(ص 48 - 98)

(4)

نصوص منتقاة

هذه نصوص منتقاة تحكي حياة الإمام جعفر الصادق (ع) ونصوص إمامته، وعلمه، وعبادته، وأخلاقه، وتقواه، وحكمه، وخطبه، ووصاياه، ورسائله.

 في التوحيد ومعرفة الله:

(1)قال الإمام الصادق (ع) لأبان بن تغلب: (يا أبان، إذا قدمت الكوفة فاروِ هذا الحديث: من شهد أن لا إله إلا الله مخلصاًَ وجبت له الجنة)[1].

(2) (العارفُ شخصه مع الخلق وقلبه مع الله، ولو سها قلبه عن الله طرفة عين لمات شوقاً إليه. والعارفُ أمين ودائع الله، وكنـز أسراره، ومعدن نوره، ودليل رحمته على خلقه، ومطية علومه، وميزان فضله وعدله، قد غنى عن الخلق والمراد والدنيا فلا مؤنس له سوى الله، ولا نطق ولا إشارة ولا نفس إلا بالله ولله ومن الله ومع الله. فهو في رياض قدسه متردد ومن لطائف فضله إليه متزود)[2].

(3) (ما منـزلة الدنيا من نفسي إلا بمنـزلة الميتة إذا اضطررت إليها أكلت منها... إن الله تبارك وتعالى علم ما العباد عاملون وإلى ما هم صائرون، فحلم عنهم عند أعمالهم السيئة لعلمه السابق فيهم، فلا يغرّنك حسن الطلب ممن لا يخاف الفوت. ثم تلا قوله (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين)[3] ، وجعل يبكي ويقول: ذهب والله الأماني عند هذه الآية.

ثم قال: فاز والله الأبرار، أتدري من هم؟ هم الذين لا يؤذون الذرّ، كفى بخشية الله علماً، وكفى بالاغترار بالله جهلاً... إنه يـُغفر للجاهل سبعون ذنباً قبل أن يغفر للعالم ذنب واحد، ومن تعلّم وعلّم وعمل بما علم دعي في ملكوت السماوات عظيماً، فقيل: تعلّمَ لله وعَمِلَ لله وعَلِمَ لله )[4].

(4) (نجوى العارفين تدور على ثلاثة أصول: الخوف، والرجاء، والحبّ. فالخوف فرع العلم، والرجاء فرع اليقين، والحبّ فرع المعرفة. فدليل الخوف الهرب، ودليل الرجاء الطلب، ودليل الحبّ إيثار المحبوب على ما سواه )[5] .

 في النبوة:

قال الامام الصادق (ع): (حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي، وحديث جدي حديث علي بن ابي طالب، وحديث علي أمير المؤمنين حديث رسول الله (ص)، وحديث رسول الله (ص) قول الله عز وجلّ).

 في الإمامة:

(1) عن حيان السراج، قال: سمعت ُ السيد ابن محمد الحميري يقول: كنت أقول بالغلو، وأعتقد غيبة محمد بن الحنفية. وقد ضللت ُ في ذلك زمانا ً، فمنّ الله عليّ بالصادق جعفر بن محمد (ع) فأنقذني من النار وهداني الى سواء الصراط. فسألته بعدما صحّ عندي بالدلالة التي شاهدتها منه أنه حجة الله على خلقه وأنه الإمام الذي افترض الله طاعته. فقلت له: يا ابن رسول الله، قد روي لنا أخبار عن آبائك (ع) في الغيبة وصحة كونها، فأخبرني بمن تقع؟

فقال (ع): (إن الغيبة ستقع بالسادس من ولدي وهو الثاني عشر من الأئمة الهداة بعد رسول الله (ص)، أولهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)، وآخرهم الحجة القائم بالحق، بقية الله في الأرض، وصاحب الزمان. والله لو بقي في غيبته ما بقي نوح في قومه لم يخرج من الدنيا حتى يظهر، فيملأ الأرض قسطا ً وعدلا ً كما ملئت ظلما ً وجورا ً )[6].

(2) عن الصادق (ع): قال النبي (ص): (ألزموا مودتنا أهل البيت، فإنه من لقي الله وهو يودنا أهل البيت دخل الجنة بشفاعتنا. والذي نفسي بيده لا ينتفع عبد بعمله إلا بمعرفة حقنا)[7].

(3) ورد عنه (ع) انه قال: إن أبي [ الباقر (ع) ] استودعني ما هناك، فلما حضرته الوفاة قال: ادعُ لي شهودا ً. فدعوت له أربع من قريش فيهم نافع مولى عبد الله بن عمر، فقال: اكتب هذا ما أوصى به يعقوب بنيه: (يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون) وأوصى محمد ابن علي الى جعفر بن محمد وأمره أن يكفـّنه في برده الذي كان يصلـّي فيه الجمعة، وأن يعمـّمه بعمامته، وأن يربع قبره، ويرفع أربع أصابع، وأن يحلّ عنه أطماره عند دفنه. ثم قال للشهود: انصرفوا رحمكم الله. فقلت له بعدما انصرفوا : يا أبه، ما كان في هذا بأن يُـشهد عليه. فقال: يا بني، كرهت أن تُـغلب وأن يقال: إنه لم يوصَ إليه، فأردت أن تكون ذلك لك حجة.

(4)سأله المفضل عن قول الله عز وجل: (وجعلها باقية في عقبه)، قال (ع): (يعني بذلك الإمامة، جعلها في عقب الحسين الى يوم القيامة). فقال السائل: فكيف صارت الإمامة في ولد الحسين دون ولد الحسن وهما جميعاً ولدا رسول الله (ص) وسبطاه وسيدا شباب أهل الجنة؟ فقال (ع): (ان موسى وهارون كانا نبيين مرسلين أخوين، فجعل الله النبوة في صلب هارون دون صلب موسى. ولم يكن لأحد أن يقول لم فعل الله ذلك. فإن الإمامة خلافة الله عز وجل، جعلها في صلب الحسين دون صلب الحسن لأن الله هو الحكيم في أفعاله. لا يسأل عن فعله وهم يسألون).

 في العقل والعلم:

(1) (لما خلق الله العقل قال له: أدبر فأدبر. ثم قال له: أقبل فأقبل. فقال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا ً أحسن منك، إياك آمر، وإياك أنهى، وإياك أثيب، وإياك أعاقب)[8] .

(2) (أكمل الناس عقلا ً أحسنهم خلقا ً)[9].

(3) (لا غنى أخصب من العقل، ولا فقر أحط ّ من الحمق، ولا استظهار في أمر ٍ بأكثر من المشورة فيه).

(4) قال الإمام الصادق (ع): قال رسول الله (ص): (طلب العلم فريضة على كل مسلم، ألا إن الله يحبّ بغاة العلم)[10].

(5) سـُئل الصادق (ع) عن قوله تعالى: (ولله الحجة البالغة)، قال (ع): (إذا كان يوم القيامة قال الله تعالى للعبـد: أ كنت عالماً؟ فإن قال: نعم، قال: أفلا عملت بما علمت؟ وإن قال: كنت جاهلا ً، قال له: افلا تعلمت؟ فتلك الحجة البالغة لله تعالى على عباده)[11].

(6) (لو علم الناس ما في العلم لطلبوه ولو بسفك المهج وخوض اللجج)[12].

(7) (تفقهوا في الدين، فإنه من لم يتفقه منكم في الدين فهو أعرابي، إن الله يقول في كتابه العزيز: (...ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) الآية) [13].

(8) (لست ُ أحبّ أن أرى الشابّ منكم إلا غاديا ً في حالتين: إما عالما ً وإما متعلما ً، فإن لم يفعل فـرّط، فإن فـرّط ضـيّع، فإن ضـيّع أثم، وإن أثم سكن النار، والذي بعث محمداً (ص) بالحق)[14].

(9) (اكتبوا فإنكم لا تحفظون حتى تكتبوا)[15].

(10) مما قاله للمفضل بن عمر: (اكتب وبثّ علمك في إخوانك، فإن متّ فورثّ كتبك بنيك، فإنه يأتي زمان هرج، ما يأنسون فيه إلا بكتبهم)[16].

 في تفسير كتاب الله المجيد:

(1) سـُئل (ع) عن (بسم الله الرحمن الرحيم)، قال: (الباء بهاء الله، والسين سناؤه، والميم مجده، والله إله كلّ شيء، الرحمن لجميع خلقه، الرحيم بالمؤمنين خاصة).

(2) ومن رسالة له (ع) حول القرآن: (...وإنما القرآن أمثال لقوم يعلمون دون غيرهم، ولقوم ٍ يتلونه حق تلاوته. وهم الذين يؤمنون به ويعرفونه. فأما غيرهم فما أشدّ إشكاله عليهم، وأبعده من مذاهب قلوبهم، ولذلك قال رسول الله (ص): (إنه ليس شيء بأبعد من قلوب الرجال من تفسير القرآن). وفي ذلك تحيـّر الخلائق أجمعون إلا من شاء الله. وإنما أراد الله بتعميته في ذلك أن ينتهوا إلى بابه وصراطه، وأن يعبدوه وينتهوا في قوله الى طاعة القوّام بكتابه والناطقين عن أمره ، وأن يستنبطوا ما احتاجوا اليه من ذلك عنهم لا عن أنفسهم. ثم قال: (ولو ردّوه الى الرسول والى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم)[17] . فأما عن غيرهم فليس يعلم ذلك أبدا ً ولا يوجد، وقد علمت أنه لا يستقيم أن يكون الخلق كلهم ولاة الأمر إذ لا يجدون من يأتمرون عليه، ولا مـَن يبلـّغونه أمر الله ونهيه، فجعل الله الولاة خواص ليقتدي بهم من لم يخصصهم بذلك. فافهم ذلك إن شاء الله، وإياك وتلاوة القرآن برأيك! فإن الناس غير مشتركين في علمه كاشتراكهم في ما سواه من الأمور، ولا قادرين على تأويله إلا من حدّه وبابه الذي جعله الله له! فافهم إن شاء الله، واطلب الأمر عن مكانه تجده إن شاء الله)[18].

(3) (إذا حدثتكم بشيء فاسألوني عنه من كتاب الله). ثم قال في بعض حديثه: (إن رسول الله (ص) نهى عن القيل والقال وفساد المال، وفساد الأرض، وكثرة السؤال). قالوا: يا ابن رسول الله، أين هذا من كتاب الله؟ قال: (إن الله يقول في كتابه: (لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة ٍ أو معروف ٍ أو إصلاح ٍ بين الناس)[19]، وقال: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً)[20] ، و( لا تسألوا عن أشياء إن تـُبدَ لكم تسؤكم)[21]).

(4) قال له رجل: أخبرني عن قول الله تعالى: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة)، وقال في آخر السورة: (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل...).

   فأجابه الصادق (ع): (أما قوله تعالى: (فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة) فإنما عنى النفقة. وقوله تعالى: (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم) فإنما عنى بها المودة، فإنه لا يقدر أحد أن يعدل بين امرأتين في المودة).

(5)سأله عمرو بن عبيد عن الكبائر (في كتاب الله) عز وجل، فسردها الإمام (ع) مع نصوصها في القرآن الكريم:

1- الشرك: (ان الله لا يغفر أن يشرك به).

2- اليأس من روح الله: (لا ييأس من روح الله الا القوم الكافرون).

3- عقوق الوالدين: (وبراً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً).

4- قتل النفس: (ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها).

5- قذف المحصنات: (إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة).

6- أكل مال اليتيم: (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً).

7- أكل الربا: (الذين يأكلون الربا لا يقومون الا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس).

8- الفرار من الزحف: (ومن يولهم يومئذ دبره الا متحرفاً لقتال أو متحيزاً الى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير).

9- السحر: (ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق).

10- الزنا: (ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا).

11- اليمين الغموس: (إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً اولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر اليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب اليم).

12- الغلول (الخيانة): (ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة).

13- منع الزكاة: (والذين يكنـزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم).

14- كتمان الشهادة: (ومن يكتمها فإنه آثم قلبه).

15- شهادة الزور: (والذين لا يشهدون الزور).

16- نقض العهد وقطيعة الرحم: (الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض اولئك هم الخاسرون).

17- كفران النعمة: (ولئن كفرتم إن عذابي لشديد).

18- بخس الكيل: (ويل للمطففين).

..........

 الفعل والاستطاعة:

من كتاب له (ع) يجيب فيه على جملة من الإشكالات، منها: هل ان الاستطاعة قبل الفعل أم مع الفعل؟ فيقول (ع):

(وسألت – رحمك الله – عن الاستطاعة للفعل: فإن الله عز وجل خلق العبد وجعل له الآلة والصحة وهي القوة التي يكون العبد بها متحركا ً مستطيعا ً للفعل، ولا متحرك إلا وهو يريد الفعل. وهي صفة مضافة الى الشهوة التي خلقَ الله عز وجل مركبة في الانسان. فإذا تحركت الشهوة في الانسان اشتهى الشيء فأراده، فمن ثمّ قيل للانسان: مريد. فإذا اراد الفعل وفعل، كان من الاستطاعة والحركة، فمن ثم قيل للعبد: مستطيع متحرك. فإذا كان الإنسان ساكنا ً غير مريد للفعل، وكان معه الآلة وهي القوة والصحة اللتان بهما يكون حركات الإنسان وفعله، كان سكونه لعلّة سكون الشهوة فقيل: ساكن، فوصف بالسكون. فإذا اشتهى الإنسان وتحركت شهوته التي ركـّبت فيه اشتهى الفعل وتحرك بالقوة المركـّبة فيه، واستعمل الآلة التي بها يفعل الفعل ،فيكون الفعل منه عندما تحرك واكتسبه، فقيل: فاعل ومتحرك ومكتسب ومستطيع. أوَ لا ترى أن جميع ذلك في صفات يوصف بها الإنسان)[22] .

في الصلاة:

قال له رزام مولى خالد بن عبد الله بحضرة المنصور الدوانيقي: أخبرني عن الصلاة وحدودها؟ قال له الصادق (ع): (للصلاة أربعة آلاف حدّ لست تؤاخذ بها). فقال: أخبرني بما لا يحلّ تركه، ولا تتم الصلاة إلا به. فقال أبو عبد الله (ع): (لا تتم الصلاة إلا لذي طهر ٍسابغ، وتمام ٍ بالغ، غير نازغ ولا زائغ. عرف فوقف، وأخبت فثبت، فهو واقف بين اليأس والطمع، والصبر والجزع، كأن الوعد له صنع، والوعيد به قطع. بذل عرضه (أي متاعه)، وتمثـّل غرضه (أي بيـّن حاجته)، وبذل في الله المهجة، وتنكـّب اليه غير المحجـّة، مرتغم بارتغام (أي خاضع بخشوع)، يقطع علائق الإهتمام بعين من له قَصَد، وإليه وفَد، ومنه استرفد (أي طلب العطاء). فإذا أتى بذلك كانت هي الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر)[23].

 في زكاة المال:

(1) دخل عليه عمار الساباطي، فقال له (ع): يا عمار ،إنك ربّ مال ٍ كثير فتؤدي ما افترض الله عليك من الزكاة ؟

قال: نعم.

قال (ع): فتخرج الحق المعلوم من مالك؟

قال: نعم.

قال (ع): فتصل قرابتك؟

قال: نعم.

قال (ع): فتصل إخوانك؟

قال: نعم.

قال (ع): يا عمار، إن المال يفنى، والبدن يبلى، والعمل يبقى، والديـّان حيّ لا يموت. يا عمار، ما قدّمت فلم يسبقك، وما أخرّت فلن يلحقك.

(2) قال مصادف: كنت عند أبي عبد الله الصادق (ع)، فدخل رجل فسلـّم عليه، فسأله الإمام (ع): كيف من خلـّفت من إخوانك؟ فأجاب الرجل وأحسن الثناء وأطراهم. فسأله الإمام (ع): كيف عيادة أغنيائهم على فقرائهم؟ فقال الرجل: قليلة.

قال الصادق (ع): كيف مساعدة أغنيائهم لفقرائهم؟ فقال الرجل: قليلة.

قال الإمام (ع): كيف صلة أغنيائهم لفقرائهم في ذات أيديهم؟ فقال الرجل: إنك تذكر أخلاقا ً قل ّ ما هي فيمن عندنا.

قال الإمام (ع): فكيف يزعم هؤلاء أنهم شيعتنا؟!

(3) قال إسحاق بن إبراهيم: كنت عند أبي عبد الله الصادق (ع)، إذ دخل عليه رجل من خراسان فقال: يا ابن رسول الله، أنا من مواليكم، وبيني وبينكم شقـّة بعيدة، وقد قلّ ذات يدي، ولا أقدر أن أتوجه الى أهلي إلا أن تعينوني. فنظر الصادق (ع) وقال: أما تسمعون ما يقول أخوكم؟ إنما المعروف ابتداء، فأمـّا ما أعطيت بعدما سأل إنما هو مكافأة لما بذل من ماء وجهه. أفيبيت ليلته متأرّقا ً متململا ً بين اليأس والرجاء، لا يدري أين يتوجه بحاجته، فيعزم على القصد إليك، فأتاك وقلبه يجب (أي يخفق اضطرابا ً)، وفرائصه ترتعد، وقد نزل دمه في وجهه، وبعد هذا فلا يدري أينصرف من عندك بكآبة الردّ، أم بسرور النجح، فإن أعطيته رأيت أنك قد وصلته، وقد قال رسول الله (ص): (والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، وبعثني بالحق نبياً، لما يتجشم من مسألته إياك أعظم مما ناله من معروفك). قال إسحاق: فجمعوا له خمسمائة درهم ودفعوها إليه.

