|
(ص 1- 34) الأخلاق العملية عند الإمام الرضا (ع) السيد زهير الأعرجي ---------------------------------------------- بسم الله الرحمن الرحيم يقول سبحانه وتعالى في كتابه الكريم : (قل لا اسالكم عليه اجرا الا المودة في القربى)[1]. وعن رسول الله (ص) قال: (اني ترکت فيکم ما ان تمسکتم به لن تضلوا بعدي، کتاب الله حبل ممدود من السماء الی الارض، وعترتي أهل بيتي لن يفترقا حتی يردا عليّ الحوض، فانظروا کيف تخلفونني فيهما). --------------------------------- (1) معنى الأخلاق الاخلاق ملكة تبعث الكمال في النفس البشرية، وسلوك يُبرز القوة والاستقلال في شخصية الإنسان. وقد جاء الدين ليأخذ بيد الانسانية في الاتجاه الصحيح، فيوجهها عند حيرتها و يأخذ بيد العقل عند اضطرابه، ويمده بالقوة عند ضعفه. وطالما كانت الاخلاق تهمّ الفرد والمجتمع، لانها سلوك وتصرف وحياة، لذلك فهي تعدُّ رسالة عامة تنسجمُ مع مباني العقلاء وأهل الشرف والذمم في المجتمع. والانسان مجبولٌ بالفطرة على التخلق باخلاقٍ يحددها له المبدأ الذي يؤمن به، والمجتمع الذي يعيش فيه، والغرائز التي تستعر في نفسه. ولكن الاخلاق الدينية تُخضِع الغرائز للتهذيب، وتُحكم الميزان بين الخير والشر فتُرجّح كفة الخير على كفة الشر، وتُحقق السعادة الدنيوية والآخروية للانسان. أما الخُلق فيأتي في اللغة بمعنى السجية، والطبع، والدين، والعادة والمروءة. والخُلق ملكة كامنة من ملکات النفس ، واداة تسخير للارادة والعمل. (2) حياة الامام الرضا (ع) لابد لنا في البداية من استعراض حياة الإمام الرضا (ع) الخاصة والعامة، كي تكون لنا عوناً في فهم حياته الاخلاقية، وإدراك مصاديقها في الواقع الحياتي العملي، وفهم رسالته الاخلاقية في الحياة. الإمام الرضا هو ثامن أئمة أهل البيت (ع)، وهو ابو الحسن علي بن موسى (ع). ولد بالمدينة يوم الجمعة 11 ذى القعدة سنة 153 هـ، واستشهد بطوس من أرض خراسان سنة 203هـ من يوم الجمعة آخر صفر عن عمر ناهز الخمسين عاماً. وقد أقام مع أبيه الإمام الكاظم (ع) حوالي 25 عاماً، وعاصر مُلك الرشيد والامين والمأمون. فقد كانت في أيامِ إمامته بقيةُ ملك الرشيد، ثم ملَكَ محمد الامين ثلاث سنين وخمسة وعشرين يوماً، ثم خُلِعَ الامين واُجلِسَ عمه ابراهيم بن المهدي المعروف بـ(ابن شكلة) أربعة عشر يوماً، ثم اخرج الامين ثانية وبويع له، وبقي بعد ذلك سنة وسبعة اشهر، حتى مقتله على يد طاهر بن الحسين. ثم ملَكَ المأمون (وهو عبد الله بن هارون الرشيد) بعده عشرين سنة. واستشهد الإمام (ع) بعد مضي خمس أو ثمان سنين من ملك المأمون. وكانت مدة إمامته عشرين عاماً. وسمّي بالرضا لأن المخالف رضي به والمؤالف. ونُقل عن أمه ان حمله كان بركة لها ورحمة من الله بها، فلم تشعر بثقل الحمل، وكانت تسمع في منامها تسبيحاً ونهليلاً. وما ان فتح عينيه على الدنيا حتى أذّن أبوه موسى الكاظم (ع) في ا ُذنه اليمنى واقام في اليسرى وحنكّه بماء الفرات، وقال لأمه: (خذيه فانه بقية الله تعالى في أرضه)[2]. وقد نشأ الرضا (ع) - حفيد رسول الله (ص)، ووارث علمه، أحد أئمة الهدى المجُمَع على غزارةِ علمهم، وعلو شرفهم- في بيتٍ من أطهر البيوت، وهو بيت العترة الطيبة، وبيت الإمامة التي خصّها الله بهم، لهداية الناس وارشادهم. كما هو المنقول عنه (ع): (الحمد لله الذي لم ندخل احداً في ضلالة ولم نخرجه عن هدى)[3]. وقد اصبحت الإمامة، في ذلك الزمان، شُغل الامة وهاجسها، فهي ترى في أئمة أهل البيت (ع) مناراً للتقوى والصلاح ومشعلاً للهداية والرشاد وتحقيقاً للعدل والمساواة، فأيقن خلفاء بني العباس، ومنهم المأمون، انه لا يمكن اغماض العين ولا اطباق الجفن عن قضية خطيرة كقضية الإمامة. وفي اهمالها خطرٌ على مصالحهم السياسية في الخلافة والحكم، خصوصاً وان الكثير من العلويين في تلك الحقبة كانوا قد خرجوا على حكم العباسيين أمثال: محمد بن ابراهيم من أولاد الحسن بالكوفة، وابراهيم بن موسى ابن جعفر باليمن، والحسين بن الحسن بمكة، وامتدت جذور التشيع لأهل البيت (ع) إلى بلاط المأمون، فكان وزيره الفضل بن سهل، وقائد جنده طاهر بن الحسين ممن اظهرا تشيعهما. وكان المأمون يتظاهر بحب عليّ (ع)، بل يروى انه كتب إلى الآفاق يحثهم على ذكر فضائل علي بن ابي طالب، وطالبهم بان يذكروا للناس انه (ع) كان أفضل الخلق بعد رسول الله (ص). ولم يتوقف عند ذلك، بل أمرهم بان لا يُذكر من حارب الإمام علي بن ابي طالب (ع) بخير وبالخصوص معاوية، ومن ذكره بخير اُبيح دمه وماله. تسلق المأمون إلى السلطة: قبل موت الرشيد، بايع لابنه محمد الأمين، وبعده لأخيه المأمون، وبعدهما لأخيهما القاسم المؤتمن. وجعل الرشيد أمر عزل الأمين وابقائه بيد المأمون، وكتب بذلك صحيفة وأودعها في جوف الكعبة، وقسّم البلاد بين الأمين والمأمون، فجعل شرقيها للمأمون وأمره بسكنى مرو وهي اشهر مدن خراسان في ذلك الوقت، كما في معجم البلدان. وغريبيها للأمين وأمره بسكنى بغداد. فكان المأمون في حياة أبيه في مرو. ولكن ما ان مات الرشيد في خراسان، حتى خلع الأمين أخاه المأمون من ولاية العهد، وبايع لولد له صغير فوقعت الحرب بينهما. فنذر المأمون حين ضاق به الأمر ان أظفره الله بالأمين أن يجعل الخلافة في أفضل آل ابي طالب! فلما قتل أخاه الأمين واستقل بالخلافة، كتب إلى الإمام الرضا (ع) يستقدمه إلى خراسان ليفي بنذره. ولاية العهد: ونظرة بديهية خاطفة إلى علم السياسة، تبين لنا ان ولاية العهد لا تمنح لشخصية، ما لم تكن هناك حيثيات وعلل ولياقات. وفي ذلك نقاط لابد من عرضها: 1- كان المأمون يعلم ميل الناس إلى ابناء علي (ع) وحبهم لهم، فأراد بجعل الرضا (ع) وليّاً للعهد ان يتقرب الى قلوب الناس و يكسب عطفهم، مع ما فيه هو نفسه من نزعة شيعيّة مزعومة. 2- جرى حكم المأمون في شرق الأرض وغربها واستقدم الرضا (ع) إلى خراسان لولاية العهد إيفاءً بالنذر! فهل كان التكليف بولاية العهد صادقاً ؟ في الجواب على ذلك نقول: إذا كانت السلطة قد أعمت قلب المأمون، فقتل عندها أخاه ولم يوخزه ضميره قيد شعرة، فهل كان النذر ملزماً له بحيث كان عليه الوفاء؟ لا أحد يعلم يقيناً، ولكن التشفع بأهل البيت (ع) والتظاهر بحبهم والولاء لهم كان أداةً لثبيت الملك والسلطنة. 3- ولم يكتف المأمون بتولية الرضا (ع) ولاية العهد، بل اقترح عليه التزوج من ابنته، وهكذا كان. فقد تزوج الإمام (ع) من ابنة المأمون، أم حبيب. ولم يكتفِ المأمون بذلك، بل زوج ابنته الثانية أم الفضل بمحمد الجواد (ع) سنة 201هـ. وكانت فلسفة المأمون في المصاهرة من أهل البيت (ع) والتودد لهم بانها ارحام قطعت من مائتي عام، فلابد من إرجاعها إلى سابق عهدها في الود والصلة. 4- وكان المأمون يدفع الإمام الرضا (ع) في مناظرات ومحاججات لا طائل منها، ظناً منه انه يستطيع انقاص قدر الإمام (ع)، إذ كان يرجو ان يتعثر في جواب مسائل العلماء له من مختلف الطوائف والمذاهب والاديان. ولكن الإمام (ع) كان، وبدليل لياقته العلمية، قادراً على المناظرة واثبات الحجة، وافحام الخصم. وكان (ع) غالباً ما يقول: (انا حجة الله على خلقه... أو ما بلغك قول أمير المؤمنين: أويتنا فصل الخطاب...)[4]. 5- أتصف الرضا (ع) بصفات الإمام المعصوم الذي طهر من العيوب والدنس، واُلهِمَ من العلم والمعرفة، وأفنى أيامه ولياليه في العبادة وذكر الله تعالى، فلاريب ان يصف (ع) لنا خصائص الإمام المعصوم ويشترط ان يكون: (تقياً نقياً من كل دنس، طاهراً من كل عيب، عادلاً منصفاً، حكيماً رؤوفاً، رحيماً غفوراً، عطوفاً صادقاَ، مشفقاً بارّاً، اميناً مأموناً، راتقاً فاتقاً)[5]. وعندما يُكره الإمام على عمل من قبل ظالم، فهذا لا يقلل من قيمة لياقته العامة للإمامة الكبرى. فعندما اُحتجّ عليه بقبوله ولاية العهد، من خليفة طاغية كالمأمون، اشار بانه اُكره على الأمر، وقال (ع) مخاطباً المحّتج: (أهولاء أكفرُ عندك أم عزيز مصر وأهل مملكته، أليس هؤلاء على حال يزعمون انهم موحّدون، وأولئك لم يوحّدوا الله ولم يعرفوه؟ يوسف بن يعقوب نبيُّ ابن نبي، قال للعزيز وهو كافر: (اجعلني على خزائن الارض اني حفيظ عليم)[6] وكان يجالس الفراعنة، وأنا رجل من ولِد رسول الله (ص) أجبرني على هذا الأمر وأكرهني عليه...)