(ص 35- 70)

د- الجهد:

          الجهد هو بذل النفس والمهجة من أجل إنجاز التكليف الشرعي أو تجنب المعصية. فالمعصية لا يمكن تجنبها ما لم يُبذل جهد خاص داخل النفس لردعها. والتكليف الشرعي الواجب لا يمكن أداؤه ما لم يُبذل جهد خارجي، وقد صدق رسول الله (ص) عندما قال: (الايمان قولٌ وعملٌ)[154].

          والإنسان مزودٌ بالآت وملكات قادرة على إعانته في فعل الخير. نعم قد تختلف قابلية الإنسان على فعل الخير من سعة الرزق أو ضيقه، ومن صحة الجسم أو سقمه، ومن إكتمال العقل أو نقصانه. ولكن الإنسان يحاسب على طاقته وقدرته على بذل الجهد، كما قال تعالى: (ولكل درجات مما عملوا)[155]، (وما يعزبُ عن ربك من مثقال ذرة في الارض ولا في السماء)[156]، (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره)[157].

          والإمام الرضا (ع) دعا إلى تضافر الإيمان بآل محمد (ص)، وهو الإيمان بالإسلام كله، بالعمل الصالح، فقال: (لا تدَعُوا العمل الصالح والاجتهاد في العبادة اتّكالاً على حب آل محمد (ص)، لا تدعَوا حبَّ آل محمد (ص) والتسليم لأمرهم إتكالاً على العبادة، فانه لايقبل أحدهما دون الآخر)[158]. بمعنى ان يتلازم الجهد الصالح مع الإيمان بالرسالة. وبدون ذلك التلازم يبقى العمل في الدنيا مبتوراً، والجزاء يوم القيامة ناقصاً.

 هـ- الجزاء:

تنطلق فكرة الجزاء من قاعدة ان الإنسان يحب أن يُثاب على عمل الخير، ويُعاقب على عمل الشر. وطالما ألزمنا الباري عزّ وجلّ بالطاعة والعمل الصالح، فقد ألزم نفسه تعالى بالجزاء. وإلى ذلك يشير كلام الرضا (ع): (دخل رجل من أهل العراق على أمير المؤمنين علي (ع) فقال: أخبرنا عن خروجنا إلى أهل الشام أبقضاء من الله وقدره؟ فقال له أمير المؤمنين: أجل يا شيخ فوالله ما علوتم تلعة[159] ولاهيطتم بطنَ وادٍ إلا بقضاءٍ من الله وقدره. فقال الشيخ: عند الله أحتسب عنائي يا أمير المؤمنين[160] فقال (ع): مهلاً يا شيخ لعلك تظن قضاءاً حتماًً وقدراً لازماً؟ لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب، والأمر والنهي والزجر، ولسقط معنى الوعد والوعيد، ولم يكن على المسيء لائمة ولا للمحسن محمدة، ولكان المحسن أولى باللائمة من المذنب، والمذنب أولى بالاحسان من المحسن. تلك مقالة عبدة الاوثان وخصماء الرحمان، وقدرية هذه الأمة ومجوسها. ياشيخ ان الله عزّ وجلّ كلّف تخييراً ونهى تحذيراً، وأعطى على القليل كثيراً ، ولم يعص مغلوباً ولم يطع مكرهاً، ولم يخلق السماوات والارض وما بينهما باطلاً، ذلك ظن الذين كفروا فويلٌ للذين كفروا من النار)[161].

وروى الكليني في الكافي بسنده عن رجل من اهل بلخ قال: (كنت مع الرضا (ع) في سفره إلى خراسان، فدعا يوماً بمائدة له، فجمع عليها مواليه من السودان وغيرهم، فقال له بعض أصحابه: جعلت فداك لو عزلت لهؤلاء مائدة. فقال (ع): ان الرب تبارك و تعالى واحد والأم واحدة والأب واحد[162] والجزاء بالاعمال)[163].

