|
(ص 315 - 346) الفصل الرابع المعالم الإجتماعية --------------------------------- (1) المسلمون بعد وفاة النبي (ص) (سنة 11- 60 للهجرة) اختتمت حياة الإمام الحسين (ع) الحافلة بالعطاء بالقتل والشهادة في سبيل الله، في واقعة تجسدت فيها كل معاني المأساة الانسانية، وهي واقعة الطف سنة 61 للهجرة. ونظرة سريعة إلى الوراء لفهم الظروف التي ساهمت في واقعة الطف، ترينا ان مسلسل الأحداث بعد وفاة النبي (ص) قاد الوضع السياسي والإجتماعي لدولة المسلمين إلى ما آل إليه في كربلاء. فقد وقعت خلال خمسين سنة بعد وفاة رسول الله (ص) خمسة أحداث جسيمة غيّرت صورة التاريخ الإسلامي تغييراً رئيسياً، وهي: أ- وفاة النبي (ص) واجتماع السقيفة (سنة 11 للهجرة): فقد أثيـرت قضية الحكم، بعد وفاة النبي (ص)، في سقيفة بني ساعدة. مع العلم بان النبي (ص) قد اوصى قبل وفاته الى علي بن أبي طالب (ع) في غدير خم. ولكن الطموح نحو السلطة كان قد حمل جميع من اجتمع في سقيفة بني ساعدة الى تناسي وصية رسول الله (ص) تلك. وكان لسان قريش يعلن عن روح قبلية جديدة: (من ينازعنا سلطان محمد ونحن اولياؤه وعشيرته ؟!). وكأن الروح القبلية الجاهلية قد عادت من جديد. وقد فتحت تلك الروح القبلية باب الفتنة بين المسلمين. ب- مبدأ الخليفة الثاني في العطاء (سنة 20 هـ): إتّخذ رسول الله (ص) مبدأ المساواة في العطاء بين جميع المسلمين مهاجرين وانصار، وعرب وعجم. وقد سار على ذلك الخليفة الأول. إلاّ ان الخليفة الثاني (فضـّل السابقين على غيرهم، وفضـّل المهاجرين من قريش على غيرهم من المهاجرين، وفضـّل المهاجرين كافة على الأنصار كافة، وفضـّل العرب على العجم، وفضـّل الصريح على المولى)[1]. وفضـّل مضر على ربيعة، ففرض لمضر ثلاثمائة ولربيعة مائتين[2]، وفضـّل الأوس على الخزرج[3]. وكان مبدأ التفضيل امتيازاً لقريش على سائر المسلمين، فهم عرب وقرشيون ومضريون ومهاجرون. وكفى به مبـرراً للحكم والخلافة. وقد أحسّ الخليفة خطأ ذلك المبدأ في العطاء، فأعلن عزمه على الرجوع إلى السنّة النبوية في العطاء، فقال: (اني كنت تألفت الناس بما صنعت في تفضيل بعض على بعض، وإن عشت هذه السنة ساويت بين الناس فلم أفضل أحمر على أسود، ولا عربياً على عجمي، وصنعت كما صنع رسول الله وأبو بكر)[4]. ولكن القدر كان أسرع من نية الخليفة الثاني، فقتل قبل أن يرجع عن هذا المبدأ. فجاء الخليفة الثالث وسار عليه. ج- قضية الشورى (سنة 23 هـ): وجعل الخليفة الثاني قبل مقتله الشورى في ستة نفر من قريش، كلهم مرشح للخلافة. وكانت رغبة قريش أن يتولى عثمان الخلافة لأنه كان عازماً على حفظ مصالحها، بينما كان المستضعفون المؤمنون يريدون علياً (ع). وكانت قريش تخشى علياً (ع) واستقامته وعدله، وكان المسلمون يخشون بطش بني أمية وسلطانهم. فهذا عبد الله بن سعد بن أبي سرح الأموي يقول: (أيها الملأ إن أردتم ألا تختلف قريش فيما بينها فبايعوا عثمان)[5]. بينما كان عمار