|
(ص 1- 47) المختصر عن الامام جعفر الصادق (عليه السلام) السيد زهير الاعرجي ---------------------------- بسم الله الرحمن الرحيم (1) مقدمةولد الامام السادس من ائمة اهل البيت (ع): جعفر بن محمد الصادق يوم الجمعة (17 ربيع الاول) من سنة 83 للهجرة النبوية وعاش 65 سنة، وكانت مدة امامته اربعاً وثلاثين سنة، حيث توفي مسموماً بسم الخليفة المنصور الدوانيقي من خلفاء بني العباس سنة 148، ودفن بالبقيع. جرى الامام الصادق (ع) على سنّة آبائه الطاهرين (ع) وجده المصطفى (ص)، فوقف نفسه على العبادة وحبسها على الطاعة، واشتغل بالعلم والتعليم، وازدحم على بابه العلماء حتى بلغ عدد الرواة عنه أربعة آلاف رجل من مختلف المذاهب والمشارب والملل والنحل، أشهرهم: أبو حنيفة النعمان، ومالك بن أنس، ويحيى بن سعيد الانصاري، وابن جريج، وسفيان الثوري، وابن عيينة، وشعبة، وأيوب السجستاني، وغيرهم. وقد صنف الحافظ أبو العباس بن عقدة كتاباً جمع فيه رجال الصادق (ع) ورواة حديثه وأنهاهم الى العدد المذكور (أي أربعة آلاف). وكـُتب من أجوبته أربعمائة مصنـَّف. ولُـقـّب بالصادق لانه لم يُـعرف عنه الكذب قطّ، في زمن كُـثر فيه الوضاعون من اهل الزندقة والكفر والالحاد. وله اخبار مع خلفاء بني العباس، وكان جرئياً عليهم صدّاعاً في الحق. واُشتهر عن ابي حنيفة النعمان انه قال: (لولا السنتان لهلك النعمان)، يعني السنتين اللتين جلس فيهما لاخذ العلم عن الامام جعفر الصادق (ع). وكان سيماء العلم والتقوى والزهد على وجهه (ع)، وهو الذي دعا عمرو بن أبي المقدام الى القول: كنتُ اذا نظرتُ الى جعفر بن محمد (ع) علمت انه من سلالة النبيين [1]. وأكده الشبلنجي في كتابه (نور الابصار): كان جعفر بن محمد الصادق (ع) مستجاب الدعوة اذا سأل الله شيئاً لا يتم قوله إلا وهو بين يديه. وشخصية الإمام الصادق (ع) العلمية تمثل جامعة إسلامية كبرى في القرن الهجري الثاني، فقد كان مجلس درسه في المسجد النبوي بالمدينة محفلاً لعلوم الحديث والتفسير ورد الشبهات، وكان بيته يزدان دوماً بعلماء الحديث والحكمة والكلام. ويمثل اجلال الناس له، خطاب أحد الملحدين (وهو ابو شاكر الديصاني) الذي أفحمه الإمام الصادق (ع) في إحدى مناظراته، فيقول هاتفاً مخاطبا ً الإمام الصادق (ع): إنك لأحد النجوم الزواهر. وكان آباؤك بدوراً بواهر، واُمهاتك عقيلات عباهر، وعنصرك من أكرم العناصر، وإذا ذكر العلماء فعليك تـثنى الخناصر، فخبرّنا ايها البحر الزاخر....[2]. وبكلمة، فقد اطلق الامام الصادق (ع) الفكر الانساني والديني من عقاله، فأصبحت المناقشات العقلية ظاهرة عامة في الحواضر الاسلامية، يشارك فيها الفقهاء والرواة مع الفلاسفة والمتكلمين. ومع ان البعض من أصحاب تلك المناقشات قد انحرفوا عن جادة الشريعة، الا ان الحالة الفكرية العامة قد أظهرت قوة الإسلام وعظمته مقابل الأفكار الوضعية التي كانت تأول الدين. وعلى النطاق الشخصي، كان للامام الصادق (ع) عشرة اولاد: سبعة ذكور، وثلاث اناث. ومن اولاده: اسماعيل، وعبد الله، وموسى الكاظم (ع). وكان (ع) يكنى بأبي عبد الله. مات اسماعيل، وهو اكبر اولاده سناً، في حياة ابيه (ع). فجمع الامام (ع) اصحابه وفيهم ابو بصير، وحمران بن أعين، وداود الرّقي وطلب منهم ان يكشفوا عن وجه اسماعيل ليتثبتوا من وفاته. عمل ذلك مراراً، من اجل ان لا يُبقي ذرة شك ولا شبهة ولا ريب بموته. ولما فرغ من دفنه جلس والناس حوله وهو مطرق، ثم رفع رأسه فقال: ايها الناس ان هذه الدنيا دار فراق، ودار التواء، لا دار استواء. على ان لفراق المألوف حرقة لا تُدفع، ولوعة لا تُـردّ. وانما يتفاضل الناس بحسن العزاء وصحة الفكرة، فمن لم يثكل أخاه ثكله أخوه، ومن لم يقدم ولداً كان هو المقدّم دون الولد، ثم تمثل بقول أبي خراش الهذلي: ولا تحسبن أني تناسيت عهده***ولكن صبري ياأميم جميل[3] ومع كل ذلك، فقد قام البعض في ذلك الزمان بالتشكيك بموت إسماعيل، محاولين إثبات إمامته بعد أبيه، وكان ذلك أساس المذهب المعروف بالإسماعيلية. وعبد الله (الافطح) مات بعد أبيه (ع) بسبعين يوماً، وكان يدعي الإمامة. اما موسى الكاظم (ع) فقد كان الإمام المعصوم المنصوص عليه، وقد أوصى له أبوه بالإمامة من بعده (ع). وكان مما أوصاه به: يا بني إذا طلبت الجود فعليك بمعادنه. فان للمرؤة معادن، وللمعادن أصولاً، وللأصول فروعاً، وللفروع ثمراً. (2) الإمام الصادق (ع) يقود الحركة العلميةتميز القرن الهجري الثاني بالانفتاح الفكري العظيم الذي أحدثه الإسلام عن طريق القرآن الكريم (كلام الله المجيد)، وحديث رسول الله (ص) وفعله وتقريره، وسيرة اهل بيت النبوة (ع) خصوصاً امير المؤمنين علي بن ابي طالب وفاطمة الزهراء والحسنين والسجاد والباقر والصادق (عليهم السلام جميعاً). وكان انتشار الإسلام في بقعة واسعة من الأرض في فترة زمنية قصيرة، ودخول ثقافات متباينة في الدين الجديد، قد أحدث مشاكل فكرية وعقائدية عويصة، بدأت فيها الناس تبحث عن أجوبة شافية لها. ولم تكن فلسفة الإغريق واليونان ببعيدة عن أرض الشام والبلاد المفتوحة. فكان لابد من وجود إمام يذود عن حياض الإسلام وفكره. فكان الصادق (ع) ذلك الرجل الذي لعب دوراً عظيماً في توضيح أصول الدين، خصوصا ً فيما يتعلق بالتوحيد والنبوة والإمامة، ومباني الأحكام الشرعية التكليفية في الإسلام. ونعرض هنا للحركة العلمية التي قادها الإمام الصادق (ع) في الحقول التالية: أ- الحقل الفلسفي ب – الفقهي ج – التجريبي د- السياسي (عدم الاصطدام بالسلطة). أ- الحقل الفلسفي: تميز الإمام الصادق (ع) بإلمامه الشامل بمناهج الفلاسفة ومواضع التهافت عندهم ، وإدراكه الكامل لاصول الدين. وبذلك فقد كان مرجعاً في رد الشبهات والإثارات التي كانت تثار من قبل أهل الزندقة والإلحاد. ومن أهم الشبهات التي أثيرت في ذلك الزمان قضية القضاء والقدر، والجبر والتفويض، ومسألة المعصية وعلاقتها بالحساب الالهي، والبداء. أراد الصادق (ع) أن يرسم الأصول الدينية بصورتها الجلية الواضحة عبر قواعد منها: نفي الجبر والتفويض، واللطف الإلهي، وأحقية البداء. وكان شعاره في ذلك هو: ( أفضل الدين معرفة الرسل وولايتهم). فلابد من شرح مختصر لتلك الأفكار: أولاً: قاعدة اللطف الإلهي: وهي القاعدة التي انتشرت بين المتكلمين على مذهب اهل البيت (ع) ومفادها تنـزيه الباري عز وجل عن فعل القبيح كالإخلال بالواجب الذي اوجبه الله تعالى على نفسه، وتكليف ما لا يطاق. ومن مظاهر اللطف الالهي: انزال الكتب السماوية، وارسال الرسل (النبوة)، وتعيين الحجج من بعدهم (الامامة)، وبيان التكاليف الشرعية. يقول تعالى: (ان الله لطيفٌ بعباده) . فمن اللطف الالهي إتمام الحجة على المكلفين، فلا يعذب اللهُ احداً ما لم يبين له ما يجب عليه من تكاليف، والعقل يحكم بقبح العقاب بلا بيان، فلا يمكن ان يعاقب الله مذنباً دون أن يبين له تكليفه الشرعي. وقد قال تعالى: (وما ربك بظلام ٍ للعبيد)[4] ، (وما ظلمناهم....)[5] ، (ولا يظلم ربك احداً)[6] . وقال تعالى أيضاً: (إنما أنت منذرٌ ولكل قوم ٍ هاد)[7]، (ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون)[8]، (وإن من أمةٍ إلا خلا فيها نذير)[9]. ولاشك ان الوجوب العقلي بإدراك الحُسن والقبح نابعٌ من أن العقل يحكم بحسن أداء الأمانة، والإحسان، والوفاء بالوعد. ويحكم بقبح الخيانة، والظلم، وخلف الوعد. وقد أشار القرآن الكريم الى هذا المعنى بما يشبه كلمة – الوجوب العقلي – على الله تعالى، كقوله عز وجل: (كتب على نفسه الرحمة)[10]، (كتب ربكم على نفسه الرحمة)[11]، (وكان حقا ً علينا نصر المؤمنين)[12]. بمعنى انه أوجب على نفسه الرحمة، والثواب لمن أطاعه ولم يعصيه. قال الصادق (ع) بخصوص اللطف الإلهي بإرسال الرسل (ع): إن الله تبارك وتعالى أحبّ أن يـُعرَف بالرجال (أي الأنبياء). وأن يطاع بطاعتهم فجعلهم سبيله ووجهه الذي يؤتى منه، لا يقبل الله من العباد غير ذلك (لا يُسئل عما يفعل وهم يسألون)[13]، فقال في ما أوجب من محبته لذلك: (من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً)[14]. ثانياً:نفي الجبر والتفويض: ذلك لأن الجبر يسلب قدرة الإنسان على الاختيار، فيخرج عندها من دائرة العقاب. وان التفويض، وهو إطلاق الحرية الكاملة للانسان، يخرجه عن سلطان الله وقدرته تبارك وتعالى. وهذا ينافي الأصل الاعتقادي بعلم الله بأفعال العباد. وعندما نفى الصادق (ع) إطلاق الجبر والتفويض، خصص الأصل بأنه أمرٌ بين أمرين، أي ان الإنسان مخير ومريد، لكن كل ما يفعله مشروط بعلم الله عز وجل. وسوف نعرج على هذا الموضوع مرة أخرى في طيات البحث. ثالثاً: البداء: وهو مصطلح عقائدي لموضوع ورد في سورة الرعد: (ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه.... وما كان لرسول ان يأتي بآية إلا بـإذن الله، لكل أجلٍ كتاب. يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب.... وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب)[15]. وتفسيرها ان كفار قريش طلبوا من النبي (ص) أن يأتيهم بآية (أي معجزة). فأجابهم الله عز وجل بأن لكل أمر وقتاً محدداً أو مؤجلاً سجّل في كتاب (وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بأذن الله...)، واستثنى منه (يمحو الله ما يشاء) من ذلك الكتاب ما كان مكتوباً فيه من رزق وأجل وسعادة وشقاء (ويثبت) ما يشاء مما لم يكن مكتوباً في ذلك الكتاب. و(عنده أم الكتاب) أي: اصل الكتاب، وهو اللوح المحفوظ، الذي لا يتغير ما فيه ولا يبدل. ومن هنا قال العلماء في البداء بأنه: ظهور لله في ذلك الأمر ما كان خافياً على العباد. وروي عن ابن مسعود انه كان يقول: اللهم إن كنت كتبتني في السعداء فأثبتني معهم، وإن كنت كتبتني في الأشقياء فامحني من الأشقياء واكتبني في السعداء، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب[16]. أشار الإمام الصادق (ع) الى هذا الأمر فقال (ع): (ما بعث الله نبياً قط حتى يأخذ عليه ثلاثاً: الإقرار لله بالعبودية، وخلع الأنداد، وأن الله يمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء)[17]. و(اذا كان ليلة القدر نزلت الملائكة والروح والكتبة الى سماء الدنيا فيكتبون ما يكون من قضاء الله تعالى في تلك السنة، فإذا أراد الله أن يقدم شيئاً أو يؤخره أو ينقص شيئاً أمر الملك أن يمحو ما يشاء ثم اثبت الذي أراد) [18]. وقد يتبادر الى الذهن لأول وهلة أن البداء يعني ان الله تعالى جدّ له رأي لم يكن يعلمه، وهو محال. ولذلك لم يترك الإمام (ع) لهذا الأمر ثغرة يتحرك فيها المتكلمون، لأنه يعني الكفر، فقال (ع): (من زعم أن الله عز وجل يبدو له في شيء لم يعلمه أمس، فابرأوا منه)[19]. ولا بدلنا هنا التأكيد على ما قاله الصادق (ع) في تفسير قوله تعالى (يمحو الله ما يشاء ويثبت)، قال: (وهل يمحو إلا ما كان ثابتاً؟ وهل يثبت الله إلا ما لم يكن؟ ... لو علم الناس في القول بالبداء من الأجر ما فتروا في الكلام فيه). وإنما يقصد استجابة الله لدعاء العباد. ب - الحقل الفقهي : أجمع علماء الإسلام على اختلاف مذاهبهم على اعلمية الإمام الصادق (ع)، فأخذ عنه أبو حنيفة، ومالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، وسفيان الثوري، ومحمد بن مسلم، وأبان بن تغلب، وأبو بصير المرادي، وحمران بن أعين في الفقه والحديث. وأستقر مذهب أهل البيت (ع) على رواياته التي كان يرفعها الى رسول الله (ص) بسلسلة إسناد عن أبيه وعن أجداده (ع) سميت بسلسلة الإسناد الذهبية. ولا ريب، فأئمة أهل بيت النبوة (ع) هم ذهب مصفى، واسنادهم سلاسل من ذهب. وعن طريق الصادق (ع) ثبتت السنّة النبوية الشريفة، بعد أن نحى التلاعب في نقلها منحىً خطيراً. ولاشك ان الآراء الفقهية في المعاملات والعبادات، والقواعد الأساسية في أصول الدين وأصول الفقه تنسب اليه (ع) من قبل جميع المسلمين. فهو الصادق الذي كان ينقل أحاديث جده بأمانة منقطعة النظير. وقد كانت عنده (ع) الوسائل التي تعينه على ذلك، يقول (ع): (اما والله عندنا ما لا نحتاج الى أحد. والناس يحتاجون إلينا. إن عندنا الكتاب بإملاء رسول الله (ص) وخط علي (ع) بيده. صحيفة طولها سبعون ذراعاً، فيها كل حلال وحرام). وتلك الصحيفة كانت تسمى بالصحيفة الجامعة أو كتاب علي، حتى لتصل التفاصيل فيها الى أرش الخدش (أي دية الجرح البسيط). وكان علي بن أبي طالب (ع) يقول: (والله ما عندنا كتاب نقرأه عليكم إلا كتاب الله تعالى، وهذه الصحيفة – وكانت معلقة بسيفه – أخذتها عن رسول الله ]ص[). وقد عرض الإمام الصادق (ع) على الملأ جملة من الحقائق المتعلقة بالفقه وأحكام الشريعة، نجمل بعضاً منها: أولاً: الإمامة: أكد على ان قول الإمام المعصوم (ع) يجري مجرى قول النبي (ص) من كونه حجة على العباد. وقد توسع مذهب أهل البيت (ع) في اصطلاح السنّة الى ما يشمل قول كل واحد من المعصومين وفعله وتقريره. فالأئمة المعصومون ليسوا من قبيل رواة السنن، بل هم منصوبون من قبل الله تعالى – على لسان النبي (ص) – لتبليغ الأحكام عن طريق الإلهام، وعن طريق التلقي من المعصوم الذي يسبقه. والنبي (ص) منصوب من الله تعالى لتبليغ الأحكام عن طريق الوحي. ثانياً: كتابة الحديث: وكان الصادق (ع) يأمر تلامذته بالكتابة، وكان شعاره (ع): (اكتبوا فإنكم لا تحفظون حتى تكتبوا)، وان (القلب يتكل على الكتابة). وكانت مدرسة الرأي لا تكتب السنّة بدعوى الخشية من اختلاطها بالقرآن. يأتيه سفيان الثوري يلتمسه أن يحدثه بخطبة رسول الله (ص) بمسجد الخيف، فيأمره (ع) بإحضار القرطاس والدواة، ثم يمليه: (بسم الله الرحمن الرحيم. خطبة رسول الله (ص) في مسجد الخيف. نضر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها، وبلغها من لم تبلغه. يا ايها الناس: ليبلغ الشاهد منكم الغائب، فرب حامل فقه ليس بفقيه. ورب حامل فقه الى من هو أفقه منه). ويكتب الحلبي كتابا ً يعرضه على الصادق (ع) فيصححه له ويستحسنه. ولاشك ان التدوين في مدرسة أهل البيت (ع) كان قد أقفل الباب على إفتراءات أهل الوضع والزندقة والكذب. وبذلك فقد تمت صيانة السنة النبوية الشريفة صيانة عظمى. ودونت الروايات المتصلة بالمعصومين (ع) في أربعمائة مصنف سميت بـ (الأصول الأربعمائة)، عليها مدار العلم والعمل بأحكام الشريعة. جمع منها أربعة مجاميع حديثية كبرى هي مصادر كتب الحديث في مدرسة أهل البيت (ع)، وهي: الكافي للشيخ محمد بن يعقوب الكليني (ت 329 هـ) في 8 مجلدات. ومن لا يحضره الفقيه للشيخ محمد بن علي بن بابويه القمي الملقب بالصدوق (ت 381 هـ) في 4 مجلدات. وتهذيب الأحكام للشيخ محمد بن الحسن الطوسي ( ت 460 هـ) في 10 مجلدات. والاستبصار للشيخ الطوسي أيضاً في 4 مجلدات. ثالثاً: التلمذة الرشيدة: وكان الصادق (ع) يدرب تلاميذه بين يديه ليصنعوا على عينيه. فهو يمدح أبان بن تغلب (ت 141 هـ)، ويوصيه: (ناظر أهل المدينة فأنا أحب ان يكون مثلك من رواتي ورجالي). وقد قال الباقر (ع) فيه ما يشابه ذلك. وكان اذا دخل أبان على الصادق (ع) عانقه وأمر بوسادة تثنى له، وأقبل عليه بكلّه. ولما مات قال (ع): أما والله لقد أوجع قلبي موت أبان. ولا ريب، فقد كان أبان فقيهاً بارزاً من فقهاء مدرسة أهل البيت (ع)، وهو القائل في جعفر الصادق (ع): ما سألته عن شيء إلا قال: قال رسول الله (ص). وهشام بن الحكم (ت 179 هـ) الذي لازم الصادق (ع) والكاظم (ع). وكان الصادق (ع) يدعو له: (لا تزال مؤيداً بروح القدس ما نصرتنا بلسانك). سمعه الرشيد في بعض مجالس يحيى بن برمك، وكان يحضرها من وراء الستر، فقال: (إن لسان هشام أوقع في نفوس الناس من ألف سيف). وكان الصادق (ع) يشير الى الرواة من تلامذته: زرارة بن أعين، وبريد العجلي، وأبي بصير المرادي، ومحمد بن مسلم، فيقول (ع): (لولا هؤلاء لانقطعت آثار النبوة واندرست). ويهب (ع) أسرة زرارة جلال التكريم، خصوصاً: الحسن والحسين ابنا زرارة، فيقول (ع): (لولا أسرة زرارة ونظرائه لانقطعت أحاديث أبي). ويفد من الشام وافد يناقش في وجوب تنصيب الإمام، فيتبارى تلامذة الصادق (ع) في مناقشته، حتى يسلم لهم. فيعلق الإمام الصادق (ع) على قدراتهم، فيقول لحمران بن أعين: (تجري الكلام على الأثر فتصيب). ويقول لهشام بن سالم: (تريد الأثر ولا تعرفه). ويقول لقيس الماصر: (تتكلم وأقرب ما تكون الى الخبر عن رسول الله ]ص[ ). وتلميذ آخر للصادق (ع) هو مؤمن الطاق (محمد بن علي بن النعمان الأحول)، وكان مناظراً لا يشق له غبار. وكانت له مناظرات مع أبي حنيفة، وله كتاب في ذلك. ويروى انه ناظر زيد بن علي في إمامة الصادق (ع). وكان من منهج الإمام (ع) العلمي هو تشجيع تلامذته على التخصص في علوم الدين. فبرز منهم: أبان بن تغلب وزرارة بن أعين في الفقه، وكانا يفتيان الناس في مسجد رسول الله (ص) بالمدينة. وحمران بن أعين في علوم القرآن. ومؤمن الطاق في التوحيد. وهشام بن الحكم في العقائد (والإمامة بالخصوص). رابعاً: الإجتهاد: ولم يفت الإمام الصادق (ع) تدريب تلك العصبة المؤمنة المقربة منه على الاجتهاد، ضمن الضوابط الشرعية. روى هشام بن سالم قول الصادق (ع): (إنما علينا أن نلقي اليكم الأصول وعليكم أن تفرعوا). والمقصود في الأصول هنا: أصول الأحكام، والقواعد التي يستند عليها الفقيه في استنباط الحكم الشرعي. والتفريع هو التشعب في الأحكام الشرعية. وقد عرض الصادق (ع) جملة من تلك الأصول، مثل: العام والخاص، والمطلق والمقيد، والمحكم والمتشابه، والرخصة والعزيمة، واحكام النسخ (الناسخ والمنسوخ)، وقواعد الجمع بين الحديثين المتعارضين، والترجيح بينهما، والتخيير، ولزوم رد المتشابه الى المحكم، وجواز الأخذ بخبر الواحد، والعمل بظاهر اللفظ (حجية الظهور اللفظي)، ومنع القياس وتفسير القرآن بالرأي، والعمل بالاستصحاب، وأصالة الحل والإباحة، وأصالة البراءة، وأصالة الاحتياط، وقواعد الفراغ واليد والقرعة. فالاجتهاد (بعد عصر النص) مفتوح في الظنيات التي ليس فيها دليل من الشرع يفيد اليقين. أما القطعيات فلا اجتهاد فيها، كالعقائد الواجبة، وما ثبت من الاحكام العملية كالصلاة والصوم والزكاة والحج بالتواتر. ومن أجل ذلك، فقد اعلن (ع) عن مبادئ تعين الفقيه في عمله، منها: أ-رواية الحديث بالمعنى: سأله تلميذه: أسمع منك الحديث فأزيد وأنقص ؟ فأجاب (ع): (أن تريد معانيه فلا بأس). ب-الوثاقة والشهادة: تؤخذ شهادة الثقة حتى لو كان مخطئاً في الاعتقاد. يقول الإمام الصادق (ع): (خذوا ما رووا. وذروا ما رأوا) يقصد أراءهم. ويقول (ع) في الشهادة: (لو لم تقبل شهادة المقترفين للذنوب لما قبلت الا شهادة الأنبياء والأوصياء. فمن لم تره بعينيك يرتكب ذنباً ولم يشهد عليه بذلك شاهدان، فهو من أهل العدالة والستر. وشهادته مقبولة وإن كان في نفسه مذنباً). ج-الإجماع: ومعناه اتفاق جماعة يكشف اتفاقهم عن رأي المعصوم (ع)، فلا يخلو عصر من وجود الإمام (ع) ظاهراً أو خافياً. يشير الصادق (ع) الى ذلك: (إن الإجماع لا ريب فيه). وليست الحجة للإجماع، بل هي لرأي الإمام المعصوم (ع) الذي يكشف عنه الإجماع. د-حرمة القياس: يقول (ع): (ان السنّة إذا قيست محق الدين). ولما قيل له : أ رأيت إن كان كذا وكذا ما يكون القول فيها ؟ قال (ع): (ما أجبتك فيه من شيء فهو عن رسول الله (ص). لسنا من أ رأيت في شيء). ويبرز قاعدة كلية هي: (ما من أمر يختلف فيه اثنان إلا وله أصلٌ في كتاب الله، ولكن لا تبلغه عقول الرجال). ج – الحقل التجريبي: ولعل أبرز تلاميذ الصادق (ع) في العلوم التجريبية هو جابر بن حيان الكوفي الذي يستحق لقب أول كيميائي في التأريخ. وكان الرازي (ت 320 هـ) يطلق عليه (جالينوس العرب). والمؤرخون متفقون على تأثره وتلمذته على يد الإمام الصادق (ع). ولم يكترث الفقهاء بجابر بن حيان، لأن اختصاصه خارج عن الفقه وأصوله وليس في دائرة الاعتقادات. وتشير بعض الروايات الى انه نحى منحى الإسماعيلية بعد وفاة الصادق(ع). يقول جابر في كتابه (الحاصل): (ليس في العالم شيء الا وفيه من جميع الاشياء. والله لقد وبخني سيدي ]يقصد الإمام الصادق (ع) [ على عملي. فقال: والله يا جابر لولا أني أعلم أن هذا العلم لا يأخذه عنك إلا من يستأهله، وأعلم علماً يقيناً أنه مثلك، لأمرتك بإبطال هذه الكتب من العلم). وكانت، على الاغلب، كتب رياضيات وكيمياء تسبق العصور بجدتها. وكان الصادق (ع) مصدراً من مصادر الإلهام لجابر. ويؤكد ذلك فيما كتبه في مقدمة كتابه (الأحجار): (وحق سيدي لولا أن هذه الكتب باسم سيدي – صلوات الله عليه – لما وصلت الى حرف من ذلك الى الابد). د – الحقل السياسي: سقطت الدولة الأموية سنة 132 للهجرة بعد ثورات داخلية وتطاحن سياسي لم يسبق له مثيل على السلطة، وانتهت بتسلم بني العباس الحكم سنة 133 هـ. وكان من الاوائل في تسلمها أبو العباس السفاح، ثم تبعه أخوه أبو جعفر المنصور الدوانيقي. استثمر الامام الصادق (ع) تلك الفترة المضطربة، فاشتغل بنشر العلوم الدينية، واتسع نطاق الحركة العلمية ليشمل الأمة الواسعة بأسرها. يقول الشهرستاني في (الملل والنحل) وأبو نعيم في (حلية الأولياء): (ما تعرض للإمامة قط ] أي السياسة [ ولا نازع في الخلافة أحداً. ومن غرق في بحر المعرفة لم يطمع في شط. ومن تعلى الى ذروة الحقيقة لم يخف من حط). وتفصيل الأمر، أن معاوية بعد أن أستلم الحكم، بدأت السياسة الأموية عهداً جديداً بإنزال العذاب بشيعة أهل بيت النبوة (ع)، فقتل العديد من محبي علي بن أبي طالب (ع)، وكان على رأسهم حجر بن عدي. ثم كانت المقتلة الكبرى بأهل البيت (ع) في كربلاء سنة 61 هجرية عندما تابع يزيد خطى أبيه. ثم قضت وقعة الحرة سنة 63 على جيل كامل من الصحابة من المهاجرين والأنصار. وسلط الحجاج بن يوسف الثقفي – والي عبد الملك بن مروان – سيفه على رقاب المسلمين. وفي نهايات ذلك العهد ملأ الإمام زين العابدين (ع) الآفاق بعلمه وتقواه وورعه، ثم كان الباقر (ع) على سر أبيه وأجداده (ع)، وأعقبه الصادق (ع) لينشر العلم في جميع الآفاق. فأصبح علم القرآن وحديث النبي (ص) عند أئمة أهل البيت (ع) هي السياسة العظمى التي تنور القلوب وتفتح العقول لمعاني الخلق والتكوين. ولكن ذلك العلم والولاء لأهل البيت (ع) لم يكن دون ثمن. وهذا عامر بن شرحبيل الشعبي (ت 104 هـ) شيخ محدثي العراق وقاضي بني مروان يقول: (ماذا لقينا من آل علي (ع). إذا أحببناهم قتلنا، وإن عاديناهم دخلنا النار). وكان ذلك لسان حال الأكثرية الصامتة من أمة الإسلام. وهذا الحسن البصري (ت 110 هـ) إذ يروي عن علي (ع) يقول: قال أبو زينب. ولما سأله ابن عياش: ما هذا الذي يقال عنك انك قلته في علي (ع) ؟ أجاب: يا ابن أخي، أحقن دمي من هؤلاء الجبابرة. لولا ذلك لسالت بي أعشب. وعندما يلام البخاري على تركه أحاديث أهل البيت (ع) في صحيحه، بعد أكثر من مائة عام من قيام دولة العباس، كان يجيب: ما وضعتُ فيه الا الصحيح. وما تركتُ من الصحيح أكثر. وبالإجمال، فإن نظرية الإمام الصادق (ع) في الحقل السياسي تتلخص: بأحقية الولاية الشرعية للإمام (ع)، والتقية من الظالم وعدم الإصطدام بالسلطة من أجل الحفاظ على الكيان الإسلامي الأصيل، ونشر الإسلام عن طريق العلم. وبسبب موقف الصادق (ع) من السلطة السياسية، فقد أتيحت له حقبة طويلة للتعليم وبث علوم الإسلام. واستطاع مجلسه العلمي الذي سلّم به الجميع أن يرسي قواعد ثابتة في المنهج العلمي الفقهي. ولاشك في ذلك، فهو (ع) القائل: (اطلبوا العلم. فإنه السبب بينكم وبين الله). و(الملوك حكام على الناس، والعلم حاكم عليهم. حسبك من العلم ان تخشى الله ...). (3) الحركات المضادة ومواجهتهاانتعشت الحركات المضادة للمبادئ الدينية السماوية التي جاء بها الإسلام انتعاشا ً عظيما ً في القرن الثاني، بسبب دعم السلطة العباسية لها. فظهرت حركات الزندقة والإلحاد والغلو، وأهل الرأي والقياس والاستحسان، وأهل التشبيه والتجسيم والتناسخ، وأصحاب الجبر والتفويض. ومع ان أئمة أهل بيت النبوة (ع) قد وقفوا سداً منيعاً ضد محاولات حرف الدين عن مجراه الشرعي، إلا ان عمليات تزوير السنّة النبوية الشريفة بقي مستمراً لعهود طويلة. وتمثل الرواية التالية المستوى الذي وصلت اليه شريحة من الناس في تزوير مبادئ الدين: يحدثنا المقدسي (ت 380 هـ)، الذي جاب العالم الإسلامي في القرن الرابع الهجري، عن دخوله جامع واسط واستماعه لواعظ صعد المنبر، وجعل يحدّث الناس بحديث عن النبي (ص). فزعم بان رسول الله (ص) قال: ان الله يدني معاوية يوم القيامة فيجلسه الى جنبه ثم يجلوه على الخلائق كالعروس . قال المقدسي: فقلت له : بماذا؟ بمحاربته عليا ً (رضي الله عنه)؟ كذبت يا ضال. فصاح الواعظ: خذوا هذا الرافضي. فأقبل الناس عليّ، فعرفني بعض الكتبة، فكركرهم عني. وهذا التزوير لم ينشأ من فراغ، بل كانت له حيثياته التاريخية والسياسية في عهد دولتي بني أمية وبني العباس. ومن أجل فهم ذلك المنشأ نعرض فيما يلي للحركات الفكرية التي تواجدت على الساحتين الفلسفية (الكلامية) والفقهية زمن الإمام الصادق (ع). ومع ان الكثير من تلك الأفكار قد اندثرت بموت أصحابها، أو اندمجت مع أفكار أخرى، إلا ان قيمة عرضها يعكس دور الإمام الصادق (ع) في تفنيد تلك الأفكار وكشف زيفها وعرض الإسلام الأصيل على الأمة. ومن تلك الحركات أو الفرق: (1)المرجئة. (2)الخوارج. (3)المعتزلة. (4)القائلون بالقياس والاستحسان والرأي. (5)القائلون بخلق القرآن. (6)القائلون بالتناسخ. (7)أهل التشبيه والتجسيم. (8)أصحاب الجبر والتفويض. (9)الغلاة. وسوف نرفق رد الإمام الصادق (ع) على كل فرقة من تلك الفرق: 1 – المرجئة: وهم الذين آمنوا بنظرية الإرجاء الى الله حتى يكون الحساب. وكانوا يرجون المغفرة والثواب لأهل المعاصي، ويرجئون حكم أصحاب الكبائر إلى الآخرة، فلا يحكمون عليهم بكفر ولا فسق. ويقولون: أن الإيمان إنما هو التصديق بالقلب واللسان فحسب، وأنه لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة. وقال بعضهم: أن المؤمن إنما يدخل الجنة بإخلاصه ومحبته لا بعمله وطاعته[20]. ومن المرجئة: حماد ابن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة، ومقاتل بن سليمان وهو من المفسرين. الرد: أجابهم الإمام الصادق (ع) بقوله: (لم يبعث الله نبيا ً قط ّ يدعو الى معرفة ليس معها طاعة في أمر ونهي، فانما يقبل الله من العباد العمل بالفرائض التي افترضها الله على حدودها.... انه من عرف أطاع، ومن أطاع حرّم الحرام ظاهره وباطنه)[21]. وفي مناسبة أخرى، قال (ع): (...