|
(ص 157 - 196) الفصل الثاني واقعة الطف المقدمات. الواقعة. التحليل ----------------------------------- (1) مقدمة ان واقعة عاشوراء غنية بالعبر والمعاني، لكونها واقعة تجلت فيها كل معاني الشجاعة، والبطولة والإباء، والتضحية والفداء، وذكر الله وإقامة الصلاة، والقتال حباً لله عزّ وجلّ ولرسوله (ص). وإذا أردنا ان نؤرخ لعاشوراء سنة 61 للهجرة، فلابد من التمييز بين ليلتها ويومها. ليلة عاشوراء كانت ليلة عطرة مشحونة بقوة الروح والعاطفة، تميز فيها أمران: الأول: أعطى الإمام الحسين (ع) لكل من حضر معه إلى كربلاء حرية الاختيار بين القتال وعدمه. وجعل التكليف الشرعي مسؤولية شخصية يتحملها المكلف نفسه. وهذا لا يتنافى مع قوله (ع): (من سمع واعية أهل بيتي ولم ينصرهم على حقهم، إلا أكبه اللهُ على وجهه في النار)[1]. لأن الحسين (ع) عندما خيّر أصحابه بالقتال أو عدمه، انما كان يعلم علم اليقين بأنهم عصبة حقٍ لا يثنيها عن القتال شيء دنيوي أو رغبة في الحياة. فكان منح حرية الاختيار من باب تأكيد عظمة عزمهم وتبيان شفافية أرواحهم واشتياقهم نحو الموت في سبيل الله. الثاني: إحياء تلك الليلة بالعبادة: وكان معسكر الحسين (ع) يحيي تلك الليلة بالصلاة والدعاء وقراءة القرآن، وكأنهم يودعون عالماً ويدخلون عالماً آخر مليئاً بالمسرات والراحة الأبدية. أما يوم عاشوراء فكان يوماً ندياً بدماء الشهداء وبعطر الكلمات الحقة، فكان فيه أمران: الأول: الإرشاد والنصيحة والموعظة والإخبار عن فضائل النبي (ص) وأهل بيته (ع)، فكانت للحسين (ع) ثلاث خطب، أجمل فيها تكليفه الشرعي تجاه أهل الكوفة، وأعلن عدم شرعية حكم يزيد، وأعلن استعداده للموت في سبيل المبدأ الذي جاء من أجله إلى هذا المكان. الثاني: القتال وطلب الموت على الحياة، وكانت شجاعة الحسين (ع) وأصحابه لم تسطر صحائف التاريخ مثيلاً له على الإطلاق، وكان صبره وتجلده في ذلك المقام ما أذهل الكائنات وكل ما له عقل وشعور وحركة. وسوف نتناول تلك الأمور بالتفصيل: (2) ليلة عاشوراء 1- حرية الاختيار: في ليلة عاشوراء جمع الإمام الحسين (ع) أصحابه وخطب فيهم هذه الخطبة: (أُثني على اللهِ أحسنَ الثناءِ، وأحمدُهُ على السرّاءِ والضرّاءِ، اللهُمَّ إني أحمدُكَ على أن أكرمتنا بالنبوَّةِ، وعلَّمتنا القرآنَ، وفقَّهتنا في الدينِ، وجعلتَ لنا أسماعاً وأبصاراً وأفئِدَةً، فاجعلنا من الشاكرينَ. أما بعدُ، فإني لا أعلمُ أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي، ولا أهلَ بيتٍ أبرَّ ولا أوصلَ من أهلِ بيتي، فجزاكُمُ اللهُ عني خيراً، ألا وإني لأظُنُّ يوماً لنا من هؤلاءِ، ألا وإني قد أذِنْتُ لكم، فانطلقوا جميعاً في حِلِّ، ليسَ عليكُم حرجٌ مني ولا ذِمامٌ، هذا الليلُ قد غَشِيَكُمْ فاتخِذوهُ جملاً)[2]. وفي رواية ابن أعثم: (...وليأخُذْ كُلُّ رجُلٍ منكم بيدِ صاحبهِ أو رجُلٍ من إخوتي وتفرَّقُوا في سوادِ هذا الليلِ وذرُوني وهؤلاءِ القومَ، فإنهُم لا يطلبُونَ غيري، ولو أصابُوني وقدَرُوا على قتلي لما طلبُوكُم)[3]. فأما من صحبه لدنيا يصيبها ففارقه، وأما أهله الأدنون وأصحابه المؤمنون فأبوا وقالوا: لا نفارقك ويحزننا ما يحزنك، ويصيبنا ما يصيبك، وإنا أقربُ ما نكون إلى اللهِ إذا كنا معك. وإلى ذلك اشار مسلم بن عوسجة بأنه لا يفارقه أبداً وقال: (...ولو لم يكن معي سلاحٌ اقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة دونك حتى أموت معك!). وقال سعيد بن عبد الله الحنفي: (...والله لو علمت أني اُقتل ثم أحيا ثم أحرق حيّاً ثم اُذرّ، يفعل ذلك بي سبعين مرة ما فارقتك حتى ألقى حِمامي دونك)[4]. وتكلم آخرون بكلامٍ مشابه. فقال لهم: (فإن كنتُمْ قد وطَّنْتُم أنفُسَكُم على ما وَطَّنتُ نفسي عليهِ فاعلموا أنَّ اللهَ يَهَبُ المنازِلَ الشريفةَ لعبادِهِ باحتمالِ المكارِهِ، وأنَّ اللهَ وإنْ كانَ خصَّني معَ مَنْ مضى مِنْ أهلي الذينَ أنا آخرُهُمْ بقاءً في الدنيا مِنَ الكراماتِ بما يسْهَلُ عليَّ معها إحتمالُ المكرُوهاتِ، فإنَّ لكم شطرَ ذلكَ من كراماتِ اللهِ تعالى، واعلموا أنَ الدنيا حُلْوُها ومرُّها حُلُمٌ، والانتِباهُ في الآخرةِ، والفائزُ من فازَ فيها، والشقيُّ من شقي فيها...)[5]. وتوجه بخطابه إلى نسائه وأهل بيته وفيهن اخته زينب (ع) قائلاً: (...أُوصيكُنَّ بتقوى اللهِ ربِّ البريةِ والصبرِ على البليَّةِ وكظْمِ نزُولِ الرزيَّةِ، وبهذا وعدَ جدُّكُمْ، ولا خُلْفَ لما وعَدَ...)[6]. وخص زينب (ع): (يا اُخيَّةُ اتقي اللهَ وتعزّي بعزاءِ اللهِ، واعلمي أنَّ أهلَ الأرضِ يموتُونَ، وأن أهلَ السماءِ لا يبقُونَ، وأنَّ كُلَّ شيءٍ هالِكٌ إلا وجهَ اللهِ الذي خلَقَ الأرضَ بقدرتهِ، ويبعثُ الخلقَ فيعودوُنَ، وهو فردٌ وحدَهُ، أبي خيرٌ مني، وأمّي خيرٌ مني، وأخي خيرٌ مني، ولي ولهم ولكُلِّ مسلمٍ برسولِ اللهِ اُسوَةٌ [حسنةٌ]). وقال لها أيضاً: (يا اُخيَّةُ! إني اُقسِمُ عليكِ فبّـري قسَمي، لا تَشَقّي عليَّ جيباً، ولا تخمشي عليَّ وجهاً، ولا تدْعي عليَّ بالويلِ والثبورِ إذا هلكتُ)[7]. وكرر قوله (ع) لنسائه: (...يا اُمَّ كلثومِ وانتِ يا زينبُ وانتِ يا فاطمةُ وانتِ يا ربابُ إذا أنا قُتِلتُ فلا تَشَقَقْنَ عليَّ جيباً ولا تخمشْنَ عليَّ وجهاً ولا تقُلْنَ هَجْراً)[8]. 2-إحياء الليل بالعبادة: استطاع الإمام الحسين (ع) إقناع جيش عمر بن سعد بالانصراف تلك الليلة، حتى يتفرغ (ع) وأهل بيته وأصحابه للصلاة ودعوة الله تعالى واستنصاره. وبات الحسين (ع) تلك الليلة راكعاً ساجداً باكياً مستغفراً متضرعاً إلى الله، وبات أهل بيته وأصحابه ولهم دويّ كدويّ النحل. وجاء شمر بن ذي الجوشن في نصف الليل يتجسس ومعه جماعة من أصحابه، حتى قارب معسكر الحسين (ع) فسمعه يتلو قوله تعالى: (وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ. مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ...)[9]. وبقي الإمام الحسين (ع) وأصحابه في صلاتهم ودعائهم حتى صلاة الفجر. (3) يوم عاشوراء وكان يوم عاشوراء يوم المجد والشرف، ويوم البطولة والشجاعة، ويوم الإيمان والثبات. وإذا كان معسكر الإمام الحسين (ع) يمثل الإيمان بمبدأ الدين، فقد كان معسكر يزيد يمثل الطغيان والقسوة والتخلي عن المبادئ التي جاء بها محمد رسول الله (ص). واشتمل عاشوراء على درسين، درس في الوعظ والارشاد ودرس في الحرب والقتال. (4) مرحلة الوعظ والارشاد وعند طلوع فجر العاشر من محرم الحرام سنة 61 هجرية، صلى الإمام الحسين (ع) بأصحابه صلاة الغداة (الفجر)، ثم التفت إليهم فقال: (إنَّ اللهَ قد أذِنَ في قتلِكُمْ فعليكُم بالصبر)[10]. وأراد جيش الكوفة استفزاز الحسين (ع) كي يبدأ القتال، إلا ان الإمام (ع) نهى أصحابه البدء بالقتال. فهذا شمرُ بنُ ذي الجوشن ينادي باعلى صوته: يا حسين! استعجلت النار في الدنيا قبل يوم القيامة! فيتحرك مسلم بن عوسجة ليرميه بسهم، فيمنعه الحسين (ع) ويقول: (لا ترمِهِ، فإني أكرهُ أن أبدأَهُمْ)[11]. ثم تقدم الحسين (ع) إلى القوم في نفرٍ من أصحابه، وبين يديه برير بن خضير، فقال له الحسين (ع): (كَلِّم القومَ). فتقدم برير – وكان شيخاً تابعياً ناسكاً قارئاً للقرآن ومن شيوخ القراء في جامع الكوفة، وكان شريفاً في قومه في همدان- فقال: (يا قوم اتقوا الله فإنَّ ثقل محمد قد أصبح بين أظهركم، هؤلاء ذريته وعترته وبناته وحرمه، فهاتوا ما عندكم وما الذي تريدون أن تصنعوا بهم؟). فقالوا: نريد أن نمكّن منهم الأمير ابن زياد، فيرى رأيه فيهم. فقال لهم برير: (أفلا تقبلون منهم أن يرجعوا إلى المكان الذي جاؤوا منه؟ ويلكم أهل الكوفة أنسيتم كتبكم وعهودكم التي أعطيتموها وأشهدتم الله عليها؟ يا ويلكم أدعوتم أهل بيت نبيكم وزعمتم أنكم تقتلون أنفسكم دونهم، حتى إذا أتوكم أسلمتموهم إلى ابن زياد، وحلأتموهم عن ماء الفرات؟ بئس ما خلّفتم نبيكم في ذريته، ما لكم لا سقاكم الله يوم القيامة، فبئس القوم أنتم). فقال له نفر منهم: يا هذا ما ندري ما تقول؟ فقال برير: (الحمد لله الذي زادني فيكم بصيرة، اللهم إني أبرأ إليك من فعال هؤلاء القوم، اللهم ألق بأسهم بينهم، حتى يلقوك وأنت عليهم غضبان)، فأخذ القوم يرمونه بالسهام[12]. خطاب الحسين (ع) يوم عاشوراء: واستثمر الإمام (ع) اسلوب الموعظة الحسنة، لعلهم يرجعون فيها إلى رشدهم ويؤبوا إلى صوابهم. فخطب فيهم مراراً. وإليك شطراً من خطاباته: 1- تقدم الحسين (ع) حتى وقف بإزاء القوم، فجعل ينظر إلى صفوفهم كأنهم السيل، ونظر إلى ابن سعد واقفاً في صناديد الكوفة، فقال: (الحمدُ للهِ الذي خَلَقَ الدنيا فجعلَهَا دارَ فناءٍ وزوالٍ، مُتَصَرّفةً بأهلِها حالاً بعدَ حالٍ، فالمغرورُ مَنْ غرَّتْهُ والشقيُّ مَنْ فتنتْهُ، فلا تَغُرَّنكُم هذهِ الدنيا، فإنها تقطعُ رجاءَ مَنْ ركَنَ إليها، وتُخيِّبُ طَمَعَ مَنْ طَمعَ فيها، وأراكم قد إجتمعتُمْ على أمرٍ قد أسخطتُمُ اللهَ فيهِ عليكم، وأعرضَ بوجههِ الكريمِ عنكم، وأحَلَّ بكم نَقِمَتَهُ، وجنَّبَكُمْ رحمتَهُ، فنِعْمَ الرَّبُ ربُّنا، وبئسَ العبيدُ أنتم، أقررتُم بالطاعةِ، وآمنتُمْ بالرسولِ محمدٍ (ص) ثم إنكُم زحَفْتُمْ إلى ذريَّته وعترتهِ تُريدُونَ قتلهم، لقد استحوذَ عليكمُ الشيطانُ، فأنساكُم ذكرَ اللهِ العظيمِ، فتبّاً لكم ولما تُريدُونَ، إنا للهِ وإنا إليهِ راجعُونَ، هؤلاءِ قومٌ كفروا بعدَ إيمانِهم فبُعداً للقومِ الظالمين). فقال عمر بن سعد: ويلكم كلّموه فإنه ابن أبيه، والله لو وقف فيكم هكذا يوماً جديداً لما انقطع ولما حصر فكلّموه، فتقدم شمر بن ذي الجوشن فقال: يا حسين، ما هذا الذي تقول؟ أفَهِمنا حتى نفهم. فقال (ع): (إتقوا اللهَ ربَّكُمْ ولا تقتلوني، فإنَّهُ لا يحِلُّ لكم قتلي ولا إنتهاكُ حُرمتي، فإني إبنُ بنتِ نبيِّكُمْ وجدَّتي خديجةُ زوجةُ نبيكُم، ولعلَّهُ قد بلغَكُمْ قولُ نبيكم: الحسنُ والحسينُ سيدا شبابِ أهلِ الجنةِ)[13]. 2- ولما دنا منه القوم دعا براحلته فركبها، ثم خطب الناس، فحمد الله واثنى عليه، وذكر الله بما هو أهله، وصلى على محمد (ص) وعلى ملائكته وأنبيائه، قائلاً: (أيُّها الناسُ! إسمَعُوا قَوْلي، ولا تعَجلُوني حتى أعِظَكُمْ بما هو حَقٌّ لَكُمْ عَلَيَّ، وحتى أعتذِرُ إليكُمْ مِنْ مَقْدَمي عليكُمْ، فإنْ قَبِلتُمْ عُذْري وصدَّقْتُمْ قولي، وأعطيتُمُوني النَصَفَ، كُنْتُمْ بذلكَ أسعَدُ، ولمْ يكُنْ لكُمْ عليَّ سبيلٌ، وإن لم تَقْبَلُوا منّي العُذْرَ، ولم تُعْطُوا النَّصَفَ مِنْ أنفُسِكُمْ (...فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُواْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونِ)[14]، (إِنَّ وَلِيِّـيَ اللّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ)[15]... فانسِبُوني فانظُرُوا مَنْ أنا؟! ثُمَّ ارجِعُوا إلى أنفُسِكُمْ وعاتِبُوها، فانظُرُوا هلْ يَحِلُّ لَكُمْ قَتْلي وانتِهاكَ حُرْمَتي؟! ألسْتُ إبنَ بنتِ نبِيِّكُمْ (ص)، وابنَ وَصيِّهِ وابنَ عَمِّهِ، وأوَّلِ المُؤمنينَ باللهِ والمُصَدِّقِ لرَسُولِهِ بما جاءَ بهِ مِنْ عندِ رَبِّهِ، أو ليسَ حمزةُ سيِّدُ الشهداءِ عَمَّ أبي؟ أو ليسَ جعفرُ الشهيدُ الطّيارُ ذُو الجِناحينِ عَمّي؟! أوَ لم يبلُغْكُمْ قولٌ مُستفيضٌ فيكم: أنَّ رسولَ اللهِ (ص) قالَ لي ولأخي: هذانِ سيدا شبابِ أهلِ الجنّةِ؟! فإن صدَّقتُمُوني بما أقولُ، وهو الحَقُّ، فوَ اللهِ ما تعَمَّدْتُ كِذْباً مُذْ عَلِمْتُ أنَّ اللهَ يَمقتُ عليهِ أهلَهُ، ويَضُرُّ بِهِ مَن اختلَقَهُ. وإنْ كذَّبتموني فإنَّ فيكم مَن إن سألتُموهُ عن ذلك أخبركم، سلوا جابرَ بنَ عبدِ اللهِ الأنصاري، أو أبا سعيدِ الخِدري، أو سهلَ بنَ سعدِ الساعدي، أو زيدَ بنَ ارقمٍ، أو أنسَ بنَ مالكٍ، يُخبِرُكم أنهم سَمِعُوا هذهِ المقالةَ من رسولِ اللهِ (ص) لي ولأخي، أفما في هذا حاجِزٌ لكم عن سفكِ دمي.... فإنْ كنتم في شكٍّ من هذا القولٍ، أفتشكَّوُنَ أثراً ما إني ابنُ بنتِ نبيكم؟ فوَاللهِ ما بينَ المشرِقِ والمغربِ ابنُ بنتِ نبيٍّ غيري منكم ولا من غيركم، أنا ابنُ بنتِ نبيكم خاصةً. أخبروني، أتطلبوني بقتيلٍ منكم قَتَلتُهُ؟ أو مالٍ استهلكتُهُ؟ أو بقِصاصٍ من جراحَةٍ؟). فاخذوا لا يكلّمونه. فنادى: (يا شَبثَ بنَ رَبعي، ويا حجّارَ بنَ أبجرٍ، ويا قيسَ بنَ الأشعثِ، ويا يزيدَ بنَ الحارثِ، ألم تكتبوا إليَّ: أن قد أينعتِ الثمارُ وأخضرَّ الجَنابُ، وطمَّتِ الجِمامُ وإنما تقدُمُ على جندٍ لكَ مُجَنَّدٌ، فأقبلْ؟). قالوا له: لم نفعل! فقال (ع): (سبحانَ اللهِ! بلى واللهِ لقد فعلتم. أيها الناسُ! إذ كرِهتموني فدعوني انصرِفُ عنكم إلى مأمني من الأرضِ!). فقال له قيس بن الاشعث: أو لا تنـزل على حكم بني عمّك! فإنّهم لن يروك إلا ما تحب، ولن يصل إليك منهم مكروه! فقال الحسين (ع): (أنتَ أخُو أخيكَ [محمد بن الاشعث] أتُريدُ أن يَطلُبَكَ بنو هاشمٍ بأكثرَ من دمِ مسلمِ بنِ عقيلٍ؟! لا واللهِ لا اُعطيهم بيدي إعطاءَ الذليلِ، ولا اُقِرُّ إقرارَ العبيدِ! عبادَ اللهِ (وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ)[16]، (...إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ)[17]. ثم اناخ راحلته وأمر عقبة بن سمعان بعقلها...[18]. 3- وخطب مرة اخرى قائلاً: (يا قومَ الكوفة إنّ الدُّنيا قد تغيَّرت وتكدَّرت وهذهِ دارُ فناءٍ وزوالٍ تتصرفُ بأهلِها من حالٍ إلى حالٍ. فالمغرورُ من أغترَّ بها وركنَ إليها وطمعَ فيها. معاشر الناس: أما قرأتُم القرآنَ، أما عرفتُم شرايعَ الإسلامِ؟ وثبتم على ابنِ نبيّكم تقتلونَهُ ظُلماً وعدواناً. معاشرَ النَّاسِ، هذا ماءُ الفراتِ تشربُ منه الكلابُ والخنازيرُ والمجوسُ، وآل نبيّكم يموتون عطاشى). فقالوا: والله لا تذوق الماء بل تذوق الموت غصة بعد غصة وجرعة بعد جرعة. فلما سمع منهم ذلك رجع إلى أصحابه، وقال لهم: (إنَّ القوم قد استحوذ عليهم الشيطان، ألا إنَّ حزب الشيطان هم الخاسرون)، ثمَّ جعل يقول[19]: تعدَّيتم يا شرَّ قوم ببغيكم** وخالفتموا قول النبيّ محمَّد أما كان خير الخلق أوصاكم بنا** أما كان جدّي خيرة الله أحمد أما كانت الزهراء أُمّي ووالدي** عليّ أخو خير الأنام الممجَّد لعنتم وأخزيتم بما قد فعلتموا** فسوف تلاقون العذاب بمشهد وذكّرهم: (عبادَ اللهِ اتقُوا الله وكونُوا من الدنيا على حذرٍ فإنّ الدنيا لو بقيتْ على أحدٍ أو بقيَّ عليها أحدٌ لكانتْ الأنبياءُ أحقُّ بالبقاءِ وأولى بالرضا وأرضى بالقضاءِ، غير أن الله خلقَ الدنيا للفناءِ فجديدُها بالٍ ونعيمُها مضمحلٌ وسرورُها مكفهرٍ والمنـزلُ تلعةٌ والدارُ قلعةٌ (...وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ)[20]. 4- عندها عبّأ عمر بن سعد أصحابه لمحاربة الحسين (ع) ورتبهم مراتبهم، وأقام الرايات في مواضعها، فقام الحسين (ع) بتعبئة أصحابه في الميمنة والميسرة، فأحاطوا بالحسين (ع) من كل جانب حتى جعلوه في مثل الحلقة، فخرج الحسين (ع) من اصحابه حتى أتى الناس فاستنصتهم فأبوا أن ينصتوا فقال لهم: (وَيلَكُم ما عَلَيكُم أنْ تَنْصِتُوا إليَّ فَتَسْمَعُوا قَوْلي، وإنَّما أدْعُوكُم إلى سبيلِ الرَّشادِ، فَمَنْ أطاعَني كانَ مِنَ المُرشدينَ، ومَنْ عصاني كانَ مِنَ المُهلكينَ، وكُلُّكُمْ عاصٍ لأَمري غيرُ مُستَمِعٍ لقولي، قد إنْخَزَلَتْ عَطيَّاتُكُم مِنَ الحَرامِ، ومُلِئَتْ بُطُونُكُمْ مِنَ الحَرامِ، فَطَبعَ اللهُ على قُلُوبِكُم، وَيلَكُم ألا تَنصِتُونَ؟ ألا تَسْمَعُونَ؟). فتلاومَ أصحابُ عمر بن سعد وقالوا: أنصتوا له. فقال الحسين (ع): (تَبّاً لكُم أيَّتها الجماعَةُ وتَرَحاً أفحينَ استَصْرَختُمُونا وَلهينَ مُتَحَيِّرينَ فأصْرَخْناكُم مُؤَدِّينَ مُستَعِدِّينَ، سَلَلْتُمْ عَلَيْنا سَيفاً في رِقابِنا، وحَشَشْتُمْ عَلَينا نار الفِتَنِ التي جَناها عَدُوُّكُمْ وعَدُوُّنا، فأصبَحْتُم إلباً على أوليائِكُم، ويَداً عَلَيهِم لأعدائِكُم، بغَيرِ عَدْلٍ أفشُوهُ فيكُمْ، ولا أَمَلٍ أَصبَحَ لَكُمْ فيهِم، إلاّ الحَرامَ من الدُّنيا أنالُوكُمْ، وخَسيسُ عَيْشٍ طَمَعْتُمْ فيهِ، مِنْ غَيْرِ حَدَثٍ كانَ مِنَّا، ولا رأيِ تَفَيَّلَ[21] لنا. فهَلاّ لَكُم الوَيلاتُ إذْ كرِهتُمُونا وتَرَكتُمُونا، تَجَهَّزتُـُموها والسيفُ لمْ يُشْهَر، والجأشُ طامِنٌ، والرَّأيُ لمْ يُستَحْصَفْ، ولكِنْ أسْرَعتُمْ عَلَينا كطَََيرَةِ الْدِّبا، وتَداعَيْتُمْ إليها كَتَداعي الفَراشِ. فَقُبحاً لكُم، فإنَّما أنْتُم مِنْ طواغيتِ الأمَّةِ وشُذاذِ الأحزابِ، ونَبَذَةِ الكتابِ، ونَفْثَةِ الشيطانِ، وعُصبَةِ الآثامِ، ومُحَرِّفي الكِتابِ، ومُطفِيءِ السُّنَنِ، وقَتَلَةِ أولادِ الأنبياءِ، ومُبيري عترَةِ الأوصِياءِ، ومُلْحِقي العِهارِ بالنَّسَبِ، ومُؤذِي المُؤمِنينَ، وصُراخِ أئِمَّةِ المُستَهزئينَ، الذينَ جَعَلُوا القُرآنَ عِضينَ. وأنتُمْ اِبْنُ حَرْبٍ وأشياعِهِ تَعْتَمِدُونَ، وإيَّانا تَخْذِلُونَ. أجَلْ واللهِ، الخَذْلُ فيكُمْ مَعْرُوفٌ، وَشَجَتْ عليهِ عُرُوقُكُمْ، وتَوارَثَتْهُ أُصُولُكُم وفُرُوعُكُم، ونَبَتَتْ عليهِ قُلُوبُكُم وغَشِيَتْ به صُدُورُكُم، فكُنْتُم أخبَثَ شيءٍ سِنْخاً للنّاصِبِ وأكْلَةً للغاصِبِ، ألا لعنةُ اللهِ على الناكِثينَ الذينَ يَنْقُضُونَ الأيمانَ بعدَ توكيدِها، وقد جَعَلْتُمُ الله عليكُمْ كَفيلاً فانْتُم واللهِ هُمْ. ألا إنَّ الدَّعِيَّ ابْنَ الدَّعيّ قَدْ رَكَزَ بينَ اثْنَتَينِ، بين السّلةِ والذِلَّةِ، وهيهاتَ منا الذِلَّةُ؛ أبَى اللهُ ذلكَ ورَسُولُهُ، وجُدودٌ طابَتْ، وحُجُورٌ طَهُرَتْ، وأنُوفٌ حَمِيَّةٌ، ونُفُوسٌ أبِيَّةٌ، لا تُؤْثِرَ طاعَةَ اللِّئامِ على مصارعِ الكِرامِ. ألا أنّي قَدْ أعذَرْتُ وأنْذَرْتُ، ألا إنّي زاحِفٌ بهذِهِ الأسرَةِ على قِلَّةِ العِتادِ، وخَذَلَةِ الأصحابِ، ثمَّ أنشد يقول: فأن نَهْزِمْ فهَزَّامُونَ قِدْماً** وإنْ نـهْزَمْ فغَيْرُ مُهَزَّمينا وما إن طِبُّنا* جُبْنُ ولكِنْ ** مَنايانا ودَوْلَةُ آخِرينا فقُلْ للشامتينَ بنا افيقُوا ** سليقى الشامتونَ كما لقينا إذا ما الموتُ رُفِعَ عنْ اُناسٍ ** بكلكلهِ أناخَ بآخرينا أما إنَّهُ لا تَلْبَثُونَ بَعْدَها إلاّ كَرَيْثِ مَا يُرْكَبُ الفَرَسُ، حتى تَدُورَ بِكُم دَوْرَ الرَّحى. عَهْدٌ عَهِدَهُ إليَّ أبي عَنْ جَدّي، فاجْمِعُوا أمْرَكُمْ وشُرَكاءَكُمْ فكيدُوني جميعاً ثُمَّ لا تَنْظُرُونَ، إنّي تَوَكَّلْتُ على اللهِ رَبّي ورَبِّكُمْ ما مِنْ دابَّةٍ إلاّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيتِها، إنَّ ربّي على صراطٍ مُستَقيمٍ. اللّهُمَّ احْبِسْ عنْهُمْ قَطرَ السَّماءِ، وابْعَثْ عَلَيْهِمْ سِنينَ كَسِنِيِّ يُوسُفَ، وسَلِّطْ علَيْهِمْ غُلامَ ثَقيفٍ يُسقيهِمْ كأساً مُصَبَّرةً، فلا يَدَعُ فيهِم أحَداً، قَتْلَةً بِقَتْلَةٍ وضَرْبَةً بِضَرْبةٍ، يَنْتَقِمُ لي ولأوليائي ولأهلِ بيتي واشياعي منهُم، فإنَّـهُم غَرُّونا وكَذَبُونا وخَذَلونا، وأنْتَ رَبُّنا عليكَ تَوكَّلنا وإليكَ أنَبنا وإليكَ المصيرُ)[22]. دلالات الخطاب: 1- استثمر الإمام (ع) تلك الفرصة لتذكيرهم بأمور الدين والآخرة، ودعاهم إلى عدم الاغترار بالدنيا. 2- ذكرّهم بحرمة قتله (ع) وانتهاك حرمته، كيف لا وقد وصفه الصادق الذي لا ينطق عن الهوى رسول الله (ص) بانه سيد شباب أهل الجنة. 3- حاججهم بكل حجة ممكنة من أجل ان يدفع عنهم غائلة العقاب الالهي. فقد حاججهم: أ- بفضله وعلمه ونسبه من رسول الله (ص). ب- وبرسائلهم التي ارسلوها يطلبون النصرة منه (ع) فأجابهم إلى ذلك. ج- وبعدم مقاتلته لهم ابتداءً، وبعدم تعديه عليهم أو على مالهم. 4- ولكنه (ع) تنبأ بأن تدور عليهم الدوائر وتنقلب ضدهم الموازين، وسوف يضربون بسيف البغي الذي سلوه عليه. (5) توبة الحر بن يزيد ولما زحف عمر بن سعد، قال له الحر بن يزيد: أصلحك الله أمقاتل أنت هذا الرجل؟ قال: أي والله، قتالاً أيسره أن تسقط الرؤوس وتطيح الأيدي! قال: أفما لكم في واحدة من الخصال التي عرض عليكم رضى؟ قال عمر بن سعد: أما والله لو كان الأمر إليَّ لفعلت، ولكن أميرك قد أبى ذلك! فأقبل الحر حتى وقف من الناس موقفاً، ومعه رجل من قومه يقال له: قرّة ابن قيس، فقال: يا قرّة! هل سقيت فرسك اليوم؟ قال: لا، قال: إنما تريد أن تسقيه؟ قلت: لم أسقه وأنا منطلق فساقيه. فاعتزلت ذلك المكان الذي كان فيه. وأخذ يدنو من الحسين (ع) قليلاً قليلاً، فقال له رجل من قومه: ما تريد يا ابن يزيد؟ أتريد أن تحمل؟ فسكت وأخذه مثل العُرّواء. فقال له: يا بن يزيد! والله إنَّ أمرك لمريب، والله ما رأيتُ منك في موقف قط مثل شيء أراه الآن، ولو قيل لي: مَن أشجع أهل الكوفة رجلاً؟ ما عدوتك. فما هذا الذي أرى منك؟ قال: (إني والله اُخيرّ نفسي بين الجنة والنار، ووالله لا أختار على الجنة شيئاً ولو قُطّعت وحُرّقت!). ثم ضرب فرسه فلحق بالحسين (ع) فقال له: (جعلني الله فداك يا بن رسول الله! أنا صاحبك الذي حبستك عن الرجوع وسايرتك في الطريق، وجعجعتُ بك في هذا المكان. والله الذي لا إلهَ إلا هو ما ظننت أن القوم يردّون عليك ما عرضت عليهم أبداً، ولا يبلغون منك هذه المنـزلة، فقلت في نفسي: لا اُبالي أن اُطيع القوم في بعض أمرهم، ولا يرون أني خرجت من طاعتهم، وأما هم فسيقبلون من الحسين هذه الخصال التي يعرض عليهم. ووالله لو ظننتُ أنهم لا يقبلونها منك ما ركبتها منك، واني قد جئتك تائباً مما كان مني إلى ربي ومواسياً لك بنفسي حتى أموت بين يديك، أفترى ذلك لي توبة؟! قال الإمام (ع): (نَعَم، يَتُوبُ اللهُ عليكَ، ويَغفِرُ لكَ، ما اسمُكَ؟). قال: أنا الحرّ بن يزيد. قال (ع): (أنتَ الحُرُّ كما سَمَّتكَ اُمّكَ، أنتَ الحُرُّ إن شاءَ اللهُ في الدنيا والآخرةِ، إنزِلْ). قال: أنا لك فارساً خيرٌ مني لك راجلاً، أقاتلهم على فرسي ساعة وإلى النـزول ما يصير آخر أمري. قال الحسين (ع): (فاصنَعْ يرحَمُكَ اللهُ ما بدا لكَ)[23]. وعندما قُتل الحرّ (رضوان الله تعالى عليه) واحتزّوا رأسه ورموه نحو الحسين (ع)، وضعه (ع) في حجره وهو يبكي ويمسح الدم عن وجهه ويقول: (واللهِ ما أخطأت اُمُّكَ إذ سمَّتكَ حُرّاً، فأنتَ واللهِ حُرٌّ في الدنيا وسعيدٌ في الآخرة). وقد نعاه زين العابدين (ع)، كما هو منسوب إليه في بعض الكتب[24]، بالاشعار التالية: فنِعمَ الحُرُّ حُرُّ بني رياحِ** صبُورٌ عندَ مُشتَبكِ الرِّماحِ ونِعمَ الحُرُّ إذ واسى حُسَيناً** وجادَ بنفسِهِ عِندَ الصَّباحِ لقد فازوا الذي نصُروا حُسَيناً **وفازُوا بالهدايةِ والصلاحِ دلالات توبة الحر: 1- كان قبول الحسين (ع) لتوبة الحر بن يزيد من أعظم الدلالات على عصمة أهل البيت (ع). فقد كان الحرُّ سبباً في عدم دخول الإمام (ع) واصحابه الكوفة. ولكن القلب الواسع الذي يحمله المعصوم (ع) كان يسع خطأ الحر بن يزيد واخطاء غيره. فقبل الحسين (ع) اعتذاره وعفا عنه وترحم عليه بعد استشهاده (رضوان الله عليه). 2- ومن الطرف الآخر كان اعتراف الحرّ بالخطأ، وتوبته من أعظم الاعمال العبادية التي عملها في حياته. فالاعتراف بخطأه وهو قائد لوحدة من وحدات الجيش الأموي وندمه ودخوله ذليلاً بذلّ الطاعة إلى معسكر الحسين (ع)، أعظم مصداق على صدق توبته، وندمه على ما فعل، واخلاصه فيما استقبل. 3- لم يكتفِ الحرّ بالندم على ما فعله، بل قرن الندم بالفعل الصحيح. وكان الفعل الذي جعل توبته من أرقى اعماله العبادية هو قتاله أعداء الدين واستشهاده. وقد قاتل الحرّ جنوده الذين جاء بهم من الكوفة وقتلهم مرضاةً لله ولرسوله (ص). 4- كانت لمواساة الحرّ للحسين (ع) دلالات بليغة في الحكاية عن طبيعة النفس الانسانية وقدرتها على الانتقال من موقع الباطل إلى موقع الحق خلال لحظات الامتحان العصيب. (6) مرحلة القتال وابتدأ عمر بن سعد القتال فرمى نحو عسكر الحسين (ع) بسهم، وقال: (أشهدوا لي عند الأمير اني أول من رمى)، واقبلت السهام من القوم كالقطر، فقال (ع) لأصحابه: (قُومُوا رَحِمَكُمُ اللهُ إلى الموتِ الذي لابُدَّ منهُ، فإنَّ هذهِ السهامَ رسُلُ القومِ إليكم). واستمر القتال فترة وجيزة، حتى قتل من أصحاب الحسين (ع) جماعة، فعندها ضرب الحسين (ع) بيده على لحيته، وقال: (إشتَدَّ غَضَبُ اللهِ على اليَهُودِ إذ جَعَلُوا لهُ وَلَداً، واشتَدَّ غَضَبُ اللهِ على النّصارى إذ جَعَلُوهُ ثالِثَ ثلاثةٍ، واشتَدَّ غَضَبُ اللهِ على المَجُوسِ إذ عَبَدُوا الشَّمسَ والقَمَر دُونَهