|
(ص 197 - 234) عبد الله بن الحسن (عليه السلام): ثُمّ إنّهم لَبثُوا هنيهةً وعادُوا إلى الحسينِ (ع) وأَحَاطُوا بهِ وهو جالسٌ على الأرضِ لا يستطيعُ النُهوضَ، فنَظرَ عبدُ اللهِ بنُ الحسنِ - ولهُ إحدَى عشرةَ سنةً- إلى عمِّهِ وقد أَحْدقَ بهِ القومُ، فأَقْبَلَ يشتَدُّ نحوَ عمّهِ، فصاحَ الحُسينُ (ع) بأُخْتِهِ زينبَ: (إحبسيهِ يا أُختاهُ). فأَبَى عليها وقالَ: (لا واللهِ لا أُفارِقُ عَمّي) فجاءَ حتّى وقفَ إلى جَنْبِ عمِّهِ الحُسينِ (ع) فجاءَ بحرُ بنُ كعب وأَهْوى إلى الحُسينِ (ع) بالسيفِ لِيَضْربَهُ، فقال له الغُلام: ويلَكَ أتَقتلُ عمِّي؟ فَضربَهُ بالسيفِ، فاتَّقاهُ الغلامُ بيدِهِ، فصاحَ: يا عمّاهُ! فأَخَذَهُ الحُسينُ (ع) وضَمّهُ إليهِ وقالَ: (يا ابنَ أخِي، إصبرْ على ما نَزلَ بِكَ، واحتسبْ في ذلك الخير، فإنّهُ يُلحقُكَ بآبائِكَ الصالحينَ)، فَرماهُ حرملةُ بنُ كاهلِ بسهم فذَبحَهُ وهو في حِجرِ عمِّهِ الحسين (ع) فَرفعَ الحُسينُ يَديهِ إلى السماءِ قائلاً: (اللُهمّ إنّ متّعتَهُم إلى حين، ففرّقْهُم فِرقَاً واجْعلْهُم طَرائقَ قِدَداً، ولا تُرضِ الولاةَ عَنْهُم أَبَداً، فإنّهُم دَعَوْنا ليَنَصِرُوننا فعَدَوا علينا يقاتُلُونَنا). ومكثَ الحُسينُ (ع) طويلاً من النهارِ مَطروحاً على وجهِ الأرضِ، ولو شاؤُوا أنْ يقتُلوه لفَعلَوا، إلاّ أنّهم كرهوا الإقدامَ، فنادى شمرٌ بالناسِ: ويحكُمْ ما تنتظرونَ بالرجلِ؟ أُقتلُوه. فحَمَلُوا عليهِ من كلّ جانب، فضَربَهُ زرعةُ بنُ شريكِ التميمي على كتفِهِ، وضَربَهُ آخرُ على عاتِقِهِ بالسيفِ، وحمَلَ عليهِ سنانُ بنُ أنس النَخعي فطَعنَهُ بالرمحِ في ترقوتِهِ فوقَعَ، ثُمّ انتزعَ الرمحَ فطَعنَهُ في بوانِي صدرِهِ، ثُمّ رماهُ بسهم وقعَ في نَحرِهِ، فنـزَعَ السّهمَ من نحرِهِ وقرنَ كفّيهِ جميعاً، فكُلّما امتلأَتَا من دمائِهِ خَضّبَ بهما رأسَهُ ولحيَتَهُ وهو يقولُ: (هكذا ألقَى اللهَ مُخَضّباً بدمِي مَغْصوبَاً عليّ حقّي). قالَ هلالُ بنُ نافع: كنتُ واقفاً معَ أصحابِ عُمَرِ بنِ سعد، فخَرجْتُ بينَ الصفّينِ، ووقفتُ على الحسينِ (ع) - وهو طَريحٌ على الأرضِ وإنّهُ ليَجودُ بنفسِهِ - فواللهِ ما رأيتُ قَتَيلاً مضرّجَاً بدَمِهِ أحسنَ منْهُ ولا أنورَ وجْهاً، ولقَدْ شغلَنِي نورُ وجهِهِ وجَمالُ هيئتِهِ عن الفكرة في قتلِهِ، فاستسقَى في تلكَ الحالِ ماءً، فسمعتُ رَجُلاً يقولُ له: واللهِ لا تذوقُ الماءَ حتى تردَ الحاميةِ فتشربَ من حَميمِها، فسمعتُهُ يقولُ: (يا ويلكَ أنَا لا أردُ الحاميةَ ولا أشربُ من حَميمِها، بل أردُ على جدّي رسولِ اللهِ (ص) وأسكُنُ معَهُ في دارِهِ في مقعَدِ صدق عندَ مليك مُقتَدِر، وأشربُ من ماء غيرِ آسن، وأشْكو إليه ما ارتَكبتُم منّي وفعلتُم بِي). قال: فغضبُِوا بأجمَعِهِم حتَى كأنّ اللهَ لمْ يجعلْ في قلبِ أحد منهم من الرحمةِ شَيئاً. سلامٌ على الحسين (ع): وأقْبلَ فرسُ الحُسينِ (ع) يَدورُ حولَهُ ويُلطّخُ ناصيَتَهُ بدِمِهِ، ويشَمُّهُ ويَصهلُ صَهيلاً عَالياً، وكأنّه يقولُ في صهيلِهِ: (الظليمةَ الظليمةَ من أمّة قتلَتْ ابنَ بنتِ نبيِّها). وتوجَّهَ نحوَ المخيّمِ بذلكَ الصهيلِ الحزينِ، فخرجت زينب (ع) وهي تنادي: (وامُحمّداهُ، واعليّاه، واجعفراه، واحمزتاه، واسيداه! هذا حسينٌ بالعراءِ، صريعٌ بكربلاءَ، ليتَ السماءَ أُطْبِقَتْ على الأرضِ وليتَ الجبالَ تَدكدَكَتْ على السَهلِ)[1]. وانتهتْ زينبُ (ع) نحوَ الحُسينِ (ع)، وقد دَنَا منْهُ عُمَرُ بنُ سعد - والحُسينُ يَجودُ بنفسِهِ- فصاحتْ بهِ : (أيْ عُمَرُ، ويحكَ أيُقتَلُ أبُو عبدِ اللهِ وأنتَ تَنظرُ إليهِ) فَصرَفَ وجهَهُ عنْها... فعندَ ذلكَ صاحَتْ بالقومِ: (ويحَكم ما فيكم مسلم؟). فلَم يُجبْها أحدٌ. ثُمّ صاحَ ابنُ سعد بالناسِ: إنزلُوا إليهِ فأَريْحوهُ. فنَزلَ إليهِ شِمرُ بنُ ذي الجوشنِ فَرَفَسَهُ برجلِهِ وجَلَسَ على صدْرِهِ وقَبضَ علَى شيبتِهِ وضربَهُ بالسيفِ واحتزَّ رأسَهُ عليه الصلاة والسلام. فسلامٌ على الحسين، الإمام الشهيد، سيد شباب أهل الجنة، ابن بنت رسول الله (ص)، خامس اصحاب الكساء، الذي نزلت فيه وفي أمه وأبيه وأخيه (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا)[2]، والذي نزلت فيه أيضاً: (فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ)[3]. (11) زيارة الناحية هذه الزيارة منسوبة إلى الإمام محمد بن الحسن المهدي صاحب الزمان (عجل الله تعالى فرجه)، وهي من الزيارات المشهورة المعروفة. وتجمل الزيارة انجازات الانبياء عليهم السلام وصفاتهم، وتصف حال الحسين (ع) في واقعة كربلاء وصفاً دقيقاً، وتصور المأساة تصويراً بليغاً خصوصاً معاناة أهل بيت النبي (ص) وأصحابه. وتذهب إلى أبعد من ذلك فتصور المأساة وتأثيرها على سكان السموات من ملائكة وانبياء ومقربين. ثم تجمل اسماء المعصومين من أهل البيت (ع) الأربعة عشر. وتختمها بالدعاء إلى الله عزّ وجلّ بحسن السيرة وخير العاقبة في النفس والمال والمآل. ويمكن بحثها من ناحيتين: الأولى: السند، وهي مرسلة نقلها العلامة المجلسي المتوفى سنة 1111هـ في (تحفة الزائر)[4] عن الكتب الخاصة بالزيارات. وكان العلماء المتقدمون (رضوان الله عليهم) يحذفون الاسناد في الروايات الخاصة بالادعية والزيارات روماً للاختصار. وذكر المجلسي انه ألّف كتاب (تحفة الزائر) مقتصراً فيه على خصوص الزيارات المروية بطرق معتبرة عنده. الثانية: المتن، وهو يتوافق مع بلاغة المعصوم (ع) ويتناسب مع احداث عاشوراء، عدا جملة (...برزن من الخدور ناشرات الشعور...) التي تخالف المشهور، وتحمل إما على المجاز بفقد الحماة من أهل الغيرة والشرف، وإما على الزيادة أو التصحيف. وعلى أية حال، فاننا نوردها هنا من باب الأدب المختص بالحسين (ع)، لا من باب التكليف الشرعي الخاص بالزيارات. بسم الله الرحمن الرحيم السَّلامُ عَلى آدمَ صَفْوةِ اللهِ مِن خَليقَتِهِ، السَّلامُ عَلى شِيثَ وَليِّ اللهِ وخِيرَتِهِ، السَّلامُ عَلى إدْريسَ القائِمِ للهِ بِحُجَّتِهِ، السَّلامُ عَلى نُوح المُجَابِ في دَعوَتِهِ، السَّلامُ عَلى هُود المَمْدودِ مِنَ اللهِ بِمَعونَتِهِ . السَّلامُ عَلى صَالِح الَّذي تَوَجَّهَ للهِ بِكَرامَتِهِ، السَّلامُ عَلى إِبْراهِيم الَّذي حَبَاهُ اللهُ بِخُلَّتِهِ، السَّلامُ عَلى إِسْمَاعيل الَّذي فَداهُ اللهُ بِذِبْحٍ عَظيمٍ مِنَ جَنَّتِهِ، السَّلامُ عَلى إِسْحَاق الَّذي جَعَل اللهُ النُّبُوَّةَ في ذُرِّيَّتِهِ . السَّلامُ عَلى يَعقوب الَّذي رَدَّ الله عَليهِ بَصَرَهُ بِرَحمَتِهِ، السَّلامُ عَلى يُوسـف الَّذي نَجَّاهُ اللهُ مِنَ الجُّبِّ بِعَظَمَتِهِ، السَّلامُ عَلى مُوسَى الَّذي فَلَقَ اللهُ البَحْرَ لَهُ بِقُدرَتِهِ، السَّلامُ عَلى هَارُون الَّذي خَصَّهُ اللهُ بِنُبوَّتِهِ . السَّلامُ عَلى شُعَيب الَّذي نَصَرَهُ اللهُ عَلى أُمَّتِهِ، السَّلامُ عَلى دَاود الَّذي تَابَ اللهُ عَليهِ مِن خَطيئَتِهِ، السَّلامُ عَلى سُلَيمَان الَّذي ذُلَّتْ لَهُ الجِنُّ بِعزَّتِهِ، السَّلامُ عَلى أيُّوب الَّذي شَفَاهُ اللهُ مِنْ عِلَّتِهِ، السَّلامُ عَلى يُونس الَّذي أنْجَزَ اللهُ لَهُ مَضْمُونَ عِدَّتِه. السَّلامُ عَلى عُزَير الَّذي أحيَاهُ اللهُ بَعدَ مَوتَتِهِ، السَّلامُ عَلى زَكَريَّا الصَّابِر فِي مِحْنَتِهِ، السَّلامُ عَلى يَحْيَى الَّذي أزْلَفَهُ اللهُ بِشَهادَتِهِ، السَّلامُ عَلى عِيسَى رُوح اللهِ وَكَلِمَتِهِ . السَّلامُ عَلى مُحمَّدٍ حَبيبِ اللهِ وصَفْوتِهِ، السَّلامُ عَلَى أميرِ المُؤمِنين عَليِّ بْن أبي طَالِبٍ المَخْصُوص بِأخُوَّتِهِ، السَّلامُ عَلى فَاطِمَةَ الزَّهراءِ ابنَتِهِ، السَّلامُ عَلى أبِي مُحَمَّدٍ الحَسَنِ وَصِيِّ أبِيهِ وخَليفَتِهِ، السَّلامُ عَلى الحُسينِ الَّذي سَمَحَتْ نَفْسُهُ بِمُهجَتِهِ، السَّلامُ عَلى مَنْ أطَاعَ اللهَ فِي سِرِّهِ وَعَلانِيَتِهِ، السَّلامُ عَلى مَنْ جَعَلَ اللهُ الشِّفاءَ فِي تُرْبَتِهِ، السَّلامُ عَلَى مَن الإِجَابَة تَحْتَ قُبَّتِهِ، السَّلامُ عَلى مَن الأئمَّة مِنْ ذُرِّيَّتِهِ . السَّلامُ عَلى ابْنِ خَاتَمِ الأنبِيَاءِ، السَّلامُ عَلَى ابْنِ سَيِّدِ الأوصِيَاءِ، السَّلامُ عَلَى ابْنِ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ، السَّلامُ عَلَى ابنِ خَدِيجَة الكُبْرَى، السَّلامُ عَلَى ابْنِ سِدْرَة المُنتَهَى، السَّلامُ عَلى ابْنِ جَنَّة المَأوَى، السَّلامُ عَلى ابْنِ زَمْزَمَ وَالصَّفَا . السَّلامُ عَلى المُرَمَّلِ بالدِّمَاءِ، السَّلامُ عَلى المَهْتُوكِ الخِبَاءِ، السَّلامُ عَلَى خَامِسِ أصْحَابِ أهْلِ الكِسَاءِ، السَّلامُ عَلى غَريبِ الغُرَبَاءِ، السَّلامُ عَلى شَهِيدِ الشُّهَدَاءِ، السَّلامُ عَلى قَتيلِ الأدْعِيَاءِ، السَّلامُ عَلى سَاكِنِ كَرْبَلاءِ، السَّلامُ عَلى مَنْ بَكَتْهُ مَلائِكَةُ السَّمَاءِ، السَّلامُ عَلَى مَنْ ذُرِّيتُهُ الأزكِيَاءُ . السَّلامُ عَلى يَعْسُوبِ الدِّيْنِ، السَّلامُ عَلى مَنَازِلِ البَرَاهِينِ. السَّلامُ عَلى الأئِمَّةِ السَّادَاتِ، السَّلامُ عَلى الجُيوبِ المُضَرَّجَاتِ، السَّلامُ عَلى الشِّفَاهِ الذَّابِلاتِ، السَّلامُ عَلى النُّفوسِ المُصْطَلِمَاتِ، السَّلامُ عَلَى الأروَاحِ المُختَلسَاتِ . السَّلامُ عَلى الأجْسَادِ العَاريَاتِ، السَّلامُ عَلى الجُسُومِ الشَّاحِبَاتِ، السَّلامُ عَلى الدِّمَاءِ السَّائِلاتِ، السَّلامُ عَلى الأعْضَاءِ المُقطَّعَاتِ، السَّلامُ عَلى الرُّؤوسِ المُشَالاَتِ، السَّلامُ عَلى النُّسْوَةِ البَارِزَاتِ . السَّلامُ عَلى حُجَّةِ رَبِّ العَالَمِينَ، السَّلامُ عَلَيكَ وعَلى آبَائِكَ الطَّاهِرِينَ، السَّلامُ عَلَيْكَ وعَلى أبْنَائِكَ المُسْتَشْهَدِينَ، السَّلامُ عَليكَ وعَلى ذُرِّيَّتِك النَّاصِرِينَ، السَّلامُ عَليكَ وعَلى المَلائِكَةِ المُضَاجِعِينَ . السَّلامُ عَلى القَتيلِ المَظلُومِ، السَّلامُ عَلى أخِيْهِ المَسمُومِ. السَّلامُ عَلى عَليٍّ الكَبِيرِ، السَّلامُ عَلى الرَّضِيعِ الصَّغِيرِ، السَّلامُ عَلَى الأبْدَانِ السَّلِيبَةِ، السَّلامُ عَلى العِتْرَةِ القَريْبَةِ، السَّلامُ عَلى المُجدَّلِينَ في الفَلَوَاتِ، السَّلامُ عَلى النَّازِحِينَ عَن الأوطَانِ، السَّلامُ عَلى المَدْفُونِينَ بِلا أكْفَانِ، السَّلامُ عَلى الرُّؤوسِ المُفَرَّقَةِ عَن الأبْدانِ . السَّلامُ عَلى المُحتَسِبِ الصَّابِرِ، السَّلامُ عَلى المَظْلُومِ بِلا نَاصِرِ، السَّلامُ عَلَى سَاكِنِ التُّربَةِ الزَّاكِيَةِ، السَّلامُ عَلى صَاحِبِ القُبَّة السَّامِيَةِ . السَّلامُ عَلى مَن طَهَّرَهُ الجَلِيلُ، السَّلامُ عَلى مَنِ افْتَخَرَ بِهِ جِبرائِيلُ، السَّلامُ عَلى مَنْ نَاغَاهُ فِي المَهْدِ مِيكَائيلُ . السَّلامُ عَلى مَنْ نُكِثَتْ ذِمَّتُهُ، السَّلامُ عَلى مَن هُتِكَتْ حُرْمَتُهُ، السَّلامُ عَلى مَنْ أُرِيقَ بِالظُّلْمِ دَمُهُ. السَّلامُ عَلى المُغسَّلِ بِدَمِ الجِرَاحِ، السَّلامُ عَلى المُجَرَّعِ بِكاسَاتِ الرِّمَاحِ، السَّلامُ عَلى المُضَامِ المُستَبَاحِ . السَّلامُ عَلى المَنْحُورِ في الوَرَى، السَّلامُ عَلى مَن دَفنَهُ أهْلُ القُرَى، السَّلامُ عَلى المَقْطُوعِ الوَتِينِ، السَّلامُ عَلى المُحَامي بِلا مُعِينٍ. السَّلامُ عَلى الشَّيْبِ الخَضِيبِ، السَّلامُ عَلى الخَدِّ التَّرِيْبِ، السَّلامُ عَلى البَدَنِ السَّلِيْبِ، السَّلامُ عَلى الثَّغْرِ المَقْرُوعِ بالقَضِيبِ، السَّلامُ عَلى الرَّأسِ المَرفُوعِ . السَّلامُ عَلى الأجْسَامِ العَارِيَةِ في الفَلَوَاتِ، تَنْهَشُهَا الذِّئَابُ العَادِيَاتُ، وتَخْتَلِفُ إِلَيها السِّباعُ الضَّارِيَاتُ . السَّلامُ عَليْكَ يَا مَولاَيَ وعَلى المَلائِكَةِ المَرْفُوفينَ حَولَ قبَّتِكَ، الحَافِّينَ بِتُربَتِكَ، الطَّائِفِين بِعَرَصَتِكَ، الوَاردِينَ لِزَيَارَتِكَ . السَّلامُ عَليكَ فَإنِّي قَصَدْتُ إِلَيكَ، ورَجَوتُ الفَوزَ لَدَيكَ. السَّلامُ عَليكَ سَلامُ العَارِفِ بِحُرمَتِكَ، المُخْلِصِ في وِلايَتِكَ، المُتَقرِّبِ إِلى اللهِ بِمَحَبَّتِكَ، البريءِ مِن أعَدَائِكَ، سَلامُ مَـنْ قَلْبـُهُ بِمُصَابِك مَقرُوحٌ، وَدَمْعُهُ عِنـدَ ذِكرِكَ مَسْفُوحٌ، سـَلامُ المَفْجُوعِ الحَزِينِ، الوَالِهِ المُستَكِينِ . سَلامُ مَن لَو كَانَ مَعَكَ بِالطُّفُوفِ لَوَقَاكَ بِنَفسِهِ حَدّ السُّيُوفِ، وبَذَلَ حَشَاشَتَهُ دُونَك لِلحُتُوف، وجَاهَد بَينَ يَدَيكَ، ونَصَرَكَ عَلى مَن بَغَى عَلَيكَ، وَفَدَاك بِرُوحِه وَجَسَدِهِ، وَمَالِه وَولْدِهِ، وَرُوحُهُ لِرُوحِكَ فِدَاءٌ، وَأهْلُهُ لأهلِكَ وِقَاءٌ . فَلَئِنْ أخَّرَتْني الدُّهُورُ، وَعَاقَنِي عَنْ نَصْرِكَ المَقْدُورُ، وَلَمْ أكُنْ لِمَنْ حَارَبَكَ مُحَارِباً، وَلِمَنْ نَصَبَ لَكَ العَدَاوَةَ مُناصِباً، فَلأنْدُبَنَّكَ صَبَاحاً وَمَسَاءً، وَلأبْكِيَنَّ لَكَ بَدَل الدُّمُوعِ دَماً، حَسْرَةً عَلَيكَ، وتَأسُّفاً عَلى مَا دَهَاكَ وَتَلَهُّفاً، حَتَّى أمُوتَ بِلَوعَةِ المُصَابِ، وَغُصَّةِ الاِكْتِئَابِ . أشْهَدُ أنَّكَ قَدْ أقَمْتَ الصَّلاةَ، وَآتَيْتَ الزَّكَاةَ ، وَأَمَرْتَ بِالمَعرُوفِ، وَنَهَيْتَ عَنِ المُنْكَرِ والعُدْوَانِ، وأطَعْتَ اللهَ وَمَا عَصَيْتَهُ، وتَمَسَّكْتَ بِهِ وَبِحَبلِهِ، فأرضَيتَهُ وَخَشيْتَـهُ، وَرَاقبتَهُ واسْتَجَبْتَهُ، وَسَنَنْتَ السُّنَنَ، وأطفَأْتَ الفِتَنَ. وَدَعَوْتَ إلَى الرَّشَادِ، وَأوْضَحْتَ سُبُل السَّدَادِ، وجَاهَدْتَ فِي اللهِ حَقَّ الجِّهَادِ، وكُنْتَ لله طَائِعاً، وَلِجَدِّك مُحمَّدٍ (صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِه) تَابِعاً، وَلِقُولِ أبِيكَ سَامِعاً، وَإِلَى وَصِيَّةِ أخيكَ مُسَارِعاً، وَلِعِمَادِ الدِّينِ رَافِعاً، وَللطُّغْيَانِ قَامِعاً، وَللطُّغَاةِ مُقَارِعاً، وللأمَّة نَاصِحاً، وفِي غَمَرَاتِ المَوتِ سَابِحاً، ولِلفُسَّاقِ مُكَافِحاً، وبِحُجَجِ اللهِ قَائِماً، وللإِسْلاَمِ وَالمُسْلِمِينَ رَاحِماً، وَلِلحَقِّ نَاصِراً، وَعِنْدَ البَلاءِ صَابِراً، وَلِلدِّينِ كَالِئاً، وَعَنْ حَوزَتِه مُرامِياً . تَحُوطُ الهُدَى وَتَنْصُرُهُ، وَتَبْسُطُ العَدْلَ وَتنْشُرُهُ، وتنْصُرُ الدِّينَ وتُظْهِرُهُ، وَتَكُفُّ العَابِثَ وتَزجُرُهُ، وتأخُذُ للدَّنيِّ مِنَ الشَّريفِ، وتُسَاوي فِي الحُكْم بَينَ القَويِّ والضَّعِيفِ . كُنْتَ رَبيعَ الأيْتَامِ، وَعِصْمَةَ الأنَامِ، وَعِزَّ الإِسْلامِ، وَمَعْدِنَ الأَحْكَامِ، وَحَلِيفَ الإِنْعَامِ. سَالِكاً طَرائِقَ جَدِّكَ وَأبِيكَ، مُشَبِّهاً في الوَصيَّةِ لأخِيـكَ. وَفِيَّ الذِّمَـمِ، رَضِيَّ الشِّيَمِ، ظَاهِرَ الكَرَمِ، مُتَهَجِّداً فِي الظُّلَمِ. قَويمَ الطَّرَائِقِ، كَرِيمَ الخَلائِقِ، عَظِيمَ السَّوابِقِ. شَرِيفَ النَّسَبِ، مُنِيفَ الحَسَبِ، رَفِيعَ الرُّتَبِ، كَثيرَ المَنَاقِبِ، مَحْمُودَ الضَّرَائِبِ، جَزيلَ المَوَاهِبِ . حَلِيمٌ، رَشِيدٌ، مُنِيبٌ، جَوادٌ، عَلِيمٌ، شَدِيدٌ، إِمَامٌ، شَهِيدٌ، أوَّاهٌ، مُنِيبُ، حَبِيبٌ، مُهِيبٌ . كُنْتَ للرَّسُولِ ( صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ ) وَلَداً، وَللقُرآنِ سَنَداً، وَلِلأمَّةِ عَضُداً، وفي الطَّاعَةِ مُجتَهِداً، حَافِظاً للعَهدِ والمِيثَاقِ، نَاكِباً عَن سُبُل الفُسَّاقِ، وبَاذلاً للمَجْهُودِ، طَويلَ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ. زاهِداً في الدُّنيَا زُهْدَ الرَّاحِلِ عَنْها، نَاظِراً إِلَيها بِعَينِ المُسْتَوحِشِينَ مِنْها. آمَالُكَ عَنْها مَكفُوفَةٌ، وهِمَّتُكَ عَنْ زِينَتِهَا مَصْرُوفَةٌ، وَأَلحَاظُكَ عَن بَهْجَتِهَا مَطْرُوفَةٌ، وَرَغْبَتُكَ فِي الآخِرَة مَعرُوفَةٌ. حَتَّى إِذَا الجَورُ مَدَّ بَاعَهُ، وأسْفَرَ الظُّلْمُ قِنَاعَهُ، وَدَعَا الغَيُّ أتْبَاعَهُ. وأنْتَ فِي حَرَمِ جَدِّك قَاطِنٌ، وَللظَّالِمِينَ مُبَايِنٌ، جَلِيسُ البَيتِ وَالمِحْرَابِ، مُعتَزِلٌ عَنْ اللَّذَاتِ والشَّهَوَاتِ. تَنْكُرُ المُنْكَرَ بِقَلبِكَ وَلِسَانِك، عَلى حَسَبِ طَاقَتِكَ وَإمْكَانِكَ . ثُّمَّ اقْتَضَاكَ العِلْمُ للإِنْكَارِ، وَلزمَكَ أنْ تُجَاهِدَ الفُجَّار، فَسِرْتَ فِي أوْلادِكَ وَأهَالِيكَ، وشِيعَتِكَ ومُوَالِيكَ، وصَدَعْتَ بِالحَقِّ وَالبَيِّنَةِ، وَدَعَوتَ إِلَى الله بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ . وَأمَرْتَ بِإِقَامَةِ الحُدُودِ، والطَّاعَةِ لِلمَعْبُودِ، وَنَهَيْتَ عَنِ الخَبَائِثِ وَالطُّغْيَانِ، وَوَاجَهُـوكَ بِالظُّلْـمِ وَالعُدْوَانِ، فَجَاهَدْتَهُـم بَعْدَ الإِيعَازِ لَهُم، وَتَأكِيدِ الحُجَّةِ عَلَيْهِم، فَنَكَثوا ذِمَامَكَ وِبَيْعَتَكَ، وأسْخَطَوا رَبَّك وَجَدَّك، وَبَدؤُوكَ بِالحَرْبِ، فَثَبَتَّ لِلطَّعْنِ والضَّرْبِ، وطَحَنْتَ جُنُودَ الفُجَّارِ، وَاقْتَحَمْتَ قَسْطَلَ الغُبَار، مُجَاهِداً بِذِي الفِقَارِ، كَأنَّكَ عَلِيٌّ المُخْتَارُ . فَلمَّا رَأوْكَ ثَابِتَ الجَأْشِ، غَيْرَ خَائِفٍ وَلا خَاشٍ، نَصَبُوا لَكَ غَوائِلَ مَكْرِهِمُ، وقَاتَلُوكَ بِكَيْدِهِمُ وَشَرِّهِمْ، وأمَرَ اللَّعِينُ جُنودَهُ، فَمَنَعُوكَ المَاءَ وَوُرُودَهُ، ونَاجَزُوكَ القِتَالَ، وَعَاجَلُوكَ النِّزَالَ، وَرَشَقُوكَ بِالسِّهَامِ وَالنِّبَالِ، وبَسَطُوا إِلَيكَ أَكُفَّ الاِصْطِلاَمِ، وَلَمْ يَرْعَوْا لَكَ ذِمَاماً، وَلا رَاقَبُوا فِيْكَ أثَاماً، فِي قَتْلِهِمْ أوْلِيَاءَكَ، وَنَهْبِهِمْ رِحَالَكَ . وَأنْتَ مُقْدَّمٌ في الهَبَوَاتِ، ومُحْتَمِلٌ للأذِيَّاتِ، قَدْ عَجِبَتْ مِنْ صَبْرِكَ مَلائِكَةُ السَّمَاوَاتِ، فَأحْدَقُوا بِكَ مِنْ كِلِّ الجِّهَاتِ، وأثْخَنُوكَ بِالجِّرَاحِ، وَحَالُوا بَيْنَكَ وَبَينَ الرَّوَاحِ، وَلَمْ يَبْقَ لَكَ نَاصِرٌ، وَأنْتَ مُحْتَسِبٌ صَابِرٌ . تَذُبُّ عَنْ نِسْوَتِكَ وَأوْلادِكَ، حَتَّى نَكَّسُوكَ عَنْ جَوَادِكَ،َ فهَوَيْتَ إِلَى الأرْضِ جَرِيْحاً، تَطَأُكَ الخُيولُ بِحَوَافِرِهَا، وَتَعْلُوكَ الطُّغَاةُ بِبَوَاتِرِها، قَدْ رَشَحَ لِلمَوْتِ جَبِيْنُكَ، واخْتَلَفَتَ بالاِنْقِبَاضِ والاِنْبِسَاطِ شِمَالُكَ وَيَمِينُكَ، تُدِيرُ طَرَفاً خَفِيّاً إلى رَحْلِكَ وَبَيْتِكَ، وَقَدْ شُغِلْتَ بِنَفسِكَ عَنْ وُلْدِكَ وَأهَالِيكَ . وَأَسْرَعَ فَرَسُكَ شَارِداً إِلَى خِيَامِكَ، قَاصِداً مُحَمْحِماً بَاكِياً، فَلَمَّا رَأَيْنَ النِّسَاءُ جَوَادَكَ مَخْزِيّاً، وَنَظَرْنَ سَرْجَكَ عَلَيهِ مَلْوِيّاً، بَرَزْنَ مِنَ الخُدُورِ[5]... وبالعَوِيلِ دَاعِيَات، وبَعْدَ العِزِّ مُذَلَّلاَت، وإِلَى مَصْرَعِكَ مُبَادِرَات، والشِّمْرُ جَالِسٌ عَلى صَدْرِكَ، وَمُولِغٌ سَيْفَهُ عَلى نَحْرِكَ، قَابِضٌ عَلى شَيْبَتِكَ بِيَدِهِ، ذَابِحٌ لَكَ بِمُهَنَّدِهِ، قَدْ سَكَنَتْ حَوَاسُّكَ، وَخفِيَتْ أنْفَاسُكَ، وَرُفِع عَلى القَنَاةِ رَأسُكَ . وَسُبِيَ أهْلُكَ كَالعَبِيدِ، وَصُفِّدُوا فِي الحَدِيْدِ، فَوقَ أقْتَابِ المطِيَّاتِ، تَلْفَحُ وُجُوهَهُمْ حَرُّ الهَاجِرَات، يُسَاقُونَ فِي البَرَارِي وَالفَلَوَاتِ، أيْدِيهم مَغْلُولَةٌ إِلَى الأعْنَاقِ، يُطَافُ بِهِم فِي الأسْوَاقِ، فالوَيْلُ للعُصَاةِ الفُسَّاقِ . لَقَد قَتَلُوا بِقَتْلِكَ الإِسْلامَ، وَعَطَّلوا الصَّلاةَ وَالصِّيَامَ، وَنَقَضُوا السُّنَنَ وَالأحْكَامَ، وَهَدَّمُوا قَوَاعِدَ الإيْمَانِ، وحَرَّفُوا آيَاتِ القُرْآنِ، وَهَمْلَجُوا فِي البَغْيِ وَالعُدْوَانِ . لَقَدْ أصْبَحَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ) مَوتُوراً، وَعَادَ كِتَابُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ مَهْجُوراً، وَغُودِرَ الحَقُّ إِذْ قُهِرْتَ مَقْهُوراً، وَفُقِدَ بِفَقْدِكَ التَّكبِيرُ وَالتهْلِيلُ، وَالتَّحْرِيمُ وَالتَّحِليلُ، وَالتَّنْزِيلُ وَالتَّأوِيلُ، وَظَهَرَ بَعْدَكَ التَّغْيِيرُ وَالتَّبدِيلُ، والإِلْحَادُ وَالتَّعطِيلُ، وَالأهْوَاءُ وَالأضَالِيلُ، وَالفِتَنُ وَالأَبَاطِيلُ . فَقَامَ نَاعِيكَ عِنْدَ قَبْرِ جَدِّكَ الرَّسُولِ (صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ)، فَنَعَاكَ إِلَيهِ بِالدَّمْعِ الهَطُولِ، قَائِلاً: يَا رَسُولَ اللهِ، قُتِلَ سِبْطُكَ وَفَتَاكَ، واسْتُبِيحَ أهْلُكَ وَحِمَاكَ، وَسُبِيَتْ بَعْدَكَ ذَرَارِيكَ، وَوَقَعَ المَحْذُورُ بِعِتْرَتِكَ وَذَويكَ . فانْزَعَجَ الرَّسُولُ، وَبَكَى قَلْبُهُ المَهُولُ، وَعَزَّاهُ بِكَ المَلائِكَةُ وَالأنْبِيَاءُ، وَفُجِعَتْ بِكَ أُمُّكَ الزَّهْرَاءُ، وَاخْتَلَفَ جُنُودُ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ، تُعَزِّي أبَاكَ أمِيرَ المُؤْمِنينَ، وأُقِيمَتْ لَكَ المَآتِمُ فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ، وَلَطَمَتْ عَلَيكَ الحُورُ العِينُ . وَبَكَتِ السَّمَاءُ وَسُكَّانُهَا، وَالجِنَانُ وَخُزَّانُهَا، وَالهِضَابُ وَأقْطَارُهَا، وَالبِحَارُ وَحِيتَانُها، وَالجِنَانُ وَولْدَانُهَا، وَالبَيتُ وَالمَقَامُ، وَالمَشْعَرُ الحَرَام، وَالحِلُّ والإِحْرَامُ . اللَّهُمَّ فَبِحُرْمَةِ هَذَا المَكَانِ المُنِيفِ، صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَتِهِم، وأدْخِلْنِي الجَنَّة بِشَفَاعَتِهِم . اللَّهُمَّ إِنِّي أتوَسَّلُ إِلَيكَ يَا أسْرَعَ الحَاسِبِينَ، وَيَا أكْرَمَ الأَكْرَمِينَ، وَيَا أحْكَمَ الحَاكِمِينَ، بِمُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ، وَرَسُولِكَ إِلَى العَالَمِينَ أجْمَعِينَ، وَبِأخِيهِ وَابْنِ عَمِّهِ الأنْزَعِ البَطِينِ، العَالِمِ المَكِينِ، عَليٍّ أمِيْرِ المُؤْمِنِينَ، وَبِفَاطِمَةَ سَيِّدَةِ نِسَاءِ العَالَمِينَ . وَبِالحَسَنِ الزَّكِيِّ عِصْمَةَ المُتَّقِينَ، وَبِأَبِي عَبْدِ اللهِ الحُسَينِ أَكَرَمِ المُستَشْهِدِينَ، وَبِأوْلاَدِهِ المَقْتُولِينَ، وَبِعِتْرَتِهِ المَظلُومِينَ . وَبِعَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ زَيْنِ العَابِدِينَ، وَبِمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قِبْلَةِ الأوَّابِينَ، وَبِجَعْفَرِ ابْنِ مُحَمَّدٍ أَصْدَقِ الصَّادِقِينَ، وَبِمُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ مُظِهِرِ البَرَاهِينَ، وَبِعَليِّ بْنِ مُوسَى نَاصِرِ الدِّينَ، وَبِمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قُدْوَةِ المُهْتَدِينَ، وَبِعَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ أزْهَدِ الزَّاهِدِينَ، وَبِالحَسَنِ بْنِ عَليٍّ وَارِثِ المُسْتَخْلفِينَ، وَبِالحُجَّةِ عَلى الخَلْقِ أجْمَعِينَ، أنْ تُصَلِّيَ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِينَ الأَبَرِّينَ، آلِ طَهَ وَيَاسِينَ، وَأنْ تَجْعَلَنِي فِي القِيَامَةِ مِنَ الآمِنِينَ المُطْمَئِنِّينَ، الفَائِزِينَ الفَرِحِينَ المُسْتَبْشِرِينَ . اللَّهُمَّ اكتُبْنِي فِي المُسْلِمِينَ، وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ، وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ، وَانْصُرْنِي عَلى البَاغِينَ، واكْفِنِي كَيْدَ الحَاسِدِينَ، وَاصْرِفْ عَنِّي مَكْرَ المَاكِرينَ، وَاقْبِضْ عَنِّي أيْدِي الظَّالِمِينَ، وَاجْمَع بَينِي وَبَينَ السَّادَةِ المَيَامِينَ فِي أعَلَى عِلِّيِّينَ، مَعَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ، وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ، بِرَحْمَتِكَ يَا أرْحَمَ الرَّاحِمِينَ . اللَّهُمَّ إِنِّي أُقْسِمُ عَلَيكَ بِنَبِيِّكَ المَعْصُومِ، وَبِحُكْمِكَ المَحْتُومِ، وَنَهْيِكَ المَكْتُومِ، وَبِهَذا القَبْرِ المَلْمُومِ، المُوَسَّدِ في كَنَفِهِ الإِمَامُ المَعْصُومُ، المَقْتُولُ المَظْلُومُ، أنْ تَكْشِفَ مَا بِي مِنَ الغُمُومِ، وَتَصْرِفَ عَنِّي شَرَّ القَدَرِ المَحْتُومِ، وَتُجِيرُنِي مِنَ النَّارِ ذَاتِ السُّمُومِ . اللَّهُمَّ جَلِّلْنِي بِنِعْمَتِكَ، وَرَضِّنِي بِقَسَمِكَ، وتَغَمَّدْنِي بـجُودِكَ وَكَرَمِكَ، وَبَاعِدْنِي مِن مَكْرِكَ وَنِقْمَتِكَ. اللَّهُمَّ اعْصِمْنِي مِنَ الزَّلَلِ، وَسَدِّدْنِي فِي القَوْلِ وَالعَمَلِ، وَافْسَحْ لِي فِي مُدَّةِ الأَجَلِ، وَاعْفِنِي مِنَ الأوْجَاعِ وَالعِلَلِ، وَبَلِّغْنِي بِمَوَالِيَّ وَبِفَضْلِكَ أَفْضَلَ الأَمَلِ . اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَاقْبَلْ تَوبَتِي، وَارْحَم عَبْرَتِي، وَأَقِلْنِي عَثْرَتي، وَنَفِّسْ كُرْبَتِي، وَاغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي، وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي . اللَّهُمَّ لا تَدَعْ لِي فِي هَذَا المَشْهَدِ المُعَظَّمِ، وَالمَحَلِّ المُكَرَّمِ، ذَنْباً إلاَّ غَفَرْتَهُ، وَلا عَيْباً إِلاَّ سَتَرْتَهُ، وَلاَ غَمّاً إلاَّ كَشَفْتَهُ، وَلاَ رِزْقاً إلاَّ بَسَطْتَهُ، وَلا جَاهاً إِلاَّ عَمَّرْتَهُ، وَلا فَسَاداً إِلاَّ أصْلَحْتَهُ، وَلاَ أمَلاً إِلاَّ بَلَّغْتَهُ، وَلا دُعَاءً إِلاَّ أجَبْتَهُ، وَلاَ مَضيقاً إلاَّ فَرَّجْتَهُ، وَلا شَمْلاً إلاَّ جَمَعْتَهُ، وَلا أمْراً إلاَّ أتْمَمْتَهُ، وَلا مَالاً إِلاَّ كَثَّرْتَهُ، وَلا خُلُقاً إلاَّ حَسَّنْتَهُ، وَلا إِنْفَاقاً إِلاَّ أخْلَفْتَهُ، وَلا حَالاً إِلاَّ عَمَّرتَهُ، وَلا حَسُوداً إِلاَّ قَمَعْتَهُ، وَلا عَدوّاً إِلاَّ أرْدَيْتَهُ، وَلا شَرّاً إِلاَّ كَفَيْتَهُ، وَلا مَرَضاً إِلاَّ شَفَيْتَهُ، ولا بَعِيداً إِلاَّ أدْنَيْتَهُ، وَلا شَعْثاً إِلاَّ لَمَمْتَهُ، وَلا سُؤالاً إِلاَّ أعْطَيْتَهُ . اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ العَاجِلَةِ، وثَوَابَ الآجِلَةِ، اللَّهُمَّ أغْنِنِي بِحَلالِكَ عَنِ الحَرَامِ، وَبِفَضْلِكَ عَنْ جَمِيعِ الأنَامِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أسْأَلُكَ عِلْماً نَافِعاً، وَقَلْباً خَاشِعاً، وَيَقِيناً شَافِياً، وَعَمَلاً زَاكِياً، وَصَبْراً جَمِيلاً، وَأجْراً جَزِيلاً . اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي شُكْرَ نِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَزِدْ فِي إحْسَانِكَ وَكَرَمِكَ إِلَيَّ، وَاجْعَلْ قَولِي فِي النَّاسِ مَسْمُوعاً، وَعَمَلي عِنْدَكَ مَرْفُوعاً، وَأثَري فِي الخَيْرَاتِ مَتْبُوعاً، وَعَدُوِّي مَقْمُوعاً، برحمتك يا أرحم الراحمين. (12) تحليل آثار واقعة الطف كان غرض الإمام الحسين (ع) في قتاله بني أمية إقامة الدين وإعلاء كلمة التوحيد، فكانت معركة الطف عبادة قصد بها وجه الله تعالى دون نية الاستيلاء على أموالهم وأنفسهم، كما هو الغالب في الحروب. ولم يبادرهم بالقتال لان الإبتداء بالقتال يعدُّ اعتداءً في عرف الدين، والاعتداء مذموم إذا لم يكن في مقابله إعتداء أولي. بل صبر على أذاهم في سبيل الله تعالى. لقد كان جهاد الحسين (ع) في الطف احياءً لدين الله، كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ...)[6]، فسمى الجهاد والقتال الذي يدعى له المؤمنون محيياً لهم ولدينهم. وخرج الحسين (ع) بعياله لأنه كان يعلم يقيناً: أ- ان فصول واقعة الطف لا تكتمل إلا ببيان فصيح وجنان ثابت يعرّفان الأمة بما حصل يوم عاشوراء، فكانت زينب وأم كلثوم وفاطمة عليهم السلام. ب- ان الله عزّ وجلّ منع هؤلاء الطغاة من مد يد السوء إلى النساء، وقد خاطبهن قبل استشهاده: (...واعلموا ان الله حاميكم وحافظكم وسينجيكم من شر الاعداء ويجعل عاقبة أمركم إلى خير). وكان سلوك الإمام (ع) في الواقعة وقبلها يكشف عن منـزلته العليا في الإسلام، ودرجة ثقته بالله عزّ وجلّ ومبلغه في العلم، وحلمه، وثباته على مبدأه في إحقاق الحق وإزهاق الباطل. وكان أصحاب الحسين (ع) عصبةَ حقٍ لم يثنها شيء في القتال في سبيل الله، في وقت انقطعت بهم الوسائل من قلة الناصر وخذلان الصديق. (13) آية التهلكة والإقدام على القتل ويُطرح في المقام سؤال مهم وهو: هل ان اقدام الحسين (ع) على منازلة الأعداء يعدُّ من باب الإلقاء في التهلكة التي نهى عنها القرآن الكريم؟ والجواب على هذا السؤال يتطلب عرض نتيجة من ثلاث مقدمات: المقدمة الأولى: هي ان إقدام الإمام (ع) على الشهادة لا يعني إزهاق نفسه وإلقائها في التهلكة الممنوع عنها في الشريعة. فالشهادة أو القتل في سبيل الله تعالى يعني أن هناك مصلحة مرجحة أعظم من بقاء النفس على قيد الحياة، كما يحصل ذلك في الجهاد الديني والدفاع عن العرض والشرف. والإبقاء على النفس انما يجب إذا لم يقابل بمصلحة أهم من حفظ النفس. والمصلحة الأهم هنا هي حفظ الدين، وتلك المصلحة أهم قطعاً من حفظ النفس، خصوصاً إذا انحصرت في إنسانٍ بعينه. وقد أمر الله سبحانه الأنبياء والرسل والمؤمنين بالجهاد وطلب الشهادة والقتل في سبيل الله، فقال: (وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ...)[7]. وأثنى على المؤمنين المجاهدين في سبيل الله: (إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)[8]، وقال تعالى: (وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ)[9]، (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ...)[10]. وهكذا قال رسول الله (ص): (أفضل الشهداء حمزة، ورجل تكلم بكلمة حق عند سلطان جائر فقتله)[11]. بل (جوز بعض العلماء ان يحمل الرجل على الجيش العظيم طالباً للشهادة ولا يكون هذا من الإلقاء بالتهلكة لأن الله تعالى يقول: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ...) خصوصاً إذا أوجب الإقدام تأكد عزم المسلمين حين يرون واحداً منهم قابل الالوف)[12]. وتعبدت طائفة من بني اسرائيل بقتل انفسهم فقال عزّ وجلّ: (...فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ...)[13]. فكان الأمر الالهي بقتل الذين عبدوا العجل أنفسهم، أحب عند الله من وجودهم على قيد الحياة. ولكن التوبة الالهية نزلت عليهم قبل ان يقتل جميع من عَبدَ العجل منهم، فكان الأمر أمراً امتحانياً. وعلى أية حال، فان الأمر الالهي بقتل النفس كان مرادفاً للتوبة. المقدمة الثانية: هي ان قوله تعالى: (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ. وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)[14]. وهذه الآية تضع ضوابط الحرب وتأمر المسلمين بإنفاق المال لإقامة القتال في سبيل الله. وتقييد إنفاق المال في سبيل الله نظير تقييد القتال بكونه في سبيل الله. والمعنى ان الله عزّ وجلّ نهى عن كل ما يوجب الهلاك من إفراط أو تفريط، ولاشك ان البخل أو الإمساك عن بذل المال عند القتال يوجب اضعاف القوة وذوبان القدرة، وفيه هلاك المؤمنين بظهور العدو عليهم. فالنهي هنا هو نهي عن البخل عند القتال، لأن القتال يستوجب بذل المال بسخاء. وهذه الآية خارجة عن موضع البحث، ولا يمكن الاستدلال بها على ان خروجه (ع) قد وضعه موضع التهلكة. المقدمة الثالثة: ان إقدام الإمام (ع) على هلاك النفس – ظاهراً- انما هو من باب طاعة الله عزّ وجلّ وامتثال التكليف الموجّه إليه (ع) خاصة، فلا يتطرق إلى ساحة علمه نقصٌ، ولا يفسر إقدامه على ما فيه الهلكة بما ينافي العقل. فالإقدام على القتل من قبل ائمة الهدى الطاهرين (ع) لا جهلاً منهم بما صنعه السلطان الظالم، بل هم على يقين من ذلك. وانقيادهم للحكم الالهي الخاص بهم هو امتثال جميع أوامر الله عزّ وجلّ من واجبات. قال الفقهاء ان العقل حاكم بلزوم انقياد العبيد لأوامر المولى والانزجار عن نواهيه من دون إلزام بمعرفة المصلحة أو المفسدة الباعثة على الحكم، وقد قال تعالى: (لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ)[15]. نعم إذا علم الإمام (ع) بتأخر القضاء مع اشتداد الفتك به من قبل العدو، قام بالدعاء لله عزّ وجلّ واشتكى إلى جده النبي محمد (ص) ليدفع عنه ذلك الضرر. وإلى ذلك أشار الباقر (ع): (نحن أهلُ بيتٍ إذا أكربنا أمر وتخوفنا من شر السلطان قلنا يا كائناً قبل كل شيء ويا ملكوت كل شيء صلِّ على محمدٍ وأهل بيته وافعل بي كذا وكذا)[16]. ولما أتى ابن ملجم يبايع أمير المؤمنين (ع) وولى، قال (ع): (من أراد ان ينظر إلى قاتلي فلينظر إلى هذا). فقيل له: ألا تقتله! قال (ع): (واعجبا تريدون ان اقتل قاتلي)[17]. يشير بذلك إلى ان قتله كان أمراً مبرماً وقضاءً محتوماً، ولا يقدر على نقض الإرادة الالهية وحلّ ما اُبرم من التقدير. وقد أشار الإمام الصادق (ع) إلى (ان الائمة (ع) لو ألحّوا على الله في هلاك الطواغيت لأجابهم سبحانه وتعالى وكان عليه أهون من سلك فيه خرز انقطع فذهب، ولكن لا نريد غير ما أراده الله تعالى)[18]. النتيجة: ان الإمام (ع) يعلم بان الله سبحانه قد أعدَّ له منـزلة رفيعة وشرفاً خالداً لا يناله إلا بالشهادة وإزهاق النفس، ولذلك أصبح قيد اشارة المولى عزّ وجل ليضحي بحياته (ع) اختياراً. وتؤيد ذلك رواية عن الإمام الباقر (ع). يقول له أحد أصحابه وهو حمران: (يا ابن رسول الله أرأيت ما كان من قيام أمير المؤمنين والحسن والحسين وخروجهم وقيامهم وما اصيبوا به من قبل الطواغيت والظفر بهم حتى قتلوا وغلبوا؟). فيقول له الإمام (ع): (يا حمران ان الله تبارك وتعالى قدر ذلك عليهم وقضاه وأمضاه وحتمه على سبيل الاختيار ثم أجراه عليهم، فبتقدم علم إليهم من رسول الله (ص) قام علي والحسن والحسين، وبعلم منه صمتَ من صمتَ منا. ولو أرادوا ان