بن ياسر يقول: (إن أردتم ألا يختلف المسلمون فيما بينهم فبايعوا علياً)[6]. ورجح عبد الرحمن ابن عوف، وهو من الشورى الستة، كفة عثمان على علي (ع). فدخل بنو أمية السلطة من أوسع أبوابـها. فولى عثمان على البصرة ابن خاله (عبد الله بن عامر بن كريز)، وولى على الكوفة أخاه ( الوليد بن عقبة بن أبي معيط) ثم عزله لثبوت شرب الخمر عليه وولى مكانه (سعيد بن العاص)، وثبت ولاية معاوية على دمشق وضم إليها ولاية حمص وفلسطين، وولى مصر أخاه من الرضاعة (عبد الله بن سعد بن أبي سرح). وكان هؤلاء الولاة جميعاً من قرابة عثمان. وكانت تلك الأمصار أعظم مراكز الثروة المالية والزراعية والتجارية في دولة الإسلام. وبتلك الأمتيازات العظيمة تسلطت قريش على المسلمين، ووصل تحديها للمبادئ التي جاء بها الإسلام حداً لا يقبله مسلم، فهذا سعيد بن العاص يقول: (انما السواد – يعني العراق – بستان لقريش ما شئنا أخذنا منه وما شئنا تركناه). وعندما أعترض المسلمون على ذلك، نفاهم الى الشام. وعندما عارض عبد الله بن مسعود (خازن بيت المال) سياسة عثمان في المال، أعترضه عثمان بالقول: (إنما أنت خازن لنا). ولم يكن ولاة عثمان من ذوي السابقة في الدين، بل كانوا متهمين في دينهم، ومنهم من نزل فيه قرآن يدينه كعبد الله بن ابي سرح، والوليد بن عقبة. د- ولاية الإمام علي بن أبي طالب (ع) (36 - 40 هـ): وعندما تسنى للإمام علي (ع) ولاية الأمر، قام بإصلاحات جذرية في الإدارة والحقوق والأموال. فعلى صعيد السياسة الإدارية عزل جميع ولاة عثمان على الأمصار، وولى رجالاً من أهل الدين والصلاح. فكان على البصرة (عثمان بن حنيف)، وعلى الشام (سهل بن حنيف)، وعلى مصر (قيس بن سعد بن عبادة)، وثبت (أبا موسى الأشعري) على الكوفة. وكان جميع هؤلاء الولاة من غير قريش. فطعن في هذه الحركة العادلة قريشاً في قلبها، وأوجع قلوب بني أمية بالخصوص. فقال (ع) في شأن ولاة عثمان: (....ولكني آسى أن يلي أمر هذه الأمة سفهاؤها وفجارها، فيتخذوا مال الله دولاً، وعباده خولاً، والصالحين حرباً، والفاسقين حزباً، فإن منهم الذي قد شرب فيكم الحرام، وجلد حداً في الإسلام، وان منهم من لم يسلم حتى رضخت له على الإسلام الرضائخ...). وعلى صعيد السياسة الحقوقية، فقد رجع الإمام (ع) إلى السياسة النبوية في المساواة في العطاء، وكان شعاره (ع): (الذليل عندي عزيز حتى آخذ الحقَ له، والقوي عندي ضعيف حتى آخذ الحق منه). وعلى صعيد السياسة المالية، فقد حاول الإمام (ع) مصادرة جميع ما وهبه عثمان من الأموال وما أقطعه من القطائع، لأنـها من بيت مال المسلمين. وليس لأحد فيها فضل على غيره منهم. وقد بلغت ثروات البعض حدوداً خيالية. فثروة الزبير كانت (خمسين ألف دينار وألف فرس، وألف عبد وضياعاً وخططاً في البصرة والكوفة ومصر والاسكندرية. وثروة طلحة بن عبيد الله من العراق كل يوم ألف دينار. وكان على مربط عبد الرحمن بن عوف مائة فرس، وله ألف بعير، وعشرة آلاف