(ص 1 - 56)

الإمام علي بن الحسين (ع)

زين العابدين

 

                                           السيد زهير الاعرجي

--------------------------------

الطبعة الاولى 1425هـ

قم المشرفة

--------------------------------

 بسم الله الرحمن الرحيم

 قال تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)[1].

          وعن الإمام الرضا (ع) قال: (رحم الله عبداً أحيى أمرنا). قيل له: كيف يحيي أمركم ؟ قال (ع): (يتعلم علومنا ويعلمها الناس، فان الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتبعونا)[2].

 --------------------------------

 المقدمة

           بسم الله الرحمن الرحيم . الحمد لله والصلاة والسلام على محمدٍ رسول الله، وعلى آله الطيبين الطاهرين.

          وبعد.

هذا الكتاب يتناول سيرة الإمام الرابع من أئمة أهل البيت علي بن الحسين (عليه السلام)، وخصائصه الشخصية، وآثاره في العلم والحكمة والموعظة.

          وشخصية علي بن الحسين (ع) المعروف بالسجاد وزين العابدين لها أهمية تأريخية وعقائدية متميزة لسببين:

الأول: إمتلاكه اللياقة التامة الكاملة لمنصب الإمامة الكبرى. وهو منصب إلهي مجعول من قبل الله تعالى، كما  أشار القرآن الكريم: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً...)[3]. وتلك اللياقة تعني حيازة الفضائل الإنسانية والكمالات الروحية والعلمية والجسدية. واللياقة لا تكتمل إلا بعلمٍ رباني وفيضٍ إلهي يحيط بجميع شؤون ولاية الإمام عليه السلام، وبمَلَكَة روحية تصونه عن الخطأ والنسيان، والجهل والعصيان.

الثاني: طرق البيان اللفظي الرائع التي تميز بها السجاد (ع) في زمن حفَلَ بالأدب والبلاغة والشعر. ولكن لم يرقَ إلى نثر أهل البيت (ع) الديني الرائع غير أدبـهم، ولم تسمو إلى تلك المفاهيم المترابطة غير ألسنتهم الناطقة بالحق والصدق. فقد أطنب الإمام (ع) في أدعيته ومناجاته ومواعظه وحكمه ودروسه في وصف الجنة والنار، والنعيم والعذاب، والآخرة والدنيا، والخير والشر، والإيمان والفسوق، تشويقاً وتـهويلاً. ولاشك ان الإطناب في فلسفة اللغة من أرقى أساليب البلاغة ومن أروع صورها ووجوهها.

          وبكلمة، فقد مثَّلَ زين العابدين (ع) المنار الشامخ  للخير والهداية في زمن عمَّ فيه الظلم والظلام. وكلماته البليغة وسيرته العطرة سوف تبقى نموذجاً لشمولية الإسلام لكل جوانب الرحمة والمحبة في حياة الإنسان.   

          وله سبحانه وتعالى الشكر على إتمام النعمة، وقبول العمل، وغفران الزلل، وحسن العاقبة في المبدأ والمآل، وهو حسبنا ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير.

 

                                                                             زهير طالب الأعرجي

الأول من محرم الحرام 1425هـ

                                                                                        الحوزة العلمية

 --------------------------------

 محتويات الكتاب:

 

                  الفصل الاول : الترجمة التاريخيـة

                  الفصل الثاني: الخصائص الشخصية

                  الفصل الثالث: المعالم الإجتماعيـة

                  الفصل الرابـع: الآثـار المدوَّنـة

                  الفصل الخامـس: نصوصٌ منتقاةٌ

 --------------------------------

 الفصل الأول

 الترجمة التأريخية

 --------------------------------

  (1)

ولادة علي بن الحسين (ع)

          في ربوع الكوفة، وفي احضان النعم التي حباها الله تعالى على تلك المدينة من مياه وزرع ونخيل، ولد نور من انوار الهدى في الخامس من شهر شعبان سنة 38 للهجرة[4]. وكانت  ولادة علي بن الحسين (ع) مورداً للاحتفاء عند آل البيت (ع)، بسبب كرامة المولود التي عبرت عنها روايات متواترة عن رسول الله (ص) كانت قد تنبأت بمولودٍ يملأ الدنيا عبادة وسجوداً، وتضرعاً وخشوعاً. منها: ما رواه الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: كنتُ جالساً عند رسول الله (ص) والحسين في حجره وهو يلاعبه، فقال (ص): (يا جابر، يولد له مولود اسمه علي، إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ ليقم سيد العابدين، فيقوم ولده...)[5]. وداوم جابر على التقرب من أهل البيت (ع)، وكانت له علاقة متميزة بالامام زين العابدين (ع)، وكان يصلي وراءه (ع).

          وكان الزهري[6] إذا حدّث عن علي بن الحسين (ع)، قال: حدثني (زين العابدين) علي بن الحسين. فقال له سفيان بن عيينة: ولِمَ تقول له زين العابدين؟ قال: لأّني سمعت سعيد بن المسيب يحدّث عن ابن عباس أنّ رسول الله (ص) قال: (إذا كان يوم القيامة ينادي منادٍ أين زين العابدين؟ فكأني أنظر الى ولدي علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب يخطر بين الصفوف)[7].

(2)

مراحل حياة الإمام علي بن الحسين (38- 95هـ)

          ويمكننا تقسيم حياة الإمام السجاد (ع) إلى ثلاث مراحل متصلة ومتضافرة بعضها مع الآخر. الأولى: وتـمتد من سنة 38 هجرية، وهو تاريخ ولادته بالكوفة الى بداية سنة 61 هـ، وهي السنة التي شهدت واقعة كربلاء واستشهاد والده الحسين (ع) مع من صُرع في أرض الطف. والثانية: وتمتد من سنة 61 هجرية وحتى سنة 67 هـ، وهي الفترة الواقعة بين مقتل الحسين (ع) ومقتل قاتليه. والثالثة: تـمتد من سنة 67 هـ وحتى استشهاده سنة 95 هـ على يد الوليد بن عبد الملك بن مروان. وفترة إمامة السجاد (ع) الدينية والاجتماعية تغطي المرحلتين الثانية والثالثة، وهي أربع وثلاثين عاماً. وعاصر في مدة إمامته: يزيد بن معاوية، ومعاوية بن يزيد، ومروان بن الحكم، وعبد الملك بن مروان، والوليد بن عبد الملك. وسوف نبحث الآن المرحلة الأولى من حياته (ع) بصورة مفصّلة.

  (3)

المرحلة الأولى: (سنة 38 – 61 هـ)

          قضى السجاد (ع) هذه الفترة من حياته، وهي من تاريخ ولادته وحتى استشهاد والده الحسين (ع) في كربلاء، حياةً اسرية طبيعية تلقى فيها صنوف التربية الروحية من والده (ع) بالخصوص. لكنه عاش فترة مضطربة سياسياً، على المستوى الاجتماعي. فقد عاصر (ع) وهو في الثانية من عمره استشهاد جده علي أمير المؤمنين (ع) في الكوفة. وعاصر، وهو في الثالثة عشرة من عمره استشهاد عمه الإمام الحسن (ع) في المدينة المنورة. ورافق أباه الحسين (ع) تمام مدة إمامته وهي عشر سنوات، وحضر واقعة كربلاء حيث استشهد والده واخوته وعمه العباس وابناء عمومته، وهو في الثالثة والعشرين من عمره.

          وقد أعتاد أئمة أهل البيت (ع) بوصية من رسول الله (ص) على الإذعان للإمام الحي (ع) والصمت. بمعنى أنهم كانوا (ع) لا يدلون برأي شرعي او مسألة فقهية أو حكم للناس، وإمام منصوص عليه موجودٌ بينهم، بل كانوا يتركون ذلك للإمام المنصوص عليه. فلم ينهض الحسن (ع) بأعباء الإمامة بحضرة والده الإمام علي (ع)، ولم ينهض الحسين (ع) بأعباء الإمامة بحضرة أخيه الإمام الحسن (ع). فلا غرابة ان نلمس صمت زين العابدين (ع) في حضرة والده الامام الحسين (ع) الى ان استشهد في كربلاء سنة 61 هـ . وعندها جاء دوره (ع) في إرشاد الناس.

          ومرحلة الإعداد تلك تبدأ بالطفولة، والشباب، والزواج، وحتى الذهاب الى كربلاء وما حصل فيها.

  (4)

في الأسرة

          والمشهور شهرة عظيمة ان السجاد (ع) كان أكبر أولاد الإمام الحسين بن علي (ع). ومن الضروري توضيح الفكرة القائلة بأن الإمامة لا علاقة لها بالولد الأكبر أو الأصغر، بل هي بالنص والوصية. فالإمامة من الله عز وجل يودعها حيث يشاء من عباده: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ...)[8]، (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِيناً)[9]. وسوف نفصّل هذا الموضوع في الفصل الثاني باذنه تعالى.