يدفع الله تعالى عنهم وألحوا عليه في إزالة ملك الطواغيت لكان ذلك أسرع من سلك منظوم انقطع فتبدد. وما أصابهم ليس لذنب اقترفوه، ولا لمعصية خالفوا الله فيها، ولكن لمنازل وكرامة من الله أراد أن يبلغهم إياها، فلا تذهبن بك المذاهب يا حمران)[19]. وهذا يعني ان إقدامهم على الشهادة كان طاعة لأوامر المولى الخاصة بهم وانقياداً لتكليفه بلا جبـر من الله لهم في شيء من ذلك، بل هم مختارون فيه كاختيار غيرهم في جميع التكاليف. وهذا يعني انهم اظهروا تسليماً كاملاً للقضاء المحتوم والأجل المبرم، ولم يتوسلوا إلى الله في إزاحة العلّة. بل لما ايقنوا بالقضاء، تقدموا لنيل الشهادة. والشهادة هي أعلى درجات الموت وأشرفها. وقد ورد عن أئمة أهل البيت (ع): (ما منا إلا مسمومٌ أو مقتول). وإلى ذلك أشار صاحب (الحدائق) إلى: (ان رضاهم بما ينـزل بهم من القتل بالسيف أو السم، وكذا مايقع بهم من الهوان على ايدي أعدائهم الظالمين مع كونهم عالمين قادرين على دفعه، إنما هو لما علموه من كونه مرضياً له سبحانه وتعالى ومختاراً بالنسبة إليهم وموجباً للقرب من حضرة قدسه. فلا يكون من قبيل الالقاء باليد إلى التهلكة الذي حرمته الآية، إذ هو ما اقترن بالنهي عن الشارع نهي تحريم، وهذا مما علم رضاه به واختياره له، فهو على النقيض من ذلك. إلا انه ربما ينـزل بهم شيء من تلك المحذورات قبل الوقت المعدود والأجل المحدود، فلا يصل إليهم منه شيء من الضرر ولا يتعقبه المحذور والخطر، فربما امتنعوا منه ظاهراً وربما احتجبوا منه باطناً، وربما دعوا الله في رفعه عنهم حيث علموا انه غير مراد الله سبحانه في حقهم ولا مقدر عليهم حتماً. وبالجملة أنهم عليهم السلام يدورون مدار ما علموه من الاقضية والاقدار وما اختاره لهم القادر القهار المختار)[20]. (14) قضية الخروج بالعيال خرج الإمام الحسين (ع) بعياله وأصحابه إلى الكوفة، ولكنه اُجبر على المسير إلى كربلاء حيث وقعت الواقعة المأساة. فكيف حمل عياله معه وهو يعلم انه مقدمٌ على القتل؟ يجاب على هذا السؤال بثلاثة طرق: الأول: إذا آمنا بان علمه (ع) يشمل أموراً مستقبلية بإرادة الله تعالى، وان سيرته في الحياة الدنيوية كانت لمصالح واقعية، وان عصمته في أقواله وأفعاله هي من خصائصه كإمام، كان علينا اذن التصديق بان ما صدر منه كان ناشئاً عن حكمة ربانية ومصلحة إلهية لا يتطرق إليها الشك. أي اننا لا ندرك أحياناً الاغراض الباعثة على تلك الافعال الصادرة منه. ويكون علينا التسليم والاذعان لحكمة نجهل بواعثها، ولا يلزم العبد أكثر من طاعة سيده ومولاه. الثاني: انه لما علم بانه مقتول لا محالة كما قرأنا من النصوص الواردة في الفصل الأول، قرر ان لا تذهب تلك التضحية هدراً. فكان لابد من لسان ذرب وجنان ثابت يعرّفان الناس بما حصل يوم الطف من اعتداء على ذرية النبي (ص) وحرمته. فقامت حرائر النبوة (ع) بتعريف الناس بأهداف الحسين (ع) وشهداء الطف وهو إحياء شريعة محمد (ص)، فزينب (ع) ابنة أمير المؤمنين (ع) كانت على جانب عظيم من الثبات والطمأنينة لم يرعها الأسر وذلّ المنفى وصراخ الاطفال وانين الثكالى، فقامت بوجه عبيد الله بن زياد قائلة: (هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاج وتخاصم فانظر لمن الفلج...). ولعل نهوض زينب (ع) بالأمر بعد مقتل أخيها الحسين (ع) كان بسبب انحصار إقامة الحجة بِها، لغياب الرجال عدا زين العابدين (ع). ولولا قيامها لاندرس دين محمد (ص) واصبحت واقعة كربلاء غير مكتملة الفصول. الثالث: ان الحسين (ع) كان لديه علمٌ عن رسول الله (ص) وأبيه علي (ع) بان هؤلاء وإن بلغوا الغاية في القتل والجرح وعدم الرحمة، إلا انهم لا يستطيعون مد يد السوء إلى النساء، لأمر رباني. وقد خاطب الحسين (ع) نساءه بالقول: (البسوا ازركم واستعدوا للبلاء واعلموا ان الله حاميكم وحافظكم وسينجيكم من شر الأعداء ويجعل عاقبة أمركم إلى خير، ويعذب أعاديكم بأنواع العذاب ويعوضكم عن هذه البلية بأنواع النعم والكرامة! فلا تشكوا ولا تقولوا بألسنتكم ما ينقص من قدركم). والمرأة وإن وضع عنها الجهاد بالسيف، إلا ان الجهاد بالكلمة جائز لها شرعاً ويؤيده العرف ويستحسنه العقل. (15) سلوك الإمام (ع) ليلة عاشوراء ونهارها وسلوك الحسين (ع) في الطف كان سلوكاً متميزاً، حكيماً هادئاً قوياً في الله، ثابتاً في الشدائد، ذاكراً الله عزّ وجلّ في كل موقف. ويمكن تشخيص بعض المواقف المهمة في تلك الفترة الحرجة من الواقعة: 1- لم يبدأ بقتال القوم، بل نهى أصحابه عن الاستعجال في الحرب حتى تكتمل الحجة، وتكون الفرقة المقابلة لهم هي العادية بقتال المؤمنين. وهذا مهم في عرف المبادئ، لأن الحجة إذا ثبتت تميز الحق من الباطل. 2- قام (ع) بمخاطبة الناس وعرّفهم بان هذه الدنيا حياة فانية لا تعود على الإنسان إلا بالخيبة. ثم عرفهم بنفسه ومنـزلته في الإسلام وشهادة رسول الله (ص) له ولأخيه الحسن بأنهما سيدا شباب أهل الجنة؛ ثم قال لهم بانه مستعد لاداء ما لهم عنده من مال أو دَيْن. ثم أرشدهم إلى القرآن الكريم ودعاهم إلى حكمه. ولما تيقن من عنادهم ومكابرتهم قال: (ألا وإن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون وحجور طابت وطهرت وانوف حمية ونفوس أبية من أن تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام ألا واني زاحف بهذه الاسرة على قلة العدد وخذلان الناصر). 3- كان مشهد القتال في كربلاء استثناءً لكل موازين الحرب والقتال في التاريخ. فالمعروف ان الدين ألزم المؤمنين بجهاد المشركين، إلا انه أباح للمرأة ترك الجهاد، ولم يأمر الصبي والقاصر والشيخ الكبير والقاعد والبالغ الذي لم يأذن له أبواه بالجهاد. إلا ان المشهد الدامي يوم عاشوراء كان استثناءً، فقُتِلَ الرضيع بين يدي الحسين (ع)، وقُتِلَ الصبي القاصر والمرأة العجوز والشيخ الكبير. كل ذلك والحسين (ع) صابر على ما ألمَّ به وبأهله وأصحابه. ولكن سياسة الحسين (ع) بالدفاع عن الدين عن طريق الاستشهاد كانت سياسة أبدية سرمدية، أدركتها الاجيال بعد أحقاب. 4- منح الحسين (ع) في ليلة عاشوراء أهل بيته وصحبه رخصة المفارقة، فقال: (اني لا أعلم أصحاباً أولى ولا خيراً من أصحابي ولا أهل بيتٍ أبرّ وأوصل من أهل بيتي فجزاكم الله عني جميعاً. الا واني أظن يومنا من هؤلاء غداً واني قد رأيت لكم فانطلقوا جميعاً في حلّ ليس عليكم مني ذمام، وهذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً. وليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي! فجزاكم الله جميعاً خيراً وتفرقوا في سوادكم ومدائنكم، فان القوم إنما يطلبوني ولو اصابوني لذهلوا عن طلب غيري)[21]. لكنهم رفضوا تلك الرخصة وفضلوا الموت مع سيد الشهداء (ع). فكشف ذلك عن مبلغهم في العلم واليقين وتفاضلهم في الملكات وثباتهم على المبدأ الذي ساروا عليه من البداية. وإذا كان ذلك اختباراً لهم من قبل الحسين (ع)، فقد نجحوا في الاختبار، وفازوا في الامتحان. ذلك لو كانت لهم رغبة في البقاء في الدنيا لاحتجوا بأن الحسين (ع) قد اذن لهم. ولكن نفوسهم الطاهرة كانت لا ترغب في البقاء إلا ان يحق الحق ويبطل الباطل. (16) بطولة أصحاب الحسين (ع) وجد الحسين (ع) في أصحابه وأهل بيته من الرجال من كان متفانياً في الجهاد معه، والذب عن شريعة سيد المرسلين (ص)، فخاطبهم بقوله (ع): (اني لا أجدُ أصحاباً أوفى من أصحابي، ولا أهل بيت أبر وأوصل من أهل بيتي)[22]. فكانت تلك العصبة عصبة حق لم يثنِ من عزمها شيء، وقد انقطعت بهم الوسائل من الناصر وقلته إلى الماء وشحته، ومن صراخ الاطفال إلى أنين النساء. إلا انهم تلقوا كل ذلك بصدر رحيب وإيمان عجيب. ولقد أجاد من قال فيهم[23]: لو لم تكن جمعت كل العلا فينا** لكان ما كان يوم الطف يكفينا يوم نهضنا كامثال الاسود به** واقبلت كالدبا زحفاً أعادينا جاؤا بسبعين الفاً سل بقيتهم** هل قابلونا وقد جئنا بسبعينا وقيل لرجل شهد الطف مع عمر بن سعد: ويحك اقتلتم ذرية الرسول؟! فقال: (عضضت بالجندل، انك لو شهدت ما شهدنا لفعلت ما فعلنا، ثارت علينا عصابة ايديها على مقابض سيوفها، كالاسود الضارية تحطم الفرسان يميناً وشمالاً، تلقي نفسها على الموت، لا تقبل الأمان، ولا ترغب في المال، ولا يحول حائل بينها وبين المنية أو الاستيلاء على الملك. فلو كففنا عنها رويداً لأتت على نفوس العسكر بحذافيرها، فما كنا فاعلين)[24]. أجل، فقد