[7]. وتنسب إلى الرضا (ع) صحيفة تحوي مجمل عقائد أهل البيت (ع) في الإمامة من حيث وجوبها على الله لطفاً منه، ومقام الائمة وعلمهم الموروث، ونقد نظام الحكم بالبيعة والاختيار. وكان المأمون قد بعث إلى الرضا (ع) يطلب منه ان يجمع له في كتاب واحد، اصول الدين وفروعه من التوحيد والحلال والحرام والفرائض والسنن. فكتب (ع) له ذلك الكتاب، وقال في ديباجته: (وان الدليل من بعد النبي (ص)، والحجة على المؤمنين، والقائم بأمور المسلمين، والناطق على القرآن، والعالِم باحكامه أخوه وخليفته ووصيه ووليه الذي كان منه بمنـزلة هارون من موسى: علي بن ابي طالب، وبعده الحسن والحسين، ثم ذكر الائمة واحداً بعد واحد ووصفهم بأنهم عترة الرسول، وأعلمهم بالكتاب والسنّة، وأعدلهم في القضية، وأولاهم بالإمامة، وهم العروة الوثقى وأئمة الهدى والحجة على أهل الدنيا)[8]. استشهاده (ع): مضى الإمام الرضا (ع) إلى ربه شهيداً على اغلب الروايات[9] بسمّ دسه له المأمون، قيل بماء الرمان كما في تهذيب التهذيب للحافظ ابن حجر، و قيل بأكل حبات من العنب كما في تاريخ الطبري. (3) أخلاقية التعامل في حياة الامام الرضا (ع) على ضوء القرآن الكريم نستقرأ من كتاب الله المجيد، ثلاثة أبعاد مهمة في الحياة الانسانية، على نطاق الاخلاق: البعد الاول: تعامل الانسان مع الناس في المجتمع. ونسميه بالتعامل الإجتماعي. البعد الثاني: تعامل الانسان مع الله سبحانه وتعالى. ونسميه بالتعامل الروحي التعبدي. البعد الثالث: تعامل الانسان مع نفسه. ونسميه بالسلوك الشخصي. وسوف ندرس تلك الأبعاد في حياة المعصوم (ع)، حيث يمثل الإمام الرضا (ع) شخصية المعصوم العالِم بعلوم الشريعة، وعقيدة التوحيد، ومعارف الكون والحياة. أ- أخلاقية التعامل مع المجتمع: وهو فن التعامل مع الناس بالملكات الفاضلة التي تبث الخير والفضيلة، وتشجع على الإحسان والعمل الصالح، وتنشر السلام الاجتماعي وذكر الله تعالى. ويشمل هذا الجانب: الاخوة والتعامل الاخلاقي في العلاقات الاجتماعية، وحقوق الافراد في العائلة الواحدة وواجباتهم، والتعامل الحسن مع الناس جميعاً من أغنياء وفقراء، وارشاد الأمة بسوادها وسلاطينها إلى طريق الدين والحق والعدالة. مفردات الاخلاق الاجتماعية: وفيما يلي مفردات أخلاقية عملية وضعها لنا الإمام الرضا (ع) من خلال مواعظه ومسلكه بين الناس: 1- الاخوة الايمانية: الأخوة التي تجمع المؤمنين في طاعة الله هي الأخوة الإيمانية، ويمثله قوله تعالى: (انما المؤمنون اخوة فاصلحوا بين اخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون)[10]. ويمثله قول الإمام الرضا (ع) عندما زاره أخوه زيد بن موسى بن جعفر، قائلاً له: (...أنت أخي ما أطعت الله، فإذا عصيت الله لا إخاء بيني وبينك)[11]. وبذلك وضع الإمام (ع) ضابطة الأخوة الإيمانية وهي طاعة الله تعالى. فإذا توقفت الطاعة، توقفت تلك العلاقة الاعتبارية وانتفت بانتفاء الموضوع. وأخوة الإيمان انما تنطلق باعتبار ان المؤمنين ذو كينونة واحدة متفقة من ناحية نظرتهم إلى الحياة والخالق والمجتمع، يجمعهم رباط العبادة، وتكتحل عيونهم برؤية بعضهم البعض، وتمتد أيديهم إلى اخوانهم من أجل التضافر في العيش الكريم المشترك. 2- صلة الرحم والمعروف: والرحم هو تعبير عن المجتمع الصغير الذي يرتبط أعضاؤه بعلاقة الدم القريبة، قال تعالى: (واولوا الارحام بعضهم اولى ببعض في كتاب الله)[12]، (فهل عسيتم ان توليتم ان تفسدوا في الارض و تقطعوا ارحامكم)[13]. كان الإمام الرضا (ع) معروفاً بصلة الرحم، وكان كثير المعروف والصدقة في السر خصوصاً في الليالي المظلمة. ويعرف عنه (ع) انه كان يستر وجهه عن السائل مخافة ان يرى ذلّ السؤال في وجهه. وفي رواية، يقول فيها الراوي: (كنت في مجلس ابي الحسن الرضا (ع) وقد اجتمع اليه خلق كثير يسألونه عن الحلال والحرام، إذ دخل عليه رجل، فقال: السلام عليك يابن رسول الله، رجلٌ من محبيك ومحبي آبائك واجدادك، مصدري من الحج، وقد افتقدت نفقتي وما معي ما ابلغ به مرحلة. فإن رأيت ان تنهضني إلى بلدي ولله عليَّ نعمة، فاذا بلغت بلدي تصدقت بالذي توليني عنك فلستُ موضع صدقة. فقال (ع) له: اجلس رحمك الله. وأقبل على الناس يحدثهم حتى تفرقوا، وبقي هو وسليمان الجعفري وخيثمة وانا، فقال: أتأذنون لي في الدخول، فقال له سليمان: قدّم الله أمرك. فقام فدخل الحجرة وبقي ساعة، ثم خرج، وردّ الباب، واخرج يده من أعلى الباب، وقال: أين الخراساني؟ فقال: ها انذا. فقال: خذ هذه المائتي دينار واستعن بها في مؤونتك ونفقتك، وتبرك بها ولا تتصدق بها عني، واخرج فلا أراك ولا تراني. ثم خرج، فقال سليمان: جعلت فداك لقد اجزلت ورحمت، فلماذا سترت وجهك عنه؟ فقال (ع): مخافة ان أرى ذلّ السؤال في وجهه لقضائي حاجته، اما سمعت حديث رسول الله (ص): المستتر بالحسنة تعدل سبعين حجة، والمذيع بالسيئة مخذول، والمستتر بها مغفور له). وكان (ع) يقول: (صل رحمك ولو بشربة من الماء، وأفضل ما توصل به الرحم كفّ الاذى عنها، ففي كتاب الله: (ولا تبطلوا صدقاتكم بالمنّ والاذى)[14]([15]. وهو مصداق قوله تعالى: (الذين ينفقون اموالهم في سبيل الله ثم لايتبِعُون ما انفقوا منّاً ولا اذىّ لهم اجرُهُم عندَ ربهم ولاخوفُ عليهم ولاهم يحزنون قولٌ معروف ومغفرةٌ خيرُ من صدقة يتبعها اذى والله غني حليم)[16]. ويروى عنه (ع) أيضاً انه قال: (ان الله أمر بثلاثة مقرون بها ثلاثة. أمر بالصلاة والزكاة، فمن صلّى ولم يزكِّ لم تقبل صلاته. وأمر بالشكر له وللوالدين فمن لم بشكر والديه لم يشكر الله. وأمر باتقاء الله وصلة الرحم فمن لم يصل رحمه لم يتق الله عزوجل)[17]. 3- العناية بالأسرة: والأسرة في المجتمع قاعدة الإنسان، ومنبع وجوده، واساس خلقته وخُلقه، وأصل نسبه. وتشمل الأسرة أو العيال: الوالدين، والاولاد، والزوجة، بل كل من يتعلق بالإنسان من نسب أو سبب. ومن واجبات الإنسان ان يوسع على عياله ويكفيهم في دينهم ودنياهم. وإلى ذلك يقول الإمام الرضا (ع): (صاحب النعمة يجب ان يوسع على عياله)[18]، و(ان الذي يطلب من فضلٍ يكفّ به عياله أعظم من المجاهد في سبيل الله)[19]، (...وأحسن الناس معاشاً من حَسُنَ معاش غيره في معاشه...)[20]. 4- العفو عن الجاني: حبّب الله العفو عن معاقبة الجاني، وقربّه الى النفس، إلى حد اطلق على ولي الدم بالأخ إثارة لحس المحبة والرأفة وتلويحاً إلى ان العفو أحبّ عند الله سبحانه، ولكنه في الوقت نفسه أجاز القصاص من المعتدي، يقول تعالى: (يا ايها الذين امنوا كتب عليكم القصاصُ في القتلى الحُرّ بالحّر والعبدُ بالعبد والانثى بالانثى فمن عّفيَ له من اخيه شيء فاتّباعُ بالمعروف واداءٌ إليه باحسان ذلك تخفيفُ من ربكم ورحمةُ فمن اعتدى بعد ذلك فله عذابُ اليم)[21]. وكان من سنّة أهل البيت (ع) مقابلة الإساءة بالإحسان، والإعتداء بالعفو، والجناية بالمغفرة. فقد عفا النبي (ص) عن المشركين أمثال أبو سفيان والوليد ونحوهم بعد فتح مكة، وقال (ص): من دخل بيت أبو سفيان فهو آمن. وعفا أمير المؤمنين (ع) عن مروان بن الحكم بعد ان كلّمه الحسن والحسين (ع) في ذلك. وعفا الحسين (ع) عن الحر بن يزيد عندما تاب، وهو الذي جعجع به إلى كربلاء. وتاريخ أهل البيت (ع) يشهد لهم بتلك الخصلة الطيبة. وكان الإمام الرضا (ع) على تلك الشاكلة، كما روى صاحب المناقب عن محمد بن سنان: (كان المأمون يجلس في ديوان المظالم يوم الاثنين ويوم الخميس، ويقعد الرضا (ع) على يمينه. فرفع اليه انّ صُوفياً من أهل الكوفة سرق، فأمر باحضاره، فرأى عليه سماء الخير. فقال: سوأة لهذه الآثار الجميلة بهذا الفعل القبيح. فقال الرجل: فعلت ذلك اضطراراً لا اختياراً، وقال الله تعالى: (فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لاثم فان الله غفور رحيم)[22]. وقد مُنعِتُ من الخمسِ والغنائم. فقال: وما حقك منها؟ فقال: قال الله تعالى: (واعلموا انما غنمتم من شيء فان لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل...)[23]. فمنعتني حقي وأنا مسكين وابن السبيل، وأنا من حملة القرآن، وقد منعت كل سنة مني مائتي دينار بقول النبي (ص). فقال المأمون: لا اعطل حدّاً من حدود الله، وحكماً من احكامه في السارق من أجل اساطيرك هذه. قال: فابدأ اولاً بنفسك فطهرّها ثم طهرّ غيرك، وأقم حدود الله عليها ثم على غيرك. فالتفت المأمون الى الرضا (ع) فقال: ما يقول، قال (ع): يقول انه سُرِق فسَرَق. فغضب المأمون ثم قال: والله لاقطعنك. قال: اتقطعني وانت عبدي، فقال: ويلك أي شيء تقول؟ قال: أليست أمك اُشتريت من مال الفيء فانت عبد لمن في المشرق والمغرب من المسلمين حتى يعتقوك وأنا منهم، وما اعتقتك. والاخرى ان النجس لايطهر نجساً انما يطهره طاهر، ومن في جنبه حد لا يقيم الحدود على غيره حتى يبدأ بنفسه، اما سمعت الله تعالى يقول: (اتامرون الناس بالبر وتنسون انفسكم وانتم تتلون الكتاب افلا تعقلون)[24]. فالتفت المأمون إلى الرضا (ع) فقال: ماتقول؟ قال (ع): (ان الله عزّ وجلّ قال لنبيّه (ص): (قل فللهّ الحجة البالغة)[25]، وهي التي تبلغ الجاهل فيعلمها على جهله كما يعلمها العالِم بعلمه، والدنيا والآخرة قائمتان بالحجة، وقد احتج الرجل). فأمر باطلاق الرجل الصوفي وغضب على الإمام الرضا (ع) في السر) [26]. وقد نُقِل، عنه قوله (ع) في قوله تعالى: (وان الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل)[27]، قال (ع): (عفوُ بغير عتاب) [28]. 5- الخُلق الجميل: وصف الله عزّ وجلّ رسوله محمد (ص) بهذه الصفة الجميلة: ( وانك لعلى خُلق عظيم)[29]، (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظّاً غليظ القلب لانفضوا من حولك)[30]، ( ولا تستوي الحسنةُ ولا السيئة ادفع بالتي هي احسنُ فاذا الذي بينك و بينه عداوةٌ كانه وليٌ حميم)[31]. ويجسّد الإمام الرضا (ع) هذه الاخلاق القرآنية تجسيداً عملياً رائعاً، فهو قرآن عملي يتحرك بين الناس بالأخلاق الحميدة، وهو صوت الشريعة الحقة وواقعها المتحرك بين الأمة. يقول ابراهيم بن العباس الصولي: (ما رأيت ولا سمعت بأحد أفضل من أبي الحسن الرضا، وشهدت منه مالم اُشاهد من أحدٍ، وما رأيته جفا أحداً بكلام قط، ولا رأيته قطع على أحدٍ كلامه حتى يفرغ منه، و ما ردَّ أحداً عن حاجةٍ قدر عليها، ولا مدَّ رجليه بين يدي جليس له قط، ولا اتكى بين يدي جليس له قط، ولا رأيته يشتم أحداً من مواليه ومماليكه، ولا رأيته يقهقه في ضحكه، بل كان ضحكه التبسم. وكان إذا خلا ونصبت الموائد، اجلس على مائدته البوّاب والسّائس. وكان قليل النوم بالليل، كثير الصوم لايفوته صيام ثلاثة أيام في الشهر، وكان كثير المعروف والصدقة في السر، وأكثر ذلك منه لا يكون إلا في الليالي المظلمة) [32]. وكان (ع) يرشد أصحابه إلى الخير، ويقول: (كن خيراً لا شرَّ معه، كن ورقاًَ لا شوك معه، ولا تكن شوكاً لا ورق معه وشراً لا خير معه)، (انَّ الله تعالى يبغض القليل والقال، وإيضاع المال، وكثرة السؤال. انَّ بني اسرائيل شدّدوا فشدَّد الله عليهم قال لهم موسى (ع): اذبحوا بقرة، قالوا: ما لونها فلم يزالوا يشدَّدوا حتى ذبحوا بقرة يملأ جلدها ذهباً)[33]. 6- مداراة الناس والإحسان إليهم: وكان شعاره (ع): (التودد إلى الناس نصف العقل)[34]، و(لايكون المؤمن مؤمناً حتى يكون فيه ثلاث خصال، سنّة من ربه، وسنّة من نبيّه، وسنّة من وليّه. فأما السنّة من ربه: فكتمان السر، قال الله عزوجل: (عالم الغيب فلايظهر على غيبه احداً الا من ارتضى من رسَول)[35]. وأما السنّة من نبيّه: فمدارة الناس، فان الله عزّ وجلّ أمر نبيّه بمدارة الناس، قال: (خذ العفو و أمر بالعرف واعرض عن الجاهلين)[36]. وأما السنّة من وليه: فالصبر في البأساء والضراء، فان الله عزوجل يقول: (والصابرين في البأساء والضراء)[37]([38]. وكان (ع) كريماًَ يرحب بضيوفه، ويفتح لهم قلبه قبل ان يفتح لهم داره. وقد نزل عند الرضا (ع) ضيف، وكان جالساً عنده يحدثه في بعض الليل، فتغير السراج فمد الرجل يده ليصلحه، فنهاه الإمام (ع) ثم بادره بنفسه فاصلحه، ثم قال: انا قوم لا نستخدم اضيافنا)[39]. وروي عن رجلين كانا في خدمة الإمام (ع)، وهما: ياسر ونادر، أنهما قالا: قال لنا ابو الحسن (ع): (إنْ قمتُ على رؤوسكم، وأنتم تأكلون فلا تقوموا حتى تفرغوا. ولربما دعا بعضنا فيقال: هم يأكلون، فيقول دعوهم حتى يفرغوا )[40]. وكان (ع) إذا أكل، أتى بصحفة فتوضع قرب مائدته، إلى أطيب الطعام مما يؤتى به فيأخذ من كلَّ شيءٍ شيئاً، فيوضع في تلك الصفحة، ثم يأمر بها للمساكين، ثم يتلو هده الآية: (فلا اقتحم العقبة) ثم يقول: ( علمَ الله عزّ وجلّ ان ليس كل إنسان يقدر على عتق رقبة، فجعل لهم السبيل إلى الجنة بإطعام الطعام)[41]. وهذا السلوك الاخلاقي تصديق عملي لإشارة القرآن المجيد بإطعام المسكين واليتيم والأسير، حباً في الله عزّ وجلّ، كما أشار في قوله تعالى: (ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً واسيراً انما نطعمكم لوجه الله لانريد منكم جزاءً ولا شكوراًَ)[42]. وفي رواية اخرى، ينقلها راوي اسمه الريّان بن الصلّت، قال: (كنتُ بباب الرضا (ع) بخراسان فقلت لمعمر: إن رأيت أن تسأل سيدي أن يكسوني ثوباً من ثيابه، ويهب لي من الدراهم التي ضربت باسمه، فأخبرني معمر أنه دخل على أبي الحسن الرضا (ع) من فوره ذلك، قال: فابتدأني أبو الحسن، فقال: يامعمر لا يريد الريّان ان نسكوه من ثيابنا أو نهب له من دراهمنا؟ قال: فقلتُ له: سبحان الله هذا كان قوله لي الساعة بالباب. فضحك الرضا (ع) ثم قال: انَّ المؤمن موفّق، قل له فليجئني، فأدخلني عليه فسلّمت فردَّ عليَّ السلام. ودعا لي بثوبين من ثيابه فدفعهما إليَّ، فلما قمت وضع في يدي ثلاثين درهماً)[43]. 7- اكتساب العلوم: ومن الأخلاق الإجتماعية طلب العلم والتفقه، ونشر العلم بين المسلمين. لأن العلم حياة القلوب ووسيلة إلى معرفة الخالق. والعالِم أمينٌ على العلوم الدينية والمعارف الالهية، وعليه اداء الأمانة إلى أهلها. قال تعالى: (ان الله يأمركم ان تؤدّوا الامانات الى أهلها)[44]. فمن حق العلم ان يصل إلى كافة الناس، ومن حق الناس ان يصلها العلم. ويقع ذلك على حامل العلم، وهو العالِم الأمين على معارف الدين. يأمر الإمام الرضا (ع) المسلمين بطلب العلم وتعليم الناس، فيقول: (تفقهوا في دين الله ... من لم يتفقه في دينه يخطىء أكثر مما يصيب، فانَّ الفقه مفتاح البصيرة، وتمام العبادة، والسبب إلى المنازل الرفيعة. وحاز المرء المرتبة الجليلة في الدين والدنيا. فضل الفقيه على العباد كفضل الشمس على الكواكب، ومن لم يتفقه في دينه لم يزكّ الله له عملا)[45]. و(منـزلة الفقيه في هذا الوقت كمنـزلة الانبياء في بني اسرائيل). و(انَّ الفقيه يستغفر له ملائكة السماء وأهل الأرض والوحش والطير وحيتان البحر). وهذا التأكيد على العلم وطلبه، ينسجم مع تطلعات الدين في إنشاءِ مجتمعٍ واعٍ يعبد الله عزّ وجلّ على بصيرة ودراية وإدراك. وعندما تتفقه الأمة بأمور دينها ودنياها، وتتسلح بالعلم والمعرفة، تصبح قوية في شخصيتها، عزيزة في ذاتها، منيعة في اركانها، فلا تطمع بها الأمم، بل تكون مناراً لهدية الانسانية نحو طريق الخير والرشاد. فلابد للأمة من الالتصاق بعلمائها، لأن (مجالسة العلماء عبادة)[46] كما قال رسول الله (ص)، و(العلم خزائن ومفتاحها السؤال، فاسألوا يرحمكم الله فانه يؤجر فيه أربعة: السائل، والمعلِّم، والمستمع، والمحب لهم). 8- في العلاقات الاجتماعية: ربط الإسلام بين العلاقات الإجتماعية وبين الثواب والعقاب، فشدد على صلة الرحم وجعلها من أوجه العبادة، وأمر بالإحسان إلى الجار وذوي القربى وابن السبيل وأصحاب الحاجة، وحث على المعاشرة الجميلة، والمشاورة في الأمر، وأمر بعدم اتباع الظن المفسد للحياة الإجتماعية، وأمر بعدم الغفلة في البحث عن العلم وإصابة اليقين، وأولى الإسلام أهمية خاصة باليتامى والمساكين والفقراء لانهم عناصر محرومة في المجتمع الإنساني. وبطبيعة الحال، كان الإمام (ع) ملتفتاً إلى أهمية العلاقات الإجتماعية ودورها في بناء المجتمع التوحيدي العارف بالله وبكتابه وبرسله. فكان يصرح لاتباعه ومحبيه بانه حريصٌ على إدارة أمورهم والنظر لمصالحهم، ويخاطبهم بالقول: (لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم أمّا إني يا إخوتي فحريصٌ على مسَّرتكم، الله يعلم. اللهم إن كنت تعلم اني احبّ صلاحهم، وأني بارٌ بِهم واصلٌ لهم، رفيقٌ عليهم، أعني بأمورهم ليلاًَ ونهاراًَ، فاجزني به خيراً. وإن كنت على غير ذلك فأنت علامُ الغيوبِ فاجزني به ما أنا أهله إن كان شراً فشراً، وإن كان خيراً فخيراً. اللهمَّ أصلحهم وأصلح لهم، واخسأ عنّا وعنهم شرَّ الشيطان، وأعنهم على طاعتك ووفقهم لرشدك)[47]. وفي مناسبة ثانية، يخاطبهم بقوله (ع): (عليكم بتقوى الله والورع والاجتهاد، وأداء الأمانة، وصدق الحديث، وحسن الجوار، فبهذا جاء محمد (ص)، صلّوا في عشائركم، وصِلُوا ارحامكم، وعودوا مرضاكم، واحضروا جنائزكم، كونوا زيناً ولاتكونوا شيناً، حبّبونا إلى الناس ولا تبغضّونا، جرُّوا إلينا كلَّ مودَّة، وادفعوا عنا كلَّ قبيح، وما قيل فينا من خير فنحن اهله، وما قيل فينا من شرّ فما نحن كذلك، الحمد لله وب العالمين)[48]. وفي مناسبة ثالثة، يخاطبهم: (تزاوروا، تحابوا، وتصافحوا، ولا تحاشموا فانه روي (المحتشِم والمحتشَم[49] في النار)...)