          عاش السجاد (ع) في أسرة مكونة من تسعة أفراد: أبوه الحسين بن علي بن أبي طالب (ع)، وأخويه علي الأصغر الذي يسمى خطأً بعلي الأكبـر (وأمه ليلى بنت أبي مرة الثقفية)، وجعفر (وأمه قضاعية). وأختيه: سكينة (وأمها الرباب بنت امرئ القيس)، وفاطمة (وأمها أم إسحاق بنت طلحة وهي تميمية)[10]. ثم ولد للحسين (ع) عبد الله (الرضيع) وأمه الرباب قبل أشهر من واقعة الطف وذبح فيها. وتوفي جعفر في حياة أبيه الحسين (ع)، واستشهد علي الأصغر في كربلاء سنة 61 للهجرة.

          ترعرع السجاد (ع) في المدينة، بعد استشهاد جده الإمام علي (ع) في الكوفة سنة 40 هـ . فقد رجع الهاشميون إلى مدينة الرسول (ص) بعد أن مكثوا مع أمير المؤمنين (ع) في الكوفة أربع سنوات وأشهراً. وكان اسمراً، نحيفاً، رقيقاً من كثرة العبادة.

          تزوج (ع) في هذه الفترة من حياته (سنة 54 للهجرة على الإرجح) من ابنة عمه: فاطمة بنت الإمام الحسن بن علي بن ابي طالب(ع)، فيكون زواجه منها وهو في السادسة عشرة من عمره. فأنجبت له محمد الباقر (ع)، وهو الإمام الخامس من أئمة أهل البيت (ع)، سنة 58 هـ. ثم تزوج لاحقاً بأمهات أولاد فولدن له أولاداً ذكوراً وإناثاً، أبرزهم زيد بن علي وعبد الله الباهر. وكانا معروفين بالفضل والجهاد في الاسلام. ومجموع أولاد زين العابدين (ع) حسب الروايات خمسة عشر ولداً: أحد عشر من الذكور وأربعة من الأناث. وكان للباقر (ع) يوم الطف ثلاث سنين.

          وكان السجاد (ع) كثيراً ما يدعو لاولاده، فيقول: (اللهم ومُنَّ عليَّ ببقاء ولدي، وبإصلاحهم لي، وبامتاعي بهم. آلهي أمدد لي في أعمارهم، وزد في آجالهم، وربّ لي صغيرهم، وقوِّ لي ضعيفهم، وأصح لي ابدانهم وأديانهم وأخلاقهم، وعافهم في أنفسهم، وفي جوارحهم، وفي كل ما عنيت به من أمرهم، وأدرر لي وعلى يدي ارزاقهم، واجعلهم أبراراً  أتقياء بصراء سامعين، مطيعين لك، ولأوليائك محبين ناصحين، ولجميع اعدائك معاندين...).

          وليس هناك من شك بأن البيت الذي نشأ فيه زين العابدين (ع) كان بيت نبوة وإمامة، بيت من بيوتٍ أذن اللهُ أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار. فلازم العبادة والتهجد وذكْرِ الله عز وجل منذ صغره، وهو يرى أباه (ع) يقوم الليل ويصوم النهار ويساعد الفقير ويعين المحروم. فكان لا يسمع في بيته الا القرآن، ولا يرى من أهله الا ساجد وراكع، ولا يأكل الا مع من يشد الحجر على بطنه، أو يصوم الأيام الطويلة. وهكذا كانت حياة السجاد (ع) حياة علم وتقوى وجهاد وعبادة.

          يصفُ أحدُ الرواةِ السجادَ (ع) وهو في السابعة أو الثامنة من عمره فيقول: حججت بعض السنين إلى مكة،  فبينما أنا سائر في عرض الصحراء وإذا بصبي سباعي أو ثماني[11] وهو يسير في الطريق بلا زاد ولا راحلة. فتقدمت اليه وسلّمت عليه، وقلت له: مع من قطعت البرّ ؟ قال: (مع الباري). فكبر في عيني، فقلت: يا ولدي! أين زادك وراحلتك؟ فقال: (زادي تقواي، وراحلتي رجلاي، وقصدي مولاي). فعظم في نفسي، فقلت: يا ولدي ممن تكون؟ فقال: (مطلبي). فقلتُ: أبنْ لي؟ فقال: (هاشمي). فقلت: أبنْ لي؟ فقال: (علويٌ فاطميٌ). فقلت: يا سيدي! هل قلت شيئاً من الشعر؟ فانشده (ع) شعراً.

