|
(ص 271 - 314) ثانياً: ما رواه عن أمير المؤمنين (ع): عن الحسين (ع) قال: (إن يهودياً من يهود الشام وأحبارهم كان قد قرأ التوراةَ والإنجيلَ والزَّبُورَ وصحفَ الأنبياء (ع) وعرفَ دلائلَهم، جاء إلى مجلسٍ فيه أصحابُ رسولِ الله (ص) وفيهم عليُّ بنُ أبي طالبٍ، وابنُ عباسٍ، وابنُ مسعودٍ، وأبو سعيدٍ الجُهَني. فقال: يا امة محمد ما تركتم لنبي درجة، ولا لمرسل فضيلة، إلاّ نحلتموها نبيكم، فهل تجيبوني عما أسألكم عنه؟ فانفضّ القوم عنه. فقال علي بن أبي طالب (ع): نعم ما أعطى الله نبياً درجة، ولا مرسلاً فضيلة، إلا وقد جمعها لمحمد (ص) وزاد محمداً على الأنبياء أضعافاً مضاعفة. فقال السائل: فهل أنت مجيبـي؟ فقال (ع): نعم. (1) فقال السائل: هذا آدم (ع) أسْجَدَ اللهُ له ملائكته، فهل فُعِلَ لمحمدٍ شيئاً من هذا؟ قال علي (ع): لقد كان كذلك، أسجدَ اللهُ لآدمَ ملائكته. فإنّ سجودهم له لم يكن سجود طاعة و[لا] إنهم عبدوا آدم من دون الله عزّ وجلّ، ولكن اعترافاً بالفضيلة ورحمة من الله له. ومحمدٌ (ص) أعطي ما هو أفضل من هذا، إنّ الله عزّ وجلّ صلّى عليه في جبروته[1] والملائكة بأجمعها، وتعبد المؤمنين بالصلاة عليه، فهذه زيادة... (2) قال السائل: فان آدم (ع) تاب الله عليه بعد خطيئته؟ قال علي (ع): لقد كان كذلك، ومحمد (ص) نزل فيه ما هو أكبر من هذا من غير ذنب أتى. قال الله عزّ وجلّ: (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ...)[2]. إنّ محمداً غيرُ موافٍ يومَ القيامةِ بوزرٍ، ولا مطلوب فيها بذنبٍ. (3) قال السائل: فإنّ هذا إدريس رفعه الله عزّ وجلّ مكاناً علياً؟ قال علي (ع): لقد كان كذلك. ومحمد صلى الله عليه وآله أعطي ما هو أفضل من هذا، إنّ الله جلّ ثناؤه قال فيه: (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ)[3]. فكفى بهذا من الله رفعة... (4) قال السائل: فهذا نوح (ع) صبـر في ذات الله تعالى، وأعذَرَ قومَهُ إذ كُذِّب؟ قال علي (ع): لقد كان كذلك. ومحمد (ص) صبـر في ذات الله عزّ وجلّ فأعذر قومه إذ كُذّب وشُرِّد، وحصب بالحصا، وعلاه أبو لهب بسلا ناقة وشاة، فأوحى الله تبارك وتعالى إلى [أحد ملائكته]... فأتاه، فقال: إني أمرت لك بالطاعة، فإن أمرت أن أطبق عليهم الجبال فأهلكتهم بها. قال (ص): (إنما بعثت رحمة، ربّ اهدِ أمتي فإنـهم لا يعلمون). ويحك يا يهودي إنّ نوحاً لما شاهد غرق قومه رقّ عليهم رقة القربة، وأظهر عليهم شفقة، فقال: (...رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي)[4]، فقال الله تعالى: (...إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ...)[5] أراد جلّ ذكره أن يسليه بذلك. ومحمد (ص) لما غلبت عليه من قومه المعاندة شهرَ عليهم سيف النقمة، ولم تدركه فيهم رقة القرابة، ولم ينظر إليهم بعين رحمة. (5) قال السائل: فإن نوحاً دعا ربه، فهطلت السماء بماء منهمر؟ قال علي (ع): لقد كان كذلك، وكانت دعوته دعوة غضب. ومحمد (ص) هطلت له السماء بماء منهمر رحمةً، وذلك أنه (ص) لما هاجر إلى المدينة أتاه أهلها في يوم جمعة فقالوا له: يا رسول الله احتبس القطر، واصفر العود، وتهافت الورق، فرفع يده المباركة حتى رئي بياض إبطه، وما ترى في السماء سحابة، فما برح حتى سقاهم الله... (6) قال السائل: فإن هذا هود قد انتصر الله له من أعدائه بالريح، فهل فُعِلَ لمحمدٍ (ص) شيئاً من هذا؟ قال علي (ع): لقد كان كذلك. ومحمد (ص) أعطي ما هو أفضل من هذا. إنّ الله عزّ وجلّ قد انتصر له من أعدائه بالريح يوم الخندق، إذ أرسل عليهم ريحاً تذرو الحصى، وجنوداً لم يروها، فزاد الله تعالى محمداً (ص) بثمانية آلاف مَلك، وفضّله على هود: بأن ريح عاد ريح سخط، وريح محمد (ص) ريح رحمة، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا...)[6]. (7) قال السائل: فإن هذا إبراهيم قد تيقّظ بالاعتبار على معرفة الله تعالى وأحاطت دلالته بعلم الإيمان؟ قال علي (ع): لقد كان كذلك. وأعطي محمد (ص) أفضل منه. وتيقّظ إبراهيم وهو ابن خمسة عشر سنة ومحمد (ص) ابن سبع سنين. قدم تجار من النصارى فنـزلوا بتجارتهم بين الصفا والمروة، فنظر إليه بعضهم فعرفه بصفته ورفعته، وخبـر مبعثه وآياته. فقالوا: يا غلام ما اسمك؟ قال: محمد. قالوا: ما اسم أبيك؟ قال: عبد الله. قالوا: ما اسم هذه؟ قال: الأرض. قالوا: وما اسم هذه؟ قال: السماء. قالوا: فمن ربّهما؟ قال: الله. ثم انتهرهم، وقال: أتشككوني في الله عزّ وجلّ؟ ويحك يا يهودي، لقد تيقّظ بالاعتبار على معرفة الله عزّ وجلّ مع كفر قومه إذ هو بينهم، يستقسمون بالأزلام، ويعبدون الأوثان، وهو يقول: (لا إله إلا الله). (8) قال السائل: فإنّ إبراهيم (ع) حُجب عن نمرود بحجب ثلاث؟ قال علي (ع): لقد كان كذلك. ومحمد صلى الله عليه وآله حُجبَ عمن أراد قتله بحجب خمس، فثلاثة بثلاثة واثنان فضل. قال الله عزّ وجلّ – وهو يصف أمر محمد (ص)-: (وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا...) فهذا الحجاب الأول، (...وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا...) فهذا الحجاب الثاني، (...فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ)[7] فهذا الحجاب الثالث. ثم قال: (وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا)[8] فهذا الحجاب الرابع. ثم قال: (فهي إلى الاذقان فهم مقمحون)[9]، فهذه حجب خمس. (9) قال له السائل: فإن هذا إبراهيم (ع) قد بُهت الذي كفر ببرهان نبوته؟ قال علي (ع): لقد كان كذلك. ومحمد (ص) أتاه مكذّب بالبعث بعد الموت وهو: أبيّ بن خلف الجمحي معه عظم نخر ففركه، ثم قال: يا محمد من يُحيي العظامَ وهي رميمٌ؟ فأنطق محمداً بمحكم آياته، وبـهته ببرهان نبوته، فقال: (...يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ)[10]، فانصرف مبهوتاً. (10) قال السائل: فهذا إبراهيم جذَّ أصنام[11] قومه غضباً لله عزّ وجلّ؟ قال علي (ع): لقد كان كذلك. ومحمد (ص) قد نكس عن الكعبة ثلاثمائة وستين صنماً، ونفاها عن جزيرة العرب، وأذلّ من عبدها بالسيف. (11) قال السائل: فإنّ إبراهيم قد أضجع ولده وتلّه للجبين[12]؟ قال علي (ع): لقد كان كذلك، ولقد اعطي إبراهيم بعد الاضطجاع الفداء. ومحمد (ص) اصيب بأفجع منه فجيعة، إنه وقف على عمه حمزة أسد الله، وأسد رسوله، وناصر دينه، وقد فرق بين روحه وجسده، فلم يبن عليه حرقة، ولم يفض عليه عبرة، ولم ينظر إلى موضعه من قلبه وقلوب أهل بيته ليرضي الله عزّ وجلّ بصبـره، ويستسلم لأمره في جميع الفعال. وقال (ص): لولا أن تحزن صفية، لتركته حتى يحشر من بطون السباع، وحواصل الطير، ولولا أن يكون سنّة بعدي لفعلت ذلك. (12) قال السائل: فإن إبراهيم (ع) قد أسلمه قومه إلى الحريق فصبـر، فجعل الله عزّ وجلّ عليه برداً وسلاماً. فهل فُعل بمحمدٍ شيئاً من ذلك؟ قال علي (ع): لقد كان كذلك. ومحمد (ص) لما نزل بخيبـر سمته الخيبرية، فصيّر اللهُ السُّمَ في جوفه برداً وسلاماً إلى منتهى أجله. فالسُّم يحرق إذا استقر في الجوف كما أن النار تحرق، فهذا من قدرته لا تنكره. (13) قال السائل: فإن هذا يعقوب (ع) أعظم في الخير نصيباً إذ جعل الأسباط من سلالة صلبه، ومريم بنت عمران من بناته؟ قال علي (ع): لقد كان كذلك. ومحمد (ص) أعظم في الخير نصيباً إذ جعل فاطمة سيدة نساء العالمين من بناته، والحسن والحسين من حفدته. (14) قال السائل: فإن يعقوب (ع) قد صبـر على فراق ولده حتى كاد يحرض من الحزن؟ قال علي (ع): لقد كان كذلك، حزنَ يعقوب حزناً بعده تلاق. ومحمد (ص) قبضَ ولده إبراهيم (ع) قرة عينه في حياته منه، فخصّه بالإختيار، ليعلم له الإدخار. فقال (ص): (يحزن النفس، ويجزع القلب، وإنا عليك يا أبراهيم لمحزونون، ولا نقول ما يسخط الرّب). في كل ذلك يؤثر الرضا عن الله عزّ وجلّ والاستسلام له في جميع الفعال. (15) قال له السائل: فإن يوسف قاسى مرارة الفرقة، وحُبس في السجن توقّياً للمعصية، وألقي في الجُب وحيداً؟ قال علي (ع): لقد كان كذلك. ومحمد (ص) قاسى مرارة الغربة، وفراق الأهل والأولاد والمال، مهاجراً من حرم الله تعالى وأمنه، فلما رأى الله عزّ وجلّ كآبته واستشعاره الحزن، أراه تبارك أسمه رؤياً توازي رؤيا يوسف في تأويلها، وأبان للعالمين صدق تحقيقها، فقال: (لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ...)[13]. ولئن كان يوسف (ع) حبس في السجن، فلقد حبس رسول الله (ص) نفسه في الشعب ثلاث سنين، وقطع منه أقاربه وذوو الرحم وألجاؤه إلى أضيق المضيق، ولقد كادهم الله عزّ ذكره له كيداً مستبيناً إذ بعث أضعف خلقه فأكل عهدهم الذي كتبوه بينهم في قطيعة رحمه، ولئن كان يوسف القي في الجُب، فلقد حبس محمد (ص) نفسه مخافة عدوه في الغار حتى قال لصاحبه: لا تحزن إن الله معنا، ومدحه إليه بذلك في كتابه. (16) قال السائل: فهذا موسى بن عمران آتاه الله عزّ وجلّ التوراة التي فيها حكمه؟ قال علي (ع): فلقد كان كذلك. ومحمد (ص) أعطي ما هو أفضل منه؛ أعطي محمد (ص) البقرة وسورة المائدة بالإنجيل، وطواسين وطه ونصف المفصل والحواميم بالتوراة، وأعطي نصف المفصل والتسابيح بالزبور، وأعطي سورة بني إسرائيل وبراءة بصحف إبراهيم وموسى (ع)، وزاد الله عزّ وجل محمداً (ص) السبع الطوال[14] وفاتحة الكتاب وهي السبع المثاني والقرآن العظيم، وأعطي الكتاب والحكمة. (17) قال السائل: فإن موسى ناجاه الله على طور سيناء؟ قال علي (ع): لقد كان كذلك. ولقد أوحى الله إلى محمد (ص) عند سدرة المنتهى، فمقامه في السماء محمود، وعند منتهى العرش مذكور. (18) قال السائل: فلقد ألقى الله على موسى بن عمران محبة منه؟ قال علي (ع): لقد كان كذلك. وقد أعطي محمداً (ص) ما هو أفضل من هذا، لقد ألقى الله محبة منه. فمن هذا الذي يشركه في هذا الاسم إذ تمّ من الله به الشهادة؟ فلا تتم الشهادة إلا أن يقال: (أشهد أن لا إله إلاّ الله وأشهد أنّ محمداً رسول الله)، ينادى به على المنابر. فلا يرفع صوت بذكر الله إلاّ رفع بذكر محمد (ص) معه. (19) قال السائل: فلقد أوحى الله إلى أم موسى لفضل منـزلة موسى (ع) عند الله؟ قال علي (ع): لقد كان كذلك. ولقد لطف الله جلّ ثناؤه لأمّ محمد (ص) بأن أوصل إليها اسمه، حتى قالت: أشهد والعالمون أنَّ محمداً رسول الله منتظر، وشهد الملائكة على الأنبياء أنـهم أثبتوه في الأسفار، وبلطف من الله ساقه إليها، وأوصل إليها اسمه لفضل منـزلته عنده، حتى رأت في المنام أنه قيل لها: إنَّ ما في بطنك سيد فإذا ولدته فسميه محمداً، فاشتق الله له اسماً من أسمائه، فالله المحمود وهذا محمّد. (20) قال السائل: فإنّ هذا موسى بن عمران قد أرسله الله إلى فرعون وأراه الآية الكبرى؟ قال علي (ع): لقد كان كذلك. ومحمد (ص) أرسل إلى فراعنة شتى، مثل أبي جهل ابن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة، وأبي البختري، والنضر بن الحرث، واُبّي بن خلف، ومنبه ونبيه ابني الحجاج، وإلى الخمسة المستهزئين: الوليد بن المغيرة المخزومي، والعاص بن وائل السهمي، والأسود بن عبد يغوث الزهري، والأسود بن المطلب، والحرث بن أبي الطلالة، فأراهم الآيات في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبيّن لهم أنه الحق. (21) قال السائل: لقد انتقم الله عزّ وجلّ لموسى من فرعون؟ قال علي (ع): لقد كان كذلك. ولقد انتقم الله جلّ اسمه لمحمد (ص) من الفراعنة، فأما المستهزئون فقال الله: (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ)[15]، فقتل الله خمستهم، كلُّ واحدٍ منهم بغير قتلة صاحبه في يوم واحد... وأما بقية الفراعنة: قتلوا يوم بدر بالسيف، فهزم الله الجميع وولوا الدبر. (22) قال السائل: فإنّ موسى قد اُعطي اليد البيضاء، فهل فعل بمحمدٍ شيئاً من ذلك؟ قال علي (ع): لقد كان كذلك. ومحمد (ص) اُعطي ما هو أفضل من هذا، إنَّ نوراً كان يضيء عن يمينه حيثما جلس، وعن يساره حيثما جلس، وكان يراه الناس كلّهم. (23) قال السائل: فإنّ موسى (ع) قد ضرب له طريق في البحر، فهل فعل بمحمدٍ شيء من هذا؟ قال علي (ع): لقد كان كذلك. ومحمد (ص) اُعطي ما هو أفضل من هذا، خرجنا معه إلى حنين، فإذا نحن بوادٍ يشخب، فقدرناه فإذا هو أربعة عشر قامة. فقالوا: يا رسول الله العدوّ وراءنا والوادي أمامنا، كما قال أصحاب موسى: (...إِنَّا لَمُدْرَكُونَ)[16]. فنـزل رسول الله (ص) ثم قال: (اللهم إنّك جعلت لكلّ مرسل دلالة، فأرني قدرتك)، وركب صلوات الله عليه فعبـرت الخيل لا تندى حوافرها، والابل لا تندى أخفافها، فرجعنا فكان فتحنا. (24) قال السائل: فإنّ موسى (ع) قد اُعطي الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عيناً؟ قال علي (ع): لقد كان كذلك. ومحمد (ص) لما نـزل الحديبية وحاصره أهل مكة، قد أعطي ما هو أفضل من ذلك. وذلك أنّ أصحابه شكوا إليه الظمأ وأصابهم ذلك حتى التقت خواصر الخيل، فذكروا له (ص)، فدعا بركوة يمانية ثم نصب يده المباركة فيها، فتفجرت من بين أصابعه عيون الماء، فصدرنا وصدرت الخيل رواء، وملأنا كل مزادة وسقاء. ولقد كنا معه بالحديبية فإذا ثم قليب جافة، فأخرج (ص) سهماً من كنانته، فناوله البـراء بن عازب وقال له: اذهب بهذا السهم إلى تلك القليب الجافة فاغرسه فيها، ففعل ذلك فتفجّرت اثنتا عشرة عيناً من تحت السهم. ولقد كان يوم الميضاة عبـرة وعلامة للمنكرين لنبوّته، كحجر موسى (ع) حيث دعا بالميضاة فنصب يده فيها فغاضت الماء وارتفع، حتى توضأ منه ثمانية آلاف رجل، وشربوا حاجتهم، وسقوا دوابهم، وحملوا ما أرادوا. (25) قال السائل: فإنّ موسى (ع) اُعطي المنَّ والسلوى فهل اُعطي لمحمدٍ نظير هذا؟ قال علي (ع): لقد كان كذلك. ومحمد (ص) اُعطي ما هو أفضل من هذا، ان الله عزّ وجلّ أحلَّ له الغنائم ولأمته، ولم تحلّ الغنائم لأحدٍ غيره قبله، فهذا أفضل من المنّ والسلوى. ثم زاده أن جعل النيّة له ولأمته بلا عمل[17] ولم يجعل لأحدٍ من الأمم ذلك قبله، فإذا همّ أحدهم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتب له عشرة. (26) قال السائل: ان موسى (ع) قد ظلل عليه الغمام؟ قال علي (ع): لقد كان ذلك وقد فُعِلَ ذلك بموسى (ع) في التيه. وأعطي محمد (ص) أفضل من هذه. ان الغمامة كانت تظله من يوم ولـد إلى يوم قبض في حضـره واسفاره. فهذا أفضل مما أعطي موسى (ع). (27) قال السائل: هذا داود بكى على خطيئته حتى سارت الجبل معه لخوفه؟ قال علي (ع): لقد كان كذلك. ومحمد (ص) اُعطي ما هو أفضل من هذا، إنه كان إذا قام إلى الصلاة سمع لصدره وجوفه أزيز كأزيز المرجل على الأثافي من شدة البكاء، وقد آمنه الله عزّ وجلّ من عقابه، فأراد أن يتخشّع لربه ببكائه فيكون إماماً لمن اقتدى به. ولقد قام (ص) عشر سنين على أطراف أصابعه حتى تورّمت قدماه واصفر وجهه، يقوم الليل أجمع، حتى عوتب في ذلك، فقال الله عزّ وجلّ: (طه. مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى)[18]، بل لتسعد به. ولقد كان يبكي حتى يغشى عليه، فقيل له: يا رسول الله أليس الله غفر لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخر؟ قال (ص): (بلى، أفلا أكون عبداً شكوراً). (28) قال السائل:فإن هذا سليمان اُعطي مُلكاً لا ينبغي لأحدٍ من بعده؟ قال علي (ع): لقد كان كذلك. ومحمد (ص) اُعطي ما هو أفضل من هذا، إنه هبط إليه ملك لم يهبط إلى الأرض قبله، وهو ميكائيل، فقال له: يا محمد عش ملكاً منعماً وهذه مفاتيح خزائن الأرض معك، ويسير معك جبالها ذهباً وفضة، ولا ينقص لك مما ادخر لك في الآخرة شيء... فقال له: بل أعيش نبياً عبداً آكل يوماً ولا آكل يومين، وألحق باخواني من الأنبياء، فزاده الله تبارك وتعالى الكوثر وأعطاه الشفاعة، وذلك أعظم من ملك الدنيا من أولها إلى آخرها سبعين مرة، ووعده المقام المحمود، فإذا كان يوم القيامة أقعده الله عزّ وجلّ على العرش، فهذا أفضل مما اُعطي سليمان (ع). (29) قال السائل: فإن هذا سليمان قد سخّرت له الرياح، فسارت به في بلاده غدوها شهر ورواحها شهر؟ قال علي (ع): لقد كان كذلك. ومحمد (ص) اُعطي ما هو أفضل من هذا: إنه أُسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى مسيرة شهر، وعرج به في ملكوت السماوات مسيرة خمسين ألف عام، في أقل من ثُلث ليلة، حتى انتهى إلى ساق العرش. فدنى بالعلم فتدلّى من الجنة رفرف أخضر، وغشى النور بصره، فرأى عظمة ربّه عزّ وجلّ بفؤاده، ولم يرها بعينه، فكان كقاب قوسين بينه وبينها أو أدنى، فأوحى الله إلى عبده ما أوحى، وكان فيما أوحى إليه: الآية التي في سورة البقرة قوله (لِّلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)[19]... (30) قال السائل: هذا يحيى بن زكريا (ع) يقال إنه اُوتي الحكم صبياً والحلم، والفهم، وأنه كان يبكي من غير ذنب، وكان يواصل الصوم؟ قال علي (ع): لقد كان كذلك. ومحمد (ص) اُعطي ما هو أفضل من هذا. إنّ يحيى ابن زكريا كان في عصر لا أوثان فيه ولا جاهلية، ومحمد (ص) اُوتي الحكم والفهم صبياً بين عبدة الأوثان، وحزب الشيطان، فلم يرغب لهم في صنم قطّ ولم ينشط لأعيادهم، ولم يرَ منه كذب قطّ، وكان أميناً، صدوقاً، حليماً. وكان يواصل الصوم الأسبوع والأقل والأكثر، فيقال له في ذلك، فيقول: إني لست كأحدهم، إني أظل عند ربي، فيطعمني، ويسقيني، وكان يبكي (ص) حتى تبتل مصلاه خشية من الله عزّ وجلّ من غير جرم. (31) قال السائل: فإن عيسى يزعمون انه كان زاهداً؟ قال علي (ع): لقد كان كذلك. ومحمد (ص) أزهد الأنبياء (ع): كان له ثلاث عشرة زوجة[20] سوى مَن يطيف به من الإماء، ما رفعت له مائدة قط وعليها طعام، ولا أكل خبـز برّ قطّ، ولا شبعَ من خبز شعير ثلاث ليالٍ متواليات قطّ، توفي رسول الله (ص) ودرعه مرهونة عند يهودي بأربعة دراهم. ما ترك صفراء ولا بيضاء مع ما وطّىء له من البلاد، ومكّن له من غنائم العباد، ولقد كان يقسم في اليوم الواحد الثلاثمائة ألف وأربعمائة ألف، ويأتيه السائل بالعشي فيقول: والذي بعث محمداً بالحق ما أمسى في آل محمد صاع من شعير، ولا صاع من برّ، ولا درهم، ولا دينار. قال له اليهودي، فاني أشهد أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله، وأشهد أنه ما أعطى الله نبياً درجةً ولا مرسلاً فضيلةً إلا وقد جمعها لمحمد (ص)، وزاد محمداً (ص) على الأنبياء أضعاف ذلك درجات[21]. (4) الأفضلية في الإحسان والجود كان الحسين (ع) أفضل أهل زمانه في الإحسان والجود. وقد (اشتهر النقل عنه أنه كان يكرم الضيف، ويمنح الطالب، ويصل الرحم، ويسعف السائل، ويكسو العاري، ويشبع الجائع، ويعطي الغارم، ويشد من الضعيف، ويشفق على اليتيم، ويغني ذا الحاجة. وقلَّ أن وصله مال إلا فرّقه. وهذه سجية الجواد وشنشنة الكريم، وسمة ذي السماحة، وصفة من قد حوى مكارم الاخلاق، فأفعاله المتلوة شاهدة له بصنعه الكرم، ناطقة بأنه متصفٌ بمحاسن الشيم...)