[50]. 9-السخاء والجود: وكان (ع) سخياً يُنفق ماله على الفقراء والمساكين، ويعدُّه مغنماً لا مغرماً، لأن فيه الأجر والكرامة. وأنفق أيضاً على الاصوات الخيّرة التي تدعوا إلى الحق والتوحيد، كأصوات الشعراء الموحِّدين أو الذين مدحوا أهل البيت (ع) وغيرهم، حيث كان للشعر وقع مؤثر بين الناس آنذاك. فقد وفد عليه من الشعراء إبراهيم بن العباس الصولي، فوهب له عشرة آلاف درهم، وأجاز أبا نؤاس بثلاثمائة دينار لم يكن عنده عيرها، وأجاز دعبلاً الخزاعي بستمائة دينار واعتذر إليه. ومن نماذج جوده ان رجلاً مرَّ به (ع)، فقال: (أعطني على قدر مروءتك، قال: لا يسعني ذلك، فقال: على قدر مروءتي. قال: اما هذا فنعم. ثم قال: يا غلام اعطه مائتي دينار. قال وفرّق (ع) بخراسان ماله كله في يوم عرفة، فقال له الفضل بن سهل: ان هذا هو المغرَم، فقال: بل هو المغنم لا تعدن مغرماً ما اتبعت به أجراً وكرماً)[51]. وكان من كلامه (ع): (السخيُّ يأكل من طعام الناس ليأكلوا من طعامه، والبخيلُ لايأكل من طعامِ الناس لئلا يأكلوا من طعامه)[52]. 10- وعظ السلطان: الاصل في اهتمام الإسلام بشأن الاجتماع والعلاقات الاجتماعية، هو تربية الإنسان على الأخلاق الفاضلة، وتهذيب الغرائز، وتمرين الإنسان المسلم على اتباع الحق في النظر والعمل، ومراعاة جانب العقل في ذلك. وقد شدد الاسلام في المنع عما يفسد العقل السليم، وأوكل للحفاظ على تلك الخصال، الانسان نفسه بما لديه من رقابة ذاتية، والمجتمع المتضمن للولاية الاسلامية، بما لديها من صلاحيات في إقامة الحدود الشرعية. وحثّ القرآن على الدعوة إلى الله، فقال: (ادعُ الى سبيل ربك بالحكمةِ والموعطةِ الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسنُ ان ربك هو اعلمُ بمن ضلَّ عن سبيله وهو اعلمُ بالمهتدين)[53]. وكان الرضا (ع)، وعندما يرى الموضع الذي وضعه فيه المأمون من ولاية العهد، يتألم ويتوجه بكلّه إلى الله تعالى من أجل أن يعينه على إقامة حكم الدين وسنّة النبي (ص)، ولذلك تراه يخاطب ربه تعالى ويقول: (اللهم انك قد نهيتني عن الالقاءِ بيدي إلى التهلكة، وقد أشرفتُ من قبل عبد الله المأمون على القتل متى لم أقبل ولاية عهده، وقد اُكرهت واضطررت كما اضطر يوسف ودانيال (ع) اذ قبِلَ كل واحد منها الولاية لطاغية زمانه. اللهم لا عهد لي إلا عهدك، ولا ولاية لي إلا من قبلك، فوفقني لإقامة دينك، وإحياء سنّة نبيّك، فإنك أنت المولى والنصير، نعم المولى أنت ونعم النصير)[54]. فقبل ولاية العهد من المأمون على أن لا يولي أحداً ولا يعزل أحداً، ولا يغيّر سنّة ولا رسماً، وان يكون في الأمر مشيراّ من بعيد، فأخذ له المأمون البيعة على الخاص والعام. وهذا هو عين الإكراه، فأية ولاية تلك دون ان يكون للوالي سلطة في تولية القضاة وأهل الإدارة، ولا سلطة في عزل الخائن منهم، ولا سلطة في تغيير الفاسد من الأمور، أو تثبيت الصالح منها. ولكن ذلك الإكراه، لم يبعُد الامام (ع) عن اسداء النصيحة والمشورة الى الخليفة الغاصب، وتوجيهه نحو تطبيق الشريعة، فقد كانت تلك وظيفة الإمام (ع). قال المفيد في (الارشاد): كان الرضا (ع) يكثر من وعظ المأمون إذا خلا به ويخوفه الله ويقبّح له ما يرتكب من خلافه، فكان المأمون يظهر قبول ذلك منه، ويبطن كراهته واستثقاله. ومن مصاديق تلك النصائح ما رواه الصدوق عن رجلٍ كان في خدمة الإمام (ع)، قال: (بينما نحن عند الرضا (ع) إذ جاء المأمون ومعه كتاب طويل فقرأ ذلك الكتاب عليه، فاذا هو فتح لبعض قرى كابل، وفيه: انا فتحا قرية كذا وكذا. فلما فرغ قال له الرضا (ع): (وسرّك فتح قرية من قرى الشرك؟). فقال المأمون: أو ليس في ذلك سرور؟ فقال: (يا أميرالمؤمنين اتق الله في أمة محمد، وما ولاّك الله هذا الأمر وخصّك فإنك قد ضيعت أمور المسلمين، وفوضت ذلك إلى غيرك يحكم فيها بغير حكم الله عزّ وجلّ، وقعدت في هذه البلاد، ويأتي على المظلوم دهرٌ يتعب فيه نفسه، ويعجز عن نفقته، فلا يجد من يشكو إليه حاله ولا يصل إليك). قال المأمون: فما ترى؟ قال (ع): (أرى أن تخرج من هذه البلاد، وتتحول إلى موضع آبائك واجدادك وتنظر في أمور المسلمين ولا تكلهم إلى غيرك). فقام المأمون فقال: نعم ما قلتَ يا سيدي، هذا هو الرأي. وأصرَّ المأمون على الرجوع إلى بغداد بالرغم من معارضة حاشيته كالفضل بن سهل)[55]. ب- اخلاقية التعامل مع الله تعالى: وهي السلوكية الخاصة التي يسلكها الإنسان في عبادته وتفكره في خالقه تعالى، وشوقه إليه، وتوكله عليه، وتسبيحه إياه. وتلك السلوكية لها أوجه يمارسها المحب، ومنها: حب الله، والتوكل عليه، واتقاء معصيته، وذكره، وتسبيحه. وهكذا كانت سلوكية إمامنا الرضا (ع) في تعامله مع خالقه تعالى. 1- حب الله: يتمرن الانسان على حب الله تعالى، من خلال قاعدة الاستعانة والتوجه الخالص إليه كل يوم خلال صلاته اليومية وتلاوته آية قرآنية لها مدلول كبير، وهي: (اياك نعبدُ واياك نستعين)[56]. ان الحب تعلق وجودي وانجذاب خاص بين شيئين أحدهما اسمى من الآخر، فالمحِب دائماً يرى في الحبيب عناصر الكمال والجمال والسمو، والمؤمن يرى في خالقه العظيم كل عناصر الكمال والجمال والسمو. ولا شيء يعترض تلك الاحاسيس الوجدانية الملتهبة في عمق الانسان. وإذا كان الحبيب لايقبل بأقل من رضاء حبيبه، فان الانسان المؤمن لايرى له وجوداً في الحياة بغير رضى الله سبحانه وتعالى. يقول تعالى: (يا ايها الذين امنوا من يرتدَّ منكم عن دينه فسوف ياتي الله بقوم يحبُّهم ويحبونه اذلّة على المؤمنين اعزّة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولايخافون لومة لائم ذلك فضلُ الله يؤتيه من يشآء والله واسع عليم)[57]. وكان شأن الرضا (ع) هو انه كان يعيش تلك العلاقة الوجدانية بينه وبين ربه، وكان لا يغفل عن ذكر الله تعالى، إذ من أحب شيئاً ذكره، وهو القائل: (طوبى لمن شغل قلبه بشكر النعمة)[58]، وهو الذي وصف الزاهد بانه (متبلغٌ بدون قوته، مستعدٌ ليوم موته، متبرمٌ بحياته)[59]، بمعنى ان من علامة محبة المؤمن لله هو حبه للموت، وكأن الحبيب يتشوق للسفر إلى وطن حبيبه. وهو القائل، نقلاً عن رسول الله (ص) لبعض أصحابه: (يا عبد الله احبب في الله وابغض في الله، ووالِ في الله وعادِ في الله، فانه لا تنال ولاية الله الا بذلك)[60]. و(ان الله يقول: (اعملوا آل داود شكراً وقليلٌ من عبادي الشكور)[61]، أحسن الظن بالله، فان من حَسُنَ ظنه بالله كان الله عند ظنه، ومن رضي بالقليل من الرزق قُبِلَ منه اليسير من العمل، ومن رضي باليسير من الحلال خفّت مؤونته ونَعُمَ أهله، وبصّره الله داء الدنيا ودواءها، واخرجه منها سالماً إلى دارالسلام)[62]. ويروى عنه (ع) انه انشد شعراً[63]، وقليلاً ما كان ينشد الشعر، فقال: كلنا نأمل مـداً فـي الأجل ** والمنايا هـن آفـات الأمل لايغرنك ابـاطيـل المـنى ** والزم القصد ودع عنك العلل انمـا الـدنيا كـظـل زائل ** حـلَّ فيه راكـب ثم رحل 2- التوكل: كان الرضا (ع) مستعيناً بقوة الله، متوكلاً عليه، عاملاً على إيثار إرادة مولاه تعالى على إرادته. ولذلك عندما سئل عن الإيمان قال (ع): (الإيمان أربعة أركان: التوكل على الله، والرضا بقضاء الله، والتسليم لامر الله، والتفويض إلى الله)[64]، و(حد المتوكل هو ان لايخاف أحداً إلا الله)[65]. وكان (ع) يردد: (...