(ص 1- 34)

الأخلاق العملية عند

الإمام الرضا (ع)

                                                                                         السيد زهير الأعرجي

 ----------------------------------------------

 بسم الله الرحمن الرحيم

يقول سبحانه وتعالى في كتابه الكريم : (قل لا اسالكم عليه اجرا الا المودة في القربى)[1].

وعن رسول الله (ص) قال: (اني ترکت فيکم ما ان تمسکتم به لن تضلوا بعدي، کتاب الله حبل ممدود من السماء الی الارض، وعترتي أهل بيتي لن يفترقا حتی يردا عليّ الحوض، فانظروا کيف تخلفونني فيهما).

 ---------------------------------

 (1)

معنى الأخلاق

الاخلاق ملكة تبعث الكمال في النفس البشرية، وسلوك يُبرز القوة والاستقلال في شخصية الإنسان. وقد جاء الدين ليأخذ بيد الانسانية في الاتجاه الصحيح،  فيوجهها عند حيرتها و يأخذ بيد العقل عند اضطرابه، ويمده بالقوة عند ضعفه. وطالما كانت الاخلاق تهمّ الفرد والمجتمع، لانها سلوك وتصرف وحياة، لذلك فهي تعدُّ رسالة عامة تنسجمُ مع مباني العقلاء وأهل الشرف والذمم في المجتمع.

والانسان مجبولٌ بالفطرة على التخلق باخلاقٍ يحددها له المبدأ الذي يؤمن به، والمجتمع الذي يعيش فيه، والغرائز التي تستعر في نفسه. ولكن الاخلاق الدينية تُخضِع الغرائز للتهذيب، وتُحكم الميزان بين الخير والشر فتُرجّح كفة الخير على كفة الشر، وتُحقق السعادة الدنيوية والآخروية للانسان.

أما الخُلق فيأتي في اللغة بمعنى السجية، والطبع، والدين، والعادة والمروءة. والخُلق ملكة كامنة من ملکات النفس ، واداة تسخير للارادة والعمل.

(2)

حياة الامام الرضا (ع)

لابد لنا في البداية من استعراض حياة الإمام الرضا (ع) الخاصة والعامة،  كي تكون لنا عوناً في فهم حياته الاخلاقية، وإدراك مصاديقها في الواقع الحياتي العملي، وفهم رسالته الاخلاقية في الحياة.

الإمام الرضا هو ثامن أئمة أهل البيت (ع)، وهو ابو الحسن علي بن موسى (ع). ولد بالمدينة يوم الجمعة 11 ذى القعدة سنة 153 هـ، واستشهد بطوس من أرض خراسان سنة 203هـ من يوم الجمعة آخر صفر عن عمر ناهز الخمسين عاماً. وقد أقام مع أبيه الإمام الكاظم (ع) حوالي 25 عاماً، وعاصر مُلك الرشيد والامين والمأمون. فقد كانت في أيامِ إمامته بقيةُ ملك الرشيد، ثم ملَكَ محمد الامين ثلاث سنين وخمسة وعشرين يوماً، ثم خُلِعَ الامين واُجلِسَ عمه ابراهيم بن المهدي المعروف بـ(ابن شكلة) أربعة عشر يوماً، ثم اخرج الامين ثانية وبويع له، وبقي بعد ذلك سنة وسبعة اشهر، حتى مقتله على يد طاهر بن الحسين. ثم ملَكَ المأمون (وهو عبد الله بن هارون الرشيد) بعده عشرين سنة. واستشهد الإمام (ع) بعد مضي خمس أو ثمان سنين من ملك المأمون. وكانت مدة إمامته عشرين عاماً. وسمّي بالرضا لأن  المخالف رضي به والمؤالف.