          وفكرة الجزاء في القرآن الكريم من أهم الأفكار التي تدفع الإنسان إلى عمل الواجبات وترك المعاصي. قال تعالى: (أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون)[164]، (أم نجعلُ الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الارض ام نجعلُ المتقين كالفجار)[165]، (إنما جزاءُ الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الارض فساداً أن يقتلوا او يصلّبوا او تقطّع ايديهم وارجلهم من خلاف، او ينفوا من الارض)[166].

وأما الجزاء الالهي في الآخرة، فهو وإن كان مادياً جسدياً، إلا ان العذاب الاخلاقي في النار أكثر إيلاماً وأشّدُ وجعاً، فالنار بحد ذاتها ليست هدفاً نهائياً، بقدر ما هو الخزي والفضيحة، يقول تعالى: (ربنا انك من تدخل النار فقد اخزينه وما للظالمين من انصار)[167].

وكذلك حياة النعيم بالنسبة للمؤمنين، فان رضى الله سيحانه والقرب منه، هو أفضل من حياة الفردوس المادية، فالنعيم الحقيقي هو القرب منه ومرضاته تعالى: (ورضوانٌ من الله اكبر ذلك هو الفوز العظيم)[168].

 خلاصة المنهج الاخلاقي للإمام الرضا (ع)

          وضع الإمام الرضا (ع) منهجاً للاخلاق العملية عبر تنمية وسائل ثلاث:

الوسيلة الأولى: تنمية العلاقة مع الله تعالى.

والثانية: تهذيب التعامل مع الناس.

والثالثة: بناء النفس الانسانية على ضوء تعاليم الدين.

          فعلى صعيد التعامل مع الله سبحانه، كان (ع) يحب في الله ويبغض في الله، بل كانت مرضاة الله هي نهاية مبتغاه. ومن مصاديق حبه انه كان يؤثر مراد الله على مراده. وكان لا يغفل عن ذكر الله، وكان (ع) يكرر: (طوبى لمن شغل قلبه بشكر النعمة)[169].

          وكان (ع) شديد التوكل على الله، وكان لا يقوم من مقامه إلا ويقول: (الله ثقتي وهو حسبي)[170]. وكان توكله على الله يعني انه قد انكشف له بنور الحقيقة أنْ لا فاعل إلا الله، فرضا بقضاء الله، وسلَّمَ مقدراته لأمر الله، وفوّضَ مصيره إلى الله تعالى. وهذا التوكل لا يتعارض مع مفهوم السعي في الأرض. فالمتوكل انما يطلب من الله ان يسدد خطاه، وان يرسم له الطريق المستقيم في الحياة.

          وكان الرضا (ع) على مستوى الكمال في التقوى، بحيث يصفه الواصف: (والله ما رأيتُ رجلاً أتقى منه، ولا أكثر ذكراً له في جميع أوقاته منه، ولا أشدَّ خوفاً لله عزّ وجلّ)[171]. والتقوى هي خصلة اجتناب معصية الله، وذلك باداء الواجبات والمستحبات والابتعاد عن المحرمات والمكروهات، وهي درجة صعبة المنال لا ينالها إلا المقربون.

          ولعل أهم ما يستوقفنا في شخصية الإمام الرضا (ع)، في خصوص ذكر الله سبحانه، هو قوله: (ليس العبادة كثرة الصلاة والصوم، انما العبادة التفكر في أمر الله عزّ وجلّ)[172]. فالذكر اذن هو استحضار معاني الالفاظ الجميلة الخاصة بوصف الخالق وأفعاله المحمودة وعرضها على الضمير لتثبت وتستقر فتنقطع الغفلة والنسيان. وتلك هي البصيرة الحقيقية.

