|
(ص 235 - 270) الفصل الثالث الخصائص الشخصية ---------------------------------------- أشار رسول الله محمد (ص) إلى خصائص الحسين (ع) في حديث له مدلولات على درجة عظيمة من الأهمية: (اما الحسين فإنه مني وهو إبني وولدي وخير الخلق بعد أخيه، وهو إمام المسلمين، ومولى المؤمنين، وخليفة رب العالمين، وغياث المستغيثين، وكهف المستجيرين، وحجة الله على خلقه أجمعين، وهو سيد شباب أهل الجنة، وباب نجاة الأمة. أمره أمري، وطاعته طاعتي، فمن تبعه فإنه مني ومن عصاه فليس مني)[1]. فالإمام ينبغي ان يكون أفضل الخلق في زمانه، وتلك اللياقة الحتمية نبحثها في هذا الفصل باذنه تعالى. (1) الإمامة ان الإمامة كلمة مطلقة للقائد الذي يتبعه الناس. فمن تقدم في الصلاة فهو إمام جماعة، ومن تقدم لأية فرقة وتابعه الناس كُرهاً أو رغبةً كان إمامهم. ولذا يقال لقادة فرق الضلال: أئمة الضلال، كما أشار القرآن الكريم فقال: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ...)[2]، (...فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ...)[3]. ويقال لقادة الهداية: أئمة الهدى، وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك فقال: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا ...)[4]. وعندما نتحدث عن إمامة أهل البيت (ع) فلابد من تقييدها بقيد الخلافة الربانية والإمامة التشريعية، أي الخلافة التي تقتضي النيابة والبدلية. وبمعنى آخر ان لفظ الإمام وهو المأخوذ من قوله تعالى: (...قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً...)[5]، ولفظ الخليفة وهو اللفظ المأخوذ من قوله: (...إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً...)[6]، انما يعنيان ان الإمام هو خليفة الله في أرضه. وهارون الذي ورد في قوله تعالى: (...وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ...)[7] هو خليفة رسوله موسى (ع). وبدليل روائي مستفيض ان علياً (ع) هو خليفة رسول الله (ص). فالسياق في القرآن الكريم والسنّة الشريفة واحد وهو ان الخلافة تقتضي النيابة والبدلية. ومن أهم صفات الإمام هو ان يعمل في الأمة بالعدالة، وان يوافق عمله الكتاب والسنّة موافقة تامّة، فلا يمكن ان يترك الناس وشأنهم. وإذا كان الله عزّ وجل أعلم بمعاش الناس واعرف بحياتهم، فلابد ان ينصب لهم من يقوم بأمرهم، وهو الخليفة العادل الذي هو أشدُّ تدبيراً لهم من أنفسهم. وهنا لابد من توضيح جملة من الأمور: 1- وجوب معرفة الإمام (ع) بنص الحديث النبوي المتواتر بين الفريقين وهو: (من مات بغير إمام ماتَ ميتة جاهلية)[8]. وهذا الحديث يدلّ دلالة قطعية على ان الإمامة، كأصل اعتقادي، يجب معرفتها وتشخيص موردها والإيمان بها عقلاً ونقلاً. ويفهم من الحديث ان الإمامة ركن عملي مهم، ينبغي للإنسان ان يكيّف حياته مع مقتضياته وآثاره. 2- قوله تعالى في قصة آدم: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ. وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ. قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ. قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ)[9]. هذه الآية صريحة في ان الخلافة الالهية الحقة فضيلة توجب خضوع جميع المخلوقات لها حتى الملائكة، ولا تحصل إلا بلياقة علمية شاملة. ولذلك أبطل مزاعم الملائكة أنهم أحق بالخلافة، فقد كانوا يعتقدون ان استحقاق الخلافة هو بالتسبيح والتقديس فقط. في حين بيّن لهم الله تعالى ان لياقات الخلافة تشمل العلم والتقوى بالإضافة إلى التسبيح. ولا ينالها الفاسق المحب لسفك الدماء. 