|
(ص 157 - 196) الفصل الثاني واقعة الطف المقدمات. الواقعة. التحليل ----------------------------------- (1) مقدمة ان واقعة عاشوراء غنية بالعبر والمعاني، لكونها واقعة تجلت فيها كل معاني الشجاعة، والبطولة والإباء، والتضحية والفداء، وذكر الله وإقامة الصلاة، والقتال حباً لله عزّ وجلّ ولرسوله (ص). وإذا أردنا ان نؤرخ لعاشوراء سنة 61 للهجرة، فلابد من التمييز بين ليلتها ويومها. ليلة عاشوراء كانت ليلة عطرة مشحونة بقوة الروح والعاطفة، تميز فيها أمران: الأول: أعطى الإمام الحسين (ع) لكل من حضر معه إلى كربلاء حرية الاختيار بين القتال وعدمه. وجعل التكليف الشرعي مسؤولية شخصية يتحملها المكلف نفسه. وهذا لا يتنافى مع قوله (ع): (من سمع واعية أهل بيتي ولم ينصرهم على حقهم، إلا أكبه اللهُ على وجهه في النار)[1]. لأن الحسين (ع) عندما خيّر أصحابه بالقتال أو عدمه، انما كان يعلم علم اليقين بأنهم عصبة حقٍ لا يثنيها عن القتال شيء دنيوي أو رغبة في الحياة. فكان منح حرية الاختيار من باب تأكيد عظمة عزمهم وتبيان شفافية أرواحهم واشتياقهم نحو الموت في سبيل الله. الثاني: إحياء تلك الليلة بالعبادة: وكان معسكر الحسين (ع) يحيي تلك الليلة بالصلاة والدعاء وقراءة القرآن، وكأنهم يودعون عالماً ويدخلون عالماً آخر مليئاً بالمسرات والراحة الأبدية. أما يوم عاشوراء فكان يوماً ندياً بدماء الشهداء وبعطر الكلمات الحقة، فكان فيه أمران: الأول: الإرشاد والنصيحة والموعظة والإخبار عن فضائل النبي (ص) وأهل بيته (ع)، فكانت للحسين (ع) ثلاث خطب، أجمل فيها تكليفه الشرعي تجاه أهل الكوفة، وأعلن عدم شرعية حكم يزيد، وأعلن استعداده للموت في سبيل المبدأ الذي جاء من أجله إلى هذا المكان. الثاني: القتال وطلب الموت على الحياة، وكانت شجاعة الحسين (ع) وأصحابه لم تسطر صحائف التاريخ مثيلاً له على الإطلاق، وكان صبره وتجلده في ذلك المقام ما أذهل الكائنات وكل ما له عقل وشعور وحركة. وسوف نتناول تلك الأمور بالتفصيل: (2) ليلة عاشوراء 1- حرية الاختيار: في ليلة عاشوراء جمع الإمام الحسين (ع) أصحابه وخطب فيهم هذه الخطبة: (أُثني على اللهِ أحسنَ الثناءِ، وأحمدُهُ على السرّاءِ والضرّاءِ، اللهُمَّ إني أحمدُكَ على أن أكرمتنا بالنبوَّةِ، وعلَّمتنا القرآنَ، وفقَّهتنا في الدينِ، وجعلتَ لنا أسماعاً وأبصاراً وأفئِدَةً، فاجعلنا من الشاكرينَ. أما بعدُ، فإني لا أعلمُ أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي، ولا أهلَ بيتٍ أبرَّ ولا أوصلَ من أهلِ بيتي، فجزاكُمُ اللهُ عني خيراً، ألا وإني لأظُنُّ يوماً لنا من هؤلاءِ، ألا وإني قد أذِنْتُ لكم، فانطلقوا جميعاً في حِلِّ، ليسَ عليكُم حرجٌ مني ولا ذِمامٌ، هذا الليلُ قد غَشِيَكُمْ فاتخِذوهُ جملاً)[2]. وفي رواية ابن أعثم: (...