 في بر الوالدين وصلة الرحم:

(1) بلغه (ع) عن رجل من أصحابه (أسمه مهزم) أنه وقع بينه وبين أمه كلام، فأغلظ لها. فلما دخل عليه من الغد ابتدأه قائلا ً:

يا مهزم، ما لك وخالدة (اسم امه) أغلظت في كلامها البارحة. أما علمت أن بطنها منـزلٌ قد سكنته، وأن حجرها مهدٌ قد عمرته، وأن ثديها وعاءٌ قد شربته؟ فقال : بلى. قال (ع): فلا تغلظ لها.

(2) قال (ع): إن رجلا ً أتى النبي (ص) فقال: يا رسول الله، إن لي أهلا ً قد كنت أصلهم وهم يؤذوني، وقد أردت رفضهم. فقال له رسول الله (ص): إن الله يرفضكم جميعا ً.

قال الرجل: وكيف أصنع؟

قال (ص): تعطي من حرمك، وتصل من قطعك، وتعفو عمن ظلمك، فاذا فعلت ذلك كان الله عز وجل لك عليهم ظهيرا ً.

(3) وقع بينه وبين عبد الله بن الحسن كلام، فأغلظ عبد الله في القول، ثم افترقا وذهبا الى المسجد، فالتقيا على الباب. فقال الصادق (ع) لعبد الله بن الحسن: كيف أمسيت يا أبا محمد؟

فقال عبد الله: بخير – كما يقول المغضب -.

قال الصادق (ع): يا أبا محمد، أما علمت أن صلة الرحم تخفف الحساب؟ ثم تلى قوله تعالى: (والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب). فقال عبد الله: فلا تراني بعدها قاطعا ً رحماً.

 في الظلم والخيانة ومعاونة الظالمين:

(1) قال (ع) في جواب من سأله عن معاونة الظالمين: (ما احبّ أن أعقد لهم عقدة، أو وكيت لهم وكاء. إن الظلمة وأعوان الظلمة في سرادق من نار، حتى يحكم الله بين العباد).

(2) عن محمد بن مرازم، عن أبيه، قال: شهدت أبا عبد الله (ع) وهو يحاسب وكيلا ً له، والوكيل يكثر من قول: والله ما خنت. فقال له الصادق (ع): يا هذا، خيانتك وتضييعك عليّ مالي سواء، ألا إن الخيانة شرها عليك[24].

 في طلب الرزق: 

(1) أخبر عن رجل يقول: لأقعدن، ولأصلينّ، ولأصومنّ، ولأعبدنّ الله. فأما رزقي فيأتيني. قال (ع): هذا أحد الثلاثة الذين لا يستجاب لهم.

(2) قال له رجل: إنا لنطلب الدنيا ونحبّ أن نؤتاها. قال (ع): ماذا تحبّ أن تصنع بها ؟

فقال الرجل: أوسـّع بها على نفسي وعيالي، وأصـِل بها قرابتي، وأتصدق وأحجّ وأعتمر.

فقال (ع): ليس هذا طلب الدنيا، هذا طلب الآخرة.

(3) قال المفضل بن قرة: دخلنا على الصادق (ع) في حائط له (أي بستان)، وبيده مسحاة يفتح بها الماء، وعليه قميص. وكان يقول: إني لأعمل في بعض ضياعي وإن لي من يكفيني، ليعلم الله أني أطلب الرزق الحلال.

(4) خرج الصادق (ع) في يوم صائف شديد الحر، فاستقبله عبد الأعلى – مولى آل سام – في بعض طرق المدينة، فقال له: يا ابن رسول الله، حالك عند الله عز وجل وقرابتك من رسول الله (ص)، وأنت تجهد نفسك في مثل هذا اليوم !!

فقال (ع): يا عبد الأعلى، خرجت في طلب الرزق لأستغني عن مثلك[25] .

(5) كان رجل من التجار يختلف الى الإمام (ع) وبينهما مودة، وهو معروف بحسن حاله، فجاء بعد حين الى الصادق (ع) وقد ذهب ماله وتغيـّر حاله، فجعل يشكو الى الإمام، فأنشد الصادق (ع):

فلا تجزع وإن أعسرت يوما ً  *** فقد أيسرت بالزمن الطويلِ
ولا تيأس فإن اليأس كفـرٌ    *** لعلّ الله يغـني عـن قليلِ
ولا تظنن بربك ظنّ سـوءٍ    *** فإن الله أولـى بالجميـلِ

(6) عن حنان بن شعيب، قال: تكارينا لأبي عبد الله الصادق (ع) قوما ً يعملون في بستان ٍ له، وكان أجلهم الى العصر. فلما فرغوا قال لمعتب: (أعطهم أجورهم قبل أن يجفّ عرقهم)[26] .

 في النعمة والتجمل:

(1) (إذا أنعم الله على عبده بنعمة ٍ أحب ّ أن يراها عليه، لأنه جميل يحب الجمال).

(2) روى الشيخ الطوسي في التهذيب عنه (ع): (إن الله يحب الجمال والتجمل، ويبغض البؤس والتباؤس، فإن الله إذا أنعم على عبده بنعمة ٍ أحب أن يرى أثرها عليه).

فقيل له: وكيف ذلك؟

قال: (ينظـّف ثوبه، ويطيـّب ريحه، ويجصص داره، ويكنس أفنيته).

(3) (إلبس وتجمل فإن الله جميل يحبّ الجمال، وليكن من حلال).

(4) في كتاب (مطالب السؤول – الباب السادس) قال مالك بن أنس: قال جعفر الصادق (ع) يوما ً لسفيان الثوري: (يا سفيان، إذا أنعم الله عليك بنعمة ٍ فأحببت بقاءها فأكثر من الحمد والشكر عليها، فإن الله عز وجل قال في كتابه العزيز: (لئن شكرتم لأزيدنكم)، وإذا استبطأت الرزق فأكثر من الاستغفار، فإن الله عز وعلا قال في كتابه: (استغفروا ربكم إنه كان غفـّارا ً يـُرسل السماء عليكم مدرارا ً ويمددكم بأموال ٍ وبنين) - يعني في الدنيا - (ويجعل لكم جنات) - في الآخرة - . يا سفيان، إذا أحزنك أمرٌ من سلطان ٍ أو غيره، فأكثر من (لا حول ولا قوة إلا بالله) فإنها مفتاح الفرج وكنـز ٌ من كنـوز الجنة).  

 في مكارم الأخلاق:

(1) قيل له (ع): يا بن رسول الله، أخبرنا بمكارم الأخلاق. فقال (ع): (هي العفو عمن ظلمك، وصلة من قطعك، وإعطاء من حرمك).

(2) ومن كلام له (ع) لأصحابه: (إنا لنحب من كان عاقلاً، فهما ً، حليما ً، مداريا ً، صبورا ً، صدوقا ً، وفيا ً. إن الله عز وجل خصّ الأنبياء بمكارم الأخلاق. فمن كانت فيه فليحمد الله على ذلك، ومن لم تكن فيه فليتضرع الى الله عز وجل وليسأله إياها).

فقال له ابن بكير: جعلت فداك، وما هنّ؟

قال (ع): (هنّ الورع والقناعة والصبر والشكر والحلم والحياء والسخاء والشجاعة والغيرة والبرّ وأداء الأمانة).

(3) (أنظر الى من هو دونك، ولا تنظر الى من هو فوقك في القدرة، فإن ذلك أقنع لك بما قسم لك، وأحرى أن تستوجب الزيادة من ربك. واعلم أن العمل الدائم القليل على اليقين أفضل عند الله من العمل الكثير على غير يقين. واعلم أنه لا ورع أنفع من تجنب محارم الله والكفّ عن أذى المؤمنين واغتيابهم، ولا عيش أهنأ من حسن الخلق، ولا أنفع من القنوع باليسير المجزي، ولا جهل أضرّ من العجب)[27].

في الضيف:

(1) عن ابن أبي يعفور، قال: رأيت عند الصادق (ع) ضيفاً، فقام يوما ً في بعض الحوائج. فنهاه عن ذلك وقام بنفسه الى تلك الحاجة وقال (ع): (نهى رسول الله (ص) عن أن يستخدم الضيف).

(2) عن محمد بن قيس: سألت الصادق (ع): إني لا أتغدى ولا أتعشى إلا ومعي اثنان أو ثلاث أو أكثر؟ فقال (ع): (فضلهم عليك أكثر من فضلك عليهم).

فقال محمد: جعلت فداك، كيف؟! وأنا أطعمهم طعامي، وأنفق عليهم، ويخدمهم خادمي. فقال (ع): (إذا دخلوا عليك دخلوا بالرزق الكثير ، وإذا خرجوا خرجوا بالمغفرة).