          ثم غاب عن عيني الى ان أتيت مكة فقضيت حجتي ورجعت، فأتيت الأبطح فإذا بحلقة مستديرة، فاطلعت لأنظر من بها فإذا هو صاحبي. فسألت عنه، فقيل: هذا زين العابدين[12].

          وفي الرواية الآنفة دلالات على انه كان من أهل العلم والعبادة والبلاغة، على الرغم من صغر سنه.

          وفي رواية الأصمعي[13] التالية دلالة أخرى على انه (ع) كان من أهل العبادة والصلاة، وهو لا يزال في حداثة سنه. يقول الأصمعي: (كنت أطوفُ حول الكعبة ليلاً فاذا شاب ظريف الشمائل وعليه ذؤابتان، وهو متعلق بأستار الكعبة، وهو يقول: نامت العيون، وعلت النجوم وأنت الحي القيوم. غلقت الملوك أبوابها وأقامت عليها حراسها، وبابك مفتوحٌ للسائلين، جئتك لتنظر إليّ برحمتك يا أرحم الراحمين، ثم أنشأ يقول:

يا من يجيب دعا المضطر في الظلم** يا كاشف الضر والبلوى مع السقمِ

قد نام وفدك حول البيت قاطبة** وأنت وحـدك يا قيـوم لم تنمِ

أدعوك رب دعاء قد أمرت به** فارحـم بكائي بحق البيت والحرمِ

إن كان عفوك لا يرجوه ذو سرف** فمـن يجود على العاصين بالنعمِ

قال: فاقتفيته فإذا هو زين العابدين)[14].

          ويُنسب للحسن البصري أنه رأى زين العابدين (ع) متعلقاً بأستار الكعبة، وهو يتضرع إلى الله، ويدعوه منيباً، فدنا منه فسمعه يقول هذه الأبيات:

ألا أيها المأمولُ في كلِ حاجةٍ** شكوتُ إليكَ الضرَّ فارحم شكايتي

أتحرقني بالنار يا غاية المنى** فأين رجائي ثم أين مخافتي

فيا سيدي أمنن علي بتوبةٍ** فإنكَ ربِّ عالمٌ بمقالتي

          ولا يوجد دليل سندي على صحة نسبة هذه الأبيات إلى السجاد (ع)، ويؤيد ذلك عدم موازاتها لبلاغته (ع) وفصاحته.

          وكان باراً رحيماً بأسرته، خصوصاً عندما اشتد عوده (ع) وبلغ مبلغ الرجال. وكان غالباً ما يردد: (لَئن أدخل الى السوق ومعي دراهم ابتاع بها لعيالي لحماً وقد قرموا[15] أحبّ إليَّ من أن أعتق نسمة)[16]. وكان (ع) يبكرّ في طلب الرزق لعياله، ويقول: (أتصدق لعيالي قبل أن أتصدق ]على الناس [ .... من طَلَبَ الحلال فإنّه من الله عز وجلّ صدقة عليهم)[17].

(5)

أخلاقه وأدبه (ع) مع أبويه

          ولئن حُرِمَ السجاد (ع) من حنان الأم ورأفتها، فانه لم يحرم من برها بالدعاء لها ولوالده (ع). والدعاء للوالدين يعكس :

1- أدباً قرآنياً رفيعاً والتزاماً بأحكام الإسلام. وقد قال تعالى: (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً)[18].

2- قلباً مرهفاً وضميراً حياً وعقلاً متوقداً.

3- وفاءً بالجميل الذي أسداه الوالدان لوليدهما.

          فيقول (ع) في دعائه لهما:

أ- (...واخصص اللهمّ والديّ بالكرامة لديك والصلاة منك يا أرحم الراحمين. اللهم اجعلني أهابهما هيبةَ السلطانِ العسوف[19]، وأبرهما بِرَّ الأم الرؤوف، واجعل طاعتي لوالدي، وبري بـهما أقرَّ لعيني من رقدةِ الوسنان[20]، وأثلجَ لصدري من شربةِ الضمآنِ حتى أوثر على هوايَ هواهما، وأقدّم على رضايَ رضاهما، وأستكثر برهما بي وإن قلّ، وأستقلَّ بري بـهما وإن كثُر).