شاة. وحين مات زيد بن ثابت خلـّف من الذهب والفضة ما كان يكسر بالفؤوس غير ما خلف من الأموال والضياع بقيمة مائة ألف دينار. أما عثمان فكان له يوم قتل، عند خازنه مائة وخمسون الف دينار ومليون درهم، وقيمة ضياعه بوادي القرى وحنين وغيرهما مائة ألف دينار وخلف خيلاً كثيراً وإبلاً)[7]. ومع وجود هذه الثروة العظيمة عند القلّة، كان الفقر يضرب أطنابه في الجزيرة خصوصاً في الطبقة الدنيا من الناس، من الجنود والعمال والمحرومين من أيتام وقاصرين وعجزة وأرامل. هـ - ولاية معاوية (40 – 60 هـ): رفض معاوية قرار الإمام علي أمير المؤمنين (ع)، وهو الخليفة المفترض الطاعة، الانصياع بأمر عزله من ولاية الشام. وبقي معاوية شاقاً عصا الطاعة مستقلاً في الشام عن الدولة الإسلامية الكبرى. بل قاد حرباً ضروساً ضد الإمام (ع) في صفين. ومن قبلها حـّرك بعض فلول قريش التي أضرتها عدالة الإمام (ع) واستقامته، من أجل محاربة النظام الجديد. فكانت حرب الجمل. وقبل ان نعرض مبادىء معاوية بن أبي سفيان في الحكم، لابد ان ندرس جذوره القبلية، وبيئته العائلية، وسلوكه في الدين. (2) الإسلام، السلطة، وبنو أمية وقف بنو أمية، في مكة ومن ثم في المدينة، موقفا ً عدائياً شديداً من رسالة النبي (ص)، فلم يؤمنوا بها، بل استهزأوا بمصدرها السماوي، وحاربوها بمختلف الوسائل المتاحة لهم من سيف وكلمة وسلوك. فكان أبو سفيان معتصماً باللات والعزّى ومناة وأساف ونائلة وهُبل، فكتب له رسول الله (ص): (قد أتاني كتابك، وقديماً غرّك يا أحمق بني غالب وسفيههم بالله الغرور، وسيحول الله بينك وبين ما تريد، ويجعل لنا العاقبة، ليأتين عليك يوم أكسر فيه اللات، والعزّى، وأساف، ونائلة، وهُبل يا سفيه بني غالب)[8]. وهند بنت عتبة، أم معاوية بن أبي سفيان، التي شهدت غزوة أحد وهي كافرة، وخططت لقتل حمزة عم النبي (ص) فكان لها ما أرادت. فمثلّت به عندما تسنى لها ذلك[9]. ومن كان له والد يغذيه كأبي سفيان ووالدة ترضعه كهند بنت عتبة، فلابد أن ينشأ مجبولاً على المكر والخداع. فأبوه خطط لقتل النبي (ص) في مكة ووأد الإسلام، وأمه خططت لقتل حمزة عم النبي (ص). ومن أرحامه الوليد بن عقبة الذي نزلت فيه آية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)[10]، كان قد بعثه رسول الله (ص) في صدقات بني المصطلق، ولما علموا بذلك خرجوا لاستقباله، فظن أنهم أرادوا قتله، فرجع إلى رسول الله (ص) وادعى زوراً أنهم ارتدوا ومنعوا الصدقات. ولكن النبي (ص) بعث إليهم من تعرّف على أخبارهم وأحوالهم، فوجدهم على خلاف ما ذكره الوليد بن عقبة، فنـزلت الآية الشريفة[11]. ومروان بن الحكم المعروف بطريد رسول الله (ص) ولعينه، الذي قال فيه علي بن أبي طالب (ع): (لا حاجة لي في بيعته، إنها كفٌّ يهودية)[12]، والذي وصفه أسامة بن زيد بانه كان فاحشاً متفحشاً[13]؛ أعطاه عثمان بن عفان في خلافته خمس غنائم أفريقية، ووهبه معاوية بن أبي سفيان فدكاً، ثم ولاّه