ونُقل عن أمه ان حمله كان بركة لها ورحمة من الله بها، فلم تشعر بثقل الحمل، وكانت تسمع في منامها تسبيحاً ونهليلاً. وما ان فتح عينيه على الدنيا حتى أذّن أبوه موسى الكاظم (ع) في ا ُذنه اليمنى واقام في اليسرى وحنكّه بماء الفرات، وقال لأمه: (خذيه فانه بقية الله تعالى في أرضه)[2].

وقد نشأ الرضا (ع) - حفيد رسول الله (ص)، ووارث علمه، أحد أئمة الهدى المجُمَع على غزارةِ علمهم، وعلو شرفهم- في بيتٍ من أطهر البيوت، وهو بيت العترة الطيبة، وبيت الإمامة التي خصّها الله بهم، لهداية الناس وارشادهم. كما هو المنقول عنه (ع): (الحمد لله الذي لم ندخل احداً في ضلالة ولم نخرجه عن هدى)[3].

وقد اصبحت الإمامة، في ذلك الزمان، شُغل الامة وهاجسها، فهي ترى في أئمة أهل البيت (ع) مناراً للتقوى والصلاح ومشعلاً للهداية والرشاد وتحقيقاً للعدل والمساواة، فأيقن خلفاء بني العباس، ومنهم المأمون، انه لا يمكن اغماض العين ولا اطباق الجفن عن قضية خطيرة كقضية الإمامة. وفي اهمالها خطرٌ على مصالحهم السياسية في الخلافة والحكم، خصوصاً وان الكثير من العلويين في تلك الحقبة كانوا قد خرجوا على حكم العباسيين أمثال: محمد بن ابراهيم من أولاد الحسن بالكوفة، وابراهيم بن موسى ابن جعفر باليمن، والحسين بن الحسن بمكة، وامتدت جذور التشيع لأهل البيت (ع) إلى بلاط المأمون، فكان وزيره الفضل بن سهل، وقائد جنده طاهر بن الحسين ممن اظهرا تشيعهما.

وكان المأمون يتظاهر بحب عليّ (ع)، بل يروى انه كتب إلى الآفاق يحثهم على ذكر فضائل علي بن ابي طالب، وطالبهم بان يذكروا للناس انه (ع) كان أفضل الخلق بعد رسول الله (ص). ولم يتوقف عند ذلك، بل أمرهم بان لا يُذكر من حارب الإمام علي بن ابي طالب (ع) بخير وبالخصوص معاوية، ومن ذكره بخير اُبيح دمه وماله.

 تسلق المأمون إلى السلطة:

          قبل موت الرشيد، بايع لابنه محمد الأمين، وبعده لأخيه المأمون، وبعدهما لأخيهما القاسم المؤتمن. وجعل الرشيد أمر عزل الأمين وابقائه بيد المأمون، وكتب بذلك صحيفة وأودعها في جوف الكعبة، وقسّم البلاد بين الأمين والمأمون، فجعل شرقيها للمأمون وأمره بسكنى مرو وهي اشهر مدن خراسان في ذلك الوقت، كما في معجم البلدان. وغريبيها للأمين وأمره بسكنى بغداد. فكان المأمون في حياة أبيه في مرو.

          ولكن ما ان مات الرشيد في خراسان، حتى خلع الأمين أخاه المأمون من ولاية العهد، وبايع لولد له صغير فوقعت الحرب بينهما. فنذر المأمون حين ضاق به الأمر ان أظفره الله بالأمين أن يجعل الخلافة في أفضل آل ابي طالب! فلما قتل أخاه الأمين واستقل بالخلافة، كتب إلى الإمام الرضا (ع) يستقدمه إلى خراسان ليفي بنذره.

 ولاية العهد:

          ونظرة بديهية خاطفة إلى علم السياسة، تبين لنا ان ولاية العهد لا تمنح لشخصية، ما لم تكن هناك حيثيات وعلل ولياقات. وفي ذلك نقاط لابد من عرضها:  

1- كان المأمون يعلم ميل الناس إلى ابناء علي (ع) وحبهم لهم، فأراد بجعل الرضا (ع) وليّاً للعهد ان يتقرب الى قلوب الناس و يكسب عطفهم، مع ما فيه هو نفسه من نزعة شيعيّة مزعومة.

2- جرى حكم المأمون في شرق الأرض وغربها واستقدم الرضا (ع) إلى خراسان لولاية العهد إيفاءً بالنذر! فهل كان التكليف بولاية العهد صادقاً ؟ في الجواب على ذلك نقول: إذا كانت السلطة قد أعمت قلب المأمون، فقتل عندها أخاه ولم يوخزه ضميره قيد شعرة، فهل كان النذر ملزماً له بحيث كان عليه الوفاء؟ لا أحد يعلم يقيناً، ولكن التشفع بأهل البيت (ع) والتظاهر بحبهم والولاء لهم كان أداةً لثبيت الملك والسلطنة.

3- ولم يكتف المأمون بتولية الرضا (ع) ولاية العهد، بل اقترح عليه التزوج من ابنته، وهكذا كان. فقد تزوج الإمام (ع) من ابنة المأمون، أم حبيب. ولم يكتفِ المأمون بذلك، بل زوج ابنته الثانية أم الفضل بمحمد الجواد (ع) سنة 201هـ. وكانت فلسفة المأمون في المصاهرة من أهل البيت (ع) والتودد لهم بانها ارحام قطعت من مائتي عام، فلابد من إرجاعها إلى سابق عهدها في الود والصلة.

4- وكان المأمون يدفع الإمام الرضا (ع) في مناظرات ومحاججات لا طائل منها، ظناً منه انه يستطيع انقاص قدر الإمام (ع)، إذ كان يرجو ان يتعثر في جواب مسائل العلماء له من مختلف الطوائف والمذاهب والاديان. ولكن الإمام (ع) كان، وبدليل لياقته العلمية، قادراً على المناظرة واثبات الحجة، وافحام الخصم. وكان (ع) غالباً  ما يقول: (انا حجة الله على خلقه... أو ما بلغك قول أمير المؤمنين: أويتنا فصل الخطاب...)[4].

5- أتصف الرضا (ع) بصفات الإمام المعصوم الذي طهر من العيوب والدنس، واُلهِمَ من العلم والمعرفة، وأفنى أيامه ولياليه في العبادة وذكر الله تعالى، فلاريب ان يصف (ع) لنا خصائص الإمام المعصوم ويشترط ان يكون: (تقياً نقياً من كل دنس، طاهراً من كل عيب، عادلاً منصفاً، حكيماً رؤوفاً، رحيماً غفوراً، عطوفاً صادقاَ، مشفقاً بارّاً، اميناً مأموناً، راتقاً فاتقاً)[5].

وعندما يُكره الإمام على عمل من قبل ظالم، فهذا لا يقلل من قيمة لياقته العامة للإمامة الكبرى. فعندما اُحتجّ عليه بقبوله ولاية العهد، من خليفة طاغية كالمأمون، اشار بانه اُكره على الأمر، وقال (ع) مخاطباً المحّتج: (أهولاء أكفرُ عندك أم عزيز مصر وأهل مملكته، أليس هؤلاء على حال يزعمون انهم موحّدون، وأولئك لم يوحّدوا الله ولم يعرفوه؟ يوسف بن يعقوب نبيُّ ابن نبي، قال للعزيز وهو كافر: (اجعلني على خزائن الارض اني حفيظ عليم)[6] وكان يجالس الفراعنة، وأنا رجل من ولِد رسول الله (ص) أجبرني على هذا الأمر وأكرهني عليه...)[7].

وتنسب إلى الرضا (ع) صحيفة تحوي مجمل عقائد أهل البيت (ع) في الإمامة من حيث وجوبها على الله لطفاً منه، ومقام الائمة وعلمهم الموروث، ونقد نظام الحكم بالبيعة والاختيار.

وكان المأمون قد بعث إلى الرضا (ع) يطلب منه ان يجمع له في كتاب واحد، اصول الدين وفروعه من التوحيد والحلال والحرام والفرائض والسنن. فكتب (ع) له ذلك الكتاب، وقال في ديباجته: (وان الدليل من بعد النبي (ص)، والحجة على المؤمنين، والقائم بأمور المسلمين، والناطق على القرآن، والعالِم باحكامه أخوه وخليفته ووصيه ووليه الذي كان منه بمنـزلة هارون من موسى: علي بن ابي طالب، وبعده الحسن والحسين، ثم ذكر الائمة واحداً بعد واحد ووصفهم بأنهم عترة الرسول، وأعلمهم بالكتاب والسنّة، وأعدلهم في القضية، وأولاهم بالإمامة، وهم العروة الوثقى وأئمة الهدى والحجة على أهل الدنيا)[8].

 استشهاده (ع):

مضى الإمام الرضا (ع) إلى ربه شهيداً على اغلب الروايات[9] بسمّ دسه له المأمون، قيل بماء الرمان كما في تهذيب التهذيب للحافظ ابن حجر، و قيل بأكل حبات من العنب كما في تاريخ الطبري.

(3)

أخلاقية التعامل في حياة الامام الرضا (ع)

على ضوء القرآن الكريم

نستقرأ من كتاب الله المجيد، ثلاثة أبعاد مهمة في الحياة الانسانية، على نطاق الاخلاق:

البعد الاول: تعامل الانسان مع الناس في المجتمع. ونسميه بالتعامل الإجتماعي.

البعد الثاني: تعامل الانسان مع الله سبحانه وتعالى. ونسميه بالتعامل الروحي التعبدي.

البعد الثالث: تعامل الانسان مع نفسه. ونسميه بالسلوك الشخصي.

وسوف ندرس تلك الأبعاد في حياة المعصوم (ع)، حيث يمثل الإمام الرضا (ع) شخصية المعصوم العالِم بعلوم الشريعة، وعقيدة التوحيد، ومعارف الكون والحياة.

أ- أخلاقية التعامل مع المجتمع:

وهو فن التعامل مع الناس بالملكات الفاضلة التي تبث الخير والفضيلة، وتشجع على الإحسان والعمل الصالح، وتنشر السلام الاجتماعي وذكر الله تعالى. ويشمل هذا الجانب: الاخوة والتعامل الاخلاقي في العلاقات الاجتماعية، وحقوق الافراد في العائلة الواحدة وواجباتهم، والتعامل الحسن مع الناس جميعاً من أغنياء وفقراء، وارشاد الأمة بسوادها وسلاطينها إلى طريق الدين والحق والعدالة.

 مفردات الاخلاق الاجتماعية:

          وفيما يلي مفردات أخلاقية عملية وضعها لنا الإمام الرضا (ع) من خلال مواعظه ومسلكه بين الناس:

 1- الاخوة الايمانية:

الأخوة التي تجمع المؤمنين في طاعة الله هي الأخوة الإيمانية، ويمثله قوله تعالى: (انما المؤمنون اخوة فاصلحوا بين اخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون)[10]. ويمثله قول الإمام الرضا (ع) عندما زاره أخوه زيد بن موسى بن جعفر، قائلاً له: (...أنت أخي ما أطعت الله، فإذا عصيت الله لا إخاء بيني وبينك)[11]. وبذلك وضع الإمام (ع) ضابطة الأخوة الإيمانية وهي طاعة الله تعالى. فإذا توقفت الطاعة، توقفت تلك العلاقة الاعتبارية وانتفت بانتفاء الموضوع.

          وأخوة الإيمان انما تنطلق باعتبار ان المؤمنين ذو كينونة واحدة متفقة من ناحية نظرتهم إلى الحياة والخالق والمجتمع، يجمعهم رباط العبادة، وتكتحل عيونهم برؤية بعضهم البعض، وتمتد أيديهم إلى اخوانهم من أجل التضافر في العيش الكريم المشترك.

 2- صلة الرحم والمعروف:

          والرحم هو تعبير عن المجتمع الصغير الذي يرتبط أعضاؤه بعلاقة الدم القريبة، قال تعالى: (واولوا الارحام بعضهم اولى ببعض في كتاب الله)[12]، (فهل عسيتم ان توليتم ان تفسدوا في الارض و تقطعوا ارحامكم)[13].

          كان الإمام الرضا (ع) معروفاً بصلة الرحم، وكان كثير المعروف والصدقة في السر خصوصاً في الليالي المظلمة. ويعرف عنه (ع) انه كان يستر وجهه عن السائل مخافة ان يرى ذلّ السؤال في وجهه.

          وفي رواية، يقول فيها الراوي: (كنت في مجلس ابي الحسن الرضا (ع) وقد اجتمع اليه خلق كثير يسألونه عن الحلال والحرام، إذ دخل عليه رجل، فقال: السلام عليك يابن رسول الله، رجلٌ من محبيك ومحبي آبائك واجدادك، مصدري من الحج، وقد افتقدت نفقتي وما معي ما ابلغ به مرحلة. فإن رأيت ان تنهضني إلى بلدي ولله عليَّ نعمة، فاذا بلغت بلدي تصدقت بالذي توليني عنك فلستُ موضع صدقة.

فقال (ع) له: اجلس رحمك الله. وأقبل على الناس يحدثهم حتى تفرقوا، وبقي هو وسليمان الجعفري وخيثمة وانا، فقال: أتأذنون لي في الدخول، فقال له سليمان: قدّم الله أمرك. فقام فدخل الحجرة وبقي ساعة، ثم خرج، وردّ الباب، واخرج يده من أعلى الباب، وقال: أين الخراساني؟ فقال: ها انذا. فقال: خذ هذه المائتي دينار واستعن بها في مؤونتك ونفقتك، وتبرك بها ولا تتصدق بها عني، واخرج فلا أراك ولا تراني.

ثم خرج، فقال سليمان: جعلت فداك لقد اجزلت ورحمت، فلماذا سترت وجهك عنه؟ فقال (ع): مخافة ان أرى ذلّ السؤال في وجهه لقضائي حاجته، اما سمعت حديث رسول الله (ص): المستتر بالحسنة تعدل سبعين حجة، والمذيع بالسيئة مخذول، والمستتر بها مغفور له).

وكان (ع) يقول: (صل رحمك ولو بشربة من الماء، وأفضل ما توصل به الرحم كفّ الاذى عنها، ففي كتاب الله: (ولا تبطلوا صدقاتكم بالمنّ والاذى)[14]([15]. وهو مصداق قوله تعالى: (الذين ينفقون اموالهم في سبيل الله ثم لايتبِعُون ما انفقوا منّاً ولا اذىّ لهم اجرُهُم عندَ ربهم ولاخوفُ عليهم ولاهم يحزنون قولٌ معروف ومغفرةٌ خيرُ من صدقة يتبعها اذى والله غني حليم)[16].

ويروى عنه (ع) أيضاً انه قال: (ان الله أمر بثلاثة مقرون بها ثلاثة. أمر بالصلاة والزكاة، فمن صلّى ولم يزكِّ لم تقبل صلاته. وأمر بالشكر له وللوالدين فمن لم بشكر والديه لم يشكر الله. وأمر باتقاء الله وصلة الرحم فمن لم يصل رحمه لم يتق الله عزوجل)[17].

3- العناية بالأسرة:

          والأسرة في المجتمع قاعدة الإنسان، ومنبع وجوده، واساس خلقته وخُلقه، وأصل نسبه. وتشمل الأسرة أو العيال: الوالدين، والاولاد، والزوجة، بل كل من يتعلق بالإنسان من نسب أو سبب. ومن واجبات الإنسان ان يوسع على عياله ويكفيهم في دينهم ودنياهم. وإلى ذلك يقول الإمام الرضا (ع): (صاحب النعمة يجب ان يوسع على عياله)[18]، و(ان الذي يطلب من فضلٍ يكفّ به عياله أعظم من المجاهد في سبيل الله)[19]، (...وأحسن الناس معاشاً من حَسُنَ معاش غيره في معاشه...)[20].