كانت تلك العصبة متفانية في الدفاع عن دينها والذب عن إمامها المظلوم (ع). (17) جواز الخروج على الحاكم الظالم لم تصح خلافة يزيد بن معاوية على المسلمين لعدة أسباب: الأول: لم يعرف عن يزيد التقوى ولا الصلاح، بل كان فاسقاً شارباً للخمر. ويؤيد ذلك شهادة وفد المدينة المرسل من قبل واليها عثمان بن محمد بن أبي سفيان. فقد بعث والي المدينة وفداً من وجهائها بينهم: عبد الله بن حنظلة، وعبد الله بن أبي عمرو، والمنذر بن الزبير وغيرهم لتثبيت ميولهم نحو الخلافة الأموية عبر النيل من هدايا السلطان. إلا انهم رجعوا – على الرغم من كل ما أغدق عليهم من جوائز وهدايا- وهم ناقمون على يزيد لما شاهدوا من استهتاره وفسقه ومجونه. وقالوا: (قدمنا من عند رجل ليس له دين، يشرب الخمر، ويضرب بالطنابير، وتعزف عنده القيان، ويلعب بالكلاب، ويسمر عنده الحراب)[25]. وقال عبد الله بن حنظلة: (والله ما خرجنا على يزيد حتى خفنا أن نرمى بالحجارة من السماء. إنه رجل ينكح الأمهات والبنات، ويشرب الخمر، ويدع الصلاة. والله لو لم يكن معي أحد من الناس لأبليت فيه بلاءً حسناً)[26]. وقال المنذر بن الزبير: (ان يزيد قد أجازني بمائة ألف، ولا يمنعني ما صنع بي، أن أخبركم خبره، والله إنه ليشرب الخمر، والله لأنه ليسكر حتى يدع الصلاة)[27]. وإمامة المسلمين تتطلب لياقات دينية واخلاقية، وتقوى، وعلم، وعدالة، وعفة. الثاني: الاحاديث المتواترة عن رسول الله (ص) التي ادانت حكم الأمويين، ومنها: أ- قوله (ص): (لا يزال أمر أمتي قائماً بالقسط حتى يكون أول من يثلمه رجل من بني أمية يقال له يزيد)[28]. ب- وقوله (ص): (أول من يبدل سنتي رجل من بني أمية يقال له يزيد)[29]. ج- وقوله (ص): (إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه)[30]. د- وفي كتاب الفتن من صحيح البخاري عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله (ص) يقول: (هلكةُ أمتي على يدي غلمة من قريش). قال ابن حجر في شرح الحديث[31] كان أبو هريرة يمشي في السوق ويقول: اللهم لا تدركني سنة ستين ولا امارة الصبيان. قال ابن حجر: أشار بذلك إلى خلافة يزيد فانها في سنة ستين ولم يتعقبه. ولكننا نرى في التاريخ من يهمل تلك الروايات ويزعم بان (الحسين قتل بسيف جده لأنه خرج على إمام زمانه يزيد بعد أن تمت البيعة له وكملت شروط الخلافة باجماع أهل الحل والعقد ولم يظهر منه ما يشينه ويزري به)[32]. ويضيف: (قال رسول الله (ص): ستكون هنّات، فمن أراد ان يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائناً من كان، فما خرج عليه أحد إلا بتأويل ولا قاتلوه إلا بما سمعوا من جده صلى الله عليه وسلم)[33]. هذا ما قاله ابن العربي المالكي. وكان ابن العربي متطرفاً في مناصرة خلافة يزيد، وقد ردّه من هو على مذهب السنة والجماعة كابن خلدون، فقال: (غَلَطَ ابن العربي المالكي إذ قال في كتابه العواصم والقواصم ان الحسين قتل بسيفِ شرعه، غفلة عن اشتراط الإمام العادل في الخلافة الإسلامية، ومن أعدل من الحسين في زمانه وإمامته وعدالته في قتال أهل الآراء)[34]. وكيف تصح خلافة يزيد: أ- وقد انكر الإمام الحسين (ع) صحة خلافته لأنه كان فاسقاً مرتكباً للمحرمات كشرب الخمر والزنا كما ذكر ذلك وفد المدينة. بل ان اشتراط العدالة في الخلافة، من اجماعات المسلمين. ب- لم يكن يزيد عالماً باحكام الشريعة، فكيف تصح إمامة الجاهل للمسلمين، وفيهم من هو أعلم منه. ج- لم يدع الإمام الحسين (ع) معاوية يتمادى في إطراء ابنه يزيد. فقد رفض الحسين (ع) تزويج أم كلثوم بنت عبد الله بن جعفر ليزيد عندما خطبها، وقال: (وأما قولك: العجبُ ليزيد كيف يستمهر؟ فقد استمهر من هو خيرٌ من يزيد ومن أب يزيد ومن جدِّ يزيد)[35]. وفي رسالته إلى معاوية يدينه فيها على أخذ البيعة: (...وأخذك الناسَ ببيعةِ ابنكَ غُلامٍ حدثٍ، يشربُ الخمرَ ويلعبُ بالكلاب...)[36]. وفي مخاطبته لعتبة بن أبي سفيان عندما أراد البيعة ليزيد: (...ولقد سمعتُ جدي رسول الله (ص) يقول: (ان الخلافة محرمةٌ على ولدِ أبي سفيان)، وكيف أبايعُ أهلَ بيتٍ قد قال فيهم رسولُ الله (ص) هذا؟)[37]. قال ابن مفلح الحنبلي: (جوّز ابن عقيل وابن الجوزي الخروج على الإمام غير العادل بدليل خروج الحسين على يزيد لإقامة الحق. وذكره ابن الجوزي في كتابه "السر المصون" من الاعتقادات العامية التي غلبت على جماعة من المنتسبين إلى السنّة، انهم قالوا كان يزيد على الصواب والحسين مخطئ في الخروج عليه. ولو نظروا في السير، لعلموا كيف عقدت البيعة له والزمَ الناسُ بها. ولقد فعل مع الناس في ذلك كل قبيح. ثم لو قدرنا صحة خلافته فقد بدرت منه بوادر وظهرت منه أمور كل منها يوجب فسخ ذلك العقد من نهب المدينة ورمي الكعبة بالمنجنيق وقتل الحسين وأهل بيته وضربه على ثناياه بالقضيب وحمل رأسه على خشبة، وإنما يميل إلى هذا جاهل بالسيرة عامي المذهب يظن انه يغيظ بذلك الرافضة)[38]. (18) علماء المذاهب وشخصية يزيد أدان علماء المذاهب سلوك يزيد، لأنه كان فاسقاً ظالماً هتك حرمة النبي (ص) وعترته الطاهرين. فقال العلامة الآلوسي في تفسير آية (فهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ. أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ)[39]: (...لا أظن ان أمره كان خافياً على أجلّة المسلمين إذ ذاك، ولكن كانوا مغلوبين مقهورين ولم يسعهم إلا الصبر... وفي تاريخ ابن الوردي وكتاب الوافي بالوفيات: لما ورد على يزيد نساء الحسين وأطفاله والرؤوس على الرماح وقد أشرف على ثنية جيرون ونعب الغراب قال: لما بدت تلك الحمول وأشرقت** تلك الشموس على ربى جيروني نعب الغراب فقلت قل أو لا تقل** فلقد قضيت من النبي ديوني يعني انه قتل بمن قتله رسول الله (ص) يوم بدر كجده عتبة وخاله ولد عتبة وغيرهما وهذا كفر صريح، فإذا صح عنه فقد كفر به، ومثله تمثله بقول عبد الله بن الزبعرى قبل اسلامه (ليت أشياخي) الابيات)[40]. وذكر ابن خلدون (الإجماع على فسق يزيد، ومعه لا يكون صالحاً للإمامة، ومن أجله كان الحسين (ع) يرى من المتعين الخروج عليه، وقعود الصحابة والتابعين عن نصرة الحسين لا لعدم تصويب فعله بل لانهم يرون عدم جواز إراقة الدماء فلا يجوز نصرة يزيد بقتال الحسين، بل قتله من فعلات يزيد المؤكدة لفسقه والحسين فيها شهيد)[41]. وأيده التفتازاني بالقول: (الحق ان رضا يزيد بقتل الحسين واستبشاره به واهانته أهل بيت النبي (ص) مما تواتر معناه ...)[42]. بينما اعتبر ابن حزم ان قيام يزيد بن معاوية بذبح الحسين (ع) وسبي عياله انما كان (لغرض دنيا فقط. فلا تأويل له، وهو بغي مجرد)[43]. وشكك الشوكاني في سلوك بعض أهل العلم وقال: (لقد أفرط بعض أهل العلم فحكموا بأن الحسين السبط رضي الله عنه وأرضاه باغٍ على الخمّير السكّير الهاتك لحرمة الشريعة المطهرة يزيد بن معاوية، فيا للعجب من مقالات تقشعر منها الجلود ويتصدع من سماعها كل جلمود)[44]. وفي الرسالة الحادية عشرة من رسائله أشار الجاحظ إلى: (ان المنكرات التي اقترفها يزيد من قتل الحسين وحمله بنات رسول الله (ص) سبايا وقرعه ثنايا الحسين بالعود وإخافته أهل المدينة وهدم الكعبة، تدلّ على القسوة والغلظة والنصب وسوء الرأي والحقد والبغضاء والنفاق والخروج عن الإيمان...)