وليأخُذْ كُلُّ رجُلٍ منكم بيدِ صاحبهِ أو رجُلٍ من إخوتي وتفرَّقُوا في سوادِ هذا الليلِ وذرُوني وهؤلاءِ القومَ، فإنهُم لا يطلبُونَ غيري، ولو أصابُوني وقدَرُوا على قتلي لما طلبُوكُم)[3]. فأما من صحبه لدنيا يصيبها ففارقه، وأما أهله الأدنون وأصحابه المؤمنون فأبوا وقالوا: لا نفارقك ويحزننا ما يحزنك، ويصيبنا ما يصيبك، وإنا أقربُ ما نكون إلى اللهِ إذا كنا معك. وإلى ذلك اشار مسلم بن عوسجة بأنه لا يفارقه أبداً وقال: (...ولو لم يكن معي سلاحٌ اقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة دونك حتى أموت معك!). وقال سعيد بن عبد الله الحنفي: (...والله لو علمت أني اُقتل ثم أحيا ثم أحرق حيّاً ثم اُذرّ، يفعل ذلك بي سبعين مرة ما فارقتك حتى ألقى حِمامي دونك)[4]. وتكلم آخرون بكلامٍ مشابه. فقال لهم: (فإن كنتُمْ قد وطَّنْتُم أنفُسَكُم على ما وَطَّنتُ نفسي عليهِ فاعلموا أنَّ اللهَ يَهَبُ المنازِلَ الشريفةَ لعبادِهِ باحتمالِ المكارِهِ، وأنَّ اللهَ وإنْ كانَ خصَّني معَ مَنْ مضى مِنْ أهلي الذينَ أنا آخرُهُمْ بقاءً في الدنيا مِنَ الكراماتِ بما يسْهَلُ عليَّ معها إحتمالُ المكرُوهاتِ، فإنَّ لكم شطرَ ذلكَ من كراماتِ اللهِ تعالى، واعلموا أنَ الدنيا حُلْوُها ومرُّها حُلُمٌ، والانتِباهُ في الآخرةِ، والفائزُ من فازَ فيها، والشقيُّ من شقي فيها...)[5]. وتوجه بخطابه إلى نسائه وأهل بيته وفيهن اخته زينب (ع) قائلاً: (...أُوصيكُنَّ بتقوى اللهِ ربِّ البريةِ والصبرِ على البليَّةِ وكظْمِ نزُولِ الرزيَّةِ، وبهذا وعدَ جدُّكُمْ، ولا خُلْفَ لما وعَدَ...)[6]. وخص زينب (ع): (يا اُخيَّةُ اتقي اللهَ وتعزّي بعزاءِ اللهِ، واعلمي أنَّ أهلَ الأرضِ يموتُونَ، وأن أهلَ السماءِ لا يبقُونَ، وأنَّ كُلَّ شيءٍ هالِكٌ إلا وجهَ اللهِ الذي خلَقَ الأرضَ بقدرتهِ، ويبعثُ الخلقَ فيعودوُنَ، وهو فردٌ وحدَهُ، أبي خيرٌ مني، وأمّي خيرٌ مني، وأخي خيرٌ مني، ولي ولهم ولكُلِّ مسلمٍ برسولِ اللهِ اُسوَةٌ [حسنةٌ]). وقال لها أيضاً: (يا اُخيَّةُ! إني اُقسِمُ عليكِ فبّـري قسَمي، لا تَشَقّي عليَّ جيباً، ولا تخمشي عليَّ وجهاً، ولا تدْعي عليَّ بالويلِ والثبورِ إذا هلكتُ)[7]. وكرر قوله (ع) لنسائه: (...يا اُمَّ كلثومِ وانتِ يا زينبُ وانتِ يا فاطمةُ وانتِ يا ربابُ إذا أنا قُتِلتُ فلا تَشَقَقْنَ عليَّ جيباً ولا تخمشْنَ عليَّ وجهاً ولا تقُلْنَ هَجْراً)[8]. 2-إحياء الليل بالعبادة: استطاع الإمام الحسين (ع) إقناع جيش عمر بن سعد بالانصراف تلك الليلة، حتى يتفرغ (ع) وأهل بيته وأصحابه للصلاة ودعوة الله تعالى واستنصاره. وبات الحسين (ع) تلك الليلة راكعاً ساجداً باكياً مستغفراً متضرعاً إلى الله، وبات أهل بيته وأصحابه ولهم دويّ كدويّ النحل. وجاء شمر بن ذي الجوشن في نصف الليل يتجسس ومعه جماعة من أصحابه، حتى قارب معسكر الحسين (ع) فسمعه يتلو قوله تعالى: (وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ. مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ...)[9]. وبقي الإمام الحسين (ع) وأصحابه في صلاتهم ودعائهم حتى صلاة الفجر. (3) يوم عاشوراء وكان يوم عاشوراء يوم المجد والشرف، ويوم البطولة والشجاعة، ويوم الإيمان والثبات. وإذا كان معسكر الإمام الحسين (ع) يمثل الإيمان بمبدأ الدين، فقد كان معسكر يزيد يمثل الطغيان والقسوة والتخلي عن المبادئ التي جاء بها محمد رسول الله (ص). واشتمل عاشوراء على درسين، درس في الوعظ والارشاد ودرس في الحرب والقتال. (4) مرحلة الوعظ والارشاد وعند طلوع فجر العاشر من محرم الحرام سنة 61 هجرية، صلى الإمام الحسين (ع) بأصحابه صلاة الغداة (الفجر)، ثم التفت إليهم فقال: (إنَّ اللهَ قد أذِنَ في قتلِكُمْ فعليكُم بالصبر)[10]. وأراد جيش الكوفة استفزاز الحسين (ع) كي يبدأ القتال، إلا ان الإمام (ع) نهى أصحابه البدء بالقتال. فهذا شمرُ بنُ ذي الجوشن ينادي باعلى صوته: يا حسين! استعجلت النار في الدنيا قبل يوم القيامة! فيتحرك مسلم بن عوسجة ليرميه بسهم، فيمنعه الحسين (ع) ويقول: (لا ترمِهِ، فإني أكرهُ أن أبدأَهُمْ)[11]. ثم تقدم الحسين (ع) إلى القوم في نفرٍ من أصحابه، وبين يديه برير بن خضير، فقال له الحسين (ع): (كَلِّم القومَ). فتقدم برير – وكان شيخاً تابعياً ناسكاً قارئاً للقرآن ومن شيوخ القراء في جامع الكوفة، وكان شريفاً في قومه في همدان- فقال: (يا قوم اتقوا الله فإنَّ ثقل محمد قد أصبح بين أظهركم، هؤلاء ذريته وعترته وبناته وحرمه، فهاتوا ما عندكم وما الذي تريدون أن تصنعوا بهم؟). فقالوا: نريد أن نمكّن منهم الأمير ابن زياد، فيرى رأيه فيهم. فقال لهم برير: (أفلا تقبلون منهم أن يرجعوا إلى المكان الذي جاؤوا منه؟ ويلكم أهل الكوفة أنسيتم كتبكم وعهودكم التي أعطيتموها وأشهدتم الله عليها؟ يا ويلكم أدعوتم أهل بيت نبيكم وزعمتم أنكم تقتلون أنفسكم دونهم، حتى إذا أتوكم أسلمتموهم إلى ابن زياد، وحلأتموهم عن ماء الفرات؟ بئس ما خلّفتم نبيكم في ذريته، ما لكم لا سقاكم الله يوم القيامة، فبئس القوم أنتم). فقال له نفر منهم: يا هذا ما ندري ما تقول؟ فقال برير: (الحمد لله الذي زادني فيكم بصيرة، اللهم إني أبرأ إليك من فعال هؤلاء القوم، اللهم ألق بأسهم بينهم، حتى يلقوك وأنت عليهم غضبان)، فأخذ القوم يرمونه بالسهام[12]. خطاب الحسين (ع) يوم عاشوراء: واستثمر الإمام (ع) اسلوب الموعظة الحسنة، لعلهم يرجعون فيها إلى رشدهم ويؤبوا إلى صوابهم. فخطب فيهم مراراً. وإليك شطراً من خطاباته: 1- تقدم الحسين (ع) حتى وقف بإزاء القوم، فجعل ينظر إلى صفوفهم كأنهم السيل، ونظر إلى ابن سعد واقفاً في صناديد الكوفة، فقال: (الحمدُ للهِ الذي خَلَقَ الدنيا فجعلَهَا دارَ فناءٍ وزوالٍ، مُتَصَرّفةً بأهلِها حالاً بعدَ حالٍ، فالمغرورُ مَنْ غرَّتْهُ والشقيُّ مَنْ فتنتْهُ، فلا تَغُرَّنكُم هذهِ الدنيا، فإنها تقطعُ رجاءَ مَنْ ركَنَ إليها، وتُخيِّبُ طَمَعَ مَنْ طَمعَ فيها، وأراكم قد إجتمعتُمْ على أمرٍ قد أسخطتُمُ اللهَ فيهِ عليكم، وأعرضَ بوجههِ الكريمِ عنكم، وأحَلَّ بكم نَقِمَتَهُ، وجنَّبَكُمْ رحمتَهُ، فنِعْمَ الرَّبُ ربُّنا، وبئسَ العبيدُ أنتم، أقررتُم بالطاعةِ، وآمنتُمْ بالرسولِ محمدٍ (ص) ثم إنكُم زحَفْتُمْ إلى ذريَّته وعترتهِ تُريدُونَ قتلهم، لقد استحوذَ عليكمُ الشيطانُ، فأنساكُم ذكرَ اللهِ العظيمِ، فتبّاً لكم ولما تُريدُونَ، إنا للهِ وإنا إليهِ راجعُونَ، هؤلاءِ قومٌ كفروا بعدَ إيمانِهم فبُعداً للقومِ الظالمين). فقال عمر بن سعد: ويلكم كلّموه فإنه ابن أبيه، والله لو وقف فيكم هكذا يوماً جديداً لما انقطع ولما حصر فكلّموه، فتقدم شمر بن ذي الجوشن فقال: يا حسين، ما هذا الذي تقول؟ أفَهِمنا حتى نفهم. فقال (ع): (إتقوا اللهَ ربَّكُمْ ولا تقتلوني، فإنَّهُ لا يحِلُّ لكم قتلي ولا إنتهاكُ حُرمتي، فإني إبنُ بنتِ نبيِّكُمْ وجدَّتي خديجةُ زوجةُ نبيكُم، ولعلَّهُ قد بلغَكُمْ قولُ نبيكم: الحسنُ والحسينُ سيدا شبابِ أهلِ الجنةِ)[13]. 