ب- (اللهم خفّض لهما صوتي، وأطب لهما كلامي، وألِن لهما عريكتي[21]، وأعطِف عليهما قلبي، وصيرني بهما رفيقاً، وعليهما شفيقاً).

ج- (اللهم اشكر لهما تربيتي، وأثبهما على تكرمتي، واحفظ لهما ما حفظاه مني في صغري).

د- (اللهم لا تُنسني ذكرهما في أدبار صلواتي، وفي إنىً من آناء ليلي، وفي كل ساعةٍ من ساعات نهاري).

           شب الإمام السجاد (ع) في مدينة جده رسول الله (ص)، كما ذكرنا آنفاً، على الصفات الحميدة للإسلام. وكان الى جانب أبيه الحسين (ع) في المهمات، وعلى الأغلب لقاء الإمام الحسين (ع) المشهود مع الوليد بن عتبة (والي المدينة من قبل يزيد) ومروان بن الحكم، عندما أراد بنو أمية البيعة ليزيد بالخلافة. وكان (ع) آنذاك شاباً في الثانية والعشرين من عمره.

          فعندما مات معاوية بن ابي سفيان في رجب سنة 60 هـ، كتب يزيد الى الوليد بن عتبة أمير المدينة يأمره بأخذ البيعة على أهلها عامة وعلى الإمام الحسين (ع) خاصة. فقال له: إن أبى عليك فاضرب عنقه وأبعث إلي برأسه.

          فبعث الوليد الى الحسين (ع) فجاءه في ثلاثين رجلاً من أهل بيته ومواليه. ومن الراجح تاريخياً ان زين العابدين (ع) كان بينهم، فقد كان شاباً بليغاً راشداً يعضد أمر أبيه (ع) في القضايا الاسلامية الكبرى.

          فنعى الوليد إلى الحسين (ع) موت معاوية، وعرض عليه البيعة ليزيد. فلم يجبه الإمام الحسين (ع) إلى شيء محدد، بل أجلّه إلى الغد. وقال (ع) للوليد: (ان البيعة لا تكون سراً ولكن اذا دعوت الناس غداً فادعنا معهم). فانبرى مروان مخاطباً الوليد: لا تقبل أيها الأمير عذره، متى لم يبايع فاضرب عنقه. فغضب الحسين (ع) ثم قال: (ويل لك!! أنت تأمر بضرب عنقي، كذبت والله ولؤمت). ثم أقبل على الوليد وقال (ع): (إنا أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة. بنا فتح الله وبنا ختم الله، ويزيد رجل فاسق، شارب الخمر، قاتل النفس المحرمة، معلن بالفسق ، ومثلي لا يبايع مثله)[22].

          وأنتهت المقابلة بخروج الإمام الحسين (ع) ومن معه من أهل بيته (ع) من مقر الوليد بن عتبة. ثم إتخاذ الإمام الحسين (ع) قراره بالخروج من المدينة إلى مكة ثم إلى كربلاء.

 (6)

المرحلة الثانية : (سنة 61 – 67 هـ)

          وهذه المرحلة امتدت من مقتل أبيه سيد الشهداء (ع) في كربلاء في العاشر من محرم الحرام سنة 61 هـ ولحد العاشر من محرم الحرام من سنة 67 هـ وهو تاريخ مقتل قاتلي الحسين (ع). وتمثل تلك الفترة ست سنوات كاملة من الانتظار والاضطراب الإجتماعي والسياسي.

          ففي سنة 61 للهجرة توالت أحداث الطف وقضية المسير الى الكوفة والدخول على عبد الله بن زياد، ثم دفن الحسين (ع) وأهل بيته وأنصاره. ثم المسير الى الشام وخطبة السجاد (ع) في مسجد الطاغية الأموي، ثم العروج على كربلاء مرة أخرى لتجديد العهد. ثم المسير الى المدينة حيث تسلم الإمام زين العابدين (ع) وديعة الإمامة التي تركها له أبوه (ع) عند أم سلمة (رضوان الله عليها). وكانت الوصية تأمره بالسكوت.