البحرين ثم ولاّه المدينة. ولاشك ان عصبة بتلك الخصائص يضفي عليها القرآن الكريم صفة الشجرة الملعونة، يقول تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَانًا كَبِيرًا)[14]. وقد تواترت الروايات عن النبي (ص) بان تلك الشجرة الملعونة في القرآن هم بنو أمية، رآهم رسول الله (ص) في منامه على هيئة القرود المتسلقة على منبره (ص)[15]. فالشجرة الملعونة في القرآن هي شجرة النسب المنتهية بأبي سفيان والممتدة إلى آخر من حكم منهم باسم الإسلام. والإسلام منهم براء براءة الذئب من دم يوسف. وقد لعنوا في القرآن لأنهم عطلّوا الحدود، وسبّوا الأولياء، وقتلوا الأتقياء، وألحقوا أهل السفاح بأنفسهم. ولنصرب نماذجَ لذلك. أ- تعطيل الحدود: يذكر الماوردي (أن معاوية أُتي بلصوص فقطع أيديهم، إلا واحداً منهم استرقه بشعرٍ قاله: يميني أمير المؤمنين أعيذها** بعفوك أن تلقى نكالاً يُبينها يدي كانت الحسناء لو تمَّ سترها ** ولا تقدِّمُ الحسناءُ عيباً يشينها فلا خير في الدنيا وكانت خبيثةً ** إذا ما شمالٌ فارقتْها يمينُها فقال معاوية: كيف أصنعُ وقد قطعتُ أصحابك؟ فقالت أمُّ السارق: يا أمير المؤمنين اجعلها من جملة ذنوبك التي تتوب إلى الله منها، فخلى سبيله ولم يقطعه! قال الماوردي: فكان أول حدٍّ تُرك في الإسلام)[16]. ب- سب الأولياء: ان فضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) وقربه من رسول الله (ص) لا ينكرها مسلم، ولكن بنو أمية سبّوا الهداة الأطهار من أهل البيت (ع)، من على المنابر. وكان معاوية يصبُّ اللعن على علي بن أبي طالب (ع) في آخر خطبة الجمعة[17]، وكان يوصي عماله بوصيته المشهورة: (...لا تتركوا شتم عليّ وذمه)[18]. وبقي الإمام التقي علي بن أبي طالب (ع) يُشتم من على المآذن والمنابر مدة قرن كامل من الزمان تقريباً، وهو كل أيام حكم بني أمية. ج- قتل الأتقياء: أمر معاوية بقتل الصحابي الجليل حجر بن عدي مع أصحابه المؤمنين. وقد قرأنا في هذا الكتاب مقتل الإمام الحسين (ع) سيد الشهداء سبط النبي (ص) وأهله وأصحابه على يد أولئك الطغاة. وكفى به جريمة نكراء لطخت صحائف التاريخ بدم المظلوم. د- الإلحاق بالنسب عن طريق السفاح: ولما كان زياد بن أبيه (المولود على فراش عبيد الرومي عن طريق زنا) من أولئك الذين وطّدوا لحكم معاوية، فقد أمر الأخير بإلحاقه بأبي سفيان خلافاً لسنّة النبي (ص): (الولد للفراش، وللعاهر الحجر)[19]. ولعل من الوثائق التأريخية القريبة إلى تلك الفترة الزمنية، الذي تشرح بكلمات مقتضبة حكم يزيد بن معاوية، كتاب (المعتضد) العباسي (أحمد بن الموفق ت 289هـ)، ويقول فيه: (ومنه إيثاره – يعني معاوية- بدين الله، ودعاؤه عباد الله إلى ابنه يزيد المتكبر، الخمّير، صاحب الديوك والفهود، والقرود، وأخذه البيعة له على خيار المسلمين بالقهر والسطوة، والتوعيد والإخافة، والتهدد والرهبة، وهو يعلم سفهه، ويطّلع على خبثه ورهقه، ويعاين سكراته وفجوره وكفره، فلما تمكن ما مكّنه منه، ووطّأه له، وعصى الله ورسوله فيه، طلب بثارات المشركين وطوائلهم عند المسلمين؛ فأوقع بأهل الحرّة الوقيعة التي لم يكن في الإسلام اشنع منها، ولا أفحش مما ارتكب من الصالحين فيها، وشفى بذلك نفسه وغليله، وظنَّ أن قد انتقم من أولياء الله، وبلغ النوى لأعداء الله، فقال مجاهراً بكفره، ومظهراً لشركه: ليت أشياخي ببدر شهدوا ** جزع الخزرج من وقع الأسلْ قد قتلنا القرم من ساداتهم** وعدلنا ميل بدرٍ فاعتدلْ فأهلّوا واستهلوا فرحاً ** ثم قالوا: يا يزيد لا تُشلّ لستُ من خندفَ إن لم انتقم** من بني أحمدَ ما كان فعلْ لعبت هاشم بالملك فلا** خبر جاء ولا وحي نزلْ هذا هو المروق من الدين، وقول من لا يرجع إلى الله وإلى دينه، ولا إلى كتابه، ولا إلى رسوله، ولا يؤمن بالله، ولا بما جاء من عند الله. ثم أغلظ ما انتهك، وأعظم ما اخترم سفكه دم الحسين بن علي، وابن فاطمة بنت رسول الله (ص) مع موقعه من رسول الله (ص)، ومكانه منه، ومنـزلته من الدين والفضل، وشهادة رسول الله (ص) له، ولأخيه بسيادة شباب أهل الجنة؛ اجتراءً على الله، وكفراً بدينه، وعداوة لرسوله، ومجاهدة لعترته، واستهانة بحرمته، فكأنما يقتل به وبأهل بيته قوماً من كفار أهل الترك والديلم، ولا يخاف من الله نقمةً، ولا يرقب منه سطوة، فبتر الله عمره، واجتثَّ أصله وفرعه، وسلبه ما تحت يده، وأعدَّ له من عذابه وعقوبته ما استحقه بمعصيته)[20]. وخلاصة الأمر ان يزيد كان قبل تسلطه (مسرفاً على نفسه في طلب اللذّة والعكوف عليها، والاستهتار بها، وقد كثر حديث الناس عنه، فأقبل هذا الطائش على دولة عظيمة واسعة، ولكن دون أن يقلع عن لذاته، ولهوه ومجونه، فارتكب الجرائم العظمى؛ كقتله الحسين بن علي (ع)، وأهل بيته وأصحابه سنة 61هـ، وبتلك الصورة المأساوية، والمثلة التي ليس لها نظير، وانتهاكه حرمة المدينة؛ حيث سفك دماء أهلها من الصحابة والتابعين سنة 63 هـ، وأباحها ثلاثة أيام، بقيادة مسلم بن عقبة المري، فعل ذلك بأمره، وقد أخذ البيعة ليزيد ممن بقي من أهل المدينة على أنهم خول وعبيد ليزيد، ومَن أبى ضُربت عنقه، وهذه بيعة على خلاف الكتاب والسنة. وبعدها انتهك حرمة الكعبة حين حاصرها، ثم رماها بالمنجنيق وأحرقها سنة 64هـ)[21]. (3) مبادئ سياسة معاوية وكانت سياسة معاوية مبنية على ثلاثة مبادئ: الأول: الترغيب والترهيب السياسي: فقد كانت تلك السياسة من الأدوات الفعالة التي ثبتت الحكم لبني أمية. وهذا معاوية في وصيته لابنه يزيد قبل موته يكتب: (...واعلم يا بني اني قد وطأت لك البلاد وذللت لك العباد ...)[22]. وهو نفسه الذي دعى (سفيان بن عوف الغامدي)، أحد قواده، وأمره بالإغارة على أهل العراق، وقال له: (...