2- ولما دنا منه القوم دعا براحلته فركبها، ثم خطب الناس، فحمد الله واثنى عليه، وذكر الله بما هو أهله، وصلى على محمد (ص) وعلى ملائكته وأنبيائه، قائلاً: (أيُّها الناسُ! إسمَعُوا قَوْلي، ولا تعَجلُوني حتى أعِظَكُمْ بما هو حَقٌّ لَكُمْ عَلَيَّ، وحتى أعتذِرُ إليكُمْ مِنْ مَقْدَمي عليكُمْ، فإنْ قَبِلتُمْ عُذْري وصدَّقْتُمْ قولي، وأعطيتُمُوني النَصَفَ، كُنْتُمْ بذلكَ أسعَدُ، ولمْ يكُنْ لكُمْ عليَّ سبيلٌ، وإن لم تَقْبَلُوا منّي العُذْرَ، ولم تُعْطُوا النَّصَفَ مِنْ أنفُسِكُمْ (...فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُواْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونِ)[14]، (إِنَّ وَلِيِّـيَ اللّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ)[15]... فانسِبُوني فانظُرُوا مَنْ أنا؟! ثُمَّ ارجِعُوا إلى أنفُسِكُمْ وعاتِبُوها، فانظُرُوا هلْ يَحِلُّ لَكُمْ قَتْلي وانتِهاكَ حُرْمَتي؟! ألسْتُ إبنَ بنتِ نبِيِّكُمْ (ص)، وابنَ وَصيِّهِ وابنَ عَمِّهِ، وأوَّلِ المُؤمنينَ باللهِ والمُصَدِّقِ لرَسُولِهِ بما جاءَ بهِ مِنْ عندِ رَبِّهِ، أو ليسَ حمزةُ سيِّدُ الشهداءِ عَمَّ أبي؟ أو ليسَ جعفرُ الشهيدُ الطّيارُ ذُو الجِناحينِ عَمّي؟! أوَ لم يبلُغْكُمْ قولٌ مُستفيضٌ فيكم: أنَّ رسولَ اللهِ (ص) قالَ لي ولأخي: هذانِ سيدا شبابِ أهلِ الجنّةِ؟! فإن صدَّقتُمُوني بما أقولُ، وهو الحَقُّ، فوَ اللهِ ما تعَمَّدْتُ كِذْباً مُذْ عَلِمْتُ أنَّ اللهَ يَمقتُ عليهِ أهلَهُ، ويَضُرُّ بِهِ مَن اختلَقَهُ. وإنْ كذَّبتموني فإنَّ فيكم مَن إن سألتُموهُ عن ذلك أخبركم، سلوا جابرَ بنَ عبدِ اللهِ الأنصاري، أو أبا سعيدِ الخِدري، أو سهلَ بنَ سعدِ الساعدي، أو زيدَ بنَ ارقمٍ، أو أنسَ بنَ مالكٍ، يُخبِرُكم أنهم سَمِعُوا هذهِ المقالةَ من رسولِ اللهِ (ص) لي ولأخي، أفما في هذا حاجِزٌ لكم عن سفكِ دمي.... فإنْ كنتم في شكٍّ من هذا القولٍ، أفتشكَّوُنَ أثراً ما إني ابنُ بنتِ نبيكم؟ فوَاللهِ ما بينَ المشرِقِ والمغربِ ابنُ بنتِ نبيٍّ غيري منكم ولا من غيركم، أنا ابنُ بنتِ نبيكم خاصةً. أخبروني، أتطلبوني بقتيلٍ منكم قَتَلتُهُ؟ أو مالٍ استهلكتُهُ؟ أو بقِصاصٍ من جراحَةٍ؟). فاخذوا لا يكلّمونه. فنادى: (يا شَبثَ بنَ رَبعي، ويا حجّارَ بنَ أبجرٍ، ويا قيسَ بنَ الأشعثِ، ويا يزيدَ بنَ الحارثِ، ألم تكتبوا إليَّ: أن قد أينعتِ الثمارُ وأخضرَّ الجَنابُ، وطمَّتِ الجِمامُ وإنما تقدُمُ على جندٍ لكَ مُجَنَّدٌ، فأقبلْ؟). قالوا له: لم نفعل! فقال (ع): (سبحانَ اللهِ! بلى واللهِ لقد فعلتم. أيها الناسُ! إذ كرِهتموني فدعوني انصرِفُ عنكم إلى مأمني من الأرضِ!). فقال له قيس بن الاشعث: أو لا تنـزل على حكم بني عمّك! فإنّهم لن يروك إلا ما تحب، ولن يصل إليك منهم مكروه! فقال الحسين (ع): (أنتَ أخُو أخيكَ [محمد بن الاشعث] أتُريدُ أن يَطلُبَكَ بنو هاشمٍ بأكثرَ من دمِ مسلمِ بنِ عقيلٍ؟! لا واللهِ لا اُعطيهم بيدي إعطاءَ الذليلِ، ولا اُقِرُّ إقرارَ العبيدِ! عبادَ اللهِ (وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ)[16]، (...إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ)[17]. ثم اناخ راحلته وأمر عقبة بن سمعان بعقلها...[18]. 3- وخطب مرة اخرى قائلاً: (يا قومَ الكوفة إنّ الدُّنيا قد تغيَّرت وتكدَّرت وهذهِ دارُ فناءٍ وزوالٍ تتصرفُ بأهلِها من حالٍ إلى حالٍ. فالمغرورُ من أغترَّ بها وركنَ إليها وطمعَ فيها. معاشر الناس: أما قرأتُم القرآنَ، أما عرفتُم شرايعَ الإسلامِ؟ وثبتم على ابنِ نبيّكم تقتلونَهُ ظُلماً وعدواناً. معاشرَ النَّاسِ، هذا ماءُ الفراتِ تشربُ منه الكلابُ والخنازيرُ والمجوسُ، وآل نبيّكم يموتون عطاشى). فقالوا: والله لا تذوق الماء بل تذوق الموت غصة بعد غصة وجرعة بعد جرعة. فلما سمع منهم ذلك رجع إلى أصحابه، وقال لهم: (إنَّ القوم قد استحوذ عليهم الشيطان، ألا إنَّ حزب الشيطان هم الخاسرون)، ثمَّ جعل يقول[19]: تعدَّيتم يا شرَّ قوم ببغيكم** وخالفتموا قول النبيّ محمَّد أما كان خير الخلق أوصاكم بنا** أما كان جدّي خيرة الله أحمد أما كانت الزهراء أُمّي ووالدي** عليّ أخو خير الأنام الممجَّد لعنتم وأخزيتم بما قد فعلتموا** فسوف تلاقون العذاب بمشهد وذكّرهم: (عبادَ اللهِ اتقُوا الله وكونُوا من الدنيا على حذرٍ فإنّ الدنيا لو بقيتْ على أحدٍ أو بقيَّ عليها أحدٌ لكانتْ الأنبياءُ أحقُّ بالبقاءِ وأولى بالرضا وأرضى بالقضاءِ، غير أن الله خلقَ الدنيا للفناءِ فجديدُها بالٍ ونعيمُها مضمحلٌ وسرورُها مكفهرٍ والمنـزلُ تلعةٌ والدارُ قلعةٌ (...وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ)[20]. 