3- لاشك ان النبي (ص) كان حائزاً على أكمل مراتب الرسالة وأعلى درجات الإمامة، فلذلك كان سيد ولد آدم وأشرف المخلوقات، وكان أول ما خلق الله نوره (ص) وخاطبه تعالى بقوله: (لولاك لما خلقت الافلاك). اما خلفاؤه الاثنا عشر الذين ذكرهم بالاسم والوصف فقد حازوا على أفضل مراتب الإمامة والولاية بعده، كما هو متواتر. فلا نستغرب القول اذن، ان أمير المؤمنين وسيد الوصيين ويعسوب الدين علي بن أبي طالب وأولاده المعصومين، هم أفضل الخلق أجمعين بعد خاتم النبيين وسيد المرسلين (ص). 4- ان الإمامة تقتضي الأفضلية والأكملية في جميع الفضائل البشرية. ولولا هذا الشرط لكان المفضول إمامَ الفاضل، والجاهل إمامَ العالِم، وهذا من أقبح الأمور العقلية. فكيف يقود المفضول من هو أفضل منه إلى الكمال؟ وقد حرّم الإسلام الإمامة على الفاسق أو المنافق أو الجاهل. لأن فيها فساد العالَم والمجتمع الإنساني. ولاشك ان هدف الإمامة تحصيل سعادة الدارين، وكمال النشأتين، وسوق العالَم إلى الكمال والفلاح الدائمين. ولا يمكن تحصيل ذلك إلا من الإمام المعصوم (ع)، الذي جمع الصفات الكمالية في الفهم والعلم، والحزم والعزم، والرأي والحلم، والكرامة والشجاعة، والزهد والعدالة، وحسن الخلق والسيرة، والتقوى والورع. فاتبعه المؤمنون طوعاً ورغبةً (...أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)[10]، (...قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ)[11]. 5- ان الإمامة أمر حتمي وضروري لكل قوم ولكل زمان. ولابد ان تكون بالنص. أي لابد للإمام الذي يهدي الأمة إلى الصلاح ويقودها إلى الخير والفلاح، ان يكون منصوباً من قبل الله تعالى. وهذا أمرٌ عقلائي بديهي، لأن الأمر لو تُرك إلى البشر لاختلفوا فيه. والقدرة على التمييز المطلق بين الخير والشر، وبين الحق والباطل، يحتاج إلى معرفة إلهية وعلم يفيضه الله تعالى على ذلك الإمام. قال تعالى مخاطباً نبيه (ص): (...إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ)[12]. وفي الحديث عن ابن عباس: (قال رسول الله (ص): انا المنذر، وعلي الهادي، وبك يا عليّ يهتدي المهتدون)[13]. وفي ذلك دلالة على ان إمامة علي بن أبي طالب (ع) كانت بنصٍ من قبل رسول الله (ص). وفيها من لياقة العلم الرباني والفيض الإلهي، ما هو جلي. وقوله (ص) للحسن والحسين (ع) بانهما: (إمامان قاما أو قعدا)، دليل على ان الإمامة لا تكون إلا بالنص من رسول الله (ص). قال ابن تيمية: (انه لا يحتاج الشرع إلى حفظ الإمام! لأن الأمة حافظة له، وحفظ الشرع بهم جميعاً أولى من حفظه بواحد منهم وهو الإمام، فالصحابة هم الذين حفظوا القرآن والحديث وبلّغوهما، وحصل بهم حفظ الشرع وتبليغه، والفقهاء معصومون في فهم الأدلة والاستدلال بها في احكام الشريعة، كما ان القرآء معصومون في حفظ القرآن وتبليغه، والمحدّثون معصومون في حفظ الحديث وتبليغه)[14]، وقال أيضاً: (لا نسلّم ان الحاجة داعية إلى نصب إمام معصوم، لإغناء عصمة الأمة عن عصمته، فلا يمكن أن يبدل أحد شيئاً من الدين)[15]. وياليت شعري، كيف يتطابق هذا الزعم مع قول الله تعالى: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ)[16]. بل كيف يتطابق مع قوله (ص): (ستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة...)