 في الحلم:

يخاطب (ع) المنصور الخليفة ناصحا ً: (عليك بالحلم فإنه ركن العلم. واملك نفسك عند أسباب القدرة، فإنك إن لم تفعل ما تقدر عليه كنت كمن يحبّ أن يذكر بالصول. واعلم أنك إن عاقبت مستحقا ً لم تكن غاية ما توصف به إلا العدل. والحال التي توجب الشكر أفضل من الحال التي توجب الصبر).

 في الزهـد:

سئل عن حد الزهد في الدنيا، فقال (ع): (قد حدّ الله في كتابه فقال عز وجل: (لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم) إن أعلم الناس بالله أخوفهم لله، وأخوفهم له أعلمهم به، وأعلمهم به أزهدهم فيها)[28].

في النية:

(إن العبد المؤمن الفقير ليقول: يا رب ارزقني حتى أفعل كذا وكذا من البر ووجوه الخير. فإن علم الله عز وجل ذلك منه بصدق نية كتب الله من الأجر مثل ما كتب له لو عمله، إن الله واسع عليم)[29].

في التوبة:

مما حـُفظ عنه (ع) في الحث على التوبة، قوله: (تأخير التوبة اغترار، وطول التسويف حيرة، والاعتلال على الله هلكة، والاجتراء على الذنب أمن ٌ من مكر الله، ولا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون).

من وصاياه (ع):

(1) من وصية الإمام الصادق (ع) الى أبي أسامة، أمره أن ينقلها الى أتباعه: (فاتقوا الله وكونوا زيناً، ولا تكونوا شينا ً. جـرّوا إلينا كل مودة، وادفعوا عنا كل قبيح، فإنه ما قيل لنا فما نحن كذلك. لنا حقّ في كتاب الله، وقرابة من رسول الله (ص)، وتطهير من الله، وولادة طيبة لا يدعيها أحدٌ غيرنا إلا كذّاب. أكثروا ذكر الله وذكر الموت وتلاوة القرآن والصلاة على النبي ]ص[ ).

(2) من وصية له (ع) الى اسماعيل  بن عمار: (أوصيك بتقوى الله والورع وصدق الحديث وأداء الأمانة وحسن الجوار وكثرة السجود، فبذلك أمرنا محمد ]ص[ [30]).

(3) من وصية له (ع) الى عمرو بن سعيد بن هلال: (أوصيك بتقوى الله، والورع والاجتهاد. واعلم أنه لم ينفع ورع إلا بالاجتهاد).

(4) ومن وصيته (ع) لابنه موسى الكاظم (ع):

(يا بـُني: اقبل وصيتي، واحفظ مقالتي، فإنك إن حفظتها تعش سعيدا ً، وتموت حميدا ً.

يا بـُني: من رضي بما قسمه الله له استغنى، ومن مدّ عينيه الى ما في يد غيره مات فقيرا ً، ومن لم يرضَ بما قسمه الله اتهم الله في قضائه، ومن استصغر زلـّة نفسه استعظم زلـّة غيره.

يا بـُني: من كشف حجاب غيره انكشفت عورات بيته، ومن سلّ سيف البغي قـُتل به، ومن احتـفر لأخيه بئرا ً سقط فيها، ومن داخل السفهاء حقر، ومن خالط العلماء وقر، ومن دخل مداخل السوء  اُتهم.

يا بـُني: إياك أن تزري بالرجال فيـُزرى بك، وإياك والدخول فيما لا يعنيك فتذلّ لذلك.

يا بـُني: قل الحق لك أو عليك.

يا بـُني: كن لكتاب الله تاليا ً، وللسلام فاشيا ً، وبالمعروف آمراً، وعن المنكر ناهياً، ولمن قطعك واصلا ً، ولمن سكت عنك مبتدئا ً، ولمن سألك معطيا ً. وإياك والنميمة فإنها تزرع الشحناء في قلوب الرجال. وإياك والتعرض لعيوب الناس فمنـزلة المتعرض لعيوب الناس بمنـزلة الهدف).

(5) قال أبو بصير: سمعت أبا عبد الله الصادق (ع) يقول: (اتقوا الله وعليكم بالطاعة لأئمتكم، قولوا ما يقولون، واصمتوا عما صمتوا، فإنكم في سلطان من قال الله تعالى: (وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال)، فاتقوا الله فإنكم في هدنة، صلّوا في عشائرهم، واشهدوا جنائزهم، وأدوا الأمانة إليهم، وعليكم بحجّ البيت، فإن في إدمانكم الحج دفع مكاره الدنيا عنكم وأهوال يوم القيامة).

(6) قال أبو ربيع الشامي: دخلت على أبي عبد الله (ع) والبيت غاصّ، فيه الخراساني والشامي ومن أهل الآفاق، فلم أجد موضعا ً أقعد فيه، فجلس الصادق (ع) وكان متكئا ً، ثم قال: (يا شيعة آل محمد، إنه ليس منا من لم يملك نفسه عند غضبه، ومن لم يحسن صحبة من صحبه، ومخالقة من خالقه، ومرافقة من رافقه. يا شيعة آل محمد، اتقوا الله ما استطعتم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم).

(7) من وصية له (ع): (إذا سافرت مع قوم ٍ فأكثر استشارتهم في أمرك وأمورهم، وأكثر التبسم في وجوههم، وكن كريما ً على زادك بينهم، وإذا دعوك فأجبهم، وإذا استعانوا بك فأعنهم، واستعمل طول الصمت، وكثرة الصلاة وسخاء النفس بما معك من دابة أو ماء أو زاد. وإذا استشهدت على الحق فاشهد لهم، وأجهد رأيك إذا استشاروك، ولا تجب في مشورة حتى تقوم بها، فإن من لم يمحض النصيحة لمن استشاره سلبه الله رأيه ونزع عنه الأمانة.

وإذا رأيت أصحابك يمشون فامشِ معهم، وإذا رأيتهم يعملون فاعمل معهم، وإن تصدقوا أو أعطوا قرضا ً فاعطِ معهم، واسمع لمن هو أكبر منك سنّا ً، وإذا أمروك بأمر ٍ أو سألوك شيئا ً فقل نعم ولا تقل لا، فإن لا عيّ ولؤم، وإذا تحيرتم في الطريق فانزلوا، وإذا شككتم في الأمر فقفوا وتوامروا، وإذا رأيتم شخصا ً واحدا ً فلا تسألوه ولا تسترشدوه، فإن الشخص الواحد في الفلاة مريب).

(8) عن شعيب بن ميثم قال: قال الصادق (ع): (يا شعيب، ما أحسن بالرجل يموت وهو لنا وليّ، ويوالي ولينا ويعادي عدونا)! قلت: والله اني لأعلم أن من مات على هذا إنه لعلى حالٍ حسنة. قال (ع): (يا شعيب، أحسن الى نفسك وصـِل قرابتك، وتعاهد إخوانك، ولا تستبدل بالشيء تقول ادّخر لنفسي وعيالي، الذي خلقهم هو الذي يرزقهم)[31].

(9) قال (ع): (عليكم بتقوى الله، والورع والاجتهاد، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وحسن الخلق، وحسن الجوار، وكونوا دعاة الى أنفسكم بغير ألسنتكم ...عليكم بطول السجود والركوع، فإن أحدكم إذا أطال الركوع يهتف إبليس من خلفه ويقول: يا ويلتاه أطاعوا وعصيت وسجدوا وأبيت)[32].

(10) (أفضل الوصايا وألزمها أن لا تنسى ربك وأن تذكره دائما ً ولا تعصيه، وتعبده قاعدا ً وقائماً، ولا تغترّ بنعمته واشكره أبدا ً. ولا تخرج من تحت أستار عظمته وجلاله فتضلّ وتقع في ميدان الهلاك، وإن مسـّك البلاء والضـّر وأحرقتك نيران المحن. واعلم أن بلاياه محشوة بكراماته الأبدية، ومحنه مورثة رضاه وقربه، ولو بعد حين. فيا لها من مغنم لمن علم ووفق لذلك)[33].

من أخلاقه (ع):

(1) نام رجل من الحجيج في المدينة، فتوهم أن حاجة له قد سرقت، فخرج فرأى الإمام (ع) مصليا ً ولم يعرفه، فتعلق به وقال له: أنت أخذت حاجتي. قال الإمام (ع): ما كان فيها؟ قال الرجل: ألف دينار.

فحمله الإمام الى داره، ووزن له ألف دينار. عاد الرجل الى منـزله فوجد حاجته مع الدنانير التي ظن أنه ضيعها. فرجع بالمال الى الإمام معتذرا ً. فأبى الإمام (ع) قبوله وقال: شيء خرج من يدي لا يعود اليّ. فسأل الرجل عنه، فقيل: هذا الإمام جعفر الصادق. قال: لا جرم هذا فعال مثله.  

