصلي، فلما فرغ من الصلاة مدّ إلي يده، فرأيت في إصبعه خاتـماً نقشه: لا إله إلا الله عُدّةٌ للقاء الله. فقال: هذا خاتم جدي أبي عبد الله الحسين بن علي (ع)[28]. ب- قال الإمام الباقر (ع): إن الحسين (ع) لما حضره الذي حضره، دعا ابنته الكبرى فاطمة، فدفع إليها كتاباً ملفوفاً ووصية ظاهرة ووصية باطنة، وكان علي بن الحسين (ع) مريضاً. فلما تـم شفاؤه دفعت فاطمة الكتاب الى أخيها علي بن الحسين (ع)، ثم صار الكتاب إلينا. فقلت: فما في ذلك الكتاب؟ فقال: (فيه والله جميع ما يحتاج إليه ولد آدم إلى أن تفنى الدنيا)[29]. وإذا صحت هذه الرواية سنداً، فان الحفاظ على ذلك الكتاب في تلك الظروف الحرجة من أسر وترحل، كان من أعظم كرامات أهل البيت (ع). وفي المدينة لم يكن حال الناس بأفضل من حال أهل الكوفة أو أهل الشام. ومن أهل المدينة من يقف كإبراهيم بن طلحة بن عبيد الله، فيخاطب السجاد (ع) على صيغة الاستفهام، متشمتاً: من الغالب؟ فيجيبه زين العابدين (ع): (إذا دخل وقت الصلاة فإذّن وأقم، تعرف الغالب)[30]. وظاهر مراد السجاد (ع) ان آل محمد (ص) باقون منصورون ما بقي الدهر وبقيت الصلاة وبقي الإسلام. وما كان خروج الإمام الحسين (ع) إلاّ لنصرة الدين وإحيائه، في حين أمات بنو أمية شعائر الإسلام وعلى رأسها إقامة الصلاة واستبدلوها بعادات جاهلية كالفجور والفسوق والغناء وشرب الخمر. (17) السجاد الحزين (ع) لا ينكر أحد من المؤرخين حزن السجاد (ع) على مقتل أبيه الحسين (ع) وأهل بيته وأصحابه الذين ذبحوا عطشى على رمضاء كربلاء، فكانت تخنقه العبرة عندما يتذكر مصرع أبيه (ع) وأهل بيته. وهذا هو الذي دفع بعض العلماء المتقدمين إلى القول: روي عن مولانا زين العابدين (ع)، وهو ذو الحلم الذي لا يبلغه الوصف، انه كان كثير البكاء لتلك البلوى وعظيم البث والشكوى[31]. وقد روي عن الإمام الصادق (ع) قوله: إن زين العابدين (ع) بكى على أبيه أربعين سنة صائماً نـهاره وقائماً ليله فإذا حضر الإفطار وجاء غلامه بطعامه وشرابه فيضعه بين يديه فيقول: كُلْ يا مولاي. فيقول: قتل ابن رسول الله (ص) جائعاً، قتل ابن رسول الله (ص) عطشاناً، فلا يزال يكرر ذلك ويبكي حتى يبتل طعامه من دموعـه ثم يمـزج شرابه بدموعه فلـم يزل كذلك حتـى لحق بالله عز وجل[32]. أقول: وربما كان ذكر أربعين سنة في لفظ الرواية من قبيل المبالغة اللفظية من قبل الراوي، لأنه (ع) عاش بعد مقتل أبيه الحسين (ع) أربع وثلاثين سنة فقط. ويروى أيضاً: أنه برز يوماً الى الصحراء فاتبعه أحد غلمانه فوجده قد سجد على حجارة خشنة باكياً شاهقاً وهو يقول لألف مرة: (لا إله إلا الله حقاً حقاً. لا إله إلا الله تعبداً ورقاً . لا إله إلا الله إيماناً وتصديقاً وصدقاً). ثم رفع رأسه من سجوده بينما غمرت الدموع لحيته ووجهه. فقيل له: يا سيدي أما آن لحزنك أن ينقضي ولبكائك أن يقلّ؟ فقال (ع): (ويحك إن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، كان نبياً ابن نبي له أثنى عشر أبناً فغيّب الله واحداً منهم فشاب رأسه من الحزن واحدودب ظهره من الغم وذهب بصره من البكاء وابنه حي في دار الدنيا. وأنا رأيت أبي وأخي وسبعة عشر من أهل بيتي صرعى مقتولين، فكيف ينقضي حزني ويقل بكائي)[33]. إلا ان بكاءه لم يكن ليمنعه من مواصلة عمله الشرعي التكليفي في إمامة الأمة وإرشادها إلى طريق الخير والصلاح. واصبـح البكاء – من دون قصد- من وسائل التوعية الدينية. واشتهر (ع) بوصف (السجاد) لكثرة سجوده لله حينما يرى تواتر نعمه وآلائه عليه. فكان (ع) لا يذكر نعمة لله إلا سجد، ولا يقرأ آية فيها سجدة إلا سجد، ولا يدفع الله عنه سوءً إلا سجد، ولا يفرغ من صلاة مفروضة إلا سجد، ولا يوفق لإصلاح بين اثنين إلا سجد[34]. وكأنك ترى أثر السجود في مواضع سجوده (ع). ولم يشتهر عن انسان غيره أن سجوده لله عز وجل قد أثر على جسده، كما اشتهر عنه (ع). وكان يلقب أيضاً بذي الثفنات وهي آثار ناتئة تبـرز في مواضع السجود، وكان مشهوراً بوجودها على جبهته. ولاشك ان السجود يقرّب العبد من مولاه، والمخلوق من خالقه، وقد قال تعالى: (...وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ)[35]. وهكذا كان زين العابدين (ع) قريباً من مولاه العظيم سبحانه وتعالى. والمشهور في روايات الطرفين ان السجاد (ع) كان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة. واذا افترضنا ان الركعة الواحدة تستغرق دقيقة واحدة، فان اداء ألف ركعة يستغرق ألف دقيقة، وهو ما يساوي سبعة عشر ساعة تقريباً في اليوم الواحد. وهذا الوقت يستوعب كل يوم المرء وليله. خصوصاً إذا ما علمنا بان على المكلّف تأدية واجباته العبادية الأخرى والقيام بما تمليه عليه وظيفته من حقوق الزوجية والأبوة والجيـرة والقرابة وعيادة المرضى، ودعوة عينيه للاسترخاء لمقدارٍ من النوم. وعبادته (ع) كانت لا تنفك عن تلاوة القرآن، وكان أحسن الناس صوتاً بالقرآن الكريم[36]، وكان يرشد الأمة بتفسير القرآن[37]. وكان (ع) يردد: (عليك بالقرآن، فإنّ الله خلق الجنّة بيده لبنة من ذهب ولبنة من فضة، وجعل ملاطها المسك وترابـها الزعفران وحصاها اللؤلؤ، وجعل درجاتها على قدر آيات القرآن، فمن قرأ منها قال له: إقرأ وارق، ومن دخل الجنّة لم يكن في الجنّة أعلى درجة منه، ما خلا النبيين والصّديقين)[38]. (18) سنوات الجمر (62- 67 هـ) وكان الناس يستلهمون من وجود الإمام زين العابدين (ع) ما يحفزهم على القيام المسلح ومناهضة الظالمين. فقد قامت ثلاثة حروب دامية استهدفت الأمويين أو من عاونهم، خلال السنوات الخمس التي أعقبت واقعة الطف، وهي: واقعة الحرة (سنة 62 هـ)، وحركة التوابين (سنة 65 هـ)، وحركة المختار (سنة 66هـ)، وانتهت تلك الفترة بـمقتل جميع قتلة الحسين المظلوم (ع). (19) واقعة الحرة: سنة 62 هـ قال ابن الطقطقي في كتابه (الفخري في الآداب السلطانية): (ان أهل المدينة خرجوا على يزيد بعد مقتل الحسين (ع) سنة اثنتين وستين، أي بعد مقتله بسنة واحدة)[39]. وكان والي المدينة عثمان بن محمد بن أبي سفيان قد أرسل وفداً من وجهائها إلى يزيد الخليفة الأموي، فيهم: عبد الله بن حنظلة، وعبد الله بن أبي عمرو، والمنذر بن الزبير وغيرهم. وكان الهدف من ذلك هو تثبيت