الله ثقتي وهو حسبي)[66]. والتوكل على الله، ظاهرة تكوينية طبيعية بين مخلوق ضعيف مسلوب القدرة وبين خالق عزيز مقتدر. فالتوكل هو تفويض المؤمن جميع أموره إلى الله، بحيث لايتعارض هذا التفويض مع مفهوم السعي في الارض، فالمتوكل انما يطلب من الله ان يسدد خطاه وان يرسم له الطريق المستقيم في الحياة. ولا ينفي التوكل بذل الانسان ما يستطيع من جهد لتحصيل مبتغاه، بل ان التوكل هو وسيلة يتوسل بها الانسان ليضمن استقامة الطريق الذي يسير عليه، فهو يوكل أمره إلى الله لهديه إلى طريق واضح ينكشف فيه نور الحقيقة وواقع الحياة. وإلى هذا المعنى آمن العارفون بالله، وقالوا ان التوكل هو ان ينكشف للعبد بنور الحق ويقين الحقيقة أنْ لا فاعل إلا الله، ولا موجد ولا محيي ولا مميت إلا الله، وانه لاحول ولا قوة إلا به، وان له تمام العلم والقدرة على كفاية العبد، فمن اعتقد ذلك اتكلت نفسه على الله، واطمأنت سريرته بذلك، وقد قال تعالى: (واليه يرجع الامر كله فاعبده وتوكل عليه)[67]، (ومن يتوكل على الله فهو حسبه)[68]. وقال العبد الصالح، مؤمن آل فرعون: (وافوض امري الى الله فوقاه الله سيئات ما مكروا)[69]. فاعلى درجات التوكل اذن، ان يثق المؤمن في إرادة الله، ويقطع يقيناً بان الإبطاء في تحقق الأمور التي يهواها انما هي لحكمة ربانية ومصلحة يجهلها الإنسان. وفي ذلك عندما سئل الرضا (ع) عن قوله تعالى: (ومن يتوكل على الله فهو حسبه)[70]، أجاب (ع): (للتوكل درجات: منها ان تثق به في أمرك كله فيما فعل بك، فما فعل بك كنت راضياً وتعلم انه لم يألك خيراًَ ونظراً[71] وتعلم انَّ الحكم في ذلك له، فتوكّل عليه بتفويض ذلك اليه. ومن ذلك الايمان بغيوب الله التي لم يحط علمك بها فوكلّت علمها إليه وإلى اُمنائه عليها ووثقت به فيها وفي غيرها)[72]. 3- التقوى: التقوى، وهي خصلة تعبر عن اجتناب المعصية، صفة جامعة لجميع رتب الإيمان. أي ان المتقي يعمل الواجبات ويبتعد عن المحرمات ويصبر على الطاعة. فالتقوى هي وقاية النفس مما يغضب الله تعالى، والمتقي هو المؤمن الذي تجنب اغضاب المولى سبحانه بالمعصية. والمتقي واعٍ بصير، وعندما يغفل لسببٍ من الاسباب ينتبه ويتذكر الله ويستغفر لذنبه، وإلى ذلك أشار القرآن الكريم: (ان الذين اتقوا اذا مسّهم طائف من الشيطان تذكروا فاذا هم مبصرون)[73]. ولذلك كان الله معهم: (ان الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون)[74]. وكان الإمام الرضا (ع) يعيش حياة تقوى حقيقية، فكان قلبه مستنيراً بخشية الله وشاعراً بعبوديته، وكان وعيه للقيام بين يدي ربه والمسؤولية أمامه يوم القيامة شديداً قوياً. يصف بن ابي الضحاك تقوى الإمام (ع)، وكان قد بعثه المأمون لاحضار الرضا (ع)، فيقول: (والله مارأيتُ رجلاً أتقى منه، ولا أكثر ذكراً له في جميع أوقاته منه، ولا أشدّ خوفاً لله عزّ وجلّ... وكان لاينـزل بلداً إلا قصده الناس يستفتونه فيجيبهم ويحدثهم الكثير. فلما وردتُ به على المأمون سألني عن حاله في طريقه فأخبرته بما شاهدتُ منه في ليله ونهاره، وظعنه وإقامته، فقال: بلى يا ابن ابي الضحاك، هذا خيرُ أهل الأرض وأعلمهم وأعبدهم)[75]. ويدلّ نقش خاتمه على ثقته بالله، فكان نقشه: (ماشاء الله لا قوة الا بالله). فلا نستغرب اذن قوله (ع): (انَّ الإيمان أفضل من الإسلام بدرجة، والتقوى أفضل من الإيمان بدرجة...)[76]. وعندما قال له رجل: والله ما على وجه الأرض أشرف منك أباً. أجابه (ع): (التقوى شرَّفتهم، وطاعة الله أحظتهم). فقال له آخر: انت والله خير الناس. فأجابه (ع): (لا تحلف يا هذا، خيرٌ مني من كان اتقى لله عزّ وجلّ وأطوع له، والله ما نسخت هذه الآية: (وجعلناكم شعُوباً وقبائل لتعارفوا انَّ اكرمكم عند الله اتقاكم)[77]([78]. وكان (ع) يقرن تقواه بدعوة الناس إلى التقوى ومخافة الله، ويدعوهم إلى التبصر في المناهي الالهيّة والورع عن محارمه تعالى، ويقول (ع): (بالعبودية لله عزّ وجلّ افتخر، وبالزهد في الدنيا ارجو النجاة من شر الدنيا، وبالورع عن المحارم ارجو الفوز بالمغانم، وبالتواضع في الدينا ارجو الرفعة عند الله)[79]. و(اعلموا انَّ رأس طاعة الله سبحانه التسليم لما عقلناه، وما لم نعقله، فانَّ رأس المعاصي الردُّ عليهم، وانما امتحن الله عزّ وجلّ الناس بطاعته لما عقلوه وما لم يعقلوا إيجاباً للحجة وقطعاً للشبهة. واتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الانهار ومساكن طيبة في جنات عدن، ولايفوتنّكم خير الدنيا فإنًّ الآخرة لا تلحق ولا تنال إلا بالدُّنيا)[80]. وكانت من علائم تقواه (ع) ادعيته القصار التي كان يدعو الله فيها وحده، فعند السجود كان يقول: (لك الحمد إن أطعتك، ولاحجة لي إن عصيتك، ولاصنع لي ولا لغيري في إحسانك، ولا عذر لي إن أسأت، ما اصابني من حسنةٍ فمنك يا كريم اغفر لمن في مشارق الأرض ومغاربها من المؤمنين والمؤمنات)[81]. وعند الدعاء في القنوت كان يقول: (اللهم اعطني الهدى، وثبتني عليه، واحشرني عليه آمناً أمن من لا خوف عليه ولا حزن ولا جزع، إنك أهل التقوى وأهل المغفرة)[82]. وينسب اليه[83] هذا الشعر: انك في دنياً لها مدة ** يقبل فيها عمـل العامل اما ترى الموت محيطاً بها ** يصلب فيها أمل الآمل تعجل الذنب بما تشتهي ** وتأمل التوبة مـن قابل والمـوت يأتي أهله بغتة ** ماذاك فعل الحازم العاقل 4- ذكر الله: ذكر الله هو استحضار صورة الذهن للأوصاف الالهية. فنحن لا نعلم عن خالقنا عزّ وجلّ غير الأوصاف الجميلة والأفعال اللائقة بلفظ الجلالة التي وصفها لنا القرآن الكريم ونبيه (ص) وأهل بيته (ع) كالرحمن والرحيم والجبار والقهار والحي والقيوم، وهو الأول بلا أول كان قبله، والآخر بلا آخر يكون بعده، الذي قصرت عن رؤيته أبصار الناظرين، وعجزت عن نعته أوهام الواصفين. والذكر هو استحضار معاني تلك الالفاظ، واستقرارها في الضمير، وثبوتها في الذهن، حتى تنقطع الغفلة وينقطع النسيان. ورد عن الرضا (ع) قوله: (ليس العبادة كثرة الصلاة والصوم، انما العبادة التفكر في أمر الله عزّ وجلّ)[84]. وقد ميّز القرآن الكريم بين ذكر الله وإقامة الصلاة، فقال: (في بيوت أذِنَ الله ان تُرفعَ ويذكر فيها اسمُه يسبّحُ له فيها بالغدُوِّ والاصال رجالٌ لاتلهيهم تجارة ولابيعٌ عن ذكر الله واقام الصلوة وايتاء الزكوة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والابصار)[85]، (يا ايها الذين آمنوا اذكروا الله كثيراً وسبّحوه بكرةً وأصيلاً)[86]. وقد سُأل عن بال المتهجدين بالليل من أحسن الناس وجهاً فقال (ع): (لأنهم خلوا بالله فكساهم الله من نوره)[87]. وكان (ع) يدعو الله كثيراً، والدعاء رتبة رفيعة من الذكر، ومن دعائه (ع): (سبحان من خلق الخلق بقدرته، وأتقن ما صنع بحكمته، ووضع كل شي منه موضعه بعلمه، سبحان من يعلم خائنة الاعين وما تخفي الصدور، وليس كمثله شي وهو السميع العليم)[88]. ومن مصاديق انشغاله بذكر الله، رواية الهروي، قال: (جئتُ إلى باب الدار التي حُبس فيها الرضا (ع) بسرخس، وقد قيّد فاستأذنت عليه السجّان، فقال: لاسبيل لكم إليه، فقلت: ولم؟ قال: لأنه ربما صلّى في يومه وليلته ألف ركعة وانما ينفتل من صلاته ساعة في صدر النهارِ، وقبل الزول، وعند اصفرار الشمس فهو في هذه الاوقات قاعد في مصلاّه يناجي ربّه. فقلت له: فاطلب لي في هذه الأوقات إذناً عليه، فاستأذن لي عليه، فدخلتُ عليه وهو قاعدٌ في مصلاه متفكّر)[89]. 5- تسبيح الله تعالى: التسبيح هو تنـزيه الخالق عن كل ما لا يليق بساحة قدسه، وهو الثناء الجميل الذي تقدمه موجودات الكون لخالقها. فهو منـزّه عن الاعتقادات الباطلة كالشرك، وهو محمود في جميع ما خلقه ودبّره في السماوات والأرض. فكان على جميع المخلوقات التذلل لمقام ربوبيته وعدم الاستكبار عن الخضوع له سبحانه. وكان من تسبيح الرضا (ع) هذه المناجاة الرئعة: (اللهم ياذا القدرة الجامعة، والرحمةِ الواسعة، والمنن المتتابعة، والآلاءِ المتوالية، والايادي الجميلة، والمواهب الجزيلة، يامن لا يوصف بتمثيل، ولا ُيمثَّل بنظير، ولا يُغلَبُ بظهير. يا مَن خَلَق فرزق، وألهَم فأنطق، وابتدع فشرع، وعلا فارتفع، وقدَّرَ فأحسن، وصوَّرَ فأتقن، واحتجَّ فأبلغ، وأنعمَ فأسبغَ، وأعطى فأجزل. يا مَن سما في العزِّ ففات خواطرَ الابصار، ودنا في اللطفِ فجاز هواجسَ الافكار. يا مَن تفرَّد بالمُلك فلا نِدَّ له في ملكوتِ سلطانه، وتوحَّدَ بالكبرياء فلا ضِدَّ لهُ في جبروتِ شأنه. يا مَن حارت في كبرياءِ هيبته دقائق لطائفِ الاوهام، وحسرت دون إدراكِ عظمته خطائِفُ أبصارِ الأنام، يا عالِمَ خطراتِ قلوب العالمين، ويا شاهِدَ لحظات أبصار الناظرين، يا من عنتِ الوجوهُ لهيبته، وخضعتِ الرقابُ لجلالته، ووجلتِ القلوبُ من خيفته، وارتعدت الفرائص من فرَقه، يا بديءُ يا بديعُ، يا قويُّ يا منيعُ، يا عليُّ يا رفيعُ...)