[22]. يروى انه (ع) كان جالساً في مسجد جده رسول الله (ص)، بعد وفاة أخيه الحسن (ع)، وكان في المسجد: عبد الله بن الزبير، وعتبة بن أبي سفيان، فجاء اعرابي على ناقة فعقلها ودخل المسجد، فوقف على عتبة بن أبي سفيان واشتكى له بانه مطالب بدية دم لابنِ عمٍ له، فأعطاه مائة درهم، فردها عليه. فانصرف الاعرابي إلى عبد الله بن الزبير فعرض عليه طلبه، فأمر له بمائتي درهم فردها عليه. واقبل نحو الإمام الحسين (ع) فرفع إليه حاجته، فأمر له بعشرة آلاف درهم، وقال له: (هذه لقضاء ديونك). وأمر له بعشرة آلاف درهم أخرى، وقال له: (هذه تلمَّ بها شعثك وتحسن بها حالك، وتنفق بها على عيالك). فانشد الاعرابي شاكراً: طربتُ وما هاج لي معبق** ولا لي مقام ولا معشق ولكن طربت لآل الرسول** فلذَّ لي الشعر والمنطق هم الاكرمون الانجبون ** نجوم السماء بهم تشرق سبقت الانام إلى المكرمات ** وأنت الجواد فلا تلحق أبوك الذي ساد بالمكرمات ** وأنت الجواد فلا تلحق أبوك الذي ساد بالمكرمات ** فقصر عن سبقه السبق به فتح الله باب الرشاد ** وباب الفساد بكم مغلق وفي كتاب (نفثة المصدور) عن عصار بن المصطلق، قال: دخلتُ المدينة فرأيت الحسين بن علي (ع)، فأعجبني سمته ورواؤه، وأثار من الحسد ما كان يخفيه صدري لأبيه من البغض، فقلت له: أنت ابن أبي تراب؟ فقال (ع): نعم. فبلغتُ في شتمه وشتم أبيه، فنظر إلي نظرة عاطف رؤوف، ثم قال: (أعوذُ باللهِ من الشيطانِ الرجيمِ بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ. وَإِمَّا يَنـزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ. وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ)[23]. ثم قال: (خفِّض عليك أستغفرُ اللهَ لي ولكَ. إنك لو استعنتنا لأعناكَ، ولو استرفدتنا لرفدناك، ولو استرشدتنا لارشدناك). قال عصار: فتوسم مني الندم على ما فرط مني. فقال (ع): (...لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)[24]. أمنْ أهل الشامِ أنت؟). قلت: نعم. فقال (ع): (شِنْشِنَةٌ أعرفُها مِنْ أخزَمِ)، حيّانا اللهُ وإياك إنبسط إلينا في حوائجك وما يعرضُ لكَ تجدني عند أفضلِ ظنِّكَ إن شاءَ اللهُ تعالى). قال: فضاقت عليّ الأرض بما رحبت ووددت لو ساخت بي، ثم سللتُ منه لواذاً وما على الأرض أحبّ إليّ منه ومن أبيه[25]. الحسين (ع) في آية الأبرار: في قوله تعالى: (إِنَّ الأبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا. عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا. يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا. وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا. إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلا شُكُورًا. إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلا شُكُورًا. إنّا نَخَافُ مِن رَّبِنا يوماً عَبُوساً قَمطَريراً. فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا)[26]. أجمع المفسرون ان هذه الآيات المباركات نزلت في أهل البيت (ع) الأبرار، خاصة علي وفاطمة والحسن والحسين (ع). وقد أشرنا إلى القصة في الفصل الأول. ومفهوم الآيات ان الإنسان إذا أراد الإحسان فعليه ان يعمل الخير من دون التفكير بجزاء أو شكر يُردُّ له من المحسَن إليه. والأصل ان إرادة عمل الخير تتحقق لأنه خير بذاته، لا لأن فيه نفعاً يرجع إلى نفس المحسِن. فالوفاء بالنذر مثلاً فيه خيرٌ لغير الناذر، مثل إطعام الطعام للمستحقين من العباد، ولا تقوم نية عمل الخير إلا بالإيمان بانه خيرٌ بذاته. وهذا أعلى درجات البر والإحسان. وهذا هو شأن الأبرار المحسنين. فالبرّ هو الإحسان، والأبرار هم المحسنون. ولما كان العمل الصالح لا يقبل منه تعالى إلا بالإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر، فالأبرار اذن مؤمنون بالله ورسوله واليوم الآخر، وإذ كان إيمانهم إيمان رشد وبصيرة فهم يرون أنفسهم عبيداً مملوكين لربهم، لهُ خلْقُهم وتدبيرهم، لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً عليهم. وهؤلاء الأبرار لا يريدون إلا ما أراده ربهم، ولا يفعلون إلا ما يرتضيه، فقدموا إرادته على إرادتهم وعملوا الخير فصبـروا على مخالفة أنفسهم فيما تهواه وتحبه، وعملوا ما عملوه لوجه الله، فأخلصوا العبودية له في كل مراحل أعمالهم. وتلك صفات أضفاها الله سبحانه على الأبرار كما يستفاد من قوله: (...يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ...) وقوله: (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّه) وقوله: (وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا) وهي المستفادة من قوله في صفتهم أيضاً: (لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ...)[27]. وحتى نفهم مغزى الآيات لابد من ترتيب النقاط التالية: 1- سياق هذه الآيات تذكر أهل البيت (ع)، وبعد ان تصفهم بالصفات الكمالية، وتكشف عن بعض أعمالهم وهو الإيفاء بالنذر وإطعام المسكين واليتيم والأسير، تعدهم بالوعد الجميل الذي يستحقونه، وهو مرضاة الله سبحانه. 2- (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلا شُكُورًا)، يراد به على لسانهم (ع) هو انهم بذلك العمل لا يريدون إلا وجه الله تعالى، وهي صفاته الكريمة التي يفيض بها الخير على خلقه من التدبير والرزق. وكون العمل لوجه الله تعني الاستفاضة من رحمته تعالى، والإعراض عما عند غيره من الجزاء المطلوب، ولذا ذيلوا قولهم: (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ) بقولهم (...لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلا شُكُورًا). ومرجع كون العمل لوجه الله، بصفاته وأفعاله، هو الإتيان بالعمل حباً لله لأنه تعالى أهل للعبادة ، ولأنه الجميل على الإطلاق. ولاشك ان ابتغاء وجه الله هو غاية عمل المؤمنين، كما في قوله تعالى: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ...)[28]، وقوله: (...وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاء وَجْهِ اللّهِ...)[29]، وفي هذا المعنى قوله: (وَمَا أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ...)[30]، وقوله: (...فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)[31]، وقوله: (أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ...)[32]. 3- (لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلا شُكُورًا) أي لا نريد منكم جزاءَ إطعامنا إياكم عملاً تـجزوننا به. ولا نريدُ منكم مدحاً أو ثناءً جميلاً. والجزاء هنا هو مقابلة العمل بما يعادله إن كان خيراً فخير وإن كان شراً فشر. والشكور تعني ذكر النعمة وإظهارها قلباً أو لساناً أو عملاً. (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ) وهو خطاب منهم لمن أطعموه من المسكين واليتيم والأسير لتطييب قلوبهم أن يأمنوا المن والأذى النفسي، وإما بلسان الحال، فهو ثناء من الله تعالى عليهم لما يعلم من الإخلاص في قلوبهم. 4- (إنّا نَخَافُ مِن رَّبِنا يوماً عَبُوساً قَمطَريراً). وهو في مقام التعليل لقولهم: (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ) يريدون بذلك أن تقييد عملهم في ابتغاء وجه الله تعالى، إنما كان إخلاصاً للعبودية لمخافتهم ذاك اليوم الشديد، وهو يوم القيامة. وقد عدّ ذلك اليوم، باليوم العبوس استعارة، والمراد بعبوسه ظهوره على المجرمين بكمال شدته، والقمطرير الصعب الشديد. وأما الآيات السابقة: (...وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا) حيث نسب خوفهم إلى ذلك اليوم فإن الواصف فيه هو الله سبحانه وقد نسب اليوم بأهواله إلى نفسه في الآيات السابقة حيث قال: (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاسِلا وَأَغْلالاً وَسَعِيرًا). 5- (فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا). أي فحفظهم الله ومنع عنهم شر ذلك اليوم المهول، واستقبلهم بالنضرة والسرور، فهم مسرورون ذو وجوه نضرة يومئذٍ. (وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا)، فإنهم ابتغوا في الدنيا وجه ربهم وقدموا إرادته على إرادتهم، فصبروا على ما قضى به فيهم وما أراده من المحن ومصائب الدنيا في حقهم، وصبروا على امتثال ما أمرهم به، وصبروا على ترك ما نهاهم عنه وإن كان مخالفاً لأهواء أنفسهم. فبدّلَ الله ما لقوه من المشقة والكلفة نعمة وراحة. (...وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا) أي بالغاً في التطهير ولم يدع في ذلك الشراب من قذارة إلا أزالها خصوصاً قذارة الغفلة عن الله سبحانه والاحتجاب عن التوجه إليه. فهم غير محجوبين عن ربهم. وقد رفع تعالى في قوله: (...وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ...) جميع الوسائط ونسب سقيهم إلى نفسه، وهذا أفضل ما ذكره الله تعالى من النعيم الموهوب لهم في الجنة. 