ميولهم نحو الخلافة الأموية عبـر النيل من هدايا السلطان، إلاّ انـهم رجعوا – على الرغم من كل ما أغدق عليهم من جوائز وهدايا – وهم ناقمون على يزيد لما شاهدوا من استهتاره وفسقه ومجونه. وقالوا: قدمنا من عند رجل ليس له دين، يشرب الخمر، ويضرب بالطنابيـر، وتعزف عنده القِيان، ويلعب بالكلاب، ويسمر عنده الحراب[40]. قال عبد الله بن حنظلة: (والله ما خرجنا على يزيد حتى خفنا أن نرمى بالحجارة من السماء. إنه رجل ينكح الأمهات والبنات، ويشرب الخمر، ويدع الصلاة. والله لو لم يكن معي أحد من الناس لأبليت فيه بلاءً حسناً)[41]. ويقول المنذر بن الزبير: (ان يزيد قد أجازني بمائة ألف، ولا يمنعني ما صنع بي، أن أخبركم خبره، والله إنه ليشرب الخمر، والله أنه ليسكر حتى يدع الصلاة)[42]. والغريب في ذلك ان قتل الحسين (ع) بتلك الفظاعة والوحشية لم يكن ليحرك عواطفهم، ولكن رحلة واحدة إلى الشام أطلعتهم على فجور يزيد وفسقه! فخلعوا بيعته بعد رجوعهم. وولّوا عليهم عبد الله بن حنظلة، وعبد الله بن مطيع، وطردوا عامل يزيد على المدينة. فبعث يزيد جيشاً قوياً في العدّة والعدد بقيادة مسلم بن عقبة المري ، فالتقى الفريقان في (الحرة) واقتتلا في حرب طاحنة. وقُتل عبد الله بن حنظلة مع أولاده، وانتصر جيش الشام على جيش المدينة، بعد ان قتل من أبناء الأنصار والمهاجرين والوجوه ما لا يحصى. ويمكننا إدراك صورة الواقعة من خلال الأمور التالية: 1-لم يشارك الإمام السجاد (ع) في معركة الحرة، ولم يـمل إلى طرف عبد الله بن حنظلة أو عبد الله بن مطيع. ومع ان عدداً من رجال بني هاشم قد قتل في هذه الحرب، إلاّ ان الموقف العلني للإمام زين العابدين (ع) كان عدم المشاركة بالسيف في هذه المرحلة. فقد كانت له وسائل أخرى أمضى من السيف في مواجهة حكم بني أمية الظالم. 2- عندما طرد أهل المدينة والي يزيد، هرب مروان وبنو أمية الى الشام، وتركوا عيالهم في المدينة. فالتمس مروان بن الحكم رفيقه عبد الله بن عمر لرعاية عياله. إلاّ ان عبد الله بن عمر أبى عليه ولم يوافق. فكلم الإمام علي بن الحسين (ع) فوافق على ذلك، وبقيت عيال مروان بن الحكم في رعاية السجاد (ع) حتى انتهاء المعركة. وهذا في غاية الخلق الديني، لأن مروان كان عدواً صريحاً لأهل البيت (ع). وهو الذي هدد الحسين (ع) عندما دُعي لمبايعة يزيد بن معاوية في رجب سنة 60هـ . 3- أرسل يزيد تعليمات بل أوامر واضحة إلى (مسلم بن عقبة) للقضاء على ثورة المدينة: (أدعُ القوم ثلاثاً فإن أجابوك وإلاّ فقاتلهم، فإذا ظهرتَ عليهم فأبحها [ أي المدينة] ثلاثاً [ أي ثلاثة أيام]. فما فيها من مال أو دابّة أو سلاح أو طعام فهو للجند)[43]. وأمرهُ أن يُجهِز على جريحهم ويقتل مدبرهم[44]. دافع الناس عن مدينة الرسول (ص) واستشهد أغلب المدافعين عنها بمن فيهم عبد الله بن حنظلة وعدد من صحابة رسول الله (ص). وأباح مسلم بن عقبة، الذي يقول فيه السلف مسرف بن عقبة، المدينة ثلاثة أيام كما أمره يزيد وقتل خلقاً من أشرافها وقرّائها، وانتهب أموالاً كثيرة منها... وجاءته امرأة فقالت: أنا مولاتك وابني في الاُسارى، فقال: عجّلوه لها، فضرب عنقه، وقال: أعطوها رأسه، ووقعوا على النساء حتى قيل إنه حبلت ألف امرأة في تلك الأيام من غير زوج. قال المدائني، عن هشام بن حسان: ولدت ألف امرأة من أهل المدينة بعد واقعة الحرّة من غير زوج. وروي عن الزهري أنه قال: كان القتلى يوم الحرّة سبعمائة من وجوه الناس من المهاجرين والأنصار، ووجوه الموالي ممن لا أعرف من حرٍّ وعبدٍ وغيرهم عشرة آلاف[45]. ثم نُصبَ لمسلم بن عقبة كرسيّ، وجيء بالاُسارى من أهل المدينة فكان يطلب من كل واحد منهم أن يبايع ويقول: إنّني عبد مملوك ليزيد بن معاوية يتحكّم فيّ وفي دمي وفي مالي وفي أهلي ما يشاء[46]. ومن كان يمتنع ولم يبايع بالعبودية ليزيد وكان يصرّ على القول بأنّه عبدٌ لله سبحانه وتعالى، كان مصيره القتل[47]. وجيء له بيزيد بن عبد الله – وجدّته أمّ سلمة زوج رسول الله (ص)- مع محمد بن حذيفة العدوي، فطلب إليهما أن يبايعا، فقالا: نحن نبايع على كتاب الله وسنّة نبيّه، فقال مسلم: لا والله لا أقيلكم هذا أبداً، فقدمهما فضرب أعناقهما[48]. 4- عندما بلغه (ع) توجه جيش يزيد إلى المدينة، لاذ السجاد (ع) بقبر النبي (ص). وهو يدعو بهذا الدعاء: (رب كم من نعمة أنعمت بها عليَّ، قلَّ لك عندها شكري. وكم بلية ابتليتني بها قلَّ لك عندها صبري. فيا من قلَّ عند نعمه شكري فلم يحرمني، وقلَّ عند بلائه صبري فلم يخذلني . يا ذا المعروف الذي لا ينقطع أبداً ويا ذا النعماء التي لا تـحصى ابداً صلي على محمد وآله، وادفع عني شره، فاني ادرأ بك في نـحره، واستعيذ بك من شره)[49]. فجاؤا به (ع) الى مسلم بن عقبة وكان سباباً بذيئاً يعشق سفك الدماء. لكنه لما رآه، أخذته هيبة السجاد (ع) وأرتعد وقام له وأقعده إلى جانبه، ثم قال له: سلني حوائجك، فلم يسأله في أحدٍ ممن قدم إلى السيف إلا شفعه فيه، ثم انصرف عنه. وكان السجاد (ع) يحرك شفتيه، في محضر مسلم بن عقبة، بهذا الدعاء: (اللهم ربَّ السمواتِ السبعِ وما أظللن، والأرضين السبع وما أقللن[50]، ربَّ العرش العظيم، رب محمدٍ وآلهِ الطاهرين، أعوذُ بك من شرّهِ، وادرأُ بكَ في نحره، أسألك ان تُؤتيني خيرَهُ، وتكفيني شره)[51]. وعندما خرج السجاد (ع) منه، انبرت حاشية مسلم بن عقبة تسأله: رأيناك تسب زين العابدين وسلفه، فلما أتي به إليك رفعتَ منـزلته. فقـال: ما كـان لرأيٍ مني، لقد مُلئَ قلبي منه رعباً [52]. 5- وكان مسلم بن عقبة قد تجاوز التسعين من عمره وقت إباحته المدينة، فكان قريباً من حتفه، وقد هلك بُعيد واقعة الحرّة وقبل أن يصل إلى مكة المكرمة لمهاجمتها والقضاء على ثورتها بقيادة عبد الله بن الزبيـر. وعندما لقى مسلم بن عقبة حتفه في الطريق، تسلّم الحصين بن نميـر قيادة الجيش الأموي، ففرض حصاراً على مكة وضرب الكعبة بالمنجنيق وأحرقها[53]. وفي الوقت الذي كانت فيه مكة تحت الحصار، مات يزيد بن معاوية في ربيع الأول سنة 64 هـ، وهو في سن الثامنة والثلاثين من عمره بعد ان قضى ثلاث سنوات وبضعة أشهر في الحكم. وكانت صحيفة أعماله مسوّدة بقتل الحسين (ع)، وإباحة المدينة، وحرق الكعبة المشرفة. (20) حركة