إذا أتى العبد بكبيرة من كبائر المعاصي أو صغيرة من صغائر المعاصي التي نهى الله عز وجلّ عنها كان خارجاً من الإيمان، ساقطاً عنه اسم الإيمان، وثابتاً عليه اسم الإسلام. فإن تاب واستغفر عاد إلى الإيمان)[22]. 2– الخوارج: وهم الذين خرجوا عن الإمام أمير المؤمنين (ع) في صفين بعد التحكيم، ورأيهم يتلخص في أمرين: الأول: ان الخليفة لا يكون إلا بانتخاب حر من المسلمين، ويستمر ما قام بالعدل مبتعدا ً عن الزيغ والخطأ، فإن حاد وجب عزله أو قتله. الثاني: ان العمل جزء من الإيمان، وليس الإيمان الاعتقاد المجرد. بمعنى ان من لم يعمل بفروض الدين وارتكب الكبائر يعدُّ كافرا ً. فليس هناك فرقٌ بين الذنب الذي يرتكبه صاحبه عن قصد وسوء نية وبين المخطئ في الاجتهاد الذي أوصله خطأه إلى مخالفة الصواب. وعلى هذا الأساس فقد كفرّوا جميع فرق المسلمين وأباحوا دماءهم. الرد: أجابهم الصادق (ع) في خطبة يصف فيها أحوال الإمام (ع)، ففنـّد فيها رأيهم، وأعلن بان الإمام المعصوم (ع) يختاره الله لخلقه ولا يختارونه. وأعلن أيضا ً بان هناك فرقٌ في درجات الأعمال والنيات. قال (ع): ( إن الله تعالى أوضح بأئمة الهدى من أهل بيت نبينا (ص) عن دينه، وأبلج بهم عن سبيل منهاجه، وفتح بهم عن باطن ينابيع علمه، فمن عرف من أمة محمد (ص) واجب حق إمامه وجدَ طعم حلاوة إيمانه، وعلمَ فضل طلاوة إسلامه لأن الله تعالى نصب الإمام عَلما ً لخلقه، وجعله حجة على أهل موادّه (أي من يمدهم بمدده) وعالمه، وألبسه الله تعالى تاج الوقار، وغشاه من نور الجبار، يمدّ بسبب إلى السماء لا ينقطع عنه موادّه، ولا ينال ما عند الله إلا بجهة أسبابه، ولا يقبل الله أعمال العباد إلا بمعرفته. فهو عالم بما يرد عليه من ملتبسات الدجى، ومعميات السنن، ومشبهات الفتن. فلم يزل الله تعالى يختارهم لخلقه من ولد الحسين (ع) من عقب كل إمام، يصطفيهم لذلك ويجتبيهم ويرضى بهم لخلقه ويرتضيهم، كلما مضى منهم إمام نصب لخلقه من عقبه إماماً، عـَلـَما ً بيـّناً، وهاديا ً نيـّراً، وإماما ً قيـّماًً، وحجة عالما ، أئمة من الله يهدون بالحق وبه يعدلون، حجج الله ودعاته ورعاته على خلقه، يدين بهداهم العباد، وتستهل بنورهم البلاد، وينمو ببـركتهم التلاد (المال القديم)، جعلهم الله حياة للأنام، ومصابيح للظلام، ومفاتيح للكلام، ودعائم للإسلام. جرت بذلك فيهم مقادير الله على محتومها، فالإمام هو المنتخب المرتضى، والهادي المنتجى، والقائم المرتجى، اصطفاه الله بذلك، واصطنعه على عينه في الذرّ حين ذرأه، وفي البرية حين برأه، ظلاً قبل خلق النسمة عن يمين عرشه، محبوّا ً بالحكمة في علم الغيب عنده، اختاره بعلمه، وانتجبه لطهره، بقية من آدم (ع) وخيرة من ذرية نوح، ومصطفى من آل إبراهيم، وسلالة من اسماعيل، وصفوة من عترة محمد (ص). لم يزل مرعيا ً بعين الله يحفظه، وبكلائه (أي بحفظه) يستره، مطرودا ً عنه حبائل إبليس وجنوده، مدفوعا ً عنه وقوب الغواسق (أي دخول الظلام) ونفوث كل فاسق، مصروفا ً عنه قوارف السوء، مبـرّءا ً عن العاهات، محجوبا ً عن الآفات، معصوما ً من الزلات، مصونا ً من الفواحش كلها، معروفا ً بالحلم والبر ّ في يفاعه (ترعرعه وبلوغه)، منسوبا ً إلى العفاف والعلم والفضل عند انتهائه، مسندا ً إليه أمر والده، صامتا ً عن المنطق في حياته. فإذا انقضت مدة والده إلى أن انتهت به مقادير الله الى مشيته، وجاءت الإرادة من الله فيه الى محبته، وبلغ منتهى مدة والده، فمضى وصار أمر الله إليه من بعده، وقلـّده دينه، وجعله الحجة على عباده، وقيـّمه في بلاده، وأيده بروحه، وآتاه علمه وأنبأه فضل بيانه، واستودعه سره، وانتدبه لعظيم أمره، وأنبأه فضل بيان علمه، ونصبه علما ً لخلقه، وجعله حجة على أهل عالمه، وضياء ً لأهل دينه، والقيـّم على عباده، رضي الله به إماما ً لهم، استودعه سرّه، واستحفظه علمه، واستخبأه حكمته، واسترعاه لدينه، وانتدبه لعظيم أمره، وأحيى به مناهج سبيله وفرائضه وحدوده، فقام بالعدل عند تحير أهل الجهل، وتحيير أهل الجدل، بالنور الساطع، والشفاء النافع، بالحق الأبلج، والبيان اللائح من كل مخرج، على طريق المنهج، الذي مضى عليه الصادقون من آبائه (ع). فليس يجهل حق هذا العالم إلا شقي، ولا يجحده إلا غوي، ولا يصدّ عنه إلا جريء على الله تعالى). أما عن الإيمان، فيقول (ع): (سألت – رحمك الله – عن الإيمان، فالإيمان هو إقرار باللسان، وعقد بالقلب، وعمل بالأركان. فالإيمان بعضه من بعض، وقد يكون العبد مسلما ً قبل أن يكون مؤمناً، ولا يكون مؤمنا ً حتى يكون مسلما ً، فالإسلام قبل الإيمان وهو يشارك الإيمان. فإذا أتى العبد بكبيرة من كبائر المعاصي أو صغيرة من صغائر المعاصي التي نهى الله عز وجل عنها كان خارجا ً من الإيمان، ساقطا ً عنه اسم الإيمان، وثابتا ً عليه اسم الإسلام، فإن تاب واستغفر عاد إلى الإيمان ولم يخرجه الى الكفر والجحود والاستحلال. فإن قال للحلال: هذا حرام، وللحرام: هذا حلال، ودان بذلك فعندها يكون خارجا ً من الإسلام والإيمان إلى الكفر، وكان بمنـزلة رجل دخل الحرم ثم دخل الكعبة فأحدث في الكعبة حدثا ً، فاُخرج عن الكعبة وعن الحرم فضربت عنقه وصار الى النار)[23]. 3– المعتزلة: وهم الذين اعتزلوا قول الخوارج والمرجئة والفقهاء في مرتكب الكبيرة. فكان الخوارج يرونه كافراً، والمرجئة يعدونه مؤمنا ً مستحقا ً للنعيم، والفقهاء يرونه منافقا ً. فكان رأي واصل بن عطاء الغزّال: انهم بين المنـزلتين: الايمان والكفر، ويستحقون الخلود في جهنم. الرد: ردّهم الإمام الصادق (ع) فقال: (....ليعلموا ان الله تعالى يُطاع ويُتبع أمره في حياة محمد (ص)، وبعد قبض محمد (ص)، وكما لم يكن لأحدٍ من الناس مع محمد (ص) أن يأخذ بهواه ولا رأيه ولا مقاييسه خلافا ً لأمر محمد (ص)، فكذلك لم يكن لأحدٍ من الناس من بعد محمد (ص) أن يأخذ بهواه ولا رأيه ولا مقاييسه)[24]. (إياكم ومعاصي الله أن تركبوها، فإنه من انتهك معاصي الله فركبها فقد أبلغ في الإساءة الى نفسه. وليس بين الإحسان والإساءة منـزلة. فلأهل الإحسان عند ربهم الجنة، ولأهل الإساءة عند ربهم النار. فاعملوا بطاعة الله واجتنبوا معاصيه، واعلموا أنه ليس يغني عنكم من الله أحد من خلقه شيئا ً، لا ملك مقرّب، ولا نبي مرسل ولا من دون ذلك. فمن سرّه أن تنفعه شفاعة الشافعين عند الله، فليطلب الى الله ان يرضى عنه). 