6- (إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاء وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا) حكاية ما يخاطبهم به تعالى يوم القيامة عند توفيته أجرهم. فيا لها من كلمة طيبة يستبشرون بها وتطيب بها نفوسهم. قال المفسرون: إنه تعالى لم يذكر فيما ذكر من نعيم الجنة في هذه الآيات نساء الجنة من الحور العين وهي أهم ما يذكره عند وصف نعم الجنة في سائر كلامه، واستظهروا منه أنه كانت بين هؤلاء الأبرار الذين نزلت فيهم تلك الآيات من هن من النساء. قال في (روح المعاني): (ومن اللطائف على القول بنـزول السورة في أهل البيت أنه سبحانه لم يذكر فيها الحور العين وإنما صرح عزّ وجلّ بولدان مخلدين رعاية لحرمة البتول وقرة عين الرسول فاطمة الزهراء عليها السلام). الكرم العظيم: ولم يرث الحسين (ع) من جده رسول الله (ص) أو أبيه علي بن أبي طالب (ع) أو أخيه الحسن (ع) من المال شيئاً. ومع ذلك، فقد كان المال يحمل إليه (ع) من البصرة وغيرها فلا يقوم من مكانه حتى يفرقه على الفقراء، ولا يـُبقي لنفسه (ع) شيئاً. ويؤيده ابن الصباغ المالكي في (الفصول المهمة) فيقول: (...ان الكرم ثابت لهؤلاء القوم حقيقة، ولغيرهم مجازاً. إذ كل واحدٍ منهم ضرب فيه القدح المعلى فحاز منه ما حاز، فهم بحار تجاوزت الغيوث سماحةً، ويبارون الليوث حماسةً، ويعدلون الجبال حلماً ورجاحةً، فهم البحور الزاخرة، والسحب الهامية الماطرة). وفيه يقول الشاعر[33] : فمـا كان من جود أتوه فإنما ** توارثه آباء آبائهم قبلُ وهل ينبت الخطى إلا وشيجه ** وتغرس إلا في مغارسها النخلُ وكان (ع) يكرر قوله: (صاحب الحاجة لم يكرم وجهه عن سؤالك، فأكرم وجهك عن رده)[34].ويحدد (ع) ضوابط الجود والإحسان، فيقول (ع): (ان المسألة لا تصلح إلا في غرم فادح، أو فقر مدقع، أو حمالة مفظعـة [ أي دية أو غرامة]). فيقول له السائل: ما جئت إلا في إحداهن. فيأمر له بمائة دينار[35]. وعندما يأتيه الأنصاري ليسأله حاجة فانه يقول (ع) له: (يا أخا الأنصار صـُن وجهك عن بذلة المسألة، وارفع حاجتك في رقعة، فإني آت فيها ما سرّك ان شاء الله). فيكتب: يا أبا عبد الله ان لفلان عليّ خمسمائة دينار وقد ألـحّ بي، فكلمه ينظرني الى ميسرة. فلما قرأ الحسين (ع) الرقعة، دخل الى منـزله فأخرج صرة فيها ألف دينار، وقال (ع) له: (أما خمسمائة فاقض بها دينك، واما خمسمائة فاستعن بها على دهرك، ولا ترفع حاجتك إلا الى أحد ثلاثة: الى ذي دين، أو مروءة، أو حسب. فأما ذو الدين فيصون دينه. وأما ذو المروءة فإنه يستحيي لمروءته. وأما ذو الحسب فيعلم أنك لم تكرم وجهك ان تبذله له في حاجتك، فهو يصون وجهك ان يردك بغير قضاء حاجتك)[36]. ويأتيه آخر يسأله (ع) حاجته، فيقول له (ع): (يا هذا سؤالك أياي يعظم لدي، ومعرفتي بما يجب لك يكبر عليّ، ويدي تعجز عن نيلك بما أنت أهله، والكثير في ذات الله قليل، وما في ملكي وفاء بشكرك فإن قبلت بالميسور، دفعت عني مرارة الاحتيال). فيقول الرجل: أقبل يا ابن رسول الله اليسير، واشكر العطية، واعذر على المنع. فيدعو الحسين (ع) وكيله فيحاسبه على نفقاته حتى يستقصيه. ثم يقول له: هات الفاضل من الثلثمائة ألف. فيحضر الباقي. ثم يقول (ع): ما فعلت بالخمسمائة دينار. فيقول: هي عندي. فيبادر (ع): أحضرها. يقول راوي الحديث: فدفع الدراهم والدنانير الى الرجل. ولم يبق عنده درهم واحد. النتيجة: ان الحسين (ع) قد تربى على الجود والإحسان منذ اشراقة الصبا مع جده رسول الله (ص) وأبيه علي بن أبي طالب (ع) وأمه فاطمة الزهراء (ع) وأخيه الحسن (ع). وكان المال عنده مجرد وسيلة من وسائل اشباع الفقير، وسد حاجة المحتاج. (5) الأفضلية في العبادة والدعاء وكان الحسين (ع) أفضل أهل زمانه في العبادة والدعاء والاجتهاد في الصلاة وإقامة الليل والصوم والحج. فقد (قيل للحسين (ع): ما أعظم خوفك من ربك؟ قال: لا يأمن يوم القيامة إلا من خاف الله في الدنيا)[37]. و(كان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة)[38]. قال أبو بكر التلمساني واصفاً الحسين (ع): (وكان كثير الصلاة والصيام والحج)[39]. وذكره ابن عبد البر: (وكان الحسين فاضلاً ديّناً كثير الصيام والصلاة والحج)[40]. وكان من شدة خوفه من ربه، إذا توضأ تغيّر لونه وارتعدت فرائصه، فقيل له في ذلك، فقال (ع): (حقٌ لمؤمنٍ يقف بين يدي الملك القهار أن يصّفر لونه وترتعد مفاصله)[41]. وقد قرأنا في الفصول الماضية انه في ليلة عاشوراء: (قام الليل كله يصلي ويستغفر ويدعو ويتضرع وقام أصحابه كذلك يصلّون ويدعون ويستغفرون)[42]. وروى الحمويني باسناده عن شريح قال: (دخلتُ مسجد النبي (ص) فإذا الحسين بن علي فيه ساجدٌ يعفر خده في التراب وهو يقول: (سيدي ومولاي ألمقامع الحديد خلقت أعضائي؟ أم لشرب الحميم خلقت أمعائي؟ إلهي إن طالبتني بذنوبي لأطالبنك بكرمك، ولئن حبستني مع الخاطئين لأخبرنهم بحبي لك، سيدي إن طاعتي لا تنفعك ومعصيتي لا تضرك، فهب لي ما لا ينفعك، واغفر لي ما لا يضرك، فإنك ارحم الراحمين)[43]. وكان يبكي خشية من الله تعالى ويقول: (البكاءُ من خشيةِ اللهِ نجاةٌ من النارِ)[44]، و(بكاءُ العيونِ وخشيةُ القلوبِ رحمةٌ من اللهِ)[45]. وكان من دعائه (ع) في قنوته: (اللهم منك البدءُ ولك المشيةُ، ولك الحولُ ولك القوةُ، وأنت اللهُ الذي لا إلهَ إلا أنت، جعلتَ قلوبَ أوليائكَ مسكناً لمشيتك، ومكمناً لإرادتك، وجعلت عقولهم مناصبَ أوامرك ونواهيك، فأنت إذا شئتَ ما تشاءُ حرّكتَ من أسرارهم كوامِنَ ما أبطنتَ فيهم، وأبدأتَ من إرادتكَ على ألسنتهم ما أفهمتهم به عنك في عقودهم بعقولٍ تدعوك وتدعو إليك بحقائقِ ما منحتهم به، وإني لأعلمُ مما علمتني مما أنت المشكورُ على ما منه أريتني، وإليه آويتني. اللهم وإني مع ذلك كله عائذٌ بك، لائذٌ بحولك وقوتك، راضٍ بحكمك الذي سُقته إليَّ في علمك، جارٍ بحيثُ أجريتني، قاصدٌ ما أممتني، غيرُ ضنينٍ بنفسي فيما يرضيك عني، إذ به قد رضيتني، ولا قاصرٍ بجهدي عما إليه ندبتني، مسارعٌ لما عرّفتني ، شارعٌ فيما أشرعتني، مستبصرٌ في ما بصّرتني، مُراعٍ ما أرعيتني، فلا تُخلني من رعايتك، ولا تُخرجني من عنايتك، ولا تقعدني عن حولك، ولا تُخرجني عن مقصدٍ أنالُ به إرادتك، واجعل على البصيرة مدرجتي، وعلى الهداية محجتي، وعلى الرشاد مسلكي، حتي تُنيلني وتنيل بي اُمنيتي، وتحلّ بي على ما به أردتني، وله خلقتني، وإليه آويتني، وأعذ أولياءك من الإفتتانِ بي، وفتنهم برحمتك لرحمتك في نعمتك تفتين الإجتباء، والإستخلاصِ بسلوك طريقتي، واتباع منهجي، وألحقني بالصالحين من آبائي وذوي رحمي)[46]. وكان من دعائه (ع) في الصباح والمساء: (بسمِ اللهِ وباللهِ، ومن اللهِ وإلى اللهِ، وفي سبيلِ اللهِ وعلى ملّةِ رسولِ اللهِ، وتوكلّتُ على اللهِ، ولا حولَ ولا قوةَ إلا باللهِ العليِّ العظيمِ. اللهم اني أسلمتُ نفسي إليكَ، ووجهتُ وجهي إليك، وفوضتُ أمري إليك، إياك اسألُ العافيةَ من كلِّ سوءٍ في الدنيا والآخرةِ. اللهم إنك تكفيني من كلِّ أحدٍ ولا يكفيني أحدٌ منك، فاكفني من كلِّ أحدٍ ما أخافُ واحذرُ، واجعل لي من أمري فرجاً ومخرجاً، إنك تعلمُ ولا أعلمُ، وتقدِرُ ولا اقدرُ، وانت على كل شيءٍ قديرٍ، برحمتك يا ارحم الراحمين)[47]. وفي دعاءٍ آخرله، يقول (ع) فيه: (اللهم اني أسألك توفيقَ أهلِ الهدى، واعمالِ أهلِ التقوى، ومناصحةَ أهلِ التوبةِ، وعزمَ أهلِ الصبرِ، وحذرَ أهلِ الخشيةِ، وطلبَ أهلِ العلمِ، وزينةَ أهلِ الورعِ، وخوفَ أهلِ الجزعِ، حتى أخافكَ اللهم مخافةً تحجزني عن معاصيكَ، وحتى اعمل بطاعتك عملاً استحقُّ به كرامتكَ، وحتى اناصحكَ في التوبةِ خوفاً لك، وحتى اُخلصَ لكَ في النصيحةِ حباً لكَ، وحتى اتوكلَّ عليك في الامور حُسنَ ظنٍّ بكَ، سبحان خالقَ النور، سبحان اللهِ العظيم وبحمدهِ)[48]. وفي دعائه في آخر لحظات حياته (ع): (اللهم متعالى المكانِ، عظيمَ الجبروتِ، شديدَ المحالِ، غنيٌّ عن الخلائقِ، عريضُ الكبرياءِ، قادرٌ على ما تشاءُ، قريبُ الرحمةِ، صادقُ الوعدِ، سابغُ النعمةِ، حسنُ البلاءِ، قريبٌ إذا دُعيتَ، محيطٌ بما خلقتَ، قابلُ التوبةِ لمن تابَ إليكَ، قادرٌ على ما أردتَ، ومدركٌ ما طلبتَ، وشكورٌ إذا شُكرتَ، وذكورٌ إذا ذُكرتَ. أدعوكَ محتاجاً، وأرغبُ إليك فقيراً، وأفزعُ إليكَ خائفاً، وأبكي إليكَ مكروباً، وأستعينُ بكَ ضعيفاً، وأتوكلُ عليكً كافياً، احكم بيننا وبين قومنا فإنهم غرونا وخدعونا وخذلونا، وغدروا بنا وقتلونا، ونحنُ عترةُ نبيك وولدُ حبيبكَ محمدٍ بن عبدِ اللهِ، الذي اصطفيته بالرسالةِ وائتمنته على وحيك، فاجعل لنا من أمرنا فرجاً ومخرجاً برحمتك يا أرحم الراحمين)[49].