التوابين : سنة 65 هـ وندم أهل الكوفة على عدم نصرة الحسين (ع) وهم الذين دعوه إليهم في بداية الأمر، وقد أظهروا ندمهم بعد واقعة الطف سنة 61 هـ مباشرة. وأرادوا التكفير عن ذنبهم عبـر الخروج المسلح على بني أمية. فبدأوا فترة إعداد تسليحي أستمر أربع سنوات، وانتخبوا سليمان بن صرد الخزاعي زعيماً لحركتهم. فاجتمع للحركة عدد من المقاتلين قُدِّر بأربعة آلاف رجل مع سلاح وعدة حرب. وقرروا زيارة قبر الحسين (ع) وهم يتلون قوله تعالى: (...فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ...)[54]. وكان تأويلهم للآية أن توبتهم لا تقبل إلا بقتال عدوهم والموت من أجل إظهار الحق. وأطلق على هؤلاء بالتوابين. وعسكر هؤلاء المقاتلون، الذين كان شعارهم المطالبة بدم الحسين (ع)، بالنخيلة قرب كربلاء. ثم ساروا حتى انتهوا إلى قرقيسيا من شاطئ الفرات، ومنها إلى عين الوردة. بينما توجه الجيش الأموي بقيادة عبيد الله بن زياد في ثلاثين ألفاً. والتقى الطرفان في ربيع الأول من سنة 65 هـ في معركة دامية غير متكافئة في عين الوردة. وظل القتال مستمراً اياماً، حتى قُتل معظم التوابين، ولحق من بقي منهم بأمصارهم. يقول أعشى همدان في رثائهم[55]: فجائهم جمـع من الشام بعـده** جموع كموج البحر من كل جانب فما برحـوا حتى أبيدت جموعهم** ولم ينج منهم ثم غيـر عصائب وغودر أهل الصبر صرعى اصبحوا** تعاورهم ريح الصبا والجنائب وحول هذا التحرك، لا يجد المؤرخ مفراً من تسجيل الدلالات التالية: 1- ان هذه الحركة كانت نتيجة طبيعية لمظلومية أهل بيت النبوة (ع). بل انها كشفت حقيقة مهمة وهي ان جذوة حب أهل بيت النبي (ص) لا زالت تعمل أوارها في نفوس الناس. ومع ان عدد التوابين كان محدوداً (4 آلاف مقاتل) نسبة إلى جيش بني أمية (30 ألف مقاتل)، إلا ان الحركة والمعركة حركتا مشاعر الناس نحو حق آل البيت (ع) المهدور. 2- كان موقف الإمام زين العابدين (ع) منسجم مع سياسته العامة بعدم الاشتراك المباشر حفظاً على الدين، ولكن وجوده (ع) كان حاسماً في استلهام معاني الثورة ضد الظلم. 3- تـمرّدَ عبدُ الله بن الزبير في مكة على بني أمية في حدود سنة 64هـ . وبادر بعد موت يزيد بن معاوية إلى بسط سلطانه فاستقطب البصرة والكوفة ومصر. وعند موت يزيد، تولى ابنه معاوية الثاني الحكم لأيام معدودة، ثم نزع نفسه من الخلافة. وقام خطيباً فقال: ايها الناس! ما أنا بالراغب في التأمر عليكم، ولا بالآمن لكراهتكم، بل بُلينا بكم وبُليتم بنا. إلاّ أن جدي معاوية نازع الأمر من كان أولى بالأمر منه في قدمه وسابقته علي بن أبي طالب، فركب جدي منه ما تعلمون، وركبتم معه ما لا تجهلون، حتى صار رهين عمله، وضجيع حفرته، تجاوز الله عنه. ثم صار الأمر إلى أبي، ولقد كان خليقاً أن لا يركب سننه، إذ كان غير خليق بالخلافة فركب ردعه[56]، واستحسن خطأه، فقلّت مدته، وانقطعت آثاره، وخمدت ناره، ولقد أنسانا الحزن به الحزن عليه، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ثم أخفت يترحم على أبيه. ثم قال: وصرت انا الثالث من القوم، الزاهد فيما لديّ أكثر من الراغب، و ما كنت لأتحمّل آثامكم. شأنكم وأمركم، خذوا من شئتم ولايته فولوه! فقام إليه مروان بن الحكم فقال: يا أبا ليلى! سنّة عمرية؟ فقال له: يا مروان! تخدعني عن ديني، ائتني برجال كرجال عمر أجعلها بينهم شورى. ثم قال: والله! إن كانت الخلافة مغنماً فقد أصبنا منها حظاً، ولئن كانت شراً فحسب آل أبي سفيان ما أصابوا منها. ثم نزل. فقالت له أمه: ليتك كنت حيضة، فقال: وأنا وددت ذلك، ولم أعلم أن لله ناراً يعذب بـها من عصاه وأخذ غير حقه[57]. (21) حركة المختار : سنة 66 هـ خرج المختار بن أبي عبيدة الثقفي سنة سـتٍ وستين من الهجرة في الكوفة، داعياً الناس للطلب بثارات الحسين (ع). فقام بثلاثة أمور: الأول: كاتبَ المختارُ الإمامَ السجاد (ع) ومحمدَ بن الحنفية (عم السجاد) بشأن التحرك ضد بني أمية. ولم يصرح السجاد (ع) تأييده للمختار بشكل علني، كما هي سياسته العامة التي ذكرناها آنفاً. أما محمد بن الحنفية فقد صرح للوفد الكوفي المرسل من قبل المختار قائلاً: (أما ما ذكرتم من دعاء مَن دعاكم الى الطلب بدمائنا. فوالله لوددتُ أن الله انتصر لنا من عدونا بـمن شاء من خلقه)[58]. ففهم الوفد تأييد ابن الحنفية لحركة المختار. وفي رواية البحار ان محمد بن الحنفية عندما دخل عليه وفد الكوفة، قال لهم: قوموا بنا إلى إمامي وإمامكم علي بن الحسين. فلما دخلوا عليه وأخبروه خبـرهم الذي جاؤوا لأجله، قال (ع) لمحمد بن الحنفية: (يا عم، لو أن عبداً زنجياً تعصّب لنا أهل البيت لوجب على الناس مؤازرته، وقد وليتك هذا الأمر فاصنع ماشئت). فخرجوا وهم يقولون: قد أذن لنا زين العابدين ومحمد بن الحنفية[59]. الثاني: طَردَ المختارُ واليَ عبد الله بن الزبير على الكوفة. وكان عبد الله بن الزبير قد صعّد حملته ضد الشام بعد موت يزيد بن معاوية، ودعا أهل الحجاز لمبايعته كخليفة فاستجابوا لذلك، فعيّن والياً له على الكوفة. الثالث: قَتلَ المختارُ اغلب قتلة الحسين (ع) عبر تتبعهم في الكوفة وما حولها. وكان نداؤه: من اغلق بابه فهو آمن، الا من اشترك في قتال آل محمد (ص). فقتَلَ عمر بن سعد، ذلك الرجس الخائن الذي ظن أنه بقتله الحسين (ع) وأهل بيته الأطهار التنعم بملك الري. وقتَلَ حرملة بن كاهل الذي ذبح عبد الله الرضيع في حجر أبيه الحسين (ع). فدعا عليه علي بن الحسين (ع): (اللهم أذقه حر الحديد، اللهم أذقه حر النار). فأمر المختار بتقطيعه أرباً أرباً وإلقاء أوصاله في النار. فكان ذلك العقاب الالهي المحتوم استجابةً لدعاء السجاد (ع). وأرسل المختار جيشاً بقيادة إبراهيم بن مالك الأشتر لمقاتلة جيش بني أمية وقائده عبيد الله بن زياد. فالتقيا في الثامن من ذي الحجة سنة ست وستين بالقرب من الموصل في معركة دامية. وقُتل عبيد الله بن زياد في العاشر من محرم سنة سبع وستين على يد إبراهيم بن مالك الأشتر. وقطعوا رأسه وأرسلوه الى المختار. فأرسله المختار إلى علي بن الحسين (ع) في المدينة. ولم يمتد نزول العقاب الإلهي على قتلة الحسين (ع) أكثر من ست سنوات. بل كان في واقع الأمر ست سنوات كاملة. فقد قطعوا رأس الحسين (ع) في العاشر