[17]. وقوله (ص) في الصحيحين: (انا فرطكم على الحوض وليرفعن إليَّ رجال منكم حتى إذا هويت لأناولهم اختلجوا دوني. فاقول: أي ربّ أصحابي، فيقال: انك لا تدري ما أحدثوا بعدك). وفي الدر المنثور في تفسير قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ) [18]، أخرج الحكيم الترمذي عن عمر بن الخطاب قال: (أتاني رسول الله (ص) وأنا أعرف الحزن في وجهه، فأخذ بلحيتي فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، أتاني جبرئيل وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون. قلت: أجل إنا لله وإنا إليه راجعون؟ ممّ ذلك يا جبرئيل؟ فقال: ان أمتك مفتنة بعدك بقليل من الدهر غير كثير. قلتُ: فتنة كفر أو فتنة ضلال؟ قال: كل ذلك سيكون. قلت: ومن أين ذلك وانا تلوت فيهم كتاب الله؟ قال: بكتاب الله يضلّون، وأول ذلك من قبل قرّائهم وأمرائهم. يمنع الأمراء الناس حقوقهم فلا يعطونها، ويتبع القرّاء الأمراء فيمدونهم في الغي ثم لا يقصرون)[19]. 6- ان الإمامة لا تلازم – بالضروة- السلطة الخارجية، ولا يكون من لوازمها القهر والغلبة والشوكة. وكان النبي آدم (ع) خليفة ولم تكن له سلطة، وكذلك كان إبراهيم واسحاق ويعقوب (ع) وغيرهم من الانبياء. وقد تجتمع السلطة مع النبوة كما في موسى وداود وسليمان ومحمد (ص) بعد الهجرة. وكذلك الأمر مع أئمة الهدى (ع)، فقد تحققت السلطة لعلي بن أبي طالب (ع) خمس سنين، ولولده الحسن المجتبى عدة شهور، وسوف تتحقق لمهدي الأمة (عجل الله فرجه) ما شاء الله. بينما لم تتحقق السلطة لبقية العترة الطاهرة (ع). وغلبة الخصم على السلطة لا تنافي الإمامة أو الرئاسة الالهية. بل ان هدف الإمامة هو سوق الناس إلى أعلى درجات الكمال من دون إكراه (...لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ...)[20]، (قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ)[21]. وكان رسول الله (ص) يتحمل الظلم الواقع عليه من قبل قريش، وكان (ص) قادراً على إستيفاء حقه ودفع الظلم عن نفسه وأهله، ولكن الحكمة الربانية اقتضت إرشاد الناس وإتمام الحجة عليهم، مع تحمله لظلمهم. وإذا كان هذا صحيحاً فانه ينطبق على أمير المؤمنين (ع) وفاطمة الزهراء والعترة الطاهرة من آل البيت (ع). إمامة الحسين (ع): ويستدل على إمامة الحسين (ع) بالطريق التالي: 1- أن طريق الإمامة يتخذ طريق منهج تعيين الإمام بالنص. ويؤيده العمل والتصديق. فعلى صعيد النص، استدل بالحديث الصحيح الثابت عن رسول الله (ص): (الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا)[22]. أي انه (ص) أوجب لهما الإمامة سواءً نهضا بالأمر والجهاد أو قعدا عنه اضطراراً. وهذا الحديث في غاية الوضوح، ولا يحتـاج إلى استدلال إضافي. خصوصاً وانه قد حصل الاطمئنان بصدوره عن النبي (ص). وعلى صعيد العمل، استدل على انـهما دعَوَا الناس إلى بيعتهما والقول بإمامتهما. فإما انهما محقان أو مبطلان. فإن كانا محقين فقد ثبتت إمامتهما، وإن كانا مبطلين وجب القول بتضليلهما، وهو ما لا يقوله مسلم أبداً. 2- هناك براهين عملية تثبت الإمامة لهما، منها: أ- إدخالهما في المباهلة مع جدهما وأبيهما وأمهما مع نصارى نجران، كما ذكرنا ذلك. قال ابن علان المعتـزلي: هذا يدل على انـهما كانا مكلفين في تلك الحال، لأن المباهلة (أي الملاعنة) لا تجوز إلا من البالغين[23]. ب- نزول آيات القرآن الكريم بايجاب الثواب من عملهما، ومنه قوله تعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا)[24]. فشملا بهذه الآية مع أبويهما (ع). ولو لم يشملا بـهذه الآية، لكان منطوقها: (ويطعمان الطعام...) اشارة إلى علي وفاطمة (عليهما السلام). ولكن صيغة الجمع في الآية الشريفة تدل على شمولهما بايجاب الثواب من عملهما (ع). وقيل إن فضة كانت معهم فتبقى صورة الجمع صحيحة حتى إذا لم تشملهما! ويردّ عليه بان إرادة الإطعام مخصوصة بمن ملك الطعام وهو علي وفاطمة (ع). والسيد يتصرف بماله دون غيره، فتبقى صيغة الجمع شاملة لهما (ع). ج- أوصى علي بن أبي طالب (ع) حين حضرته الوفاة الى ابنه الحسن (ع)، وأشهد على وصيته الحسين (ع) ومحمداً بن الحنفية وجميع ولده، ورؤساء شيعته وأهل بيته، ثم دفع إليه الكتاب والسلاح، وقال (ع): (يا بني أمرني رسول الله (ص) أن أوصي إليك، وأدفع إليك كتبي وسلاحي كما أوصى إليّ ودفع إليّ كتبه وسلاحه. وأمرني أن آمرك إذا حضرك الموت أن تدفعها إلى أخيك الحسين)[25]. د- ورد عنه (ع): (منّا اثنا عشر مهدياً: أولهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - عليه السلام – وآخرهم التاسع من ولدي، وهو القائم بالحق، يحيي الله تعالى به الأرض بعد موتـها، ويظهر به دين الحق (عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)[26]. له غيبة يرتد فيها قوم ويثبت على الدين فيها آخرون... أما ان الصابر في غيبته على الأذى والتكذيب بمنـزلة المجاهد بالسيف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله)[27]. وعن الحسين (ع) أيضاً، قال: (لما أنزل الله تبارك وتعالى هذه الآية (...وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ...)[28] سألت رسول الله (ص) عن تأويلها. فقال (ص): (والله ما عنى [بـها] غيركم، وأنتم أولوا الأرحام. فإذا متّ فأبوك عليّ أولى بي وبمكاني. فإذا مضى أبوك فأخوك الحسن أولى به فإذا مضى الحسن فأنت أولى به). قلت: يا رسول الله فمن بعدي أولى بي؟ قال (ص): (ابنك عليّ أولى بك من بعدك، فإذا مضى فابنه محمد أولى به من بعده، فإذا مضى محمد فابنه جعفر أولى به من بعده بمكانه، فإذا مضى جعفر فابنه موسى أولى به من بعده، فإذا مضى موسى فابنه علي أولى به من بعده، فإذا مضى عليّ فابنه محمد أولى به من بعده، فإذا مضى محمد فابنه علي أولى به من بعده، فإذا مضى علي فابنه الحسن أولى به من بعده، فإذا مضى الحسن وقعت الغيبة في التاسع من ولدك. فهذه الأئمة التسعة من صلبك، أعطاهم الله علمي وفهمي. طينتهم من طينتـي...)[29]. وكان الحسين (ع) إذا سأله سائل عن أئمة أهل البيت (ع)، ذكر له هذا الحديث بتعابير مختلفة. ومن ذلك ان رجلاً من العرب دخل عليه (ع)، فسأله بمسائل متعددة، واستفهم عن عدد الأئمة بعد رسول الله (ص). فأجابه الحسين (ع): (اثنا عشر عدد نقباء بني اسرائيل). فلما طلب ان يسميهم له، قال (ع): (نعم أخبرك يا أخا العرب. ان الإمام والخليفة بعد رسول الله (ص) أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) والحسن وأنا وتسعة من ولدي، منهم علي ابني، وبعده محمد ابنه، وبعده جعفر ابنه، وبعده موسى ابنه، وبعده علي ابنه، وبعده محمد ابنه، وبعده علي ابنه، وبعده الحسن ابنه، وبعده الخلف المهدي، هو التاسع من ولدي يقوم بالدين في آخر الزمان)[30]. (2) الأفضلية لاشك ان الإمامة الكبرى تقتضي ان يكون الإمام أفضل الناس في زمانه وأكملهم من ناحية الاخلاق والتقوى واليقين والعلم والشجاعة والفصاحة والعبادة. وقد ذكرنا في مواضع أخرى من الكتاب ان الإمامة هي رئاسة ربانية تسوق العالَم إلى شاطئ الكمال والعدالة والصلاح، وتقود المؤمنين إلى سعادة الدارين. وقد قال تعالى: (...أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)[31]. والإمام الحسين (ع) جمع صفات الفضيلة من صباه وحتى استشهاده. فقد كان (ع) معصوماً، أعلم الناس في زمانه بشريعة جده المصطفى محمد (ص)، وأحرص الناس على هدايتهم، وأحفظهم على رعاية شؤون الأمة، وأرقبهم لحقوق الرعية، وأعرفهم بالسياسة الشرعية. منـزلة الحسين (ع) في الإسلام: ان للحسين بن علي (ع) منـزلة عظيمة في الاسلام، تكشفها آيات الكتاب المجيد والسنة النبوية الشريفة. ولولا منـزلته الكبرى في الإسلام لما أحدث مقتله تلك الضجة العظيمة التي لن تخمد الى يوم القيامة. وستبقى حياته الشريفة، بما فيها من عبر ومواعظ، مناراً للأجيال على مدى الزمان. أ- منـزلة الحسين (ع) في القرآن: أشار القرآن الكريم إلى الحسين (ع) بالوصف، في مواضع عديدة مهمة، منها آية المباهلة، وآية التطهير، وآية المودة، وآية اللؤلؤ والمرجان، وآية الأبرار. 1- آية المباهلة: عندما نزل قوله تعالى في مباهلة نصارى أهل نجران: (فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ)[32]، دعا رسول الله (ص) علياً وفاطمةَ وحسناً وحسيناً، وقال (ص): (اللهم هؤلاء أهلي)[33]. قال في (ينابيع المودة) بعد ذكر الآية: فأبرز النبي (ص) علياً والحسن والحسين وفاطمة صلوات الله وسلامه عليهم، وعنى في قوله أنفسنا نفس علي. ومما يدل على ذلك قول النبي (ص):( لتنهين بنو وليعة أو لابعثن إليهم رجلاً كنفسي)، يعني علي بن ابي طالب. فهذه خصوصية لا يلحقهم فيها بشر[34]. وقد تضافرت روايات عديدة متواترة من الطرفين تفصح عن ان الذين أتى بهم النبي (ص) للمباهلة هم: علي وفاطمة والحسنان (ع). فقد رواه الشيخ المفيد في أماليه بطرق متعددة، ورواه أيضاً في كتاب (الاختصاص) بطرق متعددة. وفي تفسير الثعلبي عن مجاهد والكلبي: أنه (ص) لما دعاهم إلى المباهلة قالوا: حتى نرجع وننظر. فلما تخالوا قالوا للعاقب – وكان ذا رأي عندهم- يا عبد المسيح ما ترى؟ فقال: (والله لقد عرفتم يا معشر النصارى أن محمداً نبي مرسل، ولقد جاءكم بالفصل من أمر صاحبكم، والله ما باهلَ قوم نبياً قط فعاش كبيرهم، ولا نبت صغيرهم، ولئن فعلتم لنهلكن فإن أبيتم إلا إلفَ دينكم، والإقامة على ما أنتم عليه فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم). فأتوا رسول الله (ص) وقد غدا محتضناً بالحسين آخذاً بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه، وعليٌّ خلفها، وهو يقول: (إذا أنا دعوت فأمّنوا). فقال اسقف نجران: (يا معشر النصارى إني لأرى وجوهاً لو سألوا الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله بها فلا تباهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة). فقالوا: (يا أبا القاسم رأينا أن لا نباهلك، وأن نقرك على دينك ونثبت على ديننا). قال (ص): (فإذا أبيتم المباهلة فأسلموا، يكن لكم ما للمسلمين، وعليكم ما عليهم)، فأبوا. قال (ص): (فإني اناجزكم). فقالوا: (ما لنا بحرب العرب طاقة، ولكن نصالحك على أن لا تغزونا، ولا تخيفنا، ولا تردنا عن ديننا على أن نؤدي إليك كل عام ألفي حلة: ألف في صفر، وألف في رجب، وثلاثين درعاً عادية من حديد). فصالحهم على ذلك. وقال (ص): (والذي نفسي بيده إن الهلاك قد تدلى على أهل نجران ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير، ولاضطرم عليهم الوادي ناراً، ولاستأصل الله نجران وأهله حتى الطير على رؤوس الشجر، ولما حال الحول على النصارى كلهم حتى يهلكوا)[35]. وقد ورد قريباً من هذا المعنى في كتاب (المغازي)، و(الفصول المهمة) للمالكي. وفي صحيح مسلم عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً فقال: ما يمنعك أن تسب أبا تراب. قال: (أما ما ذكرت ثلاثاً قالهن رسول الله (ص) فلن أسبه، لأن يكون لي واحدة منهن أحب إليّ من حمر النعم. سمعتُ رسول الله (ص) يقول حين خلّفه في بعض مغازيه فقال له علي: يا رسول الله خلفتني مع النساء والصبيان؟ فقال له رسول الله (ص): أما ترضى أن تكون مني بمنـزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي؟ وسمعته يقول يوم خيبر: لاعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، قال: فتطاولنا لها، فقال: اُدعوا لي علياً فأتي... ودفع الراية إليه ففتح الله على يده. ولما نزلت هذه الآية: (...فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ)[36]، فدعا رسول الله علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً، وقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي)[37]. قال ابن طاووس في كتاب (سعد السعود): رأيت في كتاب تفسير ما نزل من القرآن في النبي وأهل بيته تأليف محمد بن العباس بن مروان: أنه روى خبر المباهلة من أحد وخمسين طريقاً عمن سماه من الصحابة وغيرهم، وعدَّ منهم الحسن ابن علي (ع)، وعثمان بن عفان، وسعد بن أبي وقاص، وبكر بن سمال، وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن عباس، وأبا رافع مولى النبي، وجابر بن عبد الله، والبراء بن عازب، وانس بن مالك. والمباهلة أو الملاعنة، وهي وإن كانت على سبيل المحاجة بين النبي (ص) ورجال النصارى، إلا ان دعوة الابناء والنساء إليها كانت دلالة على اطمئنان الداعي بصدق دعواه وكونه على الحق لما اودعه الله سبحانه في قلب الانسان من حب المقربين له من ابناء ونساء. ولذلك فان تقديمهم لهؤلاء امام ذلك التحدي هو الصدق بذاته. وفي الآية الكريمة نقاط لابد من الإلتفات إليها: 1- في قوله تعالى: (ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل...)، قال: فنجعل، ولم يقل فنسأل، دلالة على انها كانت دعوة غير مردودة يتميز بها الحق عن الباطل. 2- وفي قوله تعالى: (...فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ) دلالة على تحقق كاذبين بوصف الجمع في أحد طرفي المباهلة: طرف النبي (ص) وطرف النصارى. وهذا يعني ان من حضر المباهلة وشارك فيها كان شريكاً في دعوى النبي (ص) أيضاً. فكان علي وفاطمة والحسنين (ع) شركاء في الدعوى مع رسول الله (ص). وتلك منقبة عظيمة من مناقب أهل البيت (ع) خصها الله تعالى لهم. 3- ان المراد من الملاعنة هو اثبات المصداق وهو ان يأتِ (ص) بمقام الإمتثال بفاطمة (ع) وبه كشف أنها هي المصداق لنسائنا، وبعلي (ع) وهو المصداق لأنفسنا، والحسن والحسين (ع) وهما المصداق لابنائنا. ومن الطبيعي فان المراد بالابناء والنساء والأنفس في الآية هم الأهل، وهم أهل بيت النبي (ص) وخاصته. قال صاحب الكشاف في ذيل تفسير الآية: (وفيه دليل لا شيء أقوى منه على فضل أصحاب الكساء (ع) وفيه برهان واضح على صحة نبوة النبي (ص)...)[38]. 2– آية التطهير: وهو قوله تعالى: (إِنَّ& |