دعاء عرفة: ويعدُّ دعاء عرفة أحد أعظم الأدعية التي انشأها أهل البيت (ع) في تصوير الالوهية المطلقة، وعظمة الخلق، وطاعة المخلوقات لخالقها، وضعف الانسان وأدوار خلقه، ونعم الله التي لا تحصى عليه، وتركيبة القلب والنفس، ووحشة الإنسان في عالم الصراع والتنافس، وطبيعة الذنب والمغفرة، واسلوب التمجيد والتحميد. ولاشك ان يوم عرفة من المناسك التي يمكث فيها الحجيج على جبل عرفات ابتهالاً وصلاةً وذكراً لله تعالى. فلا غرابة ان يقبل المسلمون على هذا الدعاء الشامل، الذي كان له الصدى الأعظم بين المسلمين في ذلك الزمان، بل في كل زمان. يقول في دعائه (ع) في يوم عرفة: (الحمد لله الذي ليس لقضائه دافع، ولا لعطائه مانع، ولا كصنعه صانع، وهو الجواد الواسع، فطر أجناس البدائع، وأتقن بحكمته الصنائع، لا تـخفى عليه الطلائع، ولا تضيع عنده الودائع. أتى بالكتاب الجامع، وبشرع الإسلام النور الساطع، وهو للخليقة صانع، وهو المستعان على الفجائع، جازى كل صانع، ورائش كل قانع، وراحم كل ضارع، ومنـزل المنافع والكتاب الجامع، بالنور الساطع. وهو للدعوات سامع، وللدرجات رافع، وللكربات دافع، وللجبابرة قامع، وراحم عبرة كل ضارع، ودافع ضرعة كل ضارع. فلا إله غيره، ولا شيء يعدله وليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، اللطيف الخبير، وهو على كل شيء قدير. اللهم إني ارغب إليك، واشهد بالربوبية لك، مقراً بأنك ربي، وإليك مردّي. ابتدأتني بنعمتك قبل أن أكون شيئاً مذكوراً، وخلقتني من التراب ثم أسكنتني الأصلاب، آمناً لريب المنون واختلاف الدهور والسنين. فلم أزل ظاعناً من صلب إلى رحم في تقادم الأيام الماضية، والقرون الخالية. لم تخرجني لرأفتك بي، ولطفك لي، وإحسانك إليّ في دولة أئمة الكفر، الذين نقضوا عهدك وكذبوا رسلك. لكنك أخرجتني رأفة منك وتحنناً، للذي سبق لي من الهدى الذي له يسرّتني، وفيه أنشأتني ومن قبل ذلك رؤفت بي بجميل صنعك، وسوابغ نعمتك. فابتدعت خلقي من منـّي يمنى، ثم أسكنتني في ظلمات ثلاث بين لحم وجلد ودم، لم تشهدني خلقي ولم تجعل إليّ شيئاً من أمري، ثم أخرجتني الى الدنيا تاماً سوياً، وحفظتني في المهد طفلاً صبياً، ورزقتني من الغذاء لبناً مريـّاً. عطفت عليّ قلوب الحواضن، وكفلتني الأمهات الرحائم، وكلأتني من طوارق الجانّ، وسلـّمتني من الزيادة والنقصان. فتعاليت يا رحيم يا رحمان، حتى إذا استهللت ناطقاً بالكلام، أتممت عليّ سوابغ الانعام، فربيتني زائداً في كل عام. حتى إذا اكتملت فطرتي، واعتدلت سريرتي، أوجبت عليّ حجتك بأن ألهمتني معرفتك، وروعتني بعجائب فطرتك، وأنطقتني لما ذرأت في سمائك وأرضك من بدائع خلقك، ونبهتني لذكرك وشكرك وواجب طاعتك وعبادتك، وفهمتني ما جاءت به رسلك، ويسرت لي تقبل مرضاتك، ومننت عليّ في جميع ذلك بعونك ولطفك، ثم أذ خلقتني من حرّ الثرى لم ترض لي يا إلهي بنعمة دون اخرى، ورزقتني من أنواع المعاش وصنوف الرياش بـمنـّك العظيم عليّ، وإحسانك القديم إليّ. حتى إذا أتممت عليّ جميع النعم، وصرفت عني كل النقم، لم يمنعك جهلي وجرأتي عليك أن دللتني على ما يقربني إليك، ووفقتني لما يزلفني لديك. فإن دعوتك أجبتني، وإن سألتك أعطيتني، وإن أطعتك شكرتني، وإن شكرتك زدتني[50]، كل ذلك إكمالاً لأنعمك عليّ وإحساناً إليّ. فسبحانك سبحانك من مبدئ معيد، حميد مجيد، وتقدست أسماؤك، وعظمت آلاؤك. فأي أنعمك يا إلهي أحصي عدداً أو ذكراً، أم أي عطائك أقوم بها شكراً، وهي يا ربّ أكثر من أن يحصيها العادّون، أو يبلغ علماً بها الحافظون. ثم ما صرفت ودرأت[51] عني اللهم من الضرّ والضرّاء أكثر مما ظهر لي من العافية والسرّاء. وأنا أشهدك يا إلهي بحقيقة إيماني، وعقد عزمات يقيني، وخالص صريح توحيدي، وباطن مكنون ضميري، وعلائق مجاري نور بصري، وأسارير صفحة جبيني[52]، وخرق مسارب نفسي[53]، وخذاريف مارن عرنيني[54]، ومسارب صماخ سمعي[55]. وما ضمـّت وأطبقت عليه شفتاي، وحركات لفظ لساني، ومغرز حنك فمي وفكي[56]، ومنابت أضراسي[57]، وبلوغ حبائل بارع عنقي، ومساغ مطعمي ومشربي[58] وحمالة أم رأسي[59]، وجمل حمائل حبل وتيني[60]، وما اشتمل عليه تامور صدري[61]، ونياط حجاب قلبي[62]، وأفلاذ حواشي كبدي[63]، وما حوته شراسيف أضلاعي[64]، وحقائق مفاصلي[65]، وأطراف أناملي، وقبض عواملي، ودمي وشعري وبشري وعصبي وقصبي[66] وعظامي ومخي وعروقي وجميع جوارحي، وما انتسج على ذلك أيام رضاعي، وما أقلت الأرض[67] مني، ونومي ويقظتي وسكوني، وحركتي وحركات ركوعي وسجودي، أن لو حاولت واجتهدت مدى الأعصار والأحقاب[68] – لو عمرّتـها – أن أؤدي شكر واحدة من أنعمك ما استطعت ذلك إلا بمنك الموجب عليّ شكراً آنفاً جديداً، وثناءً طارفاً عتيداً[69]. أجل ولو حرصت أنا والعادّون من أنامك أن نحصي مدى إنعامك سالفه وآنفه لما حصرناه عدداً، ولا أحصيناه أبداً، هيهات أنى ذلك! وأنت المخبـر عن نفسك في كتابك الناطـق، والنبأ الصادق: (...وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا...)[70] صدق كتابك اللهم وأنباؤك، وبلّغت أنبياؤك ورسلك ما أنزلت عليهم من وحيك، وشرعت لهم من دينك، غير أني أشهد بجدي وجهدي، ومبلغ طاقتي ووسعي، وأقول مؤمناً موقناً: الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً فيكون موروثاً، ولم يكن له شريك في الملك فيضادّه فيما ابتدع، ولا ولي من الذلّ فيرفده فيما صنع[71]. سبحانه سبحانه سبحانه (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) وتفطرتا[72]. فسبحان الله الواحد الحقّ الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد. الحمد لله حمداً يعدل حمد ملائكته المقربين، وأنبيائه المرسلين، وصلى الله على خيرته من خلقه محمد خاتم النبيين وآله الطاهرين المخلصين. اللهم اجعلني أخشاك كأني أراك، وأسعدني بتقواك، ولا تشقني بمعصيتك، وخر لي في قضائك[73]، وبارك لي في قدرك حتى لا أحب تعجيل ما أخـّرت، ولا تأخير ما عجلـّت. اللهم اجعل غناي في نفسي، واليقين في قلبي، والإخلاص في عملي، والنور في بصري، والبصيرة في ديني. ومتعني بجوارحي، واجعل سمعي وبصري الوارثين مني، وانصرني على من ظلمني، وارني فيه مآربي وثاري[74]، وأقر بذلك عيني. اللهم اكشف كربتي، واستر عورتي، واغفر لي خطيئتي، واخسأ شيطاني، وفكّ رهاني، واجعل لي يا إلهي الدرجة العليا في الآخرة والأولى. اللهم لك الحمد كما خلقتني فجعلتني سميعاً بصيراً، ولك الحمد كما خلقتني فجعلتني حياً سوياً، رحمة بي وكنت عن خلقي غنياً. ربّ بما برأتني فعدّلت فطرتي، ربّ بما أنشأتني فأحسنت صورتي، ربّ بما أحسنت إليّ وفي نفسي عافيتني، ربّ بما كلأتني ووفقتني، ربّ بما أنعمت عليّ فهديتني، رب بما أوليتني ومن كل خير آتيتني وأعطيتني، رب بما أطعمتني وسقيتني، رب بما أغنيتني وأفنيتني، رب بما أعنتني وأعززتني، رب بما ألبستني من سترك الصافي، ويسرت لي من صنعك الكافي، صلّ على محمد وآل محمد. وأعني على بوائق الدهور[75]، وصروف الأيام والليالي، ونجني من أهوال الدنيا وكربات الآخرة، واكفني شرّ ما يعمل الظالمون في الأرض. اللهم ما أخاف فاكفني، وما أحذر فقني، وفي نفسي وديني فاحرسني، وفي سفري فاحفظني، وفي أهلي ومالي وولدي فأخلفني[76]، وفيما رزقتني فبارك لي، وفي نفسي فذللني، وفي أعين الناس فعظمني، ومن شر الجن والإنس فسلّمني، وبذنوبي فلا تفضحني، وبسريرتي فلا تخزني، وبعملي فلا تبتلني، ونعمك فلا تسلبني، وإلى غيرك فلا تكلني[77]. إلهي إلى من تكلني؟ إلى قريب فيقطعني، أم إلى بعيد فيتجهمني، أم إلى المستضعفين لي، وأنت ربي ومليك أمري، أشكو إليك غربتي، وبعد داري، وهواني على من ملـّكته أمري. إلهي فلا تحلل عليَّ غضبك، فإن لم تكن غضبت عليّ فلا أبالي سواك. سبحانك غير ان عافيتك أوسع لي، فأسألك ياربّ بنور وجهك الذي أشرقت له الأرض والسموات، وانكشفت به الظلمات، وصلح به أمر الأولين والآخرين، أن لا تميتني على غضبك ولا تنـزل بي سخطك، لك العتبى حتى ترضى[78] قبل ذلك. لا إله إلا أنت، ربّ البلد الحرام، والمشعر الحرام، والبيت العتيق، الذي أحللته البـركة، وجعلته للناس أمنة. يا من عفا عن عظيم الذنوب بحلمه، يا من أسبغ النعماء بفضله[79]، يا من أعطى الجزيل بكرمه. يا عدتي في كربتي[80]، يا مونسي في حفرتي، يا وليّ نعمتي، يا الهي وإله آبائي: إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، وربّ جبرئيل وميكائيل وإسرافيل، ورب محمد خاتم النبيين وآله المنتجبين، ومنـزل التوارة والانجيل والزبور والقرآن العظيم ومنـزل كهيعص وطه ويس والقرآن الحكيم. أنت كهفي حين تعييني المذاهب في سعتها[81]، وتضيق بيّ الأرض برحبها، ولولا رحمتك لكنت من الهالكين، وأنت مقيل عثرتي[82]، ولولا سترك إياي لكنت من المفضوحين، وأنت مؤيدي بالنصر على أعدائي، ولولا نصرك إياي لكنت من المغلوبين. يا من خصّ نفسه بالسمو والرفعة، فأولياؤه بعزّه يعتـزون، يا من جعلت له الملوك نير المذلة على أعناقهم[83] فهم من سطوته خائفون. تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وغيب ما تأتي به الأزمان والدهور، يا من لا يعلم كيف هو إلا هو، يا من لا يعلم ما يعلمه إلا هو، يا من كبس الأرض على الماء[84] وسدّ الهواء بالسماء[85]، يا من له أكرم الأسماء، يا ذا المعروف الذي لا ينقطع أبداً، يا مقيّض الركب ليوسف في البلد القفر، ومخرجه من الجبّ[86]، وجاعله بعد العبودية ملكاً، يا رادّ يوسف على يعقوب بعد أن ابيضّت عيناه من الحزن فهو كظيم، يا كاشف الضرّ والبلوى عن أيوب، يا ممسك يد إبراهيم عن ذبح ابنه بعد كبر سنه وفناء عمره، يا من استجاب لزكريا فوهب له يحيى ولم يدعه فرداً وحيداً، يا من أخرج يونس من بطن الحوت، يا من فلق البحر لبني اسرائيل فأنجاهم وجعل فرعون وجنوده من المغرقين، يا من أرسل الرياح مبشرات بين يدي رحمته، يا من لم يعجـّل على من عصاه من خلقه، يا من استنقذ السحرة من بعد طول الجحود، وقد غدوا في نعمته يأكلون رزقه ويعبدون غيره، وقد حادّوه ونادّوه[87]، وكذبوا رسله، يا الله يا الله يا بديع لا ندّ لك، يا دائماً لا نفاد لك[88]، يا حيّاً حين لا حيّ. يا محيي الموتى، يا من هو قائم على كل نفس بما كسبت، يا من قلّ له شكري فلم يحرمني، وعظمت خطيئتي فلم يفضحني، ورآني على المعاصي فلم يشهرني، يا من حفظني في صغري، يا من رزقني في كبـري، يا من أياديه عندي لا تحصى، يا من نعمه عندي لا تجازى، يا من عارضني بالخير والإحسان، وعارضته بالإساءة والعصيان، يا من هداني للإيمان من قبل أن أعرف شكر الإمتنان، يا من دعوته مريضاً فشفاني، وعرياناً فكساني، وجائعاً فأشبعني، وعطشاناً فأرواني، وذليلاً فأعزّني، وجاهلاً فعرفني، ووحيداً فكثرني، وغائباً فردّني، ومقلاً فأغناني، ومنتصراً فنصرني، وغنياً فلم يسلبني، وأمسكت عن جميع ذلك فأبتدأني. فلك الحمد والشكر، يا من أقال عثرتي، ونفـّس كربتي، وأجاب دعوتي، وستر عورتي، وغفر ذنوبي، وبلغني طلبتي، ونصرني على عدوي، وإن أعدّ نعمك ومننك وكرائم منحك لا أحصيها يا مولاي. أنت الذي أنعمت، أنت الذي أحسنت، أنت الذي أجملت، أنت الذي أفضلت، أنت الذي مننت، أنت الذي أكملت، أنت الذي رزقت، أنت الذي وفقت، أنت الذي أعطيت، أنت الذي أغنيت، أنت الذي أقنيت[89]، أنت الذي آويت، أنت الذي كفيت، أنت الذي هديت، أنت الذي عصمت، أنت الذي سترت، أنت الذي غفرت، أنت الذي أقلت، أنت الذي مكنت، أنت الذي أعززت، أنت الذي أعنت، أنت الذي عضدت، أنت الذي أيدت، أنت الذي نصرت، أنت الذي شفيت، أنت الذي عافيت، أنت الذي أكرمت، تباركت ربي وتعاليت، فلك الحمد دائماً، ولك الشكر واصباً أبداً. ثم أنا - يا إلهي- المعترف بذنوبي فاغفرها لي، أنا الذي أسأت، أنا الذي أخطأت، أنا الذي غفلت، أنا الذي جهلت، أنا الذي هممت، أنا الذي سهوت، أنا الذي اعتمدت، أنا الذي تعمّدت، أنا الذي وعدت، أنا الذي أخلفت، أنا الذي نكثت، أنا الذي أقررت. أنا الذي اعترفت بنعمتك عليَّ وعندي، وأبوء بذنوبي[90] فاغفرها لي يا من لا تضرّه ذنوب عباده، وهو الغني عن طاعتهم، والموفق من عمل صالحاً منهم بِمعونته ورحمته. فلك الحمد إلهي وسيدي. إلهي أمرتني فعصيتك، ونهيتني فارتكبت نـهيك، فأصبحت لا ذا براءة فاعتذر، ولا ذا قوة فانتصر، فبأي شيء أستقبلك يا مولاي، أبسمعي أم ببصري أم بلساني أم بيدي أم برجلي؟ أليس كلها نعمك عندي، وبكلها عصيتك؟ يا مولاي، فلك الحجة والسبيل عليّ، يا من سترني من الآباء والأمهات أن يزجروني، ومن العشائر والإخوان أن يعيّروني، ومن السلاطين أن يعاقبوني، ولو اطلعوا يا مولاي على ما أطلعت عليه مني، إذاً ما أنظروني ولرفضوني وقطعوني. فها أنا ذا يا إلهي بين يديك يا سيدي، خاضعٌ ذليل، حصيرٌ حقيرٌ، لا ذو براءة فأعتذر ولا قوة فأنتصر، ولا حجة لي فأحتجّ بـها، ولا قائل لم اجترح[91] ولم أعمل سوءاً. وما عسى الجحود لو جحدت يا مولاي ينفعني، كيف وأنـّى ذلك وجوارحي كلها شاهدة عليّ بما قد عملت، وعلمت يقيناً غير ذي شك أنك سائلي عن عظائم الأمور. وأنك الحكم العدل الذي لا يجور. وعدلك مهلكي، ومن كل عدلك مهربي، فإن تعذبني – يا إلهي- فبذنوبي بعد حجتك عليّ، وإن تعفُ عني فبحلمك وجودك وكرمك. لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من المستغفرين، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الموحدين، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الوجلين، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الراجين، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الراغبين، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من السائلين، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من المهللين، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من المسبحين، لا إله إلا أنت ربي ورب آبائي الأولين. اللهم هذا ثنائي عليك ممجداً، وإخلاصي لذكرك موحداً، وإقراري بآلائك معددّاً. وإن كنت مقرّاً أني لم أحصها لكثرتـها، وسبوغها، وتظاهرها، وتقادمها الى حادث ما لم تـزل تتعهدني به معها منذ خلقتني وبرأتني، من أول العمر، من الإغناء بعد الفقر وكشف الضرّ، وتسبيب اليسر، ودفع العسر، وتفريج الكرب، والعافية في البدن، والسلامة في الدين. ولو رفدني على قدر ذكر نعمتك عليّ جميع العالمين من الأولين والآخرين، لما قدرت ولا هم على ذلك. تقدست وتعاليت من ربّ عظيم كريم رحيم لا تحصى آلاؤك، ولا يبلغ ثناؤك، ولا تكافى نعماؤك، صل على محمد وآل محمد. وأتمم علينا نعمتك، وأسعدنا بطاعتك، سبحانك لا إله إلا أنت. اللهم إنك تجيب دعوة المضطر إذا دعاك، وتكشف السوء، وتغيث المكروب، وتشفي السقيم، وتغني الفقير، وتجبـر الكسير، وترحم الصغير، وتعين الكبيـر، وليس دونك ظهير، ولا فوقك قدير، وأنت العلي الكبيـر. يا مطلق المكبـّل الأسير، يا رازق الطفل الصغير، يا عصمة الخائف المستجيـر، يا من لا شريك له ولا وزير، صلّ على محمد وآل محمد، وأعطني في هذه العشية أفضل ما أعطيت وأنلت أحداً من عبادك، من نعمة توليها، وآلاء تجددها، وبلية تصرفها، وكربة تكشفها، ودعوة تسمعها، وحسنة تتقبلها، وسيئة تغفرها، إنك لطيف خبيـر، وعلى كل شيء قدير. اللهم إنك أقرب من دعي، وأسرع من أجاب، وأكرم من عفا، وأوسع من أعطى، وأسمع من سئل، يا رحمان الدنيا والآخرة ورحيمهما، ليس كمثلك مسؤول، ولا سواك مأمول. دعوتك فأجبتنـي، وسألتك فأعطيتنـي، ورغبت إليك فرحمتنـي، ووثقت بك فنجيتنـي، وفزعت إليك فكفيتنـي. اللهم فصلّ على محمد عبدك ورسولك ونبيـك وعلى آله الطيبيـن الطاهرين أجمعين. وتمم لنا نعمائك وهنئنـا عطاءك، واجعلنا لك شاكرين، ولالآئك ذاكرين، آمين رب العالمين. اللهم يا من ملك فقدر، وقدر فقهر، وعصي فستر، واستغفر فغفر. يا غاية الطالبين الراغبين، ومنتهى أمل الراجين، يا من أحاط بكل شيء علماً، ووسع المستقيلين رأفةً ورحمةً وحلماً. اللهم إنا نتوجه إليك في هذه العشية التي شرّفتها وعظمـّتها بمحمد نبيك ورسولك وخيرتك من خلقك، وأمينك على وحيك، اللهم صلّ على البشير النذير، السراج المنير، الذي أنعمت به على المسلمين، وجعلته رحمة للعالمين. اللهم فصلّ على محمد وآله كما محمد أهل لذلك منك يا عظيم، فصلّ عليه وعلى آل محمد المنتجبين الطيبين الطاهرين أجمعين، وتغمدنا بعفوك عنا. فإليك عجـّت الأصوات[92] بصنوف اللغات، واجعل لنا في هذه العشية نصيباً من كل خير تقسمه بين عبادك، ونوراً تهدي به، ورحمة تنشرها، وعافية تجللها، وبركة تنـزلها، ورزقاً تبسطه، يا أرحم الراحمين. اللهم إقبلنا في هذا الوقت منجحين مفلحين مبرورين غانـمين[93]، ولا تجعلنا من القانطين[94]، ولا تخلنا من رحمتك، ولا تحرمنا ما نؤمـّله من فضلك. ولا تردنا خائبين ولا من بابك مطرودين، ولا تجعلنا من رحمتك محرومين، ولا لفضل ما نؤمـّله من عطاياك قانطين، يا أجود الأجودين ويا أكرم الأكرمين. إليك أقبلنا موقنين، ولبيتك الحرام آمين قاصدين، فأعنـّا على مناسكنا، وأكمل لنا حجنا، واعف اللهم عنا وعافنا، فقد مددنا إليك أيدينا وهي بذلة الاعتراف موسومة. اللهم فأعطنا في هذه العشية ما سألناك، واكفنا ما استكفيناك، فلا كافي لنا سواك ولا رب لنا غيرك، نافذ فينا حكمك، محيط بنا علمك، عدل فينا قضاؤك. أقض لنا الخير، واجعلنا من أهل الخير. اللهم أوجب لنا بجودك عظيم الأجر، وكريم الذخر ودوام اليسر، واغفر لنا ذنوبنا أجمعين، ولا تهلكنا مع الهالكين، ولا تصرف عنا رأفتك برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم اجعلنا في هذا الوقت ممن سألك فأعطيته، وشكرك فزدته، وتاب إليك فقبلته، وتنصـّل إليك[95] من ذنوبه فغفرتها له، يا ذا الجلال والإكرام. اللهم وفقنا وسددنا واعصمنا واقبل تضرعنا، يا خير من سئل، ويا أرحم من استرحم، يا من لا يخفى عليه إغماض الجفون، ولا لحظ العيون، ولا ما استقر في المكنون، ولا ما أنطوت عليه مضمرات القلوب. ألا كل ذلك قد أحصاه علمك، ووسعه حلمك. سبحانك وتعاليت عما يقول الظالمون علواً كبيراً، تسبح لك السموات السبع والأرضون ومن فيهن، وان من شيء إلا يسبح بحمدك. فلك الحمد والمجد، وعلو الجد، يا ذا الجلال والإكرام، والفضل والإنعام، والأيادي الجسام، وأنت الجواد الكريم، الرؤوف الرحيم، أوسع علي من رزقك الحلال، وعافني في بدني وديني، وآمن خوفي، وأعتق رقبتي من النار. اللهم لا تمكر بي ولا تستدرجني[96] ولا تخذلني، وادرأ عني شر فسقة الجن والإنس، (ثم رفع بصره إلى السماء وقال): يا أسمع السامعين، ويا أبصر الناظرين، ويا أسرع الحاسبين، ويا أرحم الراحمين، صل على محمد وآل محمد السادة الميامين. وأسئلك اللهم حاجتي التي إن أعطيتنيها لم يضرني ما منعتني، وإن منعتنيها لم ينفعني ما أعطيتني، أسألك فكاك رقبتي من النار. لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك. لك الملك ولك الحمد، وأنت على كل شيء قدير، يا ربّ يا ربّ يا ربّ. إلهي أنا الفقير في غناي، فكيف لا أكون فقيراً في فقري، إلهي أنا الجاهل في علمي