          وعلى صعيد بناء النفس كانت الضوابط التي وضعها الإسلام لتهذيب النفس، تخلق في نهاية المطاف ملاكاً طاهراً يمشي على الأرض. فالإنسان إذا أحسن تهذيب نفسه يصل إلى تلك الدرجة من الطهارة بحيث يباهي الله تعالى ملائكته بعبده المطيع الطاهر من المعاصي والذنوب.

          فكان الصمت أداة لتهيئة ذهن العبد لاجواء الاتصال بالله، والكتمان إداة لحفظ الدين من مخالب الاعداء ومآربهم. والعلم وسيلة من وسائل معرفة الخلق والخالق والرسل والكتاب والحكمة. والصبر وسيلة من وسائل الوصول إلى اليقين بحتمية القضاء، وحكمة التقدير.  ومعرفة النفس وسيلة لمعرفة الله عزّ وجلّ، ومن عرف نفسه فقد عرف ربه، ومحاسبتها كي تجد الرقيب فلا تحيد عن الطريق. والقناعة وسيلة إلى الرضا بالتقدير الحكيم. والتواضع وسيلة للاقتراب من الجبار المتكبر.

          كانت مواعظ الإمام الرضا (ع) في بناء النفس، بالكلمة الطيبة، والحجة البالغة، واحدة من أهم مظاهر شخصيته الاخلاقية. وقد لخصها بجملة واحدة: عملٌ قليلٌ دائمٌ من قبل النفس قائمٌ على يقين وبصيرة أفضل من عملٍ كثيرٍ منقطع ليس فيه يقين ولا بصيرة.

          وعلى صعيد التعامل مع الناس، نشر الإمام الرضا (ع) فن التعامل بالملكات الفاضلة التي تبث الخير والفضيلة. كالأخوة في طاعة الله، فإذا وقعت المعصية فلا أخوة إيمانية بين العاصي والمؤمن. وكثرة المعروف وإيصال الصدقة في السر وصلة الرحم، والعناية بالاسرة من زاوية التوسعة على العيال وحسن المعاش، والعفو عن الجاني ومقابلة الإساءة بالإحسان والإعتداء بالعفو، ومقابلة الناس بالخُلق الجميل فلا جفاء لأحد ولا قطع كلام أحد ولا رد حاجة أحد من الناس، ومداراة الناس بالتودد والصبر في البأساء والضراء، واكتساب العلم ونشره بين المسلمين لأن العلم حياة القلوب ووسيلة إلى معرفة الخالق.

          وبذلك كانت معالم الاخلاق العملية عند الإمام الرضا (ع):

1- ان التعامل الحسن مع الناس هو قيمة أخلاقية عليا، على المؤمن ان يلتزم بها، باعتباره إنساناً واعياً جديراً بتحمل تلك المسؤولية.

2- ان الاخلاق العملية مثل إكرام الوالدين وإطعام الفقير والمسكين وصلة الرحم ونحوها انما هي أمور تعبدية يتقرب بها الإنسان إلى الله تعالى، ويثاب عليها.

3- ان الاسلام أراد بالاخلاق الاجتماعية إبراز مفهوم التكافل الإجتماعي القائم على اساس الخير والمحبة والشعور الجميل تجاه الآخرين، باعتبارهم بشر لهم نفس الأحاسيس والمشاعر.

          اما عناصر الاخلاق العملية عند الإمام الرضا (ع)، فهي:

          النية: وهي عقد القلب على أداء العمل، فلا عمل بدون نية. والمسؤولية: وهي استعداد الإنسان لتحمل التكليف الشرعي (فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون)[173]. والالزام: وهو الشعور الذي يطغى على الإنسان فيلزمه بعمل الخير أو أداء الواجب. والجهد: وهو بذل المهجة من أجل إنجاز الواجب أو إجتناب الحرام. والجزاء: وهو الوعد باعطاء الثواب للمطيع وإنزال العقاب بالمسيء العاصي.

          وهكذا اكتملت جوانب الاخلاق العملية عند الإمام الثامن من أئمة أهل البيت (ع)، نسأل الله ان يوفقنا لتطبيقها والالتزام بجوانبها الفاضلة. والحمد لله رب العالمين.

 ملحق:

ابيات شعرية في الثناء على الإمام الرضا واهل البيت (ع)

هذه قصيدة (مدارسُ آيات خلت من تلاوة) لشاعر أهل البيت (ع) دعبل بن علي الخزاعي[174]:

دخل دعبل بن علي الخزاعي على الإمام الرضا (ع) بمرو فقال له: يابن رسول الله اني قد قلت فيكم قصيدة وآليت على نفسي الا أنشدها أحداً قبلك، فقال الرضا (ع): هاتها يا دعبل، فأنشد:

 تجـاوبـن بـالارنـان   والزفـرات**نـوايـح عجـم  اللفظ  والنطـقات[175]

يخبّـرن بالأنفـاس  عـن سرّ  أنفـس** أســارى هــوى وآخـر آت[176]

فأسعدن  أو  أسعفن  حتـى تقوضت**صفـوف الدجى  بالفجر منهزمـات[177]

على الـعرصـات الخالـيات من  المـها**سلام شـج صبّ  علـى العـرصات[178]

فعهـدي بهـا خضر  المعاهـد مألـفاً**من  العـطـرات البيض  والخـفرات[179]

ليالي يعديـن  الوصـال  على  القـلى**ويـعـدى تدانيـنا على  الغـربات[180]

وأذهنّ  يلحـظن  العيـون  سـوافراً ** ويسترن  بالايـدى على  الوجـنات[181]

واذكـل يـوم  لي  بلحـظي نشـوة ** يبيـت بهـا قلـبي علـى نشـوات[182]

فكم  حسـرات هاجـها بمـحسـر ** وقوفي يـوم  الجـمـع من عرفـات[183]

الـم تـر  للايـام ما جـرّ  جورهـا** على الناس  من  نقص وطول شتـات[184]

ومن دول المسـتهزئيـن  ومـن  غدا[185] ** بـهـم طالباً  للـنور في الظلمـات

فكـيف  ومـن  أنـى  بطالب  زلفة ** الـى الله بـعـد الصوم والصـلوات

سـوى حبّ أبـناءِ النـبي  ورهـطه ** وبغـض بنـي الـرزقاء والعبـلات[186]

وهـند ومـا  أدت  سميـة   وابنـها ** أولو الكفر فـي الاسلام والفجـرات

هـم  نقضوا   عهد  الكتاب   وفرضه ** ومـحكمـه  بالـزور  والشبـهات

ولـم  تـك الاّ  محنـة كشـفتهـم ** بدعوى ضـلال مـن  هن  وهنـات

تراث  بلا قربى وملك  بـلا  هـدى ** وحـكم بلا شورى  بغـير  هـدات

رزايا   أرتـنا  خضرة    الافق   حمرة ** وردت أجـاجـاً طعم كـل فـرات[187]

وما سهـلت  تلك المـذاهب  فيـهم ** علـى الـنـاس الا بيـعة  الفلـتات[188]

وما  قيل  أصحاب   السقيفة   جـهرة ** بدعـوى تراث فـي الضلال بـنات[189]

ولو قلدوا  المـوصى  الـيه   أمـورها ** لزمت  بمـأمـون  علـى العثـرات

أخي خاتم  الرسل  المصفى  من  القذى ** ومفـترس الابـطـال في  الغمـرات

فان جحدوا   كـان  الغـدير  شهيده ** وبدر  وأحـد  شـامخ الهـضـبات[190]

وآي  مـن  القـرآن   يتلى  بفـضله ** وإيثـاره بالقـوت فـي اللـزبـات[191]

وعـز  خـلال   أدركـته  بسبقـها ** منـاقب كانت فـيه مـؤتـنفـات[192]

مناقب  لم  تدرك   بخـير  ولـم   تنل ** بشيء سـوى حـد القـنا الذربـات[193]

نجـىّ  لجـبريل  الأمـين   وأنـتـم ** عكوف على العزى  معاً  و مـنـات

بكيت  لرسم   الـدار  من  عرفـات ** وأجريت دمـع العـين بالـعبـرات

وبان  عرا  صبري  و هاجت  صـبابتى ** رسـوم  ديار  قد  عفـت وعـرات[194]

مـدارس  آيات  خـلت  مـن  تلاوةٍ ** ومنـزل وحـي مقفر العـرصـات

لآل  رسـول  الله  بالخيف  مـن  منى ** وبالبـيت  والتـعريف  والجمـرات

ديار   لعبد   الله   بالخيف   مـن  منى ** وللسيد  الـداعـي  إلى  الصلـوات

ديـار   علي   والحسين  وجـعـفر ** وحمـزة  والسجـاد  ذى  الثفـنات

ديـار لعبـد  الله   والفضل   صنـوه ** نـجي رسـول الله فـي  الخلـوات

وسبطي   رسول الله  وابـني   وصـيه ** ووارث عـلـم  الله والحـسنـات

منازل   وحـي   الله  ينـزل   بيـنها ** علـى أحمد المذكور  في  السـورات

منازل   قـوم    يهـتدى  بهـداهـم ** وتـؤمن منـهـم زلة  العـثـرات

منازل  كانـت   للصلـوة   وللتـقى ** وللصـوم والتطـهـير  والحسنـات

منـازل  لا تـيم   يحـل   بربـعـها ** ولا ابـن صهاك  فاتك  الحـرمـات[195]

ديـار   عفاها  جور   كـل   منابـذ ** ولـم تـعـف للايـام والسنـوات

قفا نسئل  الدار   التي  خـف   أهلـها ** متـى عـهدها  بالصوم  والصلـوات[196]

وأين  الاولى  شطت  بهم   غربة  النوى ** أفانـين فـي الاطـراف مفترقـات[197]

هـم    أهل   ميراث   النـبي  إذا اعتروا ** وهـم خير سـادات وخير حمـات

إذا  لم نناج   الله   في   صلواتنا ** باسمائـهم لـم يقـبل  الصـلـوات

مطاعيم  في  الاقطار   في   كل   مشهد ** لقد شرفوا  بالـفـضل  والبركـات[198]

ومـا   الناّس    الاّ  غاصب   ومكذّب ** ومضـطـغن  ذوا حـنـة  وتـرات[199]

اذا   ذكروا   قتـلى    ببدر   وخـيبر ** ويـوم حنـين  أسبـلـوا العبـرات[200]

فكيـف   يحبون    النبـي   ورهـطه ** وهـم تركـوا  أحشـاءنا وغـرات[201]

لقد   لاينوه   فـي   المقال   واضمروا ** قـلوباً عـلى الاحـقاد  منطويـات

فان  لـم  تكـن  الاّ   بقـربى  محمّد ** فهـاشم أولى مـن هـم  وهنـات

سقـى   الله  قبـراً    بالمديـنة   غيثه ** فقـد حـلّ فيه الأمـن بالبركـات

نبي   الهـدى   صلّى    علـيه   مليكه ** وبلّـغ عـنا روحـه التـحـفـات

وصلّى   عليه  الله   مـا   ذرّ   شارق ** ولاحـت نـجوم  الليل مستـدرات[202]

أفاطـم   لو خـلتِ    الحسين    مجدّلاً ** وقد مات عطـشاناً  بشـط فـرات

اذاً   للطـمت  الخدّ    فاطـم   عنده ** وأجريت دمع  العيـن  في الوجنـات

أفاطم  قومي   يا ابنـة   الخير   فاندبي ** نجـوم سـموات  بـأرض  فـلات

قبـور    بكوفان    وأخـرى    بطيبة ** وأخـرى بفـخّ نالـهـا صلـوات[203]

واّخرى   بارض    الجـوزجان     محلها ** وقبر بباخـمـراء لـدى  الغربـات[204]

وقبـر   بـبغـداد   لنفـس   زكـية ** تضمـنها الرحـمان  في  الغرفـات[205]

وقبـر   بطوسٍ   يا    لها   من   مصيبة ** ألحـت علـى الأَحشاء بالزفـرات

الى    الحشر   حتى    يبعث   الله  قائماً ** يفـرج عـنـا الغم  والـكربـات

علي   بن   موسى   أرشد    الله   أمره ** وصلـى عليـه  أفضـل الصلـوات

فأمّا    الممضات   التـي   لست    بالغاً ** مبالـغـها مـن بكـنـه صفـات[206]

قبور   ببطن   النهر  من  جنب   كربلا ** معـرسهم  منـهـا  بشـط فـرات[207]

توفوا     عطاشاً    بالفـرات   فليتني ** توفيـت فيهـم قبل حـين وفـاتي

إلى الله   أشكوا   لوعة   عند   ذكرهم ** سقتني  بكـأس  الـذل  والقصعـات

أخاف    بأن    أزدادهم     فتشوقني ** مصارعـهم  بالجـزع  والنـخـلات[208]

تقسمهم   ريـب   المنـون   فما  ترى ** لهـم عقـرة  مغـشـية الحجـرات[209]

خـلا  ان  منـهم   بالمديـنة   عصبة ** مـدينيـن انضاءاً  مـن اللـزبـات[210]

قليـلـة   زوار   سـوى   أن   زوّرا ** مـن الضـبع والعقـبان والرخمـات[211]

لهـم  كـل   يوم   تربة   بمضـاجع ** ثوت فـي نواحي  الارض مفترقـات

تنكـب   لاواء    السنين   جـوارهم ** ولاتصـطليـهـم  جمرة  الجمـرات[212]

وقد   كان    منهم   بالحجاز   وأرضها ** مغـاويـر نحارون فـي  الازمـات[213]

حمـى  لم   تزره   المذنـبات   وأوجه ** تضيـيءُ لدى  الاسـتار والظلـمات[214]

اذا  وردوا  خيـلا  بسمر  مـن   القنا ** مساعير حرب  أقحمـوا  الغمـرات[215]

فان  فخـرروا   يوماً   أتوا   بمحـمد ** وجبـريل  والفـرقـان والسـورات

وعـدوا  علياً   ذا   المنـاقب   والعلى ** وفاطـمة  الزهـراء  خيـر  بنـات

وحمزة   والعباس  ذا    الهدى   والتقى ** وجعفـرها الطـيار فـي الحجبـات

أولئـك    لا منتوج   هـند    وحزبها ** سمـية مـن نوكـى ومن  قـذرات[216]

ستسـأل   تيـم    عنهـم    وعديها ** وبيعتـهـم مـن أفجـر الفجـرات

هم   منعوا   الآباء   عن   أخذِ   حقهم ** وهـم تركوا  الابناء رهـن شتـات

وهـم   عدلوها   عـن   وصي  محمّد ** فبيعتهـم جاءت  علـى  الغـدرات

وليهـم    صـنوا    النـبي    محـمّد ** أبو الحـسـن  الفـراج  للغمـرات

ملامك   فـي  آل    النـبي   فانهـم ** احبـاى مادامـوا وأهـل  ثقـاتي

تحيزتهـم    رشداً    لنفسي    وانـهم ** على كـل  حال خـيرة   الخيـرات

نبـذت    اليهـم    بالمـودة   صادقاً ** وسلمـت نفسـي  طايعاً   لولاتـي

فيـا  رب  زدني  في  هـواي   بصيرة ** وزد  حبـهم  يارب  فـي حسـناتي

سأبكيـهم   مـا   حـج  لله  راكب ** وما  نـاح  قمري  على  الشجـرات

وانـى   لمولاهم   وقـال   عـدوهم ** وانـ&#