          وبقي السجاد (ع) حزيناً على الفاجعة، لكن لم يثنه ذلك عن أداء متطلبات الإمامة، وهي قيادة الأمة قيادة روحية شرعية نحو أهداف الدين. اشتملت هذه المرحلة أيضاً على انتفاضات ومعارك منها:

أ- معركة المدينة: ففي سنة 62 هـ استبيحت المدينة من قبل جيش بني أمية بقيادة مسلم بن عقبة، واشتعلت فيها معركة دامية بين جيش الشام وجيش المدينة بقيادة عبد الله بن حنظلة، انتهت بمجازر بحق أهل المدينة.

ب- حركة التوابين: في سنة 65 هـ قامت حركة التوابين تطالب بدم الإمام الحسين (ع)، والتحم مقاتلوها مع جيش بني أمية بقيادة عبيد الله بن زياد، وانتهت بمقتل معظم التوابين.

ج- حركة المختار: في سنة 66 هـ ابتدأت حركة المختار في الكوفة، واستمرت الى حين مقتل جميع من ساهم بقتل الحسين (ع)، ومنهم عمر بن سعد وحرملة بن كاهل، وعبيد الله بن زياد الذي قُتِلَ في 10 محرم سنة 67 هـ .

          وهذه المرحلة، وإن لم يفصلها فاصل تاريخي عن بقية حياته (ع) الا انها كانت تمثل مرحلة انتظار وترقب واضطراب. خصوصاً وان الذين قاموا بفظائع عاشوراء سنة 61 هـ بحق آل البيت (ع)، كانوا لا يزالوا يتمتعون بالحياة ويتأمرون على الناس ويحكمون باسم الدين.

           وسنتناول بالتفصيل خطوات المرحلة الثانية من حياة السجاد (ع). ونبدأ بخروج أهل البيت (ع) من المدينة سنة 60هـ .

(7)

في كربلاء (محرم سنة 61 هـ)

          خرج السجاد (ع) مع أبيه الإمام الحسين (ع) وأهل بيته من المدينة الى مكة، بعد ان رفض الإمام (ع) إعطاء البيعة ليزيد. وكان ذلك في رجب أو شعبان من سنة ستين للهجرة.

          وفي الثالث من ذي الحجة سنة 60 هـ (وقيل الثامن منه، أي يوم التروية) خرج ركب أهل البيت (ع) من مكة متوجهاً نحو العراق. وكان الحسين (ع) يتنبأ بمقتله في كربلاء، كما قال في خطبته المشهورة في مكة قبل خروجه: (...كأني بأوصالي تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء فيملأن مني أكراشاً جوفا....)[23]. وعندما أُعلِم بضعف الناس بالكوفة وحقيقة أن قلوبهم معه وسيوفهم عليه، أشار إلى انه يعلم انه مقتول لا محالة، فقال: (... أعلم يقيناً ان هناك مصرعي ومصرع أصحابي، لا ينجو منهم إلا ولدي علي عليه السلام)[24].

           وفي كربلاء ذاق السجاد (ع)، مع زوجته فاطمة بنت الحسن (ع) وابنه محمد الباقر (ع)، مرارة عطش الطف وعانى من مرضه مدة ثـمانية أيام متوالية. أي من الثاني من محرم الحرام وحتى العاشر منه. والظاهر ان المرض أمتد به حتى وصوله الكوفة. وسمع (ع) جميع خطب أبيه الإمام الحسين (ع) الموجّهة لعساكر بني أمية، ورأى أباه الحسين (ع) يصلي ليلة العاشر من محرم ويتلو كتابه حتى طلوع الفجر. وكانت تلك سجية الحسين (ع) في كثرة صلاته وكمال صفاته، وهكذا كان السجاد (ع) على شاكلة أبيه (ع).

           وفي ظهيرة ذلك اليوم من محرم، دخل الحسين (ع) على أبنه (ع) وأوصاه بوصاياه، وسلّمه بعضاً من مواريث الإمامة كخاتمه، وكانت آخر وصية له (ع):

          (يا بني، أوصيك بما أوصى به جدك رسول الله (ص) علياً حين وفاته، وبما أوصى جدُكَ عليٌّ عمَكَ الحسنَ، وبما أوصاني به عمّك. إياك وظلم من لا يجد عليك ناصراً إلا الله).  ثم ودعه ومضى الى ميدان المعركة الأخيرة التي استشهد فيها.

           وكان السجاد (ع) مريضاً يوم عاشوراء، فلم يكن قادراً على القتال. وقيل انه قاتل قليل