من محرم سنة 61 هـ ، وقطعت رؤوسهم في العاشر من محرم سنة 67 هـ. فقال السجاد (ع): (الحمد لله الذي لم يمتني حتى أنجز ما وعد، وأدرك ثأري من عدوي)[60]. ولكن حكم المختار الثقفي لم يدم طويلاً. فقد قضى عبد الله بن الزبير، الذي سيطر على الحجاز مدة تسع سنين، على المختار الثقفي. إلاّ أن آل مروان جيشّوا الجيوش للقضاء على آل الزبير، وكان لهم ذلك وعادوا للسيطرة على الحجاز مرة اخرى. وبسط عبد الملك بن مروان سلطته على الحجاز والعراق. وولى الحجاج بن يوسف الثقفي على الكوفة لينتقم من شيعة آل البيت (ع) شر انتقام. (تليها صفحات 106 - 148)
اللاحق السابق صفحة التحميل الصفحة الرئيسية [1] يقصد تغسيل الامام الكاظم (ع). [2] إثبات الوصية للمسعودي ص 173. طبعة النجف. [3] الكامل في التأريخ للجزري ج 4 ص 83. [4] الارشاد ج 2 ص 119. [5] سورة الشورى: آية 23. [6] سورة الاسراء : آية 26. [7] سورة الانفال: آية 41. [8] سورة الاحزاب : آية 33. [9] اللهوف ص 76. [10] سورة الحديد: الآية 22. [11] ثقل الرجل: عياله. [12]سورة الروم: الآية 10. [13] سورة آل عمران: الآية 178. [14] سورة آل عمران: الآية 169. [15] سورة الحديد: آية 22 – 23. [16] سورة الشورى: آية 30. [17] إثبات الوصية لعلي بن الحسين المسعودي ص 140 طبعة النجف. [18] ناسخ التواريخ – من أحواله (ع) ج2 ص 44. [19] الكامل في التاريخ ج 4 ص 87-88. [20] اللهوف ص 85. [21] اللهوف ص 86. [22] اللهوف ص 118 – 121. [23] أصول الكافي باب النص على السجاد ج 1 ص 304 . [24] الغيبة للنعماني ص 24. وأمالي الشيخ الطوسي ص 282. [25] فرحة الغري لابن طاووس ص 33. طبعة النجف. [26] إكمال الدين للصدوق ص 275. والغيبة للطوسي ص 148. [27] سر السلسلة العلوية ص 32. [28] أمالي الصدوق ص 144. [29] بصائر الدرجات ج 3 باب 13. [30] أمالي الشيخ الطوسي ص 66. [31] اللهوف لابن طاووس. [32] اللهوف ص 121 – 122. [33] الخصال للصدوق ص 272 ح 15. [34] في رواية للامام الباقر (ع) يصف أبيه السجاد (ع): معاني الأخبار للصدوق ص 24. [35] سورة العلق: الآية 19. [36] بحار الأنوار ج 46 ص 107. [37] الاحتجاج ص 312- 319. [38] تفسير البرهان ج 3 ص 156. [39] الفخري في الآداب السلطانية ص 115. [40] تأريخ الطبري ج 5 ص 480. والحراب: اللصوص. [41] طبقات ابن سعد. [42] تأريخ الطبري ج 4 ص 368. [43] تأريخ الطبري ج 5 ص 484. [44] التنبيه والاشراف ص 263 طبعة مصر. [45] البداية والنهاية ج 8 ص 220. [46] تأريخ الطبري ج 5 ص 493 و495. [47] الكامل في التأريخ ج 4 ص 118، ومروج الذهب ج 3 ص 70. [48] تأريخ الطبري ج 5 ص 492. [49] الإرشاد للمفيد . [50]وما أقللن : أي وما حملن. [51] الصحيفة السجادية الخامسة ص 80 دعاء 27 في إستدفاع شر الأعداء. [52] مروج الذهب ج 2 ص 96. [53] تأريخ الطبري ج 5 ص 498. [54] سورة البقرة : الآية 54 . [55] مروج الذهب ج 3 ص 100 – 104. [56] أي لم يرتدع. [57] تنبيه الخواطر ص 518. [58] تأريخ الطبري ج 6 ص 12- 14. [59] بحار الأنوار ج 45 ص 365. [60] الكامل في التاريخ ج 4 ص 264. |