فكيف لا أكون جهولاً في جهلي، إلهي إن اختلاف تدبيرك وسرعة طواء مقاديرك منعا عبادك العارفين بك عن السكون الى عطاء، واليأس منك في بلاء. إلهي مني ما يليق بلؤمي، ومنك ما يليق بكرمك. إلهي وصفت نفسك باللطف والرأفة لي قبل وجود ضعفي، أفتمنعني منهما بعد وجود ضعفي. إلهي إن ظهرت المحاسن مني فبفضلك، ولك المنـّة علي، وان ظهرت المساوي مني فبعدلك، ولك الحجة عليّ. إلهي كيف تكلني وقد توكلت لي، وكيف أضام وأنت الناصر لي، أم كيف أخيـّب وأنت الحفيّ بي، ها أنا أتوسل إليك بما هو محال أن يصل إليك أم كيف أشكو إليك حالي وهو لا يخفى عليك. أم كيف أترجم بمقالي وهو منك برز إليك، أم كيف تخيـّب آمالي وهي قد وفدت اليك، أم كيف لا تحسن أحوالي وبك قامت. إلهي ما ألطفك بي مع عظيم جهلي، وما أرحمك بي مع قبيح فعلي. إلهي ما أقربك مني وأبعدني عنك، وما أرأفك بي فما الذي يحجبني عنك. إلهي علمت باختلاف الآثار، وتنقلات الأطوار. أن مرادك مني أن تتعرف إليّ في كل شيء حتى لا أجهلك في شيء. إلهي كلما أخرسني لؤمي أنطقني كرمك، وكلما آيستني أوصافي أطمعتني مننك. إلهي من كانت محاسنه مساوي فكيف لا تكون مساويه مساوي، ومن كانت حقايقه دعاوى فكيف لا تكون دعاويه دعاوى. إلهي حكمك النافذ ومشيتك القاهرة لم يتركا لذي مقال مقالاً، ولا لذي حال حالاً. إلهي كم من طاعة بنيتها، وحالة شيدتـها، هدم اعتمادي عليها عدلك، بل أقالني منها فضلك. إلهي إنك تعلم أني وان لم تدم الطاعة مني فعلاً جزماً فقد دامت محبةً وعزماً. إلهي كيف أعزم وأنت القاهر وكيف لا أعزم وأنت الآمر. إلهي ترددي في الآثار يوجب بُعد المزار فاجمعني عليك بخدمة توصلني إليك. كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك، أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك. متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدلّ عليك؟ ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك؟ عميت عين لا تراك عليها رقيباً، وخسرت صفقة عبد لم تجعل له من حبك نصيباً. إلهي أمرت بالرجوع الى الآثار فارجعني إليك. فكسوة الأنوار، وهداية الاستبصار، حتى ارجع إليك منها كما دخلت إليك منها، مصون السرّ عن النظر اليها، ومرفوع الهمة عن الاعتماد عليها، إنك على كل شيء قدير. إلهي هذا ذلي ظاهر بين يديك، وهذا حالي لا يخفى عليك، منك أطلب الوصول إليك، وبك استدلّ عليك، فاهدني بنورك إليك، وأقمني بصدق العبودية بين يديك. إلهي علمني من علمك المخزون، وصنـّي بسرّك المصون. إلهي حققني بحقايق أهل القرب، واسلك بي مسلك أهل الجذب. إلهي أغنني بتدبيرك لي عن تدبيري، وباختيارك عن اختياري، وأوقفني عن مراكز اضطراري. إلهي أخرجني من ذل نفسي، وطهرني من شكي وشركي، قبل حلول رمسي. بك انتصر فانصرني، وعليك أتوكل فلا تكلني، وإياك أسأل فلا تخيبني، وفي فضلك أرغب فلا تحرمني، وبجنابك أنتسب فلا تبعدني، وببابك أقف فلا تطردني. إلهي تقدس رضاك أن تكون له علـّة منك فكيف يكون له علـّة مني. إلهي أنت الغني بذاتك أن يصل اليك النفع منك فكيف لا تكون غنياً عني. إلهي ان القضاء والقدر يمنيني، وان الهوى بوثائق الشهوة أسرني، فكن أنت النصير لي حتى تنصرني وتبصرني. وأغنني بفضلك حتى استغني بك عن طلبي. أنت الذي أشرقت الأنوار في قلوب أوليائك حتى عرفوك ووحدوك، وأنت الذي أزلت الأغيار عن قلوب احبائك حتى لم يحبوا سواك، ولم يلجئوا الى غيرك. أنت المؤنس لهم حيث أوحشتهم العوالم، وأنت الذي هديتهم حيث استبانت لهم المعالم. ماذا وجد من فقدك؟ وما الذي فقد من وجدك؟ لقد خاب من رضي دونك بدلاً، ولقد خسر من بغي عنك متحولاً. كيف يرجى سواك وأنت ما قطعت الإحسان؟ وكيف يطلب من غيرك وأنت ما بدلت عادة الامتنان. يا من أذاق أحباءه حلاوة المؤانسة فقاموا بين يديه متملقين، ويا من ألبس أولياءه ملابس هيبته فقاموا بين يديه مستغفرين. أنت الذاكر قبل الذاكرين، وأنت البادي بالإحسان قبل توجه العابدين، وأنت الجواد بالعطاء قبل طلب الطالبين، وأنت الوهاب لما وهبتنا من المستقرضين. إلهي اطلبني برحمتك حتى أصل إليك، واجذبني بمنـّك حتى أقبل إليك. إلهي إن رجائي لا ينقطع عنك وإن عصيتك، كما ان خوفي لا يزايلني وإن أطعتك، فقد دفعتني العوالم إليك. وقد أوقعني علمي بكرمك عليك. إلهي كيف أخيب وأنت أملي؟ أم كيف أهان وعليك متكلي؟ إلهي كيف أستعزّ وفي الذلة أركزتني؟ أم كيف لا أستعزّ واليك نسبتني؟ إلهي كيف لا أفتقر وأنت الذي في الفقراء أقمتني؟ أم كيف أفتقر وأنت الذي بجودك أغنيتني؟ وأنت الذي لا إله غيرك تعرفت لكل شيء، فما جهلك شيء، وأنت الذي تعرفت إليّ في كل شيء فرأيتك ظاهراً في كل شيء وأنت الظاهر لكل شيء، يا من استوى برحمانيته في سرادقات عرشه عن أن تدركه الأبصار، يا من تجلى بكمال بهائه فتحققت عظمته من الاستواء. كيف تخفى وأنت الظاهر؟ أم كيف تغيب وأنت الرقيب الحاضر؟ إنك على كل شيء قدير. والحمد لله وحده)[97]. (6) الأفضلية في الفصاحة ويشهد على فصاحته اسلوبه البليغ البديع في مخاطبة الله عزّ وجلّ عبر دعاء أو تسبيح أو موعظة، وإليك جزءً منها: ففي الأوصاف الجميلة، قال (ع): (يا ايها الناسُ نافِسُوا في المكارمِ، وسارِعُوا في المغانمِ، ولا تحتسبوا بمعروفٍ لم تُعجِّلوا، واكسبوا الحمدَ بالنُّجحِ، ولا تكتسبُوا بالمَطَلِ ذَمّاً، فمهما يكن لأحدٍ عند أحدٍ صنيعةٌ له رأى أنه لا يقومُ بشكرِها، فاللهُ لهُ بمكافاتهِ، فإنه أجزلُ عطاءً وأعظمُ أجراً. واعلموا أن حوائجَ الناسِ إليكم من نَعَمِ اللهِ عليكم، فلا تَمُلُّوا النعمَ فتحوَّرَ نِقماً. واعلموا أن المعروفَ مُكسِبٌ حمداً، ومعقّبٌ أجراً، فلو رأيتم المعروفَ رجلاً رأيتموهُ حَسَناً جميلاً يَسُرُّ الناظرينَ، ولو رأيتم اللؤمَ رأيتموه سَمِجاً مُشوَّهاً تنفرُ منهُ القلوبُ، وتغضُّ دونهُ الأبصارُ. أيها الناسُ من جادَ سادَ، ومن بَخِلَ رَذِلَ، وإنَّ أجودَ الناسِ من أعطى مَن لا يرجو، وإن أعفى الناسِ من عفى عن قدرةٍ، وإنّ أوصلَ الناسِ من وصلَ مَنْ قطعهُ. والأصولُ على مغارِسِها بفروعها تسموا، فمن تعجّلَ لأخيهِ خيراً وجدَهُ إذا قدِم عليه غداً، ومن أرادَ اللهَ تبارك وتعالى بالصنيعةِ إلى أخيهِ كافأهُ بها في وقتِ حاجتهِ، وصرَفَ عنه من بلاءِ الدنيا ما هو أكثرُ منه، ومن نفَّسَ كُربةَ مؤمنٍ فرَّجَ اللهُ عنهُ كرَبَ الدنيا والآخرةِ، ومن أحسنَ أحسنَ اللهُ إليهِ، واللهُ يحبُ المحسنين)[98]. وفي الحثّ على التقوى، قال (ع): (أوصيكم بتقوى اللهِ، وأحذّرُكُم أيامهُ، وارفعُ لكم أعلامَهُ، فكأنَّ المَخُوفَ قد أُفِدَ بمَهُولِ وُرُودِهِ ونكيرِ حلُولِهِ وبشعِ مذاقهِ، فاعتلَقَ مُهَجَكُمْ، وحالَ بين العملِ وبينكم، فبادروا بصحةِ الأجسامِ في مدَّةِ الأعمارِ، كأنكم ببغتاتِ طوارقهِ فتنقلكُم من ظهرِ الأرضِ إلى بطنِها، ومن عُلُوِّها إلى أسفلِها، ومن أنسِها إلى وحشتها، ومن روحها وضوئها إلى ظلمتها، ومن سعتها إلى ضيقها، حيثُ لا يُزارُ حميمٌ، ولا يعادُ سقيمٌ، ولا يجابُ صريخٌ. أعاننا اللهُ وإياكم على أهوالِ ذلك اليوم، ونَجّانا وإياكم من عقابهِ، وأوجبَ لنا ولكم الجزيلَ من ثوابهِ. عبادَ اللهِ! فلو كان ذلك قصر مرماكم، ومدى مظعنكم كان حسبُ العاملِ شُغلاً يستفرغُ عليه احزانُهُ ويذهلُهُ عن دنياهُ ويكثرُ نصيبهُ لطلبِ الخلاصِ منهُ، فكيفَ وهو بعد ذلك مرتهنٌ باكتسابهِ، مستوقفٌ على حسابه، لا وزيرَ له يمنعه، ولا ظهيرَ عنه يدفعُهُ، ويومئذٍ (...لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انتَظِرُواْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ)[99]. أوصيكم بتقوى اللهِ، فإن اللهَ قد ضمِنَ لمن اتقاهُ أن يُحوِّلَهُ عما يكرهُ إلى ما يُحِبُّ (وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ...)[100]. فإياكَ أن تكونَ ممن يخافُ على العبادِ من ذنوبهم، ويأمنُ العقوبةَ من ذنبهِ، فإن اللهَ تباركَ وتعالى لا يُخدَعُ عن جنتهِ ولا ينالُ ما عندهُ إلا بطاعتهِ إن شاءَ اللهُ)[101]. وفي دعائه (ع) عند الاحتجاب عمن أراد الإساءة إليه: (يا من شأنهُ الكفايةُ وسُرادقُهُ الرعايةُ، يا من هو الغايةُ والنهايةُ، يا من صارِفَ السوءِ والسّوايةِ والضُرّ، إصرف عني أذية العالمين من الجن والإنس اجمعين، بالأشباحِ النورانيةِ، وبالأسماءِ السريانيةِ، وبالأقلامِ اليونانيةِ، وبالكلماتِ العبرانيةِ، وبما نزلَ في الالواحِ من يقين الإيضاحِ، إجعلني اللهم في حرزِكَ، وفي حزبِكَ، وفي عياذِكَ، وفي سترِكَ، وفي كنَفِكَ من كلّ شيطانٍ ماردٍ، وعدوٍّ راصدٍ، ولئيمٍ معاندٍ، وضدٍّ كنودٍ، ومن كلّ حاسدٍ، ببسم اللهٍ استشفيتُ، وبسمِ اللهِ استكفيتُ، وعلى اللهِ توكلّتُ، وبه استعنتُ، وإليهِ استعديتُ على كلّ ظالمٍ ظلَمَ، وغاشمٍ غَشَمَ، وطارقٍ طرَقَ وزاجرٍ زجرَ، فاللهُ خيرٌ حافظاً وهو ارحمُ الراحمين)[102]. (7) الأفضلية في الشجاعة طرح المعتزلي سؤالاً في شرح نهج البلاغة هو: من هم أباة الضيم؟ ثم أجاب فقال: (سيد أهل الإباء، الذي علّم الناس الحميّة والموت تحت ظلال السيوف، اختياراً له على الدَّنِيّة، أبو عبد الله الحسينُ بن عليّ بن أبي طالب (ع)؛ عُرِض عليه الأمان وأصحابه، فإنِفَ من الذّلّ، وخاف من ابن زياد أن ينالَه بنوعٍ من الهوان؛ إن لم يقتُله، فاختار الموت على ذلك. سمعت النقيب أبا زيد يحيى بن زيد العلوي البصريّ، يقول كأنّ أبيات أبي تمام في محمد بن حُميد الطائيّ ما قيلت إلا في الحسين (ع): وقَدْ كانَ فَوْتُ الموتِ سَهْلاً فرَدَّهُ ** إليه الحفاظُ المُرُّ والخلُقُ الوَعْرُ ونفسٌ تعاف الضَّيمَ حتى كأنّه ** هو الكفرُ يوم الرَّوْعِ أو دُونَهُ الكُفْرُ فأثبتَ في مُستنقَعِ الموتِ رِجْلَهُ ** وقال لها: من تحت أخمَصك الحَشْرُ تَرَدّى ثيابَ الموتِ حُمْراً فما أتى ** لهَا الليل إلا وهيَ من سُندُسٍ خُضْرُ لما فرّ أصحابُ مصعب عنه، وتخلّف في نفر يسير من أصحابه، كسر جَفنَ[103] سيفه وأنشد: فإنّ الألى بالطفِّ مـن آل هاشـم ** تأسـوا فسنّـوا للكـرامِ التأسيـا فعلم أصحابه أنه قد استقتل)[104]. ثم ذكر كلامه (ع) في كربلاء، فقال: ومن كلام الحسين عليه السلام يوم الطف، المنقول عنه، نقله زينُ العابدين علي ابنه (ع): (ألا وإن الدعيّ ابن الدعيّ، قد خيّرنا بين اثنتين: السِّلة[105] أو الذلِّة، وهيهات منّا الذلة! يأبى الله ذلك لنا ورسوله والمؤمنون، وحجور طابت، وحُجزٌ[106] طَهُرت، وأنوفٌ حمية، ونفوس أبية). وهذا نحو قول أبيه (ع): (إن امرأً أمكن عدوّاً من نفسه، يعرُق لحمه، ويفري[107] جِلْده، ويهشِم عظمه، لعظيمٌ عجزُه، ضعيف ما ضُمّت عليه جوانح صدره؛ فكن أنت ذاك إن شئت؛ فأما أنا فدون أن أعطيَ ذلك ضربٌ بالمشرِفية تطير منه فراش العام، وتطيح السواعد والأقدام). ويكفي الحسين (ع) فخراً ان جده رسول الله (ص) أورثه الجود والشجاعة كما في الرواية. ومن شجاعته الفذة انه (اختار الميتة الكريمة على الحياة الذميمة)، كما قالها مصعب بن الزبير[108]. لقد كان الحسين (ع) حقاً (شديد العزة)[109] والاباء. وقد وصفه ذلك الرجل الذي شهد الطف فقال: (...ثارت علينا عصابة أيديها في مقابض سيوفها كالاسود الضارية، تحطم الفرسان يميناً وشمالاً، وتلقي أنفسها على الموت. لا تقبل الأمان، ولا ترغب في المال، ولا يحول حائل بينها وبين الورود على حياض المنية...)[110]. وهل بعد شجاعة الحسين (ع) بطولة؟ وهل بعد واقعة الطف معركة؟! (نهاية ص 314)
السابق صفحة التحميل الصفحة الرئيسية
[1] ورد في الأثر ان الصلاة من الله تعالى على النبي (ص) هي بمنـزلة الرحمة، ومن الملائكة بمنـزلة الاستغفار، ومن المؤمنين بمنـزلة الدعاء. [2] سورة الفتح: الآية 2. [3] سورة الشرح: الآية 4. [4] سورة هود: الآية 45. [5] سورة هود: الآية 46. [6] سورة الاحزاب: الآية 9. [7] سورة يس: الآية 9. [8] سورة الإسراء: الآية 45. [9] سورة يس: الآية 8. [10] سورة يس: الآية 79. [11] جذّ أصنامهم: استأصلها، إشارة إلى قوله تعالى: (فجعلهم جذاذاً) أي فتاتاً مستأصلين. [12] تلّه: صرعه، قال تعالى: (وتلّه للجبين)، وهو كقولهم كبّه على وجهه. [13] سورة الفتح: الآية 27. [14] السبع الطوال من البقرة إلى الأعراف، والسابعة سورة يونس أو (الأنفال وبراءة) لأنهما سورة واحدة عند بعض المفسرين. [15] سورة الحجر: الآية 95. [16] سورة الشعراء: الآية 61. [17] أي نية العمل الصالح يثاب عليها المؤمن بحسنة. [18] سورة طه: الآية 1-2 . [19] سورة البقرة: الآية 284. [20] في الخصال عن الإمام الصادق (ع) قال: (تزوج رسول الله (ص) بخمس عشرة امرأة ودخل بثلاث عشرة امرأة منهن، وقبض عن تسع فأما اللتان لم يدخل بهما فعمرة وسنا. وأما الثلاث عشرة اللاتي دخل بهن فأولهن خديجة بنت خويلد، ثم سودة بنت زمعة، ثم أم سلمة واسمها هند بنت أبي أمية، ثم أم عبد الله عائشة بنت أبي بكر، ثم حفصة بنت عمر، ثم زينب بنت خزيمة بن الحارث أم المساكين، ثم زينب بنت جحش، ثم أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان، ثم ميمونة بنت الحارث، ثم زينب بنت عميس، ثم جويرية بنت الحارث، ثم صفية بنت حيي بن أخطب، والتي وهبت نفسها للنبي (ص) خولة بنت حكيم السلمي. وكانت له سرّيتان يقسم لهما مع أزواجه: مارية القبطية وريحانة الخندفية. والتسع اللاتي قبض عنهن: عائشة، وحفصة، وأم سلمة، وزينب بنت جحش، وميمونة بنت الحارث، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وجويرية، وسودة، وصفية. وأفضلهن خديجة بنت خويلد، ثم أم سلمة، ثم ميمونة. [21] بحار الأنوار ج 16 ص 341. والاحتجاج للطبرسي ج 1 ص 210. وارشاد القلوب ص 406. والرواية طويلة ومفصّلة، وقد ذكرناها ملخصة. [22] مطالب السؤول – كمال الدين بن طلحة ص 73. [23] سورة الاعراف: الآية 199-202 . [24] سورة يوسف: الآية 92. [25] نفثة المصدور ص 614. [26] سورة الانسان: الآيات 5- 11. [27] سورة البقرة: الآية 177. [28] سورة الكهف: الآية 28. [29] سورة البقرة: الآية 272. [30] سورة البينة: الآية 5. [31] سورة غافر: الآية 65. [32] سورة الزمر: الآية 3. [33] الفصول المهمة ص 176 ط النجف. [34] كشف الغمة ج 2 ص 208. [35] تحف العقول ص 246. [36] تحف العقول ص 247. [37] المناقب لابن شهر آشوب ج 4 ص 69. [38]المختصر في أخبار البشر لأبي الفداء ج 1 ص 191. [39] الجوهرة في نسب الإمام علي (ع) لأبي بكر التلمساني ص 39. [40] الاستيعاب لابن عبد البر ج 1 ص 393. [41] العوالم للشيخ البحراني ص 61، عن جامع الاخبار ص 76. [42] الارشاد للمفيد ص 216. [43] فرائد السمطين ج 2 ص 262، والخوارزمي في مقتل الحسين (ع) ج 1 ص 152. [44] مستدرك الوسائل ج 11 ص 245. حديث 12881. [45] المصدر السابق. [46] مهج الدعوات ص 48. [47] مهج الدعوات ص 157. [48] مهج الدعوات ص 157. [49] مصباح المتهجد ص 827. [50] إشارة إلى قوله تعالى: (لئن شكرتم لازيدنكم) سورة إبراهيم: الآية 7. [51] درأت: دفعت. [52] اسارير وأسرار، وهي جمع السِرُ : خطوط الجبهة. [53] مسارب النفس: مجاريها في العروق والأعضاء، وخرقها: منافذها. [54] خذاريف جمع خذروف: القطعة. والمارن: ما لانَ من الانف. [55] مسارب الصماخ: ملتوياتها وقنواتها التي يصل منها الهواء إلى السامعة. [56] المغرز: موضع الغرز، ومغرز الفكين: محل اتصالهما بالجسم. [57] المنابت: جمع منبت وهو محل النبت. والاضراس جمع ضرس بالكسر: الاسنان الخمسة أو الأربعة من كل جانب من جوانب الفك. [58] مساغ: مصدر ميمي بمعنى سهلَ ولانَ وهنأ. [59] الحمالة: علاّقة السيف لانها تحمله. وحمالة أم الرأس: الرابطة التي تربط أم الرأس (وهو المخ) بالبدن حتى لايتزحزح عن محله. [60] الوتين: عرق في القلب يجري منه الدم إلى بقية العروق، وحمائله مواضع اتصاله بالجسم. [61] التامور: الوعاء. [62] نياط القلب: عرقه الغليظ. إذا قطع، مات الإنسان. [63] الافلاذ: جمع فلذة بالكسر، وهي القطعة. أي قطع أطراف الكبد التي تعمل لتصفية فضلات الجسم. [64]شراسيف: جمع شرسُوف، وهي طرف الضلع المشرف على البطن. وما حوته شراسيف الاضلاع هي الاعضاء الرئيسية من جسم الإنسان. [65] الحقائِق: جمع حُق هي النقر أو الأقفال التي تسهل عمليات القبض والبسط. [66] العصب جمع اعصاب: وهي الاطناب المنتشرة في الجسم ويحس عن طريقها الإنسان. والقصب: الانبوب المجوف الذي يمرّ فيه السائل أو الهواء. [67] أقلّت الأرض: رفعت. [68] الاحقاب جمع حُقُب: الدهر أو السنون. [69] الطارف: المستحدث. العتيد: الجسيم. [70] سورة إبراهيم: الآية 34. [71] رفده، وأرفده: أعطاه. [72] تفطر: انشق. [73] أي أختـر لي أصلح الأمرين. [74] المآرب: الحاجة، والثأر: الدم. [75] بوائق: جمع بائقة، وهي الشر والغائلة. [76] أخلفني: عوضني. [77] من وكلَ يكلُ من باب ضرب: التفويض والتسليم إلى الغير. [78] لك العتبى بالضم: الرضا. [79] أسبغ عليه النعم: وسع وأتم عليه جميع ما يحتاجه. [80] العدّة بالضم: مايستعد به الإنسان من مال أو سلاح. [81] الكهف بالفتح: الملجأ، والعي: العجز. [82] مقيل العثرة: من يصفح عن الذنوب، وفي الحديث: (من أقالَ مؤمناً أقاله الله يوم القيامة). [83] النير: الخشبة التي توضع على عنق الثور. [84] الكبس على الشيء: الشد والضغط عليه. [85] الغلاف الذي يحيط بالأرض. [86] الجبّ: البئر. [87] حاده: أغضبه وأظهر العداوة له. نادوّه: جعلوا له ندّاً وشريكاً. [88] النفاد: الفناء والانقطاع. [89] أقناه الله: أي أعطاه بقدر ما يكفيه. [90] أبوء بذنوبي: اعترف بها. [91] اجترح: ارتكب. [92] عجت الأصوات: ارتفعت وعلت. [93] البِر: الصلاح والطاعة، والغانم: الفائز بالغنيمة. [94] القنُوط: اليأس. [95] تنصل: تبرأ وخرج. [96] الاستدراج من الله للعبد أن يفعل العبد شيئاً لا يوفق فيه للتوبة والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى. [97] الإقبال ص 339. [98] كشف الغمة ج 2 ص 29، واعلام الدين ص 298. [99] سورة الانعام: الآية 158. [100] سورة الطلاق: الآية 3. [101] تحف العقول ص 170. [102] مهج الدعوات ص 298. [103] جفن السيف: غمده. [104] شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي ج 3 ص 4. [105]السلة بالكسر: إستلال السيف. وقوله: السلّة أو الذلّة أي الحرب أو الذلّ. [106] الحجز: جمع حجزة موضع الإزار. [107] يفري: يشق. [108] تاريخ الطبري ج 6 ص 273. [109] تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 293. [110] شرح النهج للمعتزلي ج 3 ص 263. |