(2) قال معتب: سألني الصادق (ع)، وقد تضاعف سعر الحنطة والشعير في المدينة: كم عندنا من طعام؟ قلت: عندنا ما يكفينا أشهراً كثيرة. قال: أخرجه وبعه. قلت له: وليس في المدينة طعام. قال: بعه.

فلما بعته، قال (ع): (اشترِ مع الناس يوما ً بيوم. يا معتب، إجعل قوت عيالي نصفا ً شعيرا ً ونصفا ً حنطة. فإن الله يعلم أني واجد أن أطعمهم الحنطة على وجهها، ولكني أحب أن يراني الله قد أحسنت تقدير المعيشة).

(3) قال الشقراني: خرج العطاء أيام المنصور، فوقفت على الباب متحيرا ً، وإذا بجعفر بن محمد الصادق (ع) قد أقبل. فذكرت له حاجتي، فدخل ثم خرج وإذا بعطائي في كمّه وناولني إياه، وقال (ع): (إن الحسن من كل أحد حسن وإنه منك أحسن، وإن القبيح من كل أحد قبيح، وإنه منك أقبح لمكانك منا).

قال ابن الجوزي: وإنما قال له جعفر (ع) ذلك، لأن الشقراني كان يشرب الشراب، فمن مكارم أخلاق جعفر (ع) أنه رحب به وقضى حاجته مع علمه بحاله ووعظه على وجه التعريض، وهذا من أخلاق الأنبياء.

 من سيرته (ع):

(1) يقول مالك بن أنس: كنت آتي جعفر ابن محمد الصادق (ع)، وكان كثير التبسم، فإذا ذكر عنده النبي (ص) اخضرّ واصفرّ. ولقد اختلفت إليه زمانا ً فما كنت أراه إلا على إحدى ثلاث خصال: إما مصليا ً، وإما صائما ً، وإما يقرأ القرآن. وما رأيته قطّ يحدّث عن رسول الله (ص) إلا على طهارة، ولا يتكلم فيما لا يعنيه، وكان من العبـّاد الزهـّاد الذين يخشون الله.

(2) دخل سفيان الثوري على الصادق (ع) فرأى عليه ثيابا ً بيضاء كأنها غرقىء البيض، فقال له: إن هذا اللباس ليس من لباسك. فقال له الإمام (ع): (اسمع مني وعِ ما أقول: فإنه خير لك عاجلا ً وآجلاً، إن أنت مـُتّ على السنّة ولم تمت على بدعة. أخبرك أن رسول الله (ص) كان في زمان مقفر مجدب، فأما إذا أقبلت الدنيا فأحق الناس بها أبرارها لا فجـّارها، ومؤمنوها لا منافقوها، ومسلموها لا كفارها. فما أنكرت يا ثوري، فو الله إني ما ترى، ما أتى عليّ منذ عقلت صباحا ً ولا مساء ً ولله في مالي حق، أمرني أن أضعه موضعا ً إلا وضعته).

(3) وفي رواية اخرى، قال(ع): يا ثوري، كان ذلك الزمان مقفرا ً مقترا ً....ثم حسر عن ردن جبـّته، وإذا تحتها جبة صوف بيضاء، وقال: (يا ثوري، لبسنا هذا لله – وأشار الى جبة الصوف – وهذا لكم – وأشار الى الخز – فما كان لله أخفيناه، وما كان لكم أبديناه).

 من دعائه (ع):

(1) عن ابن أبي يعفور، قال: سمعت الصادق (ع) يقول وهو رافع يده الى السماء: (رب لا تكلني الى نفسي طرفة عين ٍ أبدا ً، لا أقلّ من ذلك ولا أكثر). فما كان بأسرع من أن تحدرت الدموع من جوانب لحيته.

(2) قال محمد بن زيد: قلت للصادق (ع): علمي دعاءً. قال (ع): (اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم. يا من أرجوه لكل خير، وآمن سخطه عند كل عثرة، يا من يعطي الكثير بالقليل، ويا من يعطي من سأله تحننا ً منه ورحمة، ويا من أعطى من لم يسأله ومن لم يعرفه، صلّ على محمد وأهل بيته، وأعطني بمسألتي إياك خير الدنيا وجميع خير الآخرة، فإنه غير منقوص ما أعطيت، وزدني من سعة فضلك يا كريم).

ثم رفع يده فقال: (يا ذا المنّ والطول، يا ذا الجلال والإكرام، يا ذا النعماء والجود، ارحم شيبتي من النار). ثم وضع يديه على لحيته، ولم يرفعهما، حتى امتلأ كفه دموعا ً.

(3) سعى رجل عند المنصور الدوانيقي للإيقاع بالإمام الصادق (ع).  وبعد أن انتهت الشدة، وخرج الإمام (ع) دون أذى، لحق به الربيع وقال له: يا أبا عبد الله رأيتك تحرك شفتيك، وكلما حركتهما سكن غضب الظالم، بأي شيء كنت تحركهما؟ قال (ع): بدعاء جدي الحسين (ع). قال الربيع: وما هو يا سيدي؟ قال الصادق (ع):

(اللهم يا عدتي عند شدتي، يا غوثي عند كربتي، احرسني يعينك التي لا تنام، واكنفني بركنك الذي لا يرام، وارحمني بقدرتك – على فلان -، أهلك وأنت رجائي! اللهم إنك أكبر وأجلّ  وأقدر مما أخاف وأحذر، اللهم بك أدرأ في نحره وأستعيذ بك من شرّه، إنك على كل شيء قدير).

قال الربيع: فما نزلت بي شدة قط ودعوت به، إلا فرج الله عني.

(4) روي أن داود بن علي بن العباس (عامل المنصور على المدينة) قتل المعلـّى ابن خنيس – وكان مولى ً للصادق (ع) – فأخذ ماله. فبلغ ذلك جعفرا ً، فدخل الى داره ولم يزل ليله كله قائما ً الى الصباح. ولما كان وقت السحر سمع منه وهو يقول في مناجاته: (يا ذا القوة القوية، ويا ذا المحال الشديد، ويا ذا العزة التي كل خلقك لها ذليل، إكفنا هذا الطاغية، وانتقم لنا منه).

فما كان إلا أن ارتفعت الأصوات وقيل: مات داود بن علي.

(5) لما بلغ الصادق (ع) قول الحكم بن عباس الكلبي:

صلبنا لكم زيدا ً على جذع نخلة ٍ*** ولم أرَ مهديا ً على الجذع يـُصلب

رفع جعفر (ع) يديه الى السماء وهم يرتعشان، فقال: (اللهم سلـّط على الحكم ابن العباس الكلبي كلبا ً من كلابك) . فبعثه بنو أمية الى الكوفة، فافترسه الأسد في الطريق. واتصل ذلك بالصادق (ع) فخرّ ساجدا ً، وقال: (الحمد لله الذي أنجزنا ما وعدنا).

 في عبادته (ع):

(1) عن أبان بن تغلب، قال: دخلت على الصادق (ع) وهو يصلي، فعددت له في الركوع والسجود ستين تسبيحة.

(2) وعن حفص بن غياث، قال: رأيت الصادق (ع) يتخلل بساتين الكوفة، فانتهى الى نخلة ٍ فتوضأ عندها، ثم ركع وسجد. فأحصيت في سجوده خمسمائة تسبيحة، ثم استند الى النخلة فدعا بدعوات.

(3) عن مالك بن أنس، قال: حججت مع الصادق (ع) سنة، فلما استوت به راحلته عند الإحرام، كان كلما همّ بالتلبية انقطع الصوت في حلقه، وكاد أن يخرّ من راحلته.

 من كرمه (ع):

(1) عن مسمع ابن عبد الملك، قال: كنا عند الصادق (ع) بمنى وبين ايدينا عنب نأكله، فجاء سائل فسأله، فأمر له بعنقود فأعطاه. فقال السائل: لا حاجة لي في هذا، إن كان درهم؟ فقال له الإمام (ع): يسع الله عليك. فذهب ثم رجع فقال: ردوا العنقود. فقال له الإمام (ع): يسع الله لك، ولم يعطه.

ثم جاء سائل آخر، فأخذ الصادق (ع) ثلاث حبات عنب فناولها إياه، فأخذها السائل من يده ثم قال: الحمد لله رب العالمين الذي رزقني. فقال الصادق (ع): مكانك. فحثا ملء كفيه عنباً فناولها إياه. فأخذها السائل من يده ثم قال: الحمد لله رب العالمين الذي رزقني. فقال له الصادق (ع): مكانك. يا غلام، أي شيء معك من الدراهم؟  فإذا معه نحوا ً من عشرين درهما ً فيما حرزناه، فناولها إياه فأخذها، ثم قال: الحمد لله هذا منك وحدك لا شريك لك.

فقال له الصادق (ع): مكانك. فخلع قميصا ً كان عليه، فقال: إلبس هذا، فلبسه. فقال: الحمد لله الذي كساني وسترني، يا أبا عبد الله. جزاك الله خيرا ً، ولم يدعُ لأبي عبد الله (ع) إلا بذا ، ثم انصرف. قال مسمع: فظننا أنه لو لم يدعُ له لم يزل يعطيه.

(2) سئل الصادق (ع) عما كان يفعله في ضيعة كانت تسمى غلة عين زياد، فقال (ع):

(نعم. كنت آمر إذا أدركت الثمرة أن يثلم في حيطانها الثلم، ليدخل الناس ويأكلوا. وكنت آمر في كل يوم أن يوضع عشرة بنيات، يقعد على كل بنية عشرة، كلما أكل عشرة جاء عشرة أخرى، يلقى لكل نفس منهم مدّ[34] من رطب. وكنت آمر لجيران الضيعة كلهم: الشيخ والعجوز والصبي والمريض والمرأة ومن لا يقدر أن يجيء فيأكل منها، لكل إنسان منهم مدّ. فإذا كان الجذاذ، وفيت القوّام والوكلاء والرجال أجرتهم، وأحمل الباقي الى المدينة، ففرّقت في أهل البيتوتات والمستحقين الراحلتين والثلاثة، والأقل والأكثر على قدر استحقاقهم. وحصل لي بعد ذلك أربعمائة دينار، وكان غلتها أربعة آلاف دينار).

(3) قال رجل: شكوت الى الصادق (ع) بعض حالي، وسألته الدعاء. فنادى الصادق (ع) بكيس. فقال (ع): هذا كيس فيه أربعمائة دينار فاستعن به. فقلت: والله جعلت فداك ما أردت هذا، ولكن أردت الدعاء لي. فقال (ع): ولا أدعْ الدعاء. ولكن لا تخبر الناس بكل ما أنت فيه فتهون عليهم.

 صدقاته (ع):

(1) عن هشام بن الحكم: كان الصادق (ع) إذا أعتم وذهب من الليل شطره، أخذ جرابا ً فيه الخبز واللحم والدراهم، فحمله على عنقه. ثم ذهب الى أهل الحاجة من أهل المدينة، فقسمه فيهم ولا يعرفونه. فلما مضى (ع)، فقدوا ذلك. فعلموا أنه كان أبو عبد الله الصادق (ع).

(2) وفي رواية المعلى بن خنيس: خرج الصادق (ع) في ليلة قد رشت السماء، وهو يريد ظلـّة بني ساعدة. فاتبعته، فإذا هو قد سقط منه شيء. فقال: بسم الله، اللهم ردّه علينا. قال المعلى: فأتيته فسلمت عليه. قال (ع): معلى؟ قلت: نعم، جعلت فداك.

فقال (ع): التمس بيدك فما وجدت شيئا ً فادفعه إليّ، فإذا أنا بخبز ٍ منتشر، فجعلت أدفع إليه ما وجدت، فإذا أنا بجراب ٍ من خبز. فقلت: جعلت فداك احمله عنك. فقال (ع): لا، أنا أولى به منك، ولكن امضِ معي. فأتينا ظلة بني ساعدة، فإذا نحن بقوم ٍ نيام، فجعل يدس الرغيف والرغيفين تحت ثوب كل واحد منهم حتى أتى على آخرهم، ثم انصرفنا.

(3) ورد عنه (ع): ما من مؤمن أدخل على قوم ٍ سرورا ً إلا خلق الله من ذلك السرور ملكا ً يعبد الله تعالى ويحمده ويمجده. فإذا صار المؤمن في لحده أتاه ذلك السرور الذي أدخله على اولئك القوم فيقول: أنا اليوم أونس وحشتك، وألقنك حجتك، وأثبتك بالقول الثبت، وأشهد بك مشاهد القيامة، وأشفع بك الى ربك، وأريك منـزلتك من الجنة.

 من رسائله (ع):

(1) كتب المنصور الخليفة العباسي إلى الإمام الصادق (ع): لـِمَ لا تغشانا كما يغشانا سائر الناس؟

   فأجابه (ع): (ليس لنا ما نخافك من أجله، ولا عندك من أمر الآخرة ما نرجوك له، ولا أنت في نعمةٍ فنهنئك، ولا نراها نقمة فنعزيك بها، فما نصنع عندك؟)

فكتب المنصور اليه: تصحبنا لتنصحنا.

فأجابه (ع): (من أراد الدنيا لا ينصحك، ومن أراد الآخرة لا يصحبك).

فقال المنصور: والله لقد ميـّز عندي منازل الناس؛ من يريد الدنيا ممن يريد الآخرة. وإنه ممن يريد الآخرة لا الدنيا[35].

(2) من رسالة له الى والي الأهواز ينصحه فيها بتقوى الله:

(يا عبد الله، اجهد أن لا تكنـز ذهبا ً ولا فضة ً فتكون من أهل هذه الآية التي قال الله عز وجل: (الذين يكنـزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله...)[36]، ولا تستصغرنّ من حلو أو فضل طعام تصرفه في بطون خالية لتسكن بها غضب الله تبارك وتعالى.

واعلم أني سمعت من أبي يحدّث عن آبائه، عن أمير المؤمنين (ع) أنه سمع النبي (ص) يقول لأصحابه يوماً: (ما آمن بالله واليوم الآخر من بات شبعان وجاره جائع). فقلنا: هلكنا يا رسول الله. فقال (ص): من فضل طعامكم ومن فضل ثمركم ورزقكم وخلقكم وخرقكم تطفئون بها غضب الرب)[37].

(3) ومن كتاب ٍ له (ع) الى أصحابه:

(بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد: فاسألوا الله ربكم العافية، وعليكم بالدعة والوقار والسكينة، وعليكم بالحياء والتنـزّه عما تنـزّه عنه الصالحون قبلكم...

صـّبروا النفس على البلاء في الدنيا، فإن تتابع البلاء فيها والشدة في طاعة الله وولايته وولاية من أمر بولايته خيرٌ عاقبة عند الله في الآخرة من ملك الدنيا، وإن طال تتابع نعيمها وزهرتها وغضارة عيشها في معصية الله وولاية من نهى الله عن ولايته وطاعته، فإن الله أمر بولاية الأئمة الذين سماهم في كتابه في قوله (وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا)[38] .وهم الذين أمر الله بولايتهم وطاعتهم.

والذين نهى الله عن ولايتهم وطاعتهم  هم أئمة الضلال الذين قضى الله لهم أن يكون لهم دول في الدنيا على أولياء الله [الأئمة من آل محمد (ص)]، يعملون في دولتهم بمعصية الله ومعصية رسوله (ص) ليحق عليهم كلمة العذاب، وليتم أمر الله فيهم الذي خلقهم له في الأصل ... ومن الذين سماهم الله في كتابه في قوله (وجعلناهم أئمة يدعون الى النار)[39].

فتدبروا هذا واعقلوه، ولا تجهلوه، فإن من جهل هذا وأشباهه مما افترض الله عليه في كتابه مما أمر به ونهى عنه ترك دين الله وركب معاصيه، فاستوجب سخط الله، فأكبه الله على وجهه في النار.

وقال (ع): أكثروا ذكر الله ما استطعتم في كل ساعة من ساعات الليل والنهار، فإن الله تعالى أمر بكثرة الذكر له، والله ذاكر لمن ذكره من المؤمنين. واعلموا أن الله لم يذكره أحدٌ من عباده المؤمنين إلا ذكره بخير، فأعطوا الله من أنفسكم الاجتهاد في طاعته، فإن الله لا يدرك شيء من الخير عنده إلا بطاعته واجتناب محارمه التي حرّم الله تعالى في ظاهر القرآن وباطنه، فإن الله تعالى قال في كتابه – وقوله الحق – (وذروا ظاهر الإثم وباطنه)[40].

واعلموا أن ما أمر الله أن تجتنبوه فقد حرمه الله، واتبعوا آثار رسول الله (ص) وسنته فخذوا بها، ولا تتبعوا أهواءكم وآراءكم فتضلوا. فإنّ أضلّ الناس عند الله من اتبع هواه ورأيه بغير هدىً من الله، وأحسنوا الى أنفسكم ما استطعتم، فإن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم، وإن أسأتم فلها. وجاملوا الناس ولا تحملوهم على رقابكم، تجمعوا مع ذلك طاعة ربكم...

عليكم بآثار رسول الله (ص) وسنته وآثار الأئمة الهداة من أهل بيت رسول الله (ص) من بعده وسنتهم، فإنه من أخذ بذلك فقد اهتدى، ومن ترك ذلك ورغب عنه ضلّ لأنهم هم الذين أمر الله بطاعتهم وولايتهم.