[90]. وكان حقاً على البحتري ان يقول هذا الشعر بالإمام الرضا (ع)، الإمام المعصوم، المتقي الورع، يوم خروجه إلى صلاة العيد[91]، ولم يقله لغيره: ذكروا بطلعتك النـبي فهللوا ** لما طلعتَ من الصفوف وكبرّوا حتى انتهيت الى المصلى لابساً ** نور الهـدى يبدو عليك فيظهرُ ومشيت مشية خاشع متواضع ** لله لايـزهـى ولا يتـكبـرُ ولو ان مشتاقاً تكلف فوق ما ** فـي وسـعه لسعى اليك المنبرُ يومٌ من حياة الإمام الرضا (ع) ان خير ما يعكس صحة المبدأ وصواب العقيدة هي إمكانية تطبيق الافكار التي يدعو لها القائد، ونقلها إلى الواقع العملي. وأحسن من يجسد العقيدة الصحيحة ويترجمها إلى أفعال وحركات هو القائد المعصوم العالِم بالتشريع، وقد كان الامام الرضا (ع) خير مجسّد للعقيدة الالهية وللتشريع الاسلامي. ولو قُدِّرَ لنا ان نعيش يوماً واحداً معه لتمثلت لنا الصورة الناصعة المشرقة لحياته العملية. وقد ورد عن ابن ابي الضحاك[92] قوله، عندما صاحب الإمام الرضا (ع) في رحلته الشاقة من المدينة المنورة إلى خراسان: (والله ما رأيت رجلاً أتقى منه، ولا أكثر ذكراً له في جميع أوقاته منه، ولا أشدَّ خوفاً لله عزّ وجلّ). وكان يومه حافلاً بالعبادة وذكر الله، ويمكن تقسيمه على الشكل التالي: صلاة الفجر: كان اذا أصبح صلّى، فاذا سلم جلس في مصلاه يسبح الله ويحمده، ويكبّره، ويهلّله، ويصلي على النبي وآله (ص)، حتى تطلع الشمس. طلوع الشمس: ثم يسجد سجدة يبقى فيها حتى يتعالى النهار. الضحى: ثم يقبل على الناس يحدِّثهم ويعظهم إلى قرب الزوال. صلاة الظهرين (زوال الشمس): ثم يجدد وضوءه ويعود الى مصلاّه، فإذا زالت الشمس قام وصلّى نافلة الظهر... ثم يقيم ويصلي الظهر. فاذا سلّم سبح الله وحده، وكبّره، وهلّله ماشاء الله، ثم يسجد سجدة الشكر يقول فيها مائة مرة: (شكرًا لله)، فاذا رفع رأسه قام فصلى نافلة العصر. فاذا سلّم أقام وصلى العصر، فاذا جلس في مصلاه سبح الله وحمده وكبّره وهلّله ماشاء الله، ثم يسجد سجدة يقول فيها مائة مرة (حمدا ًلله). صلاة المغرب: فاذا غابت الشمس توضّأ وصلّى المغرب ثلاثاً بأذان واقامة، وقنت في الثانية قبل الركوع وبعد القراءة، فاذا سلّم جلس في مصلاّه يسبح لله ويحمده ويكبّره ويهلّله ماشاء الله، ثم يسجد سجدة الشكر ثم يرفع رأسه ولا يتكلم حتى يقوم ويصلّي أربع ركعات بتسليمتين، يقنت في كلَّ ركعتين في الثانية قبل الركوع وبعد القراءة... ثم يجلس بعد التسليم في التعقيب ماشاء الله حتى يمسي ثم يفطر. صلاة العشاء: ثم يقوم فيصلّي العشاء الآخرة أربع ركعات، ويقنت في الثانية قبل الركوع وبعد القراءة فاذا سلّم جلس في مصلّاه يذكر الله عزوجل ويسبّحه ويحمده ويكبّره ويهلّله ماشاء الله، ويسجد بعد التعقيب سجدة الشكر، ثم يأوي الى فراشه. صلاة الليل: فاذا كان الثلث الأخير من الليل قام من فراشه بالتسبيح والتحميد والتكبير والتهليل والاستغفار، فاستاك ثم توضأ ثم قام إلى صلاة الليل، فصلّى ثماني ركعات... ثم يقوم فيصلّي ركعتي الشفع يقرأ في كل ركعة منها الحمد مرّة وقل الله أحد ثلاث مرات، ويقنت في الثانية ثم يقوم فيصلي الوتر ركعة يقرأ فيها الحمد و قل هوالله أحد ثلاث مرات، وقل أعوذ برب الفلق مرة واحدة، وقل أعوذ برب الناس مرة واحدة، ويقنت فيها قبل الركوع وبعد القراءة، ويقول في قنوته: (اللهم صل على محمد وآل محمد اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولّنا فيمن تولّيت، وبارك لنا فيما اعطيت، وقنا شرَّ ما قضيت، فانك تقضي ولايقضى عليك، انه لايذلُّ من واليت، ولايعزُّ من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت). ثم يقول: استغفر الله واسأله التوبة سبعين مرة، فاذا سلّم جلس في التعقيب ماشاء الله. ماقبل الفجر: واذا قرب الفجر قام فصلّى ركعتي الفجر، يقرأ في الاولى الحمد وقل يا ايها الكافرون، وفي الثانية الحمد وقل هو الله أحد. الفجر ومابعده: فاذا طلع الفجر أذّن وأقام وصلّى الغداة ركعتين، فاذا سلّم جلس في التعقيب، حتى تطلع الشمس ثم يسجد سجدتي الشكر حتى يتعالى النهار. وكان قنوته في جميع صلواته هو: (ربِّ اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم انك أنت الأعزُّ الأجلُّ الأكرم). ج- اخلاقية التعامل مع النفس ونعني به الضوابط التي يمارسها الإنسان لتهذيب شخصيته الفردية والإجتماعية، على ضوء الدين. وتلك الضوابط أسماء لأفعال فاضلة شجع الإسلام على ممارستها، ومنها: الصمت، والكتمان، والعلم، والصبر، ومعرفة النفس ومحاسبتها، والقناعة، والعمل الصالح، والتواضع. وحث الإسلام على تجنب أفعال رذيلة كالحسد، والبخل، والكذب، ونحوها. 1- الصمت: الصمت في المعاني العرفانية هو تهيئة الذهن لأجواء الاتصال بالله عزّ وجلّ والتفكر في صفاته وأفعاله. ولذلك ورد ان العابد لا يكون عابداً ما لم يصمت فترة طويلة من الزمن[93]. والصمت في معاني القرآن الكريم مصداق من مصاديق الإعراض عن الجاهلين وإهمالهم لتقليل آثار فسادهم على المجتمع. يخاطب القرآن الكريم النبي محمد (ص): (خذ العفو وأمر بالعرف واعرض عن الجاهلين)[94]، (فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يُرِد إلا الحياة الدنيا)[95]. ويصف المؤمنين بالقول: (وعباد الرحمن الذين يمشون على الارض هوناً واذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً)[96]. وإلى هذا المعنى أشار الإمام الرضا (ع) إلى ان (الصمت باب من ابواب الحكمة. ان الصمت يكسب المحبة وانه دليل على كل خير)[97]، وفي وقت الأزمات والفتن، أشار (ع): (يأتي على الناس زمان تكون العافية فيه عشرة أجزاء: تسعة منها في اعتزال الناس، وواحد في الصمت)[98]. 2- الكتمان والحذر: ومع ان الوضع السياسي والإجتماعي قد يلعب دوراً في إنشاء الموعظة، كما لو حثَّ الإمام (ع) على التقية في زمن الظالم، أو حثَّ على الاقتصاد وعدم التبذير زمن الرخاء، أو حثَّ على الجهاد وطلب الموت زمن الحرب، إلا ان الموعظة تبقى قاعدة كلية تنطبق على كل زمان. وكان عصر الإمام (ع) عصر الاضطرابات السياسية، إلى درجة ان خليفة المسلمين (المأمون!) كان لا يتورع عن قتل أخيه (الأمين) من أجل الملك والسلطة. وإذا كان هذا شأن الأسرة الحاكمة، فيا ترى ما هو شأن المحكومين من سواد الناس؟! فكان الكتمان والحذر من حكمة الزمان. وقد أمر الله تعالى المؤمنين بالحذر، فقال: (يا ايها الذين امنوا خذوا حذركم)[99]. وقد أورد الإمام الرضا (ع) قولاً، رفعه إلى رسول الله (ص): (تعلّموا من الغراب خصالاً ثلاثاً: استتاره بالسفاد[100]، وبكوره في طلب الرزق، وحذره)[101]. وأمر اصحابه ومحبيه بالكتمان، فقال (ع): (عليكم في أموركم بالكتمان، في أمور الدين والدنيا، فانه روي: ان الإذاعة كفر، وروي: المذيع والقاتل شريكان، وروي: ما تكتمه من عدوك فلا يقف عليه وليّك)[102]. 3- العلم: العلم الذي يسوق الإنسان إلى الحق هو من أعلى درجات الكمال الإنساني، وأول خصلة أضافها الخالق عزّ وجلّ لابينا آدم (ع) هو منحه القدرة على اكتساب العلم، وتحققت تلك القدرة عندما (...علم آدم الاسماء كلها...)[103]. وأصبح العلم أعظم درجة من درجات التفاضل بين الناس (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون)[104]. بل ان أحد لياقات الإمامة الكبرى العلم الشامل بالشريعة وعقائد الدين. يقول إبراهيم الصولي متحدثاً عن الرضا (ع): (ما رأيتُ الرضا (ع) سئل عن شي إلا علمه، ولا رأيتُ أعلم منه. وكان المأمون يمتحنه بالسؤال عن كل شيء فيجيب عنه، وان جوابه كله كان انتزاعات من القرآن المجيد، وكان يختمه مرة في كل ثلاثة ايام، ويقول: لو أردتُ ان اختمه في أقرب من ثلاثة لختمت، ولكني ما مررت بآية قط إلا فكرت فيها، وفي أيِّ شي اُنزلت، وفي أيِّ وقت، فلذلك صرت أختم في كل ثلاثة ايام)[105]. وإلى العلم وطلبه، كان (ع) يدعو الناس ويحثهم على التسلح بالعلم والفكر والمعرفة، ويقول ويكرر: (صديق كل امرىء عقله، وعدوه جهله)[106]، و(ان من علامات الفقه: الحلم والعلم)[107]، و(رحم الله عبداً أحيى أمرنا فقيل له: وكيف يحيى أمركم؟ قال (ع): يتعلم علومنا ويعلّمها الناس)[108]. 