 4- العفو عن الجاني:

حبّب الله العفو عن معاقبة الجاني، وقربّه الى النفس، إلى حد اطلق على ولي الدم بالأخ إثارة لحس المحبة والرأفة وتلويحاً إلى ان العفو أحبّ عند الله سبحانه، ولكنه في الوقت نفسه أجاز القصاص من المعتدي، يقول تعالى: (يا ايها الذين امنوا كتب عليكم القصاصُ في القتلى الحُرّ بالحّر والعبدُ بالعبد والانثى بالانثى فمن عّفيَ له من اخيه شيء فاتّباعُ بالمعروف واداءٌ إليه باحسان ذلك تخفيفُ من ربكم ورحمةُ فمن اعتدى بعد ذلك فله عذابُ اليم)[21].

          وكان من سنّة أهل البيت (ع) مقابلة الإساءة بالإحسان، والإعتداء بالعفو، والجناية بالمغفرة. فقد عفا النبي (ص) عن المشركين أمثال أبو سفيان والوليد ونحوهم بعد فتح مكة، وقال (ص): من دخل بيت أبو سفيان فهو آمن. وعفا أمير المؤمنين (ع) عن مروان بن الحكم بعد ان كلّمه الحسن والحسين (ع) في ذلك. وعفا الحسين (ع) عن الحر بن يزيد عندما تاب، وهو الذي جعجع به إلى كربلاء. وتاريخ أهل البيت (ع) يشهد لهم بتلك الخصلة الطيبة.

وكان الإمام الرضا (ع) على تلك الشاكلة، كما روى صاحب المناقب عن محمد بن سنان: (كان المأمون يجلس في ديوان المظالم يوم الاثنين ويوم الخميس، ويقعد الرضا (ع) على يمينه. فرفع اليه انّ صُوفياً من أهل الكوفة سرق، فأمر باحضاره، فرأى عليه سماء الخير. فقال: سوأة لهذه الآثار الجميلة بهذا الفعل القبيح.

فقال الرجل: فعلت ذلك اضطراراً لا اختياراً، وقال الله تعالى: (فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لاثم فان الله غفور رحيم)[22]. وقد مُنعِتُ من الخمسِ والغنائم. فقال: وما حقك منها؟ فقال: قال الله تعالى: (واعلموا انما غنمتم من شيء فان لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل...)[23]. فمنعتني حقي وأنا مسكين وابن السبيل، وأنا من حملة القرآن، وقد منعت كل سنة مني مائتي دينار بقول النبي (ص).

فقال المأمون: لا اعطل حدّاً من حدود الله، وحكماً من احكامه في السارق من أجل اساطيرك هذه. قال: فابدأ اولاً بنفسك فطهرّها ثم طهرّ غيرك، وأقم حدود الله عليها ثم على غيرك. فالتفت المأمون الى الرضا (ع) فقال: ما يقول، قال (ع): يقول انه سُرِق فسَرَق.

فغضب المأمون ثم قال: والله لاقطعنك. قال: اتقطعني وانت عبدي، فقال: ويلك أي شيء تقول؟ قال: أليست أمك اُشتريت من مال الفيء فانت عبد لمن في المشرق والمغرب من المسلمين حتى يعتقوك وأنا منهم، وما اعتقتك. والاخرى ان النجس لايطهر نجساً انما يطهره طاهر، ومن في جنبه حد لا يقيم الحدود على غيره حتى يبدأ بنفسه، اما سمعت الله تعالى يقول: (اتامرون الناس بالبر وتنسون انفسكم وانتم تتلون الكتاب افلا تعقلون)[24]. فالتفت المأمون إلى الرضا (ع) فقال: ماتقول؟ قال (ع): (ان الله عزّ وجلّ قال لنبيّه (ص): (قل فللهّ الحجة البالغة)[25]، وهي التي تبلغ الجاهل فيعلمها على جهله كما يعلمها العالِم بعلمه، والدنيا والآخرة قائمتان بالحجة، وقد احتج الرجل).