ان هذهِ الغارات يا سفيانَ على أهل العراق ترعبُ قلوبَـهم، وتفرح كل من له هوى فينا منهم، وتدعو إلينا كلَّ من خافَ الدوائر، فاقتُل كل من لقيته ممن هو ليس على مثلِ رأيك. وأخرب كل ما مررت به من القرى، وأحرب الأموال فان حربَ الأموالِ شبيهٌ بالقتلِ وهو أوجعُ للقلب)[23]. ودعا معاوية (الضحاك بن قيس الفهري) فنهب الأموال وقتل الناس، ودعا (بسر بن أرطأة) مع أوامر محددة واضحة: (أرهب الناس عنك فيما بين المدينة ومكة واجعلها شردات...)، (...وادعهم الى البيعة لي، فمن أبى فاقتله، واقتل شيعة علي حيث كانوا). وبـهذا الأسلوب كان الرجل يفضل ان يقال له زنديق أو كافر ولا يقال عنه أنه من شيعة علي (ع). واختفى اسم علي (ع) من الساحة الاجتماعية العامة تماماً، بينما كان اسمه (ع) يتردد مع اسم النبي (ص) في كل معارك الإسلام الكبرى. وكانت العلامة باسمه بين المشايخ زمن معاوية أن يقولوا: (قال الشيخ)[24]. الثاني: محاربة أتباع أهل البيت (ع): كتب معاوية إلى جميع عماله في الأمصار بعد عام الجماعة: (أن برئت الذمة ممن روى شيئاً من فضل أبي تراب وأهل بيته. فقامت الخطباء في كل كورة وعلى كل منبـر يلعنون علياً، ويبـرءون منه، ويقعون فيه وفي أهل بيته). ثم كتب معاوية الى عماله: (ألا يجيزوا لأحدٍ من شيعة علي وأهل بيته الشهادة). وأقام السفاح سمرة ابن جندب في البصرة (فقتل ثمانية آلاف من الناس، وأقام في المدينة شهراً فهدم دور أهلهـا، وقتل الكثيـر منهم، وسبى نساء همـدان – وسكان همدان من شيعة علي (ع) في اليمن- وأقمن في الأسواق، فكن أول مسلمات اشترين في الإسلام)[25]. وكل ما فعله من جرائم كان إسناداً لحكم معاوية، وكان يردد: (لعن الله معاوية، والله لو أطعت الله كما أطعت معاوية ما عذبني ابداً)[26]. ومعاوية ذاته، يقول، بعد أن أستتب له الأمر بعد استشهاد الأمام علي (ع): (يا أهل الكوفة، أترونني قاتلتكم على الصلاة والزكاة والحج؟ وقد علمت انكم تصلون وتزكون وتحجون، ولكني قاتلتكم لاتأمر عليكم وألي رقابكم، وقد آتاني الله ذلك وأنتم كارهون. ألا إن كل دم أصيب في هذه مطلول، وكل شرط شركته فتحت قدمي هاتين). وعندما تم الصلح مع الإمام الحسن (ع)، قال: (رضينا بها ملكاً)[27]. الثالث: قطع العطاء عمن لا يرون فيه الموالاة لحكمهم: فقد كتب معاوية لعماله: (...انظروا الى من قامت عليه البينة انه يحب علياً وأهل بيته فأمحوه من الديوان، وأسقطوا عطاءه ورزقه)[28]. وكان الأنصار يمكثون بلا عطاء ولا ذنب لهم إلا نصرة علي (ع) وأهل بيت النبوة (ع). وكان من أساليب معاوية التي اتبعها مع الحسين (ع) لحمله على بيعة يزيد هو حرمان جميع بني هاشم من عطائهم حتى يبايع الحسين (ع)[29]. وأوضح معاوية نظرته السياسية حول الحكم والسلطة وبيت مال المسلمين بجملة مقتضبة: (الأرض لله، وأنا خليفة الله، فما آخذ من مال الله فهو لي، وما تركته كان جائزاً لي). (4) تولي يزيد وخروج الإمام الحسين (ع) كان قرار الإمام الحسين (ع) أن لا يخرج على معاوية ما دام الأخير حياً، يرجع الى العهد الذي قطعه أخوه الإمام الحسن (ع) مع معاوية في صلح سنة 40 للهجرة. وكان الحسن (ع) قد صالح معاوية، لأنه رأى هوىً عظيماً عند الناس في الصلح وكراهة