4- الصبر: والصبر هو تحمل الألم الناتج عن ضعف الإنسان. وهو إما صبـرٌ على الطاعة، أو صبرٌ عن المعصية، أو صبرٌ على البلاء. والصبر من الأفعال المحمودة، لأن الصابر أثبت انه يمتلك قدراً من اليقين بحتمية القضاء، وحكمة التقدير، والأمل بحسن التدبير. وقد أكد القرآن على الصبر، وجعله تمحيصاً حقيقياً للإيمان، ومفتاحاً للفرج، كما يصف المؤمنين بالقول: (الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون)[109]، (ومالنا الا نتوكَّل على الله وقد هدانا سبُلنا ولنصبرنَّ على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون)[110]، (واصبر وما صبرك الا بالله)[111]. وإلى ذلك المعنى أشار الإمام الرضا (ع)، فقال: (لا يستكمل عبد حقيقة الإيمان حتى تكون فيه خصال ثلاث: التفقه في الدين، وحسن التقدير في المعيشة، والصبر على الرزايا)[112]. وعندما سُئِلَ عن خيار العباد، قال (ع): (الذين إذا أحسنوا استَبشروا، وإذا أساؤا استغفروا، وإذا اعطوا شكروا، وإذا ابتلوا صبروا، وإذا أغضبوا غفروا)[113]. وتحدثَ عن صبر محبيه ومن تبع أهل بيت النبوة (ع) وأجرهم على ذلك، فقال (ع): (ليس أحد من شيعتنا يبتلي ببلية، أو يشتكي فيصبر على ذلك إلا كتب الله له أجر ألف شهيد)[114]، وذكرَ البلاء الغالب في الدنيا وأجر من صبر عليه، فقال: (ما ابتلى الله عبداً مؤمناً ببليّة، فصبر عليها إلا كان له مثل أجر شهيد)[115]. 5- معرفة النفس: معرفة النفس طريق إلى معرفة الخالق عزّ وجل، فمن عرف نفسه فقد عرف ربه، ولا يعرف الإنسان نفسه إلا عن طريق العقل، وإلى هذا يشير قول الإمام الرضا (ع): (وافضل العقل معرفة الإنسان نفسه، والمؤمن إذا غضب لم يخرجه غضبه عن حق، وإذا رضي لم يدخله رضاه في باطل، وإذا قدّر لم يأخذ أكثر من حقه)[116]. 6- محاسبة النفس: والعمل في الدنيا يلازم الإنسان ولا يفارقه، حتى إذا كان يوم القيامة اُخرج له كتاب محفوظ له، يُنشر بين يديه ويُحاسب على أفعاله المدوَّنة فيه. وإذا كان الأمر كذلك، فالعاقل ينبغي ان يلتزم بالضوابط التي وضعها الدين في التمييز بين الخير والشر، والطاعة والمعصية. وقد أشار الله تعالى إلى ذلك الكتاب فقال مخاطباً الإنسان: (اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً)[117]. وإلى نفس المعنى قال الإمام الرضا (ع): (من حاسب نفسه ربح، ومن غفل عنها خسر، ومن خاف أمن، ومن اعتبر ابصر، ومن ابصر فهمَ، ومن فَهمَ علِم)[118]، (واجتهدوا ان يكون زمانكم أربع ساعات: ساعة لله لمناجاته، وساعة لأمر المعاش، وساعة لمعاشرة الإخوان الثقات والذين يعرِّفونكم عيوبكم ويخلصون لكم في الباطن، وساعة تخلون فيها للذّاتكم، وبهذه الساعة تقدرون على الساعات الثلاث)[119]. 7- القناعة: القناعة هي ان يقبل الإنسان ما قدّره الله تعالى له، وهي في مقابل الطمع. ولا تعني القناعة عدم العمل وترك الكسب والتكاسل عن الرزق، بل تعني القبول بما قسمه الله من رزق وفضل. يقول تعالى على لسان لقمان (ع)، في الموازنة بين متطلبات الدنيا ومسؤولية الآخرة: (وابتغ فيما آتاك الله الدارَ الاخرةَ ولاتنسَ نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن اللهُ اليك ولاتبغِ الفساد في الارض انَّ الله لا يحبُ المفسدين)[120]. وإلى هذا المعنى قال الإمام (ع) عندما سئل عن حدود القناعة: (القناعة تجتمع إلى صيانة النفس، وعزّ القدر، وطرح مؤن الاستكثار، والتعبد لأهل الدنيا)[121]، و(لايسلك طريق القناعة إلا رجلان: إمّا متعبد يريد أجر الآخرة، أو كريم يتنـزه من لئام الناس)[122]. 8- العمل الصالح: لا تكتمل شخصية المؤمن ما لم يبادر إلى عمل الصالحات، وقد اقترن الإيمان بالعمل الصالح في مواضع عديدة في القرآن الكريم: (ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات انا لا نضيعُ أجر من أحسن عملا)[123]، ولكن الله تعالى لا يقبل العمل إلا من المتقي: (... انما يتقبل الله من المتقين)[124]. والأصل في صحة قبول العمل الصالح هو ان ينجز على يقين وبصيرة حتى لو كان قليلاً. قال الإمام الرضا (ع): (ان العمل القليل القائم على اليقين والبصيرة والديومة أفضل من العمل الكثير المنقطع)، (...عليكم بالقصد في الغنى والفقر، والبّر من القليل والكثير، فانَّ الله تبارك وتعالى يعظّم شقّة التمرة حتى يأتى يوم القيامة كجبل اُحد)[125]، (انظر إلى من هو دونك في المقدرة، ولا تنظر إلى من هو فوقك فان ذلك أقنع لك، وأحرى أن تستوجب الزيادة، واعلم ان العمل الدائم القليل على اليقين والبصير أفضل عند الله من العمل الكثير على غير يقين)[126]. 9- التواضع: التواضع سلوك إجتماعي ينبع من النفس. فالمتواضع في ذاته متواضعٌ مع الناس. قال الإمام الرضا (ع): (التواضع درجات منها ان يعرف المرء قدر نفسه، فينـزلها منـزلتها بقلب سليم)[127]. وقد حبب الله تعالى التواضع وانزله بمنـزلة العبادة، فقال: (واخفض جناحك لمن أتبعك من المؤمنين)[128]، (وعباد الرحمن الذين يمشون على الارض هوناً واذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً)[129]. 10- الابتعاد عن الخصال المذمومة: والخصال المذمومة هي الأفعال التي تهلك الإنسان وتهدم كيان المجتمع، ومنها: الحرص، والحسد، والبخل، والكذب، ونحوها. فقال (ع): (إيّاكم والحرص والحسد، فإنهما أهلكا الأمم السالفة، وإياكم والبخل فإنها عاهة لاتكون في حُرّ ولا مؤمن، إنها خلاف الايمان)[130]. و(لاتحدّثوا أنفسكم بالفقر، ولا بطول العمر، فإنه من حدّث نفسه بالفقر بخل، ومن حدّثها بطول العمر حرص. اجعلوا لأنفسكم حظاً من الدنيا باعطائها ما تشتهي من الحلال، ومالم يثلم المروَّة ولاسرف فيه، واستعينوا بذلك على أمور الدنيا فانه نروي: ليس منّا من ترك دنياه لدينه، ودينه لدنياه)[131]. و(ليس لبخيل راحة، ولا لحسود لذة ولا لملول وفاء، ولا لكاذب مروءة)[132]. (الأجل آفة الأمل، والبر غنيمة الحازم، والتفريط مصيبة ذي القدرة، والبخل يمزق العرض، والحب داعي المكاره، وأجلّ الخلائق وأكرمها اصطناع المعروف، واغاثة الملهوف، وتحقيق أمل الآمال، وتصديق مخيلة الراجي، والاستكثار من الاصدقاء في الحياة والباكين بعد الوفاة)[133]. و(عليكم بالصدق وإياكم والكذب، فإنه لا يصلح إلا لأهله)[134]. قال تعالى: (اتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وانتم تتلون الكتاب، افلا تعقلون)[135]، (يا ايها الذين آمنوا لِمَ تقولون ما لا تفعلون، كبر مقتاً عند الله ان تقولوا ما لاتفعلون)[136]. عناصر الاخلاق في أقوال الإمام الرضا (ع) إذا أردنا بناء نظامٍ أخلاقي في شخصية الإنسان، فلابد من استعراض خمسة عناصر تشكل البنية الاساسية. وتلك العناصر هي: أ- النية. ب- المسؤولية. ج- الإلزام. د- الجهد. هـ- الجزاء. أ- النية: النية هي الإرادة والتصميم وعقد القلب على الإقدام على عملٍ ما. والنية هي مقدمة من مقدمات العمل. قال رسول الله (ص): (انما الأعمال بالنيات)، فلا عمل ذي مقدمة دون مقدمته، ولذلك قيل إذا وجب العمل وجبت مقدمته. واستحضار النية إلى عمل الخير هو المفتاح لادائه، وإلى هذا المعنى قيل بان (نيةُ المرء خيرٌ من عمله). فالعمل القلبي النابع من إرادة الإنسان وعزمه هو المقدار المتيقن الذي يستطيع ان يقوم به كل انسان. لأن النيات من أعمال القلوب، وأعمال القلوب تلك لا تحتاج إلى جهد خارجي. ومن الطبيعي، فان الله تعالى لا يرتضي من الإنسان عملاً صالحاً، ما لم تكن نية قلبية معقودة على أدائه مركزها القلب. وقد أبرز القرآن الكريم عمل القلب، فقال: (اولئك الذين امتحن اللهُ قلوبهم للتقوى)[137]، (من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب)[138]، (يوم لاينفع مالٌ ولابنون الاّ من أتى الله بقلب سليم)[139]. وعن الإمام الرضا (ع) يرفعه إلى رسول الله (ص) انه قال: (الايمان اقرار باللسان وعمل بالاركان ويقين بالقلب)[140]. وذلك اليقين هو الذي يستحدث النية ويدفع المؤمن لانجاز العمل الصالح. والذنب لا يرتكب إلا بنية يعقدها الإنسان في قلبه. ولا يصدر العمل من الإنسان إلا بنيّة، ولذلك فهو محاسب عليها. وقد قصّ الإمام الرضا (ع) لنا جواب الإمام الكاظم (ع) وهو في صباه في محاورة مع أبي حنيفة النعمان، فقال: (خرج أبو حنيفة ذات يوم من عند الصادق (ع)، فاستقبله ابنه موسى (ع)، فقال: يا غلام ممن المعصية؟ قال (ع): لا تخلو من ثلاث، اما ان تكون من الله عزّ وجلّ وليست منه، فلا ينبغي للكريم أن يعذب عبده بما لا يكتسبه. واما ان تكون من الله عزّ وجلّ ومن العبد فلا ينبغي للشريك القويّ أن يظلم الشريك الضعيف. واما ان تكون من العبد وهي منه فإن عاقبه الله فبذنبه، وإن عفا عنه فبكرمه وجوده)[141]. ب- المسؤولية: المسؤولية هي الاستعداد على حفظ الأمانة الملقاة على عاتق الإنسان، وهي استعداد فطري على تحمل التكاليف الشرعية التي أراد الله عزّ وجلّ من الإنسان أن يحملها. وعندما يلزم الإنسان باداء عمل ما ليجازى عليه بأجر، انما يحمّل مسؤولية انجاز ذلك التكليف المناط به. وقد حدد الله سبحانه وتعالى المسؤولية العامة للإنسان، من خلال تحديده للامانة التي عرضها عليه، وهي الولاية الالهية، فأبت السماوات والأرض والجبال أن يحملنها، لعدم اشتمالها على صلاحية التكليف، فحملها الإنسان. قال تعالى: (انا عرضنا الأمانة على السماوات والارض والجبال فأبين ان يحملنها، واشفقن منها، وحملها الانسان انه كان ظلوماً جهولاً)[142]، (وقفوهم انهم مسؤولون)[143]، (أيحسبُ الانسان ان يترك سدى)[144]، (فو ربك لنسألنّهم اجمعين عما كانوا يعلمون)[145]. ولا يجبر المولى عزّ وجلّ العباد على فعلٍ معينٍ، ثم يعذبهم على إرتكابه، لأن ذلك يتنافى مع العدالة الالهية. ولا يهمل الخالق عبده ويكله إلى نفسه، لأن ذلك يتنافى مع الحكمة الالهية. ولكنه سبحانه يحمّل الانسان مسؤولية التكليف، فيجازي العبد على ما عمل، كما أشار إلى ذلك الرضا (ع)، ففي كتاب (نثر الدرر) سأل الفضل بن سهل الإمام الرضا (ع) في مجلس المأمون، فقال: (يا أبا الحسن الناس مجبرون؟ فقال: الله أعدل من أن يجبر ثم يعذب. قال: فمطلقون؟ قال: الله أحكم من أن يهمل عبده ويكله إلى نفسه). وعن ابراهيم بن العباس: سمعت الرضا (ع) وقد سئله رجل: (أيكلف الله العباد ما لا يطيقون؟ فقال: هو أعدل من ذلك. قال: أفيقدرون على كل ما أرادوه؟ قال: هم أعجز من ذلك)[146]. ج- الإلزام: تلتمس القيم الاخلاقية الفاضلة عنصراً إلزامياً يعيش في قلب الإنسان، ذلك لأن النفس الإنسانية كانت قد جُبلت على التمييز بين الخير والشر، كما قال تعالى: (ونفس وما سواها فالهمها فجورها وتقواها)[147]. والقانون الذي يفرضه النظام الإجتماعي كالضريبة مثلاً لتنظيم مالية الدولة قد يُرغم الناس على الالتزام به، لكنه لا يستطيع ان يلزمهم إلزاماً أخلاقياً به، ومتى ما أصبح الإلزام قهراً، فقدَ بذلك قيمته الأخلاقية. فالإلزام أمرٌ ذاتي يستنهضه الإنسان من عروق قلبه وآخاديد عقله، بحيث يكون رقيباً على نفسه في إنجاز ما كُلِّفَ به من تكاليف دينية أخلاقية. وإلى هذا المعنى يعرض الإمام الرضا (ع) قكرة: (ان الله عزوجل لم يُطَع باكراه، ولم يعصَ بغلبة، ولم يهمل العباد في ملكه، وهو المالك لما ملّكهم، والقادر على ما أقدرهم عليه، فان ائتمر العباد بالطاعة لم يكن الله عنها صاداً، ولا منها مانعاً، وان ائتمروا بمعصيته فشاء ان يحول بينهم و بين ذلك فعل، فان لم يحل وفعلوه فليس هو الذي أدخلهم فيها)[148]. والعقل أهم مصدر من مصادر الإلزام، لأن الإلزام هو الصدق بذاته. وهو الحجة على الخلق، فـ(العقل يعرف به الصادق على الله فيصدِّقه، والكاذب على الله فيكذِّبه)[149]، كما قال الإمام (ع). وفي زيارة الامام الرضا (ع)، إشارة إلى انه ألزم نفسه بالسير على طريق الهدى، وهو طريق التوحيد والاسلام، فلم يؤثر عمىً على هُدىً ولم يَمِل من حق الى باطل: (السلامُ عليك يا إمام الهدى والعروةَ الوثقى ورحمةُ الـلهِ وبركاته، أشهَدُ أنَّك مضيتَ على ما مضى عليك آباؤك الطاهِرون صلواتُ اللهِ عليهم، لم تُؤثر عمىً على هُدىً، ولم تمِل من حقٍ إلى باطلٍ، وأنك قد نصحتَ لله ولرسوله وأديت الأمانة فجزاك اللهُ عن الاسلام وأهلهِ خيرَ الجزاء)[150]. وقد اشار القرآن الكريم إلى الالزام بصور مختلفة، بالقول: (بل الانسان على نفسهِ بصيرةٌُ ولو ألقى معاذيره)[151]، (ونفس وما سواها فالهمها فجورها وتقواها)[152]، (وأما من خاف مقام ربه، ونهى النفسَ عن الهوى، فان الجنة هي المأوى)[153]. (نهاية ص 34) [1] سورة الشورى: الآية 33. [2] عيون اخبار الرضا (ع) ج 1 ص 20. [3] بحار الانوار ج49، ص269. [4] عيون اخبار الرضا (ع) ج 2 ص 228. [5]بحار الانوار ج49، ص80. [6] سورة يوسف: الآية 55. [7] الخرائج والجرائح ص 245. [8] رسالة في اصول الدين وفروعه: جمعها الامام الرضا (ع) لما بعث اليه المأمون في ذلك ( مخطوط 1258 بدار الكتب بالقاهرة ). [9] الصدوق في عيون اخبار الرضا، والمجلسي في البحار، وفي خلاصة تذهيب الكمال في اسماء الرجال عن سنن ابن ماجة القزويني، وفي مقاتل الطالبيين، وفي تهذيب التهذيب للحافظ بن حجر عن الحاكم في تاريخ نيسابور. [10] سورة الحجرات: الآية 10. [11] مناقب آل ابي طالب ج 4 ص 361. [12] سورة الاحزاب: الآية 6. [13] سورة محمد: الآية 22. [14] سورة : الآية . [15] تحف العقول، وبحار الانوار ج 78 ص336. [16] سورة البقرة: الآية 262- 263. [17] بحار الانوار ج 78 ص336. [18] تحف العقول لابن شعبة. [19] بحار الانوار ج 78 ص 336. [20] بحار الانوار ج 78 ص 341. [21] سورة البقرة: الآية 178. [22] سورة المائدة: الآية 3. [23] سورة الانفال: الآية 2. [24] سورة البقرة : الآية 44. [25] سورة الانعام: الآية 49. [26] المناقب، ورواه الصدوق في عيون اخبار الرضا بسنده عن محمد بن سنان. [27] سورة الحجر: الآية 85. [28] نثر الدرر للآبي. [29] سورة القلم: الآية 4. [30] سورة آل عمران: الآية 159. [31] سورة حم السجدة: الآية 1 ، وسورة فصلت: الآية 34. [32] اعلام الورى للطبرسي. [33] بحار الانوار ج78 ص345. [34] تحف العقول . [35] سورة الجن: الآية 26. [36] سورة الاعراف: الآية 199. [37] سورة البقرة: الآية 177. [38] كشف الغمة في معرفة الائمة - ابي الفتح الاربلي ج 3 ص 81. [39] الكافي للكليني. [40] المصدر السابق. [41] المحاسن ص 392. وسورة البلد: الآية 11. [42] سورة الدهر (أو الإنسان): الآية 7-8. [43] قرب الاسناد ص 198. [44] سورة النساء: الآية 58. [45] بحار الانوار ج 75 ص346. [46] كشف الغمة ج 3 ص 58. [47] بحار الانوار ج49 ص227. [48] بحار الانوار ج78 ص346. [49] حشمَه: آذاه وأغضبه بتسميعه مايكره. واحتشم منه وعنه غضب وانقبض واستحيا. وفي بعض النسخ (ولاتحاشموا ) أي لا تغاضبوا فان المتغاضبان في النار- بحار الانوار ج78 ص347. [50] المصدر السابق. [51] المناقب عن اسحاق بن يعقوب النوبختي. [52] بحار الانوار ج78 ص336. [53] سورة النمل: الآية 125. [54] كشف الغمة ج 3 ص 87. [55] عيون اخبار الرضا (ع)- الصدوق. [56] سورة الفاتحة: الآية 5. [57] سورة المائدة: الآية 54. [58] بحار الانوار ج 78 ص353. [59] كشف الغمة ج 3 ص 96. [60] كشف الغمة ج 3 ص 58. [61] سورة سبأ: الآية 12. [62] تحف العقول. [63] عيون اخبار الرضا (ع) بسنده عن محمد بن يحيى بن ابي عباد عن عمه. [64] بحار الانوار ج 78 ص 343. [65] بحار الانوار ج 78 ص 343. [66] بصائر الدرجات ج5 ص 6 ، ب 12. [67] سورة هود: الآية 102. [68] سورة الطلاق: الآية 3. [69] سورة غافر: الآية 44. [70] سورة الطلاق: الآية 3. [71] ألا في الأمر: قصّر وابطأ وترك الجهد ومنه يقال: لم يأل جهداً. [72] بحار الانوار ج 78 ص 336. [73] سورة الاعراف: الآية 201. [74] سورة النحل: الآية 128. [75] عيون اخبار الرضا (ع) للصدوق. [76] بحار الانوار ج 78 ص336. [77] سورة الحجرات: الآية 113 [78] عيون اخبار الرضا- الصدوق ج 2، ص 236. [79] بحار الانوار ج49 ص129. [80] بحار الانوار ج 78 ص 348. [81] عيون اخبار الرضا (ع) ج 2 ص 205- 206. [82] عيون اخبار الرضا (ع) للصدوق. [83] الاختصاص للصدوق. [84] الكافي للكليني. [85] سورة النور: الآية 36- 37. [86] سورة الاحزاب: الآية 41- 42. [87] كشف الغمة ج 3 ص 84. [88] كشف الغمة ج 3 ص 75. [89] بحار الانوار ج49 ص91. [90] بحار الانوار ج49 ص82- 83. [91] المناقب – ابن شهر اشوب. [92] عيون اخبار الرضا (ع) ج 2 ص 180- 183.
[93] بحار الانوار ج 78 ص 345. [94] سورة الاعراف: الآية 199. [95] سورة النجم: الآية 20. [96] سورة الفرقان: الآية 64. [97] تحف العقول. [98] تحف العقول. [99] سورة النساء: الآية 71. [100] السِفاد: نزو الذكر على الانثى. [101] كشف الغمة ج 3 ص 81. [102] بحار الانوار ج78 ص336. [103] سورة: الآية . [104] سورة: الآية . [105]عيون اخبار الرضا (ع) ج 2 ص 179. [106] تحف العقول. [107] بحار الانوار ج78 ص336. [108]عيون اخبار الرضا (ع) ج 1 ص 307. [109] سورة العنكبوت: الآية 59. [110] سورة ابراهيم: الآية 12. [111] سورة النمل: الآية 127. [112] تحف العقول. [113] تحف العقول. [114] بحار الانوار ج49 ص67. [115] بحار الانوار ج49 ص51. [116] الذخيرة ص . [117] سورة الاسراء: الآية 14. [118] الذخيرة ص. [119] بحار الانوارج 78 ص 346. [120] سورة القصص: الآية 77. [121] كشف الغمة ج 3 ص 96. [122] بحار الانوار ج 78 ص 354. [123] سورة الكهف: الآية 30. [124] سورة المائدة: الآية 27. |