فأمر باطلاق الرجل الصوفي وغضب على الإمام الرضا (ع) في السر) [26]. وقد نُقِل، عنه قوله (ع) في قوله تعالى: (وان الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل)[27]، قال (ع): (عفوُ بغير عتاب) [28].

 5- الخُلق الجميل:

وصف الله عزّ وجلّ رسوله محمد (ص) بهذه الصفة الجميلة: ( وانك لعلى خُلق عظيم)[29]، (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظّاً غليظ القلب لانفضوا من حولك)[30]، ( ولا تستوي الحسنةُ ولا السيئة ادفع بالتي هي احسنُ فاذا الذي بينك و بينه عداوةٌ كانه وليٌ حميم)[31].

ويجسّد الإمام الرضا (ع) هذه الاخلاق القرآنية تجسيداً عملياً رائعاً، فهو قرآن عملي يتحرك بين الناس بالأخلاق الحميدة، وهو صوت الشريعة الحقة وواقعها المتحرك بين الأمة. يقول ابراهيم بن العباس الصولي: (ما رأيت ولا سمعت بأحد أفضل من أبي الحسن الرضا، وشهدت منه مالم اُشاهد من أحدٍ، وما رأيته جفا أحداً بكلام قط، ولا رأيته قطع على أحدٍ كلامه حتى يفرغ منه، و ما ردَّ أحداً عن حاجةٍ قدر عليها، ولا مدَّ رجليه بين يدي جليس له قط، ولا اتكى بين يدي جليس له قط، ولا رأيته يشتم أحداً من مواليه ومماليكه، ولا رأيته يقهقه في ضحكه، بل كان ضحكه التبسم. وكان إذا خلا ونصبت الموائد، اجلس على مائدته البوّاب والسّائس. وكان قليل النوم بالليل، كثير الصوم لايفوته صيام ثلاثة أيام في الشهر، وكان كثير المعروف والصدقة في السر، وأكثر ذلك منه لا يكون إلا في الليالي المظلمة) [32].

وكان (ع) يرشد أصحابه إلى الخير، ويقول: (كن خيراً لا شرَّ معه، كن ورقاًَ لا شوك معه، ولا تكن شوكاً لا ورق معه وشراً لا خير معه)، (انَّ الله تعالى يبغض القليل والقال، وإيضاع المال، وكثرة السؤال. انَّ بني اسرائيل شدّدوا فشدَّد الله عليهم قال لهم موسى (ع): اذبحوا بقرة، قالوا: ما لونها فلم يزالوا يشدَّدوا حتى ذبحوا بقرة يملأ جلدها ذهباً)[33].

 6- مداراة الناس والإحسان إليهم:

          وكان شعاره (ع): (التودد إلى الناس نصف العقل)[34]، و(لايكون المؤمن مؤمناً حتى يكون فيه ثلاث خصال، سنّة من ربه، وسنّة من نبيّه، وسنّة من وليّه. فأما السنّة من ربه: فكتمان السر، قال الله عزوجل: (عالم الغيب فلايظهر على غيبه احداً الا من ارتضى من رسَول)[35]. وأما السنّة من نبيّه: فمدارة الناس، فان الله عزّ وجلّ أمر نبيّه بمدارة الناس، قال: (خذ العفو و أمر بالعرف واعرض عن الجاهلين)[36]. وأما السنّة من وليه: فالصبر في البأساء والضراء، فان الله عزوجل يقول: (والصابرين في البأساء والضراء)[37](