الحرب، فصالح بقياً على شيعة علي (ع) خاصة من القتل، ورأى (ع) دفع هذه الحرب الى يوم ما، فإن الله كل يوم هو في شأن[30]، كما قال (ع). وتشير كتب التاريخ الى هذا المعنى وتنقل مخاطبة الإمام الحسن (ع) لعلي بن محمد ابن بشير الهمداني: (ما أردت بمصالحتي معاوية إلا أن أدفع عنكم القتل عندما رأيت من تباطؤ أصحابي عن الحرب، ونكولهم عن القتال. ووالله لئن سرنا إليه بالجبال والشجر ما كان بد من إفضاء هذا الأمر إليه)[31]. وكان هذا هو رأي الحسين (ع) بعد استشهاد أخيه الحسن (ع) سنة 50 للهجرة. ولكن الوضع تبدل بعد موت معاوية، وسقوط العهد والميثاق الموقع بين الحسن (ع) ومعاوية. وقد ذكر أصحاب السير أنه: (لما مات الحسن بن علي (ع) تحركت الشيعة بالعراق، وكتبوا الى الحسين خلع معاوية والبيعة له، فامتنع عليهم، وذكر أن بينه وبين معاوية عهداً وعقداً، ولا يجوز له نقضه حتى تمضي المدة ، فإذا مات معاوية نظر في ذلك)[32]. وقد صدق الحسين (ع) ، فعندما مات معاوية ، خرج (ع) الى العراق. وأراد الخليفة الجديد يزيد، على قلة إدراكه وضيق اُفقه، إجبار أولئك النفر الذين أبوا على أبيه معاوية بيعة يزيد. وهم: الحسين بن علي (ع)، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الرحمن بن ابي بكر. فأمدّ عبد الرحمن بن ابي بكر بالمال فسكت، وراوغ عبد الله بن الزبير مراوغة الثعلب، واعطى عبد الله بن عمر الأمان وكان محباً للعافية، وقاتل الحسين بن علي (ع). وكان الحسين (ع) قد أعلنها صريحة واضحة: 1- (مثلي لا يبايع سراً، ولا يجتزئ بها مني سراً). 2- (إنا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة. بنا فتح الله، وبنا ختم، ويزيد فاسق، فاجر، شارب الخمر، قاتل النفس المحترمة، معلن بالفسق والفجور، ومثلي لا يبايع مثله). وبهذه الكلمات الصريحة أعلن الإمام الحسين (ع) دوره التاريخي في محاربته الحكم الأموي الفاسد. وبذلك أحيى (ع) الإسلام بخروجه على الحاكم الظالم. (5) الكوفة وخذلان الإمام الحسين (ع) وإذا أردنا، لدرس الطف من أن يكتمل، فلابد لنا من النظر إلى الكوفة كمدينة بابعادها الحضارية والسكانية والعسكرية. فقد أنشأت الكوفة سنة 17 للهجرة أيام الفتح الإسلامي لتكون قاعدة ومعسكراً للجيش الإسلامي، وأصبحت فيما بعد مركزاً لاعداد الجند في الفتوحات الإسلامية. وربما يشار الى الكوفيين على أنهم من الجيوش الفاتحة، وبمساعدتـهم فتحت فارس والروم. وكانت الكوفة في البداية مؤسسة على أساس القبائل التي سكنتها، في سبعة أحياء، وهي: 1-كنانة وحلفاؤهم. 2-قضاعة وغسان، وبجيلة، وخثعم، وكندة، وحضرموت. وكانت السيادة في هذا الحي لعشيرتين: بجيلة تحت إمرة جرير بن عبد الله البجلي، وكندة تحت إمرة الأشعث بن قيس. 3-مذحج، وحِميـَر، وهمدان وهي قبائل يمانية. 4- تميم. 5- أسد، وغطفان، ومحارب، ونميـر، من بكر بن وائل، وتغلب ومعظمهم من ربيعة. 6- اياد، وعك، وعبد القيس، والحمراء. 7- طي. وقيل ان الحمرا |