4- أهل القياس والاستحسان والرأي: عـُرّف القياس بأنه التماس العلل الظاهرية للأحكام الشرعية عن طريق العقل وجعلها مقياسا ً لصحة النصوص التشريعية، فما وافقها فهو حكم الله الذي يؤخذ به، وما خالفها كان موضعا ً للرفض والتشكيك. وعلى هذا النوع من الاصطلاح تنـزل التعبيرات الشائعة: إن هذا الحكم موافق للقياس، وذاك مخالف له. أما الاستحسان فهو ما استحسنه المجتهد بعقله، أي أنه عدول ٌ من قياس ٍ الى قياس ٍ أقوى منه. وأستدل بحجيته قوله تعالى: (الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه)، وقوله تعالى: (واتبعوا أحسن ما أنزل اليكم من ربكم). والرأي هو العناية بتحصيل وجه القياس، والمعنى المستنبط من الأحكام وبناء الحوادث عليها، وتقديم القياس الواضح على آحاد الأخبار[25]. وكان من أصحاب الرأي والقياس والاستحسان أبو حنيفة النعمان، ومحمد بن الحسن، وأبو يوسف يعقوب بن إبراهيم القاضي، وابن أبي ليلى، والاوزاعي وغيرهم. الـرّد: قال الإمام الصادق (ع) فيهم: (إنه من دعا غيره الى دينه بالإرتياء[26] والمقاييس لم يـُنصف ولم يصب حظـّه، لأن المدعو إلى ذلك لا يخلو أيضا ً من الإرتياء والمقاييس ... ولو كان ذلك عند الله جائزا ً لم يبعث الله الرسل بما فيه الفصل. ولم ينهَ عن الهزل، ولم يـَعـِب الجهل، ولكن الناس لما سفهوا الحق، وغمطوا النعمة (أي لم يشكروها)، واستغنوا بجهلهم وتدابيرهم عن علم الله، واكتفوا بذلك دون رسله والقوّام بأمره، وقالوا: لا شيء إلا ما أدركته عقولنا وعرفته ألبابنا، فولاّهم الله ما تولـّوا، وأهملهم وخذلهم حتى صاروا عبدة أنفسهم من حيث لا يعلمون، ولو كان الله رضي منهم اجتهادهم وارتياءهم في ما ادّعوا من ذلك لم يبعث الله اليهم فاصلا ً لما بينهم ولا زاجرا ً عن وصفهم، وإنما استدللنا أن رضى الله غير ذلك. يبعث الرسل بالأمور القيمة الصحيحة، والتحذير عن الأمور المشكلة المفسدة، ثم يجعلهم أبوابه وصراطه والأدلاّء عليه بأمور محجوبة عن الرأي والقياس. فمن طلب ما عند الله بقياس ورأي لم يزدد من الله إلا بعدا ً، ولم يبعث رسولا ً قط وإن طال عمره قابلا ً من الناس خلاف ما جاء به، حتى يكون متبوعا ً مرة وتابعا ً اخرى، ولم يـُرَ أيضا ً في ما جاء به استعمل رأيا ً ولا قياسا ً، حتى يكون ذلك واضحا ً عنده كالوحي من الله، وفي ذلك دليل لكل ذي لبّ وحجى أن أصحاب الرأي والقياس مخطئون مـُدحـَضون، وإنما الاختلاف في ما دون الرسل لا في الرسل)[27]. وكان لمناظرات الإمام الصادق (ع) مع أصحاب مدرسة القياس كأبي حنيفة ومالك ابن أنس أثراً في تضييق دائرة استخدام تلك القاعدة الفلسفية في إستنباط أحكام الدين، يؤكدها الفخر الرازي فيقول: (العجيب ان أبا حنيفة كان تعويله على القياس، وخصومه يذمونه بسبب كثرة القياسات. ولم ينقل عنه ولا عن أحد من أصحابه أنه صنف في إثبات القياس ورقة. ولا أنه ذكر في تقريره شبهة، فضلاً عن حجة. بل أول من قال في هذه المسألة وأورد فيها الدلائل هو الشافعي). ولو صدق كلام الفخر الرازي، لاستنتجنا بأن نهي الإمام الصادق (ع) قد آتى ثمره بمقدار تضييق دائرة القياس في الدين. والمعروف ان مناظرات الصادق(ع) مع أبي حنيفة كانت قد وضعت القياس في موضع التهمة في تحريف الدين والإبداع فيه. 5 – القائلون بخلق القرآن: اختلفوا في القرآن، فزعم قوم أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وقال آخرون: كلام الله مخلوق وهو رأي جماعة من المعتزلة قالوا بخلق القرآن ونفي الصفات عن الله عز وجل. وورد عن أبي حنيفة أنه قال: ان القرآن مخلوق. بينما ذهب أحمد بن حنبل الى ان القرآن غير مخلوق. وقد سيق أحمد بن حنبل مكبلا ً بالأغلال، متهماً بعدم الإيمان بخلق القرآن، للمثول بين يدي المأمون الخليفة العباسي (الذي آمن بخلق القرآن). ولكن بلغه في الطريق موت المأمون، بطوس في إيران. فنجا أحمد بن حنبل من موت محقق. الرد: قال الإمام الصادق (ع): (ان القرآن كلام الله محدث غير مخلوق وغير أزلي مع الله تعالى ذكره، وتعالى عن ذلك علواً كبيرا ً. كان الله عز وجلّ، ولا شيء غير الله معروف ولا مجهول. كان عز وجل ولا متكلم ولا مريد ولا متحرك ولا فاعل، جلّ وعزّ ربنا. والقرآن كلام الله غير مخلوق، فيه خبـر من كان قبلكم وخير من يكون بعدكم، نزل من عند واحد، نزل من عند الله على محمد رسول الله [ص] )[28]. 6- القائلون بالتناسخ: استحدثت في تلك الفترة مذاهب كانت تدعي بان روح الإله قد تناسخت في الأنبياء، ومن تلك المذاهب: الحربية، من اتباع عبد الله بن عمرو بن حرب الكندي. والشريعية، اتباع الشريعي وغيرهم. الرد: قال الإمام الصادق (ع) في جواب ذلك: (....أخبرك أن الله تبارك وتعالى هو خالق الخلق لا شريك له، له الخلق والأمر والدنيا والآخرة. وهو ربّ كلّ شيء وخالقه، خلق الخلق وأحبّ أن يعرفوه بأنبيائه، وأحتجّ عليهم به، فالنبي (ص) هو الدليل على الله. عبد مربوب مخلوق، اصطفاه لنفسه برسالته وأكرمه بها، فجعله خليفته في خلقه، ولسانه فيهم، وأمينه عليهم، وخازنه في السموات والأرضين. قوله قول الله، لا يقول على الله إلا الحق، من أطاعه أطاع الله، ومن عصاه عصى الله. وهو مولى من كان الله ربّه ووليّه، من أبى أن يقرّ له بالطاعة فقد أبى لربه بالطاعة والعبودية، ومن أقرّ بطاعته أطاع الله وهداه. فالنبي مولى الخلق جميعا ً، عرفوا ذلك أو أنكروه. وهو الوالد المبرور، فمن أحبه وأطاعه فهو الولد البارّ ومجانب للكبائر)[29]. 7- أهل التشبيه والتجسيم: قالوا بأن الله تبارك وتعالى يوصف بالصورة أو بالتخطيط. الرد: أجاب الإمام الصادق (ع): (تعالى الله الذي ليس كمثله شيء، وهو السميع البصيـر، تعالى الله عما يصفه الواصفون المشبـّهون الله تبارك وتعالى بخلقه، المفترون على الله عز وجلّ. فاعلم – رحمك الله – أن المذهب الصحيح في التوحيد ما نزل به القرآن من صفات الله عز وجل. فانفِ عن الله البطلان والتشبيه، فلا نفي ولا تشبيه. هو الله الثابت الموجود، تعالى الله عما يصفه الواصفون، ولا تعدُ القرآن فتضلّ بعد البيان)[30]. يقول (ع) لمن سأله هل رأى رسول الله (ص) ربه: (نعم. لقد رآه بقلبه. أما ربنا جلّ جلاله فلا تدركه أبصار الناظرين ولا تحيط به أسماع السامعين). وسأله الأعمش – من شيوخ المحدثين – عن مكان الله، فقال (ع): (لو كان في مكان لكان محدثاً). ولما سئل عن استوائه سبحانه وتعالى على العرش، قال (ع): (إنه يعني أنه لا شيء أقرب إليه من شيء). وسئل ثانية عن قوله تعالى: (وسع كرسيه السموات والأرض)، فقال (ع): (العرش في وجه: هو جملة الخلق، والكرسي وعاؤه. وفي وجه آخر: ]العرش[ هو العلم الذي أطلع الله عليه أنبياءه ورسوله وحججه. والكرسي هو العلم الذي لم يطلع عليه أحداً من أنبيائه ورسوله وحججه). وسئل ثالثة عن قوله تعالى: (وكان عرشه على الماء)، وقول البعض إن العرش كان على الماء والرب فوقه؟ فأجاب (ع): (كذبوا. من زعم هذا، فقد صيـّر الله محمولاً، ووصفه بصفة المخلوق، ولزمه أن الشيء الذي يحمله أقوى منه). وقيل له (ع) يوما ً ان أحدهم يقول قولا ً عظيما ً، يزعم ان الله تعالى جسم. فقال (ع): (ويله أما علم أن الجسم محدود متناه. فإذا أحتمل الحد أحتمل الزيادة والنقصان. فإذا أحتمل الزيادة والنقصان كان مخلوقاً). 8 – أصحاب الجبـر والتفويض: معنى الجبـر هو نفي الفعل عن العبد وإضافته الى الرب حقيقة. أي ان الإنسان لا يخلق أفعاله، بل ان الذي يخلقها هو الله عزّ وجلّ، ولذلك يسند الفعل إليه تعالى. وبتعبير ثالث: أن الإنسان مجبر على أعماله. ويترتب على هذا الرأي أثر مهم وهو ان الإنسان لا يملك الإرادة ولا الاختيار في أفعاله. وعليه، فهو لا يطمع في ثواب ولا يخاف من عقاب باعتباره مجبرا ً على فعل الأشياء وبضمنها المعاصي. ومعنى التفويض هو تفويض الفعل الى المخلوق، ورفع قدرة الله وقضائه عنها. أي ان الله عز وجل ليس له دخل أصلا ً في أفعال الإنسان. وبتعبير ثالث: أن الإنسان مخير في أفعاله. قال بالجبر: الجعد بن درهم متأثراً بقول بيان ابن سمعان. وقال بالتفويض: غيلان الدمشقي، ومعبد الجهني. الرد: أجاب الصادق (ع) على كل ذلك: (لا جبر ولا تفويض، ولكن أمر ٌ بين أمرين. ومعناه ان فعل الإنسان إنما يصدر من اختياره وإرادته، لكنه في الوقت نفسه مقدور ٌ لله سبحانه وداخل ٌ في سلطانه). وأضاف (ع): (ما من قبض ولا بسط إلا لله فيه مشيئة ورضاء وابتلاء). فالله سبحانه لم يجبـرنا على أفعالنا، ولذلك فهو لم يظلمنا في عقابنا على المعاصي. ذلك لأن لنا القدرة على اختيار الفعل الذي نفعله. ولم يفوّض إلينا خلق أفعالنا حتى يكون قد أخرجها من سلطانه. بل له الخلق والأمر، وهو القادر على ما يريد، وهو المحيط العليم بعباده. والخلاصة ان الإمام الصادق (ع) أبطل مذهبي الجبر والتفويض. وروى حديثا ً عن رسول الله (ص) قال فيه: (من زعم ان الله يأمر بالسوء والفحشاء فقد كذب على الله، ومن زعم ان الخير والشر بغير مشيئة الله فقد أخرج الله من سلطانه، ومن زعم ان المعاصي بغير قوة الله فقد كذب على الله، ومن كذب على الله ادخله الله النار)[31]. وفي حديث آخر له قال (ع): (الناس في القدر على ثلاثة أوجه: رجلٌ يزعم ان الله عز وجل أجبر الناس على المعاصي، فهذا قد ظلم الله عز وجل في حكمه، فهو كافر. ورجلٌ يزعم ان الأمر مفوض اليهم فهذا قد وهّن الله في سلطانه، فهو كافر. ورجلٌ يقول: ان الله عز وجل كلّف العباد ما يطيقون، ولم يكلفهم ما لا يطيقون. فاذا أحسن حَمدَ الله، واذا أساءَ استغفر الله، فهذا مسلم بالغ)[32]. ولاشك ان مناقشة الجبر والتفويض تلزمنا قهراً مناقشة القضاء والقدر. وقضاء الله تبارك وتعالى هو تعلق إرادته به، كما يقول تعالى: (وإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون)[33]. وقدره هو حكمه بأن يكون، كما في قوله تعالى في امرأة لوط: (فأنجيناه وأهله إلا امرأته قدرناها من الغابرين)[34]. وظاهر معنى القضاء والقدر هو كون الإنسان مجبراً على فعل الأشياء، ولكن الواقع ليس كذلك. فالأمر بحاجة الى توضيح نستفيده من أقوال الصادق (ع) في مسألة القضاء والقدر: (1) سئل الإمام (ع) عن القضاء والقدر. فقال (ع): ما استطعت أن تلوم العبد عليه فهو منه، وما لم تستطع أن تلوم العبد عليه فهو من فعل الله. يقول الله تعالى للعبد: لِمَ عصيت؟ لِمَ فسقت؟ لِمَ شربت الخمر؟ لِمَ زنيت؟ فهذا فعل العبد. ولا يقول له: لِمَ مرضت؟ لِمَ علوت؟ لِمَ قصرت؟ لِمَ ابيضّيت؟ لِمَ اسوددت؟ لأنه فعل الله تعالى[35]. (2) مما حـُفظ عن الامام الصادق (ع) قوله لزرارة بن أعين: يا زرارة، أعطيك جملة في القضاء والقدر؟ قال زرارة: نعم، جعلت فداك. قال (ع): إذا كان يوم القيامة وجمع الله الخلائق سألهم عما عهد إليهم ولم يسألهم عما قضى عليهم[36]. (3) قال له رجل: جعلت فداك، أجبر الله العباد على المعاصي؟ فقال (ع): الله أعدل من أن يجبرهم على المعاصي ثم يعذبهم عليها. فقال له: ففوض الله الى العباد؟ فقال (ع): لو فوض اليهم لم يحصرهم بالأمر والنهي. فقال له: فبينهما منـزلة؟ فقال (ع): نعم، أوسع ما بين السماء والأرض[37] . (4) لا جبر ولا تفويض، ولكن أمر بين أمرين[38]. (5) الله أكرم من أن يكلّف الناس ما لا يطيقون. والله أعزّ من أن يكون في سلطانه ما لا يريد[39]. (6) وفي حديث طويل، اجتمع أحد رجال القدرية بالإمام (ع). قال الرجل للصادق (ع): سل عما شئت؟ فقال له (ع): اقرأ سورة الحمد؟ فبدأ الرجل يقرأ سورة الفاتحة، حتى بلغ قوله تعالى: (إياك نعبد وإياك نستعين)، فقال له الامام (ع): قف، من تستعين؟ وما حاجتك الى المعونة؟ إن كان الأمر لك [كما تزعم وتقول بان الله فوض إلى العباد] [40]. 9 – الغلاة: نشطت حركة الغلاة في ذلك الزمان نشاطا ً ملحوظاً بسبب دعم السلطة العباسية لها، واندساس أناس أمثال المغيرة بن سعيد، وبزيع، والسري، وأبو الخطاب محمد بن ابي زينب الأجدع، ومعمر، وبشار الشعيـري، وحمزة البربري، وصائد النهدي تحت عبائتها. وزعم هؤلاء بأن الربوبية تثبت في بدن المخلوق. وانتشرت تلك الأفكار الغريبة في أحزاب وفرق منها: الخرمدينية والمزدكية وهي التي أباحت المحرمات وترك الفرائض، والزنديقية وهي التي رفضت تعاليم الدين، والدهرية وهي التي ادعت بأن العالم موجود أزلا ً وأبدا ً ولا صانع له. الرد: هاجمهم الإمام الصادق (ع) هجوما ً عنيفا ً ووصمهم بالكذب على الله تعالى، ولعنهم، وأعلن للملأ بأن أئمة أهل البيت (ع) وغيرهم ما هم إلا عبيد ٌ خاضعون خاشعون لربهم عزّ وجلّ. وكان الصادق (ع) يتألم ويبكي دما ً، ويقول: ( يا ربّ، برئت إليك مما ادعى فيّ الأجدع عبد بني أسد. خشعَ لك شعري وبشري. عبد ٌ لكَ ابنُ عبد لك، خاضعٌ ذليل. ثم يطرق لحظة في الأرض كأنه يناجي شيئا ً، ثم يرفع رأسه ويقول: أجل لي والله ربٌ اعبده، لا أشرك به شيئاً ...)[41]. وكان لموقفه (ع) الحاسم في مواجهة تلك الأفكار آثاره العظيمة في اجتثاث تلك الفرق المنحرفة من جذورها. والى ذلك يشير الشيخ المفيد (ت 413 هـ): وليس من هؤلاء الفرق التي ذكرناها فرقة موجودة في زماننا هذا، وهو سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة إلا الإمامية الإثنا عشرية ... وهم أكثر فرق الشيعة عددا ً وعلما ً ومتكلمون ونظـّار وصالحون وعبـّاد ومتفقهة وأصحاب حديث وأدباء وشعراء، وهم وجه الإمامية ورؤساء جماعتهم والمعتمد عليهم. والروايات التالية تكشف حقيقة محاربته (ع) للغلاة: (1) دخل عليه صالح بن سهل – وكان يذهب مذهب الغلاة – فلما نظر اليه قال (ع): (يا صالح، إنا والله عبيد مخلوقون، لنا رب نعبده، وإن لم نعبده عذبنا). فترك صالح ما كان يذهب اليه. (2) سأله رجل من جلسائه فقال: إن قوما ً من مواليكم يلمـّون بالمعاصي ويقولون: نرجو. فقال (ع): (كذبوا ليسوا لنا بموالٍ. اولئك قوم ترجحت بهم الأماني. من رجا شيئا ً عمل له، ومن خاف شيئا ً هرب منه). الأصل الذي سارت عليه مدرسة الصادق (ع): وكانت القاعدة التي سارت عليها مدرسة الإمام (ع) في مواجهة ظاهرة الغلو والانحراف تتلخص في النص الثابت عنه (ع): (لا تقبلوا علينا حديثا ً إلا ما وافق القرآن والسنـّة، أو تجدوا معه شاهدا ً من أحاديثنا المتقدمة...اتقوا الله ولا تقبلوا علينا ما خالف قول ربنا وسنـّة نبينا صلى الله عليه وآله). وبكلمة، فقد وضع الامام الصادق (ع) المسلمين على المحك، ودعاهم الى اتباع القرآن الكريم وسنة النبي (ص) وأهل بيته الطاهرين (ع) فقال: (نحن أصل كل خير، ومن فروعنا كلّ بِرّ، ومن البرّ : التوحيد، والصلاة، والصيام، وكظم الغيظ، والعفو عن المسيء، ورحمة الفقير، وتعاهد الجار، والإقرار بالفضل لأهله. وعدوّنا أصل كل شرّ، ومن فروعهم كلّ قبيح وفاحشة، فمنهم الكذب والنميمة، والبخل والقطيعة، وأكل الربا وأكل مال اليتيم بغير حق، وتعدي الحدود التي أمر الله عز وجل، وركوب الفواحش ما ظهر منها وما بطن من الزنا والسرقة وكل ما وافق ذلك من القبيح. وكذب من قال: انه معنا وهو متعلق بفرع غيرنا)[42]. ثم أضاف (ع): (عليكم بآثار رسول الله (ص) وسنته وآثار الأئمة الهداة من أهل بيت رسول الله (ص) من بعده وسنتهم، فإنه من أخذ بذلك فقد اهتدى، ومن ترك ذلك ورغب عنه ضلّ، لأنهم هم الذين أمر الله بطاعتهم وولايتهم)[43]. رد السلطة العباسية على الإمام الصادق (ع): ولما رأى المنصور الدوانيقي، الخليفة العباسي، اجتماع الناس على الإمام الصادق (ع) خاف َ ميل الناس إليه واخذ الملك منه، فأحكم خطته في السيطرة على الوضع الديني كما يصفها لنا الذهبي في كتابه (تأريخ الإسلام): بعث أبو جعفر المنصور الى مالك بن أنس (ت 179 هـ) حين قدم المدينة، فقال: ان الناس قد اختلفوا بالعراق، فضع للناس كتابا ً نجمعهم عليه، فوضع (الموطأ). وقال المنصور الى مالك: والله لو بقيت لأكتبنّ قولك كما تكتب المصاحف، ولأبعثنّ في الآفاق فأحملهم عليه [44]. وكان المنصور قبل ذلك قد أشار الى أبي حنيفة (ت 150 هـ) باعتـزال الصادق (ع) واحداث مذهب غير مذهبه. فصار الأمر بالشكل التالي: 1- اعتـزل أبو حنيفة عن الصادق (ع)، وأحدث مذهبا ً غير مذهبه، وعمل فيه بالرأي والقياس والاستحسان والاجتهاد. 2- اعتـزل مالك عن الإمام الصادق (ع)، وكان يقرأ عليه وعلى ربيعة الرأي، فأحدث مذهبا ً غير مذهبهما وغير مذهب أبي حنيفة. ولما حضر مالكَ الموت ُ قال: لقد حدثت بأحاديث وددتُ أني ضربت بكل حديث منها سوطين ولم أحدث بها[45]. وفي تعبير آخر ورد عنه انه قال: ليتني لم أفتِ بالرأي. 3- ثم جاء بعدهما الشافعي محمد بن أدريس (ت 204 هـ)، فقرأ على مالك وعلى محمد ابن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة، فأحدث مذهبا ً غير مذهبهما. وقد نـُسب الى الشافعي أحاديث في حب أهل البيت (ع) وانتقاد مبغضيهم، منها هذا الشعر: (1) إذا في مجلس ٍ ذكروا عليا ً *** وشبليه وفاطمة الزكيـّهيقال تجاوزوا يا قوم هذا *** فهذا من حديث الرافضيههربت إلى المهيمن من أناسٍ *** يرون الرفض حب الفاطميهعلى آل الرسول صلاة ربي *** ولعنتـه لتلك الجاهليـه
(2) يا راكبا ً قف بالمحصـّب من منى *** واهتف بقاعد خيفها والناهضِسحرا ً إذا فاض الحجيج الى منى *** فيضا ً كملتطم الفرات الفائضِإن كان رفض حب آل محمدٍ *** فليشهد الثقلان أني رافضي
(3) يا آل بيت رسول الله حبكم *** فرض من الله في القرآن أنزلهكفاكم من عظيم الشأن أنكم *** من لم يصلّ عليكم لا صلاة له 4- ثم جاء بعده أحمد بن حنبل (ت 241 هـ) فقرأ على الشافعي فأحدث مذهبا ً غير مذهبه. فاستقرت مذاهب أهل السنة والجماعة في الفروع على هذه الأربعة الحادثة أيام المنصور. وبلغت موجة التعصب بين المذاهب الأربعة حدا ً بحيث أصبح التكتم بالمذهب لازما ً. يقول أبو بكر محمد بن عبد الباقي (ت 535 هـ) وكان حنبليا ً: إحفظ لسانك لا تـبح بثلاثةٍ*** سنٍ ومال ٍ ما استطعت ومذهبِفعلى الثلاثة تبتلـي بثلاثـةٍ ***بمكفـّر وبحاسـدٍ ومكـذبِوقال الزمخشري في (الكشاف): إذا سألوا عن مذهبي لم أبح به *** وأكتمه كتمانه لي أسلمُ فإن حنفيا ً قلت قالوا بأنني *** أبيح الطلى وهو الشراب المحرمُوإن شافعيا ً قلت قالوا بأنني *** أبيح نكاح البنت والبنت تحرمُوإن مالكيا ً قلت قالوا بأنني *** أبيح لهم أكل الكلاب وهم همُوإن قلت من أهل الحديث وحزبه*** يقولون تيس ليس يدري ويفهم[46]. (نهاية ص 47)
[1] تهذيب الاسماء واللغات ج 1 ص 155. [2] كشف الغمة للأربلي ص 230. [3] الامالي للشيخ الصدوق ص 237. [4] سورة فصلت: آية 46. [5] سورة هود : آية 101. [6] سورة الكهف : آية 49. [7] سورة الرعد : آية 7. [8] سورة القصص : آية 7. [9] سورة فاطر: آية 24. [10] سورة الانعام: آية 12. [11] سورة الانعام: آية 54. [12] سورة الروم: آية 47. [13] سورة الأنبياء: آية 23. [14] سورة النساء: آية 80. [15] سورة الرعد: آية 27, 38-40. [16] تفسير الطبري. سورة الرعد. آية 38-40. [17] بحار الأنوار ج 4 ص 108. [18] بحار الأنوار ج 4 ص 99. [19] بحار الأنوار ج 4 ص 111 نقلاً عن إكمال الدين. [20] يونس بن عون في الملل والنحل للشهرستاني ج 1 ص 136. [21] من كتاب له (ع) الى المفضّل بن عمر جوابا ً عن كتابه. [22] التوحيد للشيخ الصدوق ص 226. [23] التوحيد للصدوق ص 226. [24]من كتاب للامام الصادق (ع) الى اصحابه (معادن الحكمة في مكاتيب الائمة). [25] ارشاد الفحول ص 241. [26] الإرتياء : من ارتأى أي نظر في الأمر وتدبره. [27] المحاسن للبرقي ص 209 . [28] التوحيد للشيخ الصدوق ص 226. [29] من كتاب له (ع) الى المفضل بن عمر جوابا عن كتابه اخرجه الصفار في بصائر الدرجات. [30] من كتاب له (ع) يجيب فيه عبد الرحيم القصير. [31] الكافي ج 1 ص 158. [32] ثواب الاعمال ص 252 ، حديث 3. [33] سورة البقرة: آية 117. [34] سورة النمل: آية 57. [35] الطرائف ص 330. [36] كنـز الفوائد ج 1 ص 367. [37] الكافي ج 1 ص 158 ، حديث 10. [38] الكافي ج 1 ص 160، حديث 13. [39] الكافي ج 1 ص 160، حديث 14. [40] تفسير العياشي ج 1 ص 23، حديث 24. [41] بحار الأنوار ج 47 ص 378. [42] بحار الانوار ج 7 ص 154. [43] من كتاب للامام الصادق (ع) الى أصحابه. [44] تأريخ الإسلام للذهبي ص 321 - 324. [45] تأريخ الإسلام ص 325. [46] الكشاف للزمخشري ج 2 ص 573 الطبعة القديمة ، وحذفت من الطبعة الجديدة.
|