4- عندها عبّأ عمر بن سعد أصحابه لمحاربة الحسين (ع) ورتبهم مراتبهم، وأقام الرايات في مواضعها، فقام الحسين (ع) بتعبئة أصحابه في الميمنة والميسرة، فأحاطوا بالحسين (ع) من كل جانب حتى جعلوه في مثل الحلقة، فخرج الحسين (ع) من اصحابه حتى أتى الناس فاستنصتهم فأبوا أن ينصتوا فقال لهم: (وَيلَكُم ما عَلَيكُم أنْ تَنْصِتُوا إليَّ فَتَسْمَعُوا قَوْلي، وإنَّما أدْعُوكُم إلى سبيلِ الرَّشادِ، فَمَنْ أطاعَني كانَ مِنَ المُرشدينَ، ومَنْ عصاني كانَ مِنَ المُهلكينَ، وكُلُّكُمْ عاصٍ لأَمري غيرُ مُستَمِعٍ لقولي، قد إنْخَزَلَتْ عَطيَّاتُكُم مِنَ الحَرامِ، ومُلِئَتْ بُطُونُكُمْ مِنَ الحَرامِ، فَطَبعَ اللهُ على قُلُوبِكُم، وَيلَكُم ألا تَنصِتُونَ؟ ألا تَسْمَعُونَ؟). فتلاومَ أصحابُ عمر بن سعد وقالوا: أنصتوا له. فقال الحسين (ع): (تَبّاً لكُم أيَّتها الجماعَةُ وتَرَحاً أفحينَ استَصْرَختُمُونا وَلهينَ مُتَحَيِّرينَ فأصْرَخْناكُم مُؤَدِّينَ مُستَعِدِّينَ، سَلَلْتُمْ عَلَيْنا سَيفاً في رِقابِنا، وحَشَشْتُمْ عَلَينا نار الفِتَنِ التي جَناها عَدُوُّكُمْ وعَدُوُّنا، فأصبَحْتُم إلباً على أوليائِكُم، ويَداً عَلَيهِم لأعدائِكُم، بغَيرِ عَدْلٍ أفشُوهُ فيكُمْ، ولا أَمَلٍ أَصبَحَ لَكُمْ فيهِم، إلاّ الحَرامَ من الدُّنيا أنالُوكُمْ، وخَسيسُ عَيْشٍ طَمَعْتُمْ فيهِ، مِنْ غَيْرِ حَدَثٍ كانَ مِنَّا، ولا رأيِ تَفَيَّلَ[21] لنا. فهَلاّ لَكُم الوَيلاتُ إذْ كرِهتُمُونا وتَرَكتُمُونا، تَجَهَّزتُـُموها والسيفُ لمْ يُشْهَر، والجأشُ طامِنٌ، والرَّأيُ لمْ يُستَحْصَفْ، ولكِنْ أسْرَعتُمْ عَلَينا كطَََيرَةِ الْدِّبا، وتَداعَيْتُمْ إليها كَتَداعي الفَراشِ. فَقُبحاً لكُم، فإنَّما أنْتُم مِنْ طواغيتِ الأمَّةِ وشُذاذِ الأحزابِ، ونَبَذَةِ الكتابِ، ونَفْثَةِ الشيطانِ، وعُصبَةِ الآثامِ، ومُحَرِّفي الكِتابِ، ومُطفِيءِ السُّنَنِ، وقَتَلَةِ أولادِ الأنبياءِ، ومُبيري عترَةِ الأوصِياءِ، ومُلْحِقي العِهارِ بالنَّسَبِ، ومُؤذِي المُؤمِنينَ، وصُراخِ أئِمَّةِ المُستَهزئينَ، الذينَ جَعَلُوا القُرآنَ عِضينَ. وأنتُمْ اِبْنُ حَرْبٍ وأشياعِهِ تَعْتَمِدُونَ، وإيَّانا تَخْذِلُونَ. أجَلْ واللهِ، الخَذْلُ فيكُمْ مَعْرُوفٌ، وَشَجَتْ عليهِ عُرُوقُكُمْ، وتَوارَثَتْهُ أُصُولُكُم وفُرُوعُكُم، ونَبَتَتْ عليهِ قُلُوبُكُم وغَشِيَتْ به صُدُورُكُم، فكُنْتُم أخبَثَ شيءٍ سِنْخاً للنّاصِبِ وأكْلَةً للغاصِبِ، ألا لعنةُ اللهِ على الناكِثينَ الذينَ يَنْقُضُونَ الأيمانَ بعدَ توكيدِها، وقد جَعَلْتُمُ الله عليكُمْ كَفيلاً فانْتُم واللهِ هُمْ. ألا إنَّ الدَّعِيَّ ابْنَ الدَّعيّ قَدْ رَكَزَ بينَ اثْنَتَينِ، بين السّلةِ والذِلَّةِ، وهيهاتَ منا الذِلَّةُ؛ أبَى اللهُ ذلكَ ورَسُولُهُ، وجُدودٌ طابَتْ، وحُجُورٌ طَهُرَتْ، وأنُوفٌ حَمِيَّةٌ، ونُفُوسٌ أبِيَّةٌ، لا تُؤْثِرَ طاعَةَ اللِّئامِ على مصارعِ الكِرامِ. ألا أنّي قَدْ أعذَرْتُ وأنْذَرْتُ، ألا إنّي زاحِفٌ بهذِهِ الأسرَةِ على قِلَّةِ العِتادِ، وخَذَلَةِ الأصحابِ، ثمَّ أنشد يقول: فأن نَهْزِمْ فهَزَّامُونَ قِدْماً** وإنْ نـهْزَمْ فغَيْرُ مُهَزَّمينا وما إن طِبُّنا* جُبْنُ ولكِنْ ** مَنايانا ودَوْلَةُ آخِرينا فقُلْ للشامتينَ بنا افيقُوا ** سليقى الشامتونَ كما لقينا إذا ما الموتُ رُفِعَ عنْ اُناسٍ ** بكلكلهِ أناخَ بآخرينا أما إنَّهُ لا تَلْبَثُونَ بَعْدَها إلاّ كَرَيْثِ مَا يُرْكَبُ الفَرَسُ، حتى تَدُورَ بِكُم دَوْرَ الرَّحى. عَهْدٌ عَهِدَهُ إليَّ أبي عَنْ جَدّي، فاجْمِعُوا أمْرَكُمْ وشُرَكاءَكُمْ فكيدُوني جميعاً ثُمَّ لا تَنْظُرُونَ، إنّي تَوَكَّلْتُ على اللهِ رَبّي ورَبِّكُمْ ما مِنْ دابَّةٍ إلاّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيتِها، إنَّ ربّي على صراطٍ مُستَقيمٍ. اللّهُمَّ احْبِسْ عنْهُمْ قَطرَ السَّماءِ، وابْعَثْ عَلَيْهِمْ سِنينَ كَسِنِيِّ يُوسُفَ، وسَلِّطْ علَيْهِمْ غُلامَ ثَقيفٍ يُسقيهِمْ كأساً مُصَبَّرةً، فلا يَدَعُ فيهِم أحَداً، قَتْلَةً بِقَتْلَةٍ وضَرْبَةً بِضَرْبةٍ، يَنْتَقِمُ لي ولأوليائي ولأهلِ بيتي واشياعي منهُم، فإنَّـهُم غَرُّونا وكَذَبُونا وخَذَلونا، وأنْتَ رَبُّنا عليكَ تَوكَّلنا وإليكَ أنَبنا وإليكَ المصيرُ)[22]. دلالات الخطاب: 1- استثمر الإمام (ع) تلك الفرصة لتذكيرهم بأمور الدين والآخرة، ودعاهم إلى عدم الاغترار بالدنيا. 2- ذكرّهم بحرمة قتله (ع) وانتهاك حرمته، كيف لا وقد وصفه الصادق الذي لا ينطق عن الهوى رسول الله (ص) بانه سيد شباب أهل الجنة. 3- حاججهم بكل حجة ممكنة من أجل ان يدفع عنهم غائلة العقاب الالهي. فقد حاججهم: أ- بفضله وعلمه ونسبه من رسول الله (ص). ب- وبرسائلهم التي ارسلوها يطلبون النصرة منه (ع) فأجابهم إلى ذلك. ج- وبعدم مقاتلته لهم ابتداءً، وبعدم تعديه عليهم أو على مالهم. 4- ولكنه (ع) تنبأ بأن تدور عليهم الدوائر وتنقلب ضدهم الموازين، وسوف يضربون بسيف البغي الذي سلوه عليه. (5) توبة الحر بن يزيد ولما زحف عمر بن سعد، قال له الحر بن يزيد: أصلحك الله أمقاتل أنت هذا الرجل؟ قال: أي والله، قتالاً أيسره أن تسقط الرؤوس وتطيح الأيدي! قال: أفما لكم في واحدة من الخصال التي عرض عليكم رضى؟
|