وقد قال أبونا رسول الله (ص): المداومة على العمل في اتباع الآثار والسنن وإن قلّ أرضى لله وأنفع عنده في العاقبة من الاجتهاد في البدع واتباع الأهواء. ألا إن اتباع الأهواء واتباع البدع بغير هدى ً من الله ضلال، وكل ضلال بدعة، وكل بدعة في النار. ولن ينال شيء من الخير عند الله إلا بطاعته. والصبر والرضا، لأن الصبر والرضا من طاعة الله.

واعلموا أنه لن يؤمن عبدٌ من عبيده حتى يرضى عن الله في ما صنع الله إليه وصنع به على ما أحب وكره. ولن يصنع الله بمن صبر ورضي عن الله إلا ما هو أهله، وهو خيرٌ له مما أحب وكره. وعليكم بالمحافظة على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين، كما أمر الله به المؤمنين في كتابه من قبلكم وإياكم.

وعليكم بحب المساكين المسلمين، فإنه من حقـّرهم وتكبـّر عليهم فقد زلّ عن دين الله، والله له حاقر وماقت. وقد قال أبونا رسول الله (ص): (أمرني ربي بحب المساكين المسلمين منهم). واعلموا أنه من حقـّر أحدا ً من المسلمين ألقى الله عليه المحقرة، حتى يمقته الناس والله له أشد مقتا ً. فاتقوا الله في إخوانكم المسلمين المساكين منهم فإن لهم عليكم حقا ً أن تحبوهم، فإن الله أمر نبيه (ص) بحبهم، فمن لم يحب من أمر الله بحبه فقد عصى الله ورسوله، ومن عصى الله ورسوله ومات على ذلك مات وهو من الغاوين.

وإياكم والعظمة والكبر، فإن الكبر رداء الله تعالى، فمن نازع الله رداءه قصمه الله وأذله يوم القيامة. وإياكم أن يبغي بعضكم على بعض، فإنها ليست من خصال الصالحين، فإنه من بغى صيـّر الله بغيه على نفسه، وصارت نصرة الله لمن بـُغي عليه، ومن نصره الله غلب، وأصاب الظفر من الله، وإياكم أن يحسد بعضكم على بعض ٍ فإن الكفر أصله الحسد.

وإياكم وأن تعينوا على مسلم ٍ مظلوم، فيدعو الله عليكم فيستجاب له فيكم فإن أبانا رسول الله (ص) كان يقول: (إن دعوة المسلم المظلوم مستجابة). وليـُعـِنْ بعضكم بعضا ً، فإن أبانا رسول الله (ص) كان يقول: (إن معونة المسلم خيرٌ وأعظم أجرا ً من صيام شهر واعتكافه في المسجد الحرام).

وإياكم وإعسار أحد من إخوانكم المؤمنين، أن تعسروه بالشيء يكون لكم قـِبـَله وهو معسر، فإن أبانا رسول الله (ص) كان يقول: (ليس لمسلم ٍ أن يـُعسر مسلماً، ومن أنظر مـُعسرا ً أظله الله يوم القيامة بظلـّه يوم لا ظلّ إلا ظلـّه).

وإياكم وحبس حقوق الله قـِبـَلـِكم يوما ً بعد يوم وساعة بعد ساعة، فإنه من حبس حقوق الله قـِبـَله كان الله أقدر على تأخير رزقه. ومن حبس الله رزقه لم يقدر أن يرزق نفسه. فأدوا الى الله حق ما رزقكم يطيب لكم بقيته وينجز لكم ما وعدكم من مضاعفته لكم الأضعاف الكثيرة التي لا يعلم بعددها ولا بكـُنه فضلها إلا الله رب العالمين...

عليكم بهدى الصالحين ووقارهم وسكينتهم وحلمهم وتخشعهم وورعهم عن محارم الله، وصدقهم ووفائهم واجتهادهم لله في العمل بطاعته. فإنكم إن لم تفعلوا ذلك لم تنـزلوا عند ربكم منـزلة الصالحين قبلكم. واعلموا أن الله تعالى إذا أراد بعبد خيرا ً شرح صدره للاسلام، فإذا أعطاه نطق لسانه بالحق وعقد قلبه عليه فعمل به، فإذا جمع الله له ذلك تم إسلامه، وكان عند الله إن مات على ذلك الحال من المسلمين حقا ً.

وإذا لم يرد الله بعبد ٍ خيرا ً وكله الى نفسه، وكان صدره ضيقا ً حرجاً، فإن جرى على لسانه حق لم يعقد قلبه عليه، وإذا لم يعقد قلبه عليه لم يعطه الله العمل به، فإذا اجتمع ذلك عليه حتى يموت وهو على تلك الحال كان عند الله من المنافقين، وصار ما جرى على لسانه من الحق الذي لم يعطه الله أن يعقد قلبه عليه ولم يعطه العمل به حجة عليه. فاتقوا الله وسلوه أن يشرح صدوركم للإسلام، وأن يجعل ألسنتكم تنطق بالحق حتى يتوفاكم وأنتم على ذلك. وأن يجعل منقلبكم منقلب الصالحين من قبلكم، ولا قوة إلا بالله ، والحمد لله رب العالمين)[41].

(4) ومن كتاب ٍ له (ع) الى عبد الله بن الحسن يعزيه عما صار اليه:

(بسم الله الرحمن الرحيم. الى الخلف الصالح والذرية الطيبة من ولد أخيه وابن عمه. أما بعد: فلئن كنت قد تفرّدت أنت وأهل بيتك ممن حـُمل معك بما أصابكم، ما انفردت بالحزن والغيظ والكآبة وأليم وجع القلب دوني. ولقد نالني من ذلك من الجزع والقلق وحرّ المصيبة مثل ما نالك. ولكن رجعت الى ما أمر الله جل وعز به المتقين من الصبر وحسن العزاء، حين يقول لنبيه (ص): (واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا)[42]، وحين يقول: (فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت)[43]، وحين يقول لنبيه (ص) حين مـُثـّل بحمزة: (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خيرٌ للصابرين)[44] فصبر رسول الله (ص) ولم يعاقب، وحين يقول: (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا ً نحن نرزقك والعاقبة للتقوى)[45]، وحين يقول: (الذين إذا أصابتهم مصيبة ٌ قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون)[46]، وحين يقول: (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب)[47]، وحين يقول لقمان لابنه: (واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور)[48]، وحين يقول عن موسى: (قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين)[49]، وحين يقول: (الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر )[50]، وحين يقول: (ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة)[51]، وحين يقول: (ولنبلونـّكم بشيء من الخوف والجوع ونقص ٍ من الأموال والأنفس والثمرات وبشـّر الصابرين)[52]، وحين يقول: (وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين)[53]، وحين يقول: (والصابرين والصابرات)[54]، وحين يقول: (واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين)[55]، وأمثال ذلك في القرآن كثير.

واعلم أي عمّ وابن عمّ أن الله جل وعزّ لم يبال بضـّر الدنيا لوليه ساعة قط، ولا شيء أحبّ إليه من الضـّر والجهد والبلاء مع الصبر، وأنه تبارك وتعالى لم يبالِ بنعيم الدنيا لعدوّه ساعة قطّ. ولولا ذلك ما كان أعداؤه يقتلون أولياءه ويخيفونهم ويمنعونهم، وأعداؤه آمنون مطمئنـّون عالون ظاهرون. ولولا ذلك لما قـُتل زكريا ويحيى بن زكريا ظلما ً وعدوانا ً في بغي من البغايا. ولولا ذلك لما قـُتل جدك علي بن أبي طالب (ع) لما قام بأمر الله عز وجلّ ظلماً، وعمك الحسين بن فاطمة صلى الله عليهم اضطهادا ً وعدواناً. ولولا ذلك ما قال الله جل وعز في كتابه: (ولولا أن يكون الناسُ أمةً واحدة ً لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سُقفا ً من فضة ومعارج عليها يظهرون)[56]. ولولا ذلك لما قال في كتابه: ( أيحسبون أنما نمدّهم به من مال ٍ وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون)[57]. ولولا ذلك لما جاء في الحديث: (لولا أن يحزن المؤمن لجعلت للكافر عصابة من حديد فلا يصدع رأسه أبدا ً). ولولا ذلك لما جاء في الحديث: (إن الدنيا لا تساوي عند الله جلّ وعزّ جناح بعوضة ولولا ذلك لما سقى كافرا ً منها شربة من ماء). ولولا ذلك لما جاء في الحديث: (لو أن مؤمنا ً على قـُلـّة جبل لابتعث الله له كافرا ً أو منافقا ً يؤذيه). ولولا ذلك لما جاء في الحديث إنه: (إذا أحبّ الله قوما ً أو أحبّ عبدا ً صبّ عليه البلاء صبـّا ً فلا يخرج من غمّ إلا وقع في غمّ). ولولا ذلك لما جاء في الحديث: (ما من جرعتين أحبّ الى الله عز وجل أن يجرّعهما عبده المؤمن في الدنيا: جرعة غيظ كظم عليها، وجرعة حزن عند مصيبة صبر عليها بحسن عزاء واحتساب). ولولا ذلك لما كان أصحاب رسول الله (ص) يدعون على مـَن ظلمهم بطول العمر وصحة البدن وكثرة المال والولد. ولولا ذلك ما بلغنا أن رسول الله (ص) كان إذا خصّ رجلا ً بالترحم عليه والاستغفار استشهد. فعليكم ياعمّ وابن عمّ  وبني عمومتي وإخوتي بالصبر والرضا والتسليم والتفويض الى الله جلّ وعزّ، والرضا والصبر على قضائه، والتمسك بطاعته، والنـزول عند أمره. أفرغ الله علينا وعليكم الصبر، وختم لنا ولكم بالأجر والسعادة، وأنقذنا وإياكم من كل هلكة بحوله وقوته، إنه سميع قريب، وصلى الله على صفوته من خلقه ، محمد النبي وأهل بيته)[58].

 قصار حكمه (ع):

(1) (ما كل من نوى شيئا ً قدر عليه، ولا كل من قدر على شيء وفق له، ولا كل من وفق أصاب له موضعا ً. فإذا اجتمعت النية، والقدرة، والتوفيق، والإصابة فهناك تمت السعادة).

(2) (إذا بلغك عن أخيك شيء يسوؤك فلا تغتم. فإن كنت كما يقول القائل كانت عقوبة قد عجـّلت، وإن كنت على غير ما يقول كانت حسنة لم تعلمها).

(3) (المعروف ابتداء. وأما من أعطيته بعد المسألة فإنما كافيته بما بذل لك من ماء وجهه، يبيت ليلته أرقاً متململاً، يمثـّل بين الرجاء واليأس، لا يدري أين يتوجه لحاجته. ثم يعزم بالقصد لها، فيأتيك وقلبه يرتجف وفرائصه ترتعد، قد ترى دمه في وجهه، لا يدري أيرجع بكآبة أم بفرح...).

(4) (لا يتم المعروف إلا بثلاثة: بتعجيله وتصغيره ] أي تحقير قيمته في النفس [ وستره).

(5) (يا فلان، أحسن الى نفسك، وصـِل قرابتك، وتعاهد إخوانك، ولا تستبد بالشيء فتقول: ذا لنفسي وعيالي، إن الذي خلقهم هو يرزقهم).

(6) (أيما رجل ٍ كانت بينه وبين أخ ٍ له مماراة في حق، فدعاه الى رجلٍ من إخوانكم ليحكم بينه وبينه، فأبى إلا أن يرفعه الى هؤلاء (الظالمين)، كان بمنـزلة الذين قال الله عز وجل فيهم: (ألم ترَ الى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا الى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به)الآية).

(7) (ليس للبحر جار، ولا للملك صديق، ولا للعافية ثمن. وكم من منعم عليه وهو لا يعلم)[59].

(8) (أورع الناس من وقف عند الشبهة. أعبد الناس من أقام الفرائض. أزهد الناس من ترك الحرام. أشدّ الناس اجتهادا ً من ترك الذنوب)[60].

(9) (من كان عاقلا ً كان له دين، ومن كان له دين دخل الجنة)[61].

(10) قيل للصادق (ع): فلان من عبادته ودينه وفضله؟ فقال (ع): كيف عقله؟ قال السائل: لا أدري. فقال (ع): (إن الثواب على قدر العقل)[62] .

(11) (ان القرآن لا يقرأ هذرمة، ولكن يرتل ترتيلاً. واذا مررت بآية فيها ذكر الجنة فقف عندها واسأل الله تعالى. وإذا مررت بآية فيها ذكر النار فقف عندها وتعوذ بالله من النار).

(12)أكل أبو حنيفة يوماً مع الصادق (ع)، فرفع الإمام (ع) يديه حمداً لله، ثم قال: (اللهم هذا منك ومن رسولك). فقال أبو حنيفة: يا أبا عبد الله أجعلت مع الله شريكاً؟ قال الإمام (ع): (إن الله سبحانه يقول في كتابه: (وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله)الآية). فقال أبو حنيفة: كأني ما قرأتها قط في كتاب ولا سمعتها الا في هذا الموقف.

 شعراء الإمام الصادق (ع):

كان الكميت بن زيد الأسدي من شعراء السجاد والباقر والصادق (ع). ويستأذن الكميت الإمام الصادق (ع) قائلاً: جعلت فداك. الا أنشدك؟ فينبهه الإمام (ع) قائلاً: إنها أيام عظام. فيقول الكميت عن القصيدة: إنها فيكم. فيقول الصادق (ع): هات. فينشده قصيدته التي مطلعها:

ألا هل عم في رأيه متأملُ   **   وهل مدبر بعد الإساءةِ مقبلُ

الى أن قال:   

كلام النبيين الهداة كلامنا **   وأفعال الجاهلية نفعلُ
رضينا بدنيا لا نريدُ فراقها  **  على أننا فيها نموتُ ونقتلُ
ونحن بها مستمسكون كأنها  **  لنا جنة مما نخافُ ونعقل ُ

الى أن قال :

كأن حسيناً والبهاليلُ حوله  **   لأسيافهم ما يختلى المتبقلُ

فلم أرَ مخذولاً أجلّ مصيبة  **   وأوجبَ منه نصرةً حين يخذلُ

فرفع الصادق (ع) يديه وقال: (اللهم اغفر للكميت ما قدم وأخرّ، وما أسر وأعلن، وأعطه حتى يرضى).

 (نهاية ص 98)

 

صفحة التحميل                   الصفحة الرئيسية


 


[1] بحار الانوار ج3 ص 12.

[2] بحار الانوار ج 3 ص 14.

[3] سورة القصص: آية 83.

[4] بحار الانوار ج 75 ص 193.

[5] بحار الانوار ج 67 ص 22.

[6] إعلام الورى للطبرسي ، ووفيات الأعيان ص 222.

 [7]  المحاسن للبرقي ص 61.

 [8] المحاسن للبرقي ص 192.

 [9] الكافي ج 1 ص 28 ، حديث 33.

[10] الكافي ج 1 ص 30 ، حديث 1.

[11] أمالي المفيد ص 227 ، حديث 6.

[12] غوالي اللآلي ج4 ص 61 ، حديث 9.

[13] الكافي ج 1 ص 31 ، حديث 6.

[14] أمالي الطوسي ج 2 ص 310.

[15] بحار الأنوار ج 2 ص 152.

[16] كشف المحجة ص 84.

[17] سورة النساء: آية 83.

[18] المحاسن للبرقي . كتاب مصابيح الظلم ص 267.

[19] سورة النساء: آية 114.

[20] سورة النساء : آية 5.

[21] سورة المائدة : آية 101.

[22] التوحيد للشيخ الصدوق ص 226.

[23] بحار الانوار ج 47 ص 185.

[24] الكافي ج 2 ص 204.

[25] الكافي ج 8 ص 87.

[26] الكافي ج 5 ص 289.

[27] بحار الانوار ج 75 ص 198.

[28] بحار الانوار ج 75 ص 193.

[29] الكافي ج 2 ص 85.

[30] مكارم الأخلاق للطبرسي ص 66.

[31] دلائل الإمامة للطبري ص 117.

[32] بحار الأنوار ج 75 ص 198.

[33] بحار الأنوار ج 75 ص 201.

[34] المدّ حوالي ثلاثة أرباع الكيلو.

[35] كشف الغمة للأربلي ص 448.

[36] سورة التوبة : آية 35.

[37] بحار الأنوار ج 78 ص 271.

[38] سورة الأنبياء: آية 72.

[39] سورة القصص: آية 41.

[40] سورة الأنعام : آية 120.

[41] روضة الكافي ص 2 .

[42] سورة الطور : آية48 .

[43] سورة القلم : آية 48.

[44] سورة النحل : آية 126.

[45] سورة طه : آية  132

[46] سورة البقرة : آية 156 - 157

[47]  سورة الزمر: آية 10 .

[48] سورة لقمان : آية 17.

[49] سورة الأعراف : آية 128.

[50] سورة العصر : آية 3 .

[51] سورة البلد : آية 17.

[52] سورة البقرة: آية 155.

[53] سورة آل عمران : آية 146.

[54] سورة الأحزاب : آية 35 .

[55] سورة يونس : آية 109.

[56] سورة الزخرف : آية 33.

[57] سورة المؤمنون : آية 55 - 56.

[58] إقبال الأعمال  ص 578.

[59] الخصال ج 1 ص 106.

[60] الخصال ج 1 ص 132.

[61] الكافي ج 1 ص 11 , حديث 6 .

[62] الكافي ج 1 ص 11 ، حديث 8.