[45]. واستنكر الذهبي في (سير اعلام النبلاء) سلوك يزيد وقال: (كان يزيد بن معاوية ناصبياً فظاً غليظاً جلفاً يتناول المسكر ويفعل المنكر، افتتح دولته بقتل الشهيد الحسين وختمها بواقعة الحرة فمقته الناس ولم يبارك في عمره)[46]. واستشهد محمد عبده في (تفسير المنار) بخروج الإمام الحسين على يزيد بكونه دليلاً شرعياً على وجوب الخروج على الحاكم الظالم، فقال: (إذا وجد في الدنيا حكومة عادلة تقيم الشرع وحكومة جائرة تعطله وجب على كل مسلم نصر الأولى. ومن هذا الباب خروج الإمام الحسين سبط الرسول (ص) على إمام الجور والبغي الذي ولي أمر المسلمين بالقوة والمكر يزيد بن معاوية)[47]. ولم يصحح إمامته إلا الشواذ. فقد أفتى عبد الغني المقدسي حين سئل عن يزيد فقال: (خلافته صحيحة لأن ستين صحابياً بايعه منهم ابن عمر ومن لم يحبه لا ينكر عليه لأنه ليس من الصحابة، وانما يمنع من لعنه خوفاً من التسلق إلى أبيه وسداً لباب الفتنة)[48]. وأنكر ابن حجر رضا يزيد بقتل الحسين (ع) أو أنه أمر به[49]، مع تواتر الأخبار برضاه وسروره بذلك. فقال ابن جرير والسيوطي: (لما قتل الحسين سرّ يزيد بمقتله وحسنت حال ابن زياد عنده)[50]. وقال الخوارزمي: (قال يزيد للنعمان ابن بشير الحمد لله الذي قتل الحسين)[51]. والأهم من ذلك كتاب يزيد إلى واليه على المدينة الوليد بن عتبة بأخذ البيعة من أهلها عامة وارفاقه ملحقاً منفصلاً بإلزام الحسين (ع) بالبيعة وإن أبى فاضرب عنقه وابعث إلي برأسه[52]. وبالإجمال فان التاريخ لا يبخل علينا بالعلماء الاحرار من المذاهب الاربعة ممن أدان يزيد بن معاوية على ما سلطه من قتل وسلب وسبي وغلظة وفضاضة بحق آل النبي (ص) وعترته الذين طهرهم الله تعالى في القرآن الكريم. ومافعله بابن بنت نبينا محمد (ص)، وحمله آل رسول الله (ص) سبايا إلى الشام على أقتاب الجمال، وتجريه على آل الرسول (ص) لا يفعله مسلم مهما كان مذهبه. فمقتته الأمة بعلمائها وأعلامها. كيف لا، والحسين (ع) ريحانة رسول الله (ص) وسيد شباب أهل الجنة، أمه سيدة نساء العالمين وأبوه وصي رسول رب العالمين، وهو خامس أصحاب الكساء، وعديل القرآن الكريم في حديث الثقلين. (19) خلود ذكر الحسين (ع) إلى يوم القيامة كانت نهضة الحسين (ع) جزءً من أجزاء العلّة التامة في تثبيت رسالة الإسلام إلى الناس. وبذلك بقيت واقعة الطف حية نابضة بالحياة إلى يوم القيامة. وقد حثّ أئمة أهل البيت (ع) على ابقاء جذوة مظلومية الحسين (ع) مشتعلة في كل مكان وزمان عبر وسائل فعالة مرتبطة بحياة الإنسان الشخصية والإجتماعية، ومنها: أ- مجالس الحسين (ع): ان اطلاق الاخبار الواردة عن أهل البيت (ع) يفيد باستحباب عقد المحافل للتذكير بفاجعة الطف، ومن تلك الأخبار: 1- عن الإمام الرضا (ع): (من ذكّر بمصابنا فبكى وابكى، لم تبكِ عينه يوم تعمى العيون)[53]. 2- وعن الإمام الصادق (ع): (من ذَكَرَنا أو ذُكِرْنا عنده فخرج من عينه مثل جناح الذباب غفر الله ذنوبه)[54]. 3- وعن الإمام الباقر (ع) في كلامه للمحبّ لأهل البيت (ع): (في يوم عاشوراء وليندب الحسين ويبكيه ويأمر من في داره بالبكاء عليه ويقيم في داره مصيبته باظهار الجزع عليه). وفي كلامه عن الجماعة: (ويتلاقون بالبكاء عليه بعضهم بعضاً في البيوت وليعزّ بعضهم بعضاً بمصاب الحسين)[55]. والظاهر من كلامه (ع): (من ذكّر بمصابنا...) مطلق وسائل التذكير، بمعنى أي وسيلة كانت من وسائل التذكير بمصاب الحسين (ع) كالمأتم والتعزية والمحاضرة والكتاب والشعر وبذل المال لأجله، كلُّ ذلك جامعٌ لذلك اللفظ. وتلك المجالس تبقي الرابطة الدينية لحفظ المذهب قوية وفاعلة، وقد تحرى أهل البيت (ع) مختلف أساليب البيان للتعبير عن ذلك. يشير الإمام الباقر (ع) إلى ذلك ويقول: (ما اجتمع اثنان على ذكرنا إلا باهى الله بهما الملائكة فإذا اجتمعتم فاشتغلوا بالذكر فان اجتماعكم ومذاكرتكم احياؤنا، وخير الناس بعدنا من ذاكر بأمرنا ودعا إلى ذكرنا)، و(رحم الله عبداً اجتمع مع آخر فتذاكر في أمرنا فان ثالثهما ملك يستغفر لهما). ويقول الصادق (ع) للفضيل بن يسار: (أتجلسون وتتحدثون!). قال: نعم. فقال (ع): (أما اني أحب تلك المجالس فاحيوا أمرنا فان من جلس مجلساً يحيي فيه أمرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب). ب- البكاء على الحسين (ع): لاشك ان البكاء يعبّر عن حالة تأثر النفس وانفعالها بما يصيبها أو بما يصيب من يمت لها بصلة. وإلى ذلك أمر الحسين (ع) محبيه بالاستعبار، فقال (ع): (أنا قتيل العبرة لا يذكرني مؤمن إلا استعبـر)[56]. والبكاء أثر من آثار التفكر في مصيبة كربلاء، ويترتب عليه حمل الباكي على الالتزام بشريعة سيد المرسلين (ص). والصلة بين ذكر مقتله (ع) والبكاء عليه، تثمر في بقاء الدين غضاً طرياً متجدداً، وكأن الواقعة قد حصلت للتو. ومن مقتضيات البكاء رقة القلب. ورقة القلب تلك تؤدي بالإنسان إلى الخشوع لله تعالى والتسليم والإذعان لأوامره ونواهيه. والتباكي هو استحضار الإرادة للبكاء حتى لو لم تنهمر الدموع. وقيل ان التباكي هو تكلف البكاء لا عن رياء[57]. وقد ورد الحثّ على البكاء والتباكي عند ذكر الآخرة وذكر مقتل الحسين (ع)، ومنها: 1- في الحديث عن النبي (ص): (إني قارىء عليكم ألهاكم التكاثر، من بكى فله الجنة ومن تباكى فله الجنة)[58]. 2- وفي الحديث انه (ص) قرأ أواخر سورة الزمر: (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا...)[59] على جماعة من الانصار فبكوا إلا شاباً منهم، قال: (لم تقطر من عيني قطرة واني تباكيت). فقال (ص): (من تباكى فله الجنة)[60]. 3- وحدث أبو ذر الغفاري عن النبي (ص): (إذا استطاع أحدكم أن يبكي فليبك ومن لم يستطع فليستشعر قلبه الحزن وليتباك فان القلب القاسي بعيد عن الله)[61]. واما بخصوص البكاء على الحسين (ع)، فقد ورد: 1- أوصى الإمام الباقر (ع) باعطاء ثمانمائة درهم لنوادب يندبن الحسين (ع) بمنى أيام الموسم[62]. وفي ايام منى وهي ثلاثة أيام يجتمع الحجيج بعد انتهاء مناسكهم على عرفات والمشعر، فتكون فترة من فترات التأمل والتفكر. وفي ذلك أعظم وسيلة لنشر واقعة الطف ونتائجها بين المسلمين. 2- وفي حديث الإمام الباقر (ع) إلى حماد الكوفي: (الحمد لله الذي جعل في شيعتنا من يفد إلينا ويمدحنا ويرثي لنا)[63]. 3- وفي وصيته لابنه زين العابدين (ع): (...فقل لهم: ان أبي مات غريباً فاندبوه، ومضى شهيداً فابكوه)[64]. 4- قال (ع): (ما من عبد قطرت عيناه فينا قطرة، أو دمعت عيناه فينا دمعة إلا بوأه الله بها في الجنة حقباً). قال أحمد بن يحيى ألأودي: فرأيت الحسين بن علي (ع) في المنام فقلت: حدثني مخول بن إبراهيم، عن الربيع بن المنذر، عن أبيه، عنك أنك قلت: ما من عبد قطرت عيناه فينا أو دمعت عيناه فينا دمعة إلا بوأه الله بـها في الجنة حقباً؟ قال (ع): نعم. قلت: سقط الإسناد بيني وبينك[65]. 5- وفي تفسير علي بن إبراهيم عن الباقر (ع) قال: كان أبي علي بن الحسين (ع) يقول: (أي مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين (ع) ومن معه حتى تسيل على خده بوأه الله في الجنة غرفاً، وبوأه الله مبوء صدق. وأي مؤمن مسه أذى فينا فدمعت عيناه من مضاضة ما أوذي فينا صرف الله عن وجهه الأذى وآمنه يوم القيامة من سخطه من النار). ج- السجود على التربة الحسينية: ورد عن النبي (ص) قوله: (لقد جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً)[66]، فالسجود في صلاةٍ واجبةٍ أو مستحبةٍ لا يتم إلا على أرض طاهرة. ومن الاساليب التي اتبعها ائمة أهل البيت (ع) للتعريف بمظلومية سيد الشهداء (ع) هو أمرهم بالسجود على تربة طاهرة من كربلاء. وتلك تربة طهرها الله عزّ وجلّ بدماء سيد الشهداء وأهل بيته وأصحابه، فهم "سادة الشهداء لا يسبقهم سابق ولا يلحقهم لاحق"[67]. وكان صحابة رسول الله (ص) يسجدون على الحصى، وكانت حرارة الطقس تدفعهم أحياناً إلى الاحتفاظ بالحصى لحين موعد صلاتهم، ومنهم: جابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عمر. يقول جابر بن عبد الله: (كنت أصلي الظهر مع رسول الله (ص) فآخذ قبضة من الحصى ليبرد في كفي، أضعها لجبهتي أسجد عليها لشدة الحرّ)[68]. والعلّة في السجود على الحصى ليست البرودة كما يتصور، وإلا فان السجود على ثوب متصل به أو قطعة قماش أسهل من تبريد الحصى. ولكن العلّة هي وجوب السجود على الأرض، والحصى يعدُّ جزءً من الأرض. ويقول أنس بن مالك: (كنا نصلي مع رسول الله (ص) في شدّة الحر فيأخذ أحدنا الحصباء في يده، فإذا برد وضعه وسجد عليه)[69]. ويقول ابن عمر: (مُطرنا من الليل فخرجنا لصلاة الغداة، فجعل الرجل يمرّ على البطحاء، فيجعل في ثوبه من الحصاء فيصلّي عليه)[70]. اذن، كانت تعليمات أهل البيت (ع) باستحباب السجود على تربة طاهرة من كربلاء منسجم مع السنّة النبوية المطهرة، وتذكرة معنوية لما جرى لعترة النبي (ص) في كربلاء. د- زيارة الحسين (ع): كان الحث على زيارة الحسين (ع) في كربلاء من الاساليب التي استثمرها ائمة أهل البيت (ع) في إذكاء رسالة الإمام (ع) في الاصلاح، وجعلها متوقدة دوماً. ومنها دعاء الإمام الصادق (ع) في سجوده، رواه معاوية بن وهب: (اللهم يا من خصنا بالكرامة، ووعدنا بالشفاعة، وخصنا بالوصية، واعطانا علم ما مضى وعلم ما بقي، وجعل افئدة من الناس تهوي إلينا اغفر لي ولاخواني وزوار قبر جدي الحسين الذي انفقوا أموالهم وأشخصوا أبدانهم رغبة في برِّنا، ورجاءً لما عندك في صلتنا، وسروراً أدخلوه على نبيك، وإجابةً منهم لأمرنا، وغيظاً أدخلوه على عدونا، أرادوا بذلك رضاك. فكافئهم عنا بالرضوان، واكلأهم بالليل والنهار، واخلف على أهاليهم وأولادهم الذين خلفوا بأحسن الخلف، وأصحبهم واكفهم شر كل جبار عنيد، وكل ضعيف من خلقك وشديد، وشر شياطين الانس والجن. وأعطهم أفضل ما أملوه في غربتهم عن أوطانهم. وما آثرونا به على ابنائهم وأهاليهم وقراباتهم. اللهم ان اعداءنا عابوا عليهم خروجهم إلينا فلم ينههم ذلك عن الشخوص إلينا خلافاً منهم على من خالفنا. اللهم ارحم تلك الوجوه التي غبـرتها الشمس. وارحم تلك الخدود التي تقلبت على حفرة أبي عبد الله الحسين. وارحم تلك الأعين التي جرت دموعها رحمة لنا. وارحم تلك القلوب التي جزعت واحترقت لنا. وارحم تلك الصرخة التي كانت لنا. اللهم اني استودعك تلك الانفس والابدان حتى توفيهم على الحوض يوم العطش الاكبر). ولما استكثر معاوية بن وهب هذا لزوار الحسين (ع)، قال له الإمام الصادق (ع): (إن من يدعو لزوار الحسين في السماء أكثر ممن يدعو لهم في الأرض)[71]. ولم يتوقف الإمام الصادق (ع) عند الدعاء لزوار الحسين (ع)، بل كان يسأل أصحابه عن زوار سيد الشهداء (ع). فيقول (ع) لحماد: (بلغني ان اناساً من أهل الكوفة وقوماً آخرين من نواحيها يأتون قبر أبي عبد الله في النصف من شعبان فبين قارئ يقرأ القرآن وقاص يقص ومادح لنا ونساء يندبنه). فقال حماد: قد شهدت بعض ما تصف. قال (ع): (الحمد لله الذي جعل في الناس من يفد إلينا ويمدحنا ويرثي لنا...)[72]. وقد ورد في الروايات ما يؤكد على زيارة الحسين (ع) والبكاء فيه: منها: قال (ع): (أنا قتيل العبرة. قتلت مكروباً. وحقيق علي أن لا يأتيني مكروب قط إلا رده الله وأقلبه الى أهله مسروراً)[73]. ومنها: ذكر العلامة العلوي الشجري (ت 445 هـ) في كتابه (فضل زيارة الحسين) حديثاً يرفعه الى الحسين (ع) وهو يسأل رسول الله (ص): يا ابتاه ما لمن زارنا؟ فقال (ص): (يا بني من زارني حياً وميتاً، ومن زار أباك حياًً وميتاً، ومن زارك حياًً وميتاًً كان حقاًً عليّ أن أزوره يوم القيامة فأخلصه من ذنوبه، وأدخله الجنة)[74]. التكليف الخاص بالحسين (ع): يقول صاحب كتاب (الخصائص الحسينية): كان للحسين (ع) تكليفان واقعي ووظاهري: أ- اما الواقعي الذي دعاه للاقدام على الموت وتعريض عياله للأسر واطفاله للذبح مع علمه بذلك، فالوجه فيه ان عتاة بني أمية قد اعتقدوا انهم على الحق وان علياً وأولاده وشيعتهم على الباطل حتى جعلوا سبه من أجزاء صلاة الجمعة. وبلغ الحال ببعضهم انه نسي اللعن في خطبة الجمعة فذكره وهو في السفر فقضاه! وبنوا مسجداً سموه (مسجد الذكر)، فلو بايع الحسين يزيد وسلّم الأمر إليه لم يبق من الحق أثر، فان كثيراً من الناس يعتقد بأن التحالف مع بني أمية دليل استصواب رأيهم وحسن سيرتهم، واما بعد محاربة الحسين لهم وتعريض نفسه وعياله واطفاله للفوادح التي جرت عليهم فقد تبين لأهل زمانه والاجيال المتعاقبة أحقيته بالأمر وضلال من بغى عليه. ب- واما التكليف الظاهري فلأنه (ع) سعى في حفظ نفسه وعياله بكل وجه، فلم يتيسر له وقد ضيقوا عليه الاقطار حتى كتب يزيد إلى عامله على المدينة ان يقتله فيها فخرج منها خائفاً يترقب فلاذ بحرم الله الذي هو أمن الخائف وكهف المستجير، فجدّوا في إلقاء القبض عليه أو قتله غيلة ولو وجد متعلقاً بأستار الكعبة، فالتزم بأن يجعل احرامه عمرة مفردة وترك التمتع بالحج، فتوجه إلى الكوفة لأنهم كاتبوه وبايعوه واكدوا المصير إليهم لانقاذهم من شرور الأمويين فألزمه التكليف بحسب ظاهر الحال إلى موافقتهم إتماماً للحجة عليهم لئلا يعتذروا يوم الحساب بأنهم لجأوا إليه واستغاثوا به من ظلم الجائرين فاتهمهم بالشقاق ولم يغثهم مع انه لو لم يرجع إليهم فالى أين يتوجه وقد ضاقت عليه الأرض بما رحبت وهو معنى قوله لابن الحنفية: لو دخلت في حجر هامة من هذه الهوام لاستخرجوني حتى يقتلوني[75]. (نهاية ص 234)
السابق صفحة التحميل الصفحة الرئيسية
[1] الكامل في التاريخ ج 4 ص 81. [2] سورة الانسان: الآية 8. [3] سورة آل عمران: الآية 61. [4] تحفة الزائر ص 350. [5] يمكن حمل هذا التعبير على محمل المجاز لا الحقيقة، ذلك لأن نساء اهل البيت (ع) لا يمكن ان يخرجن حاسرات الرأس بسبب المصيبة، لسببين: الأول: وصية الحسين (ع) لهن بعدم خمش الوجه أو شق الجيب أو قول الهجر. والالتزام بالوصية واجب شرعاً، خصوصاً وان الحسين (ع) قبل مقتله أقسم عليهن بالله بحرمة عمل ذلك، لأن فيه هتكاً للحرمات. الثاني: ان شخصيات تلك النسوة الطاهرات (وبالخصوص: زينب وأم كلثوم وفاطمة) وقوة خطابهن في مجالس الطغاة عبيد الله بن زياد ويزيد بن معاوية وصبرهن على الاذى في الله وإيمانهنَّ بالقضاء المبرم، لا يتناسب مع بروزهن سافرات الرأس. نعم، يحمل هذا التعبير على معنى منتهى عظمة المصيبة وحجم الفادحة التي حلّت بهنّ، وقد فقدن الرجال الاطهار الذين كانوا يحمون نساءهم وحرماتهم. [6]سورة الانفال: الآية 24. [7] سورة البقرة: الآية 190. [8] سورة التوبة: الآية 111. [9] سورة آل عمران: الآية 169. [10] سورة البقرة: الآية 207. [11] أحكام القرآن للجصاص ج 1 ص 309. [12] الأحكام لابن العربي المالكي ج 1 ص 49، طبع 1331هـ. [13] سورة البقرة: الآية 54. [14] سورة البقرة: الآية 194- 195. [15] سورة الانبياء: الآية 23. [16] مهج الدعوات لابن طاووس ص 365. [17] بصائر الدرجات ص 34. [18] اصول الكافي ، والخرايج ص 143. [19] الكافي على هامش مرآة العقول ج 1 ص 190. [20] الدرة النجفية للشيخ البحراني ص 85. [21] تاريخ الطبري ج 6 ص 238. [22] الكامل في التاريخ لابن الاثير ج 4 ص 24. [23] شعراء الغري _ السيد باقر الهندي ج 1 ص 307، ومقتل الحسين (ع) للسيد المقرم. [24] شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد ج 1 ص 307. [25] تاريخ الطبري ج 5 ص 480. والحراب: اللصوص. [26] طبقات ابن سعد. [27] تاريخ الطبري ج 4 ص 368. [28] رواه ابن حجر في مجمع الزوائد ج 5 ص 241 عن مسند أبي يعلى والبزاز. [29] الصواعق المحرقة ص 132 عن مسند الروياني عن أبي الدرداء عنه (ص). [30] تاريخ بغداد ج 12 ص 181 وتاريخ الطبري ج 11 ص 357. [31] فتح الباري ج 13 ص 7 باب قول النبي (ص) هلاك أمتي على يدي أغيلمة من أمتي. [32] العواصم لأبي بكر ابن العربي الاندلسي ص 232 تحقيق محب الدين الخطيب طبع سنة 1371هـ. [33] المصدر السابق. [34] المقدمة لابن خلدون ص 254 في ذكر ولاية العهد. [35] مناقب بن شهرآشوب ج 4 ص 38. [36] رجال الكشي ج 1 ص 250. [37] بحار الأنوار ج 44 ص 315، 325. [38] الفروع ج 3 ص 548 باب قتال أهل البغي مطبعة المنار 1345هـ. [39] سورة محمد: الآية 22- 23. [40] تفسير روح المعاني للآلوسي ج 26 ص 73 آية (فهل عسيتم ان توليتم...). [41] المقدمة لابن خلدون ص 254. [42] شرح العقائد النسفية ص 181 طبع الاستانة 1313هـ. [43] المحلى ج11 ص 98. [44] نيل الاوطار ج 7 ص 147. [45] رسائل الجاحظ ص 298 الرسالة الحادية عشرة في بني أمية. [46] عن (الروض الباسم) ج 2 ص 36 ونقلناها عن (مقتل الحسين) للمقرم ص 12. [47] تفسير المنار ج 1 ص 367 (تفسير سورة المائدة آية 37)، و ج 12 ص 185. [48] طبقات الحنابلة لابن رجب ج 2 ص 34. [49] الفتاوى الحديثية ص 193. [50] تاريخ الطبري ج 7 ص 19 الطبعة الاولى. [51] مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 59. [52] تاريخ الطبري ج 6 ص 188. [53] امالي الشيخ الصدوق. [54] قرب الاسناد ص 26. [55] كامل الزيارات ص 174. [56] كامل الزيارات ص 108. [57] تفسير المنار- محمد عبده ج 8 ص 301. [58] كنـز العمال ج 1 ص 148. [59] سورة الزمر: الآية 71. [60] كنـز العمال ج 1 ص 147. [61] اللؤلو والمرجان للنوري ص 47. [62] التهذيب للطوسي ج 2 ص 108. [63] كامل الزيارات ص 325 باب 108 أول النوادر. [64] معالي السبطين ج 2 ص 22. [65] أمالي الشيخ المفيد ص 209 ، المجلس 40. [66] صحيح البخاري ج 1 ص 149 ح 2 ، وص 190 ح 98. [67] كامل الزيارات ص 270 باب 88. [68] مسند أحمد ج 3 ص 327. [69] السنن الكبرى ج 2 ص 106. [70] السنن الكبرى ج 2 ص 440. [71] كامل الزيارات لابن قولويه ص 116، وثواب الاعمال للصدوق ص 54. [72] كامل الزيارات ص 325 باب 108. [73] كامل الزيارات ص 109 ، ب 36 ، ح 7. [74] فضل زيارة الحسين ص 30. [75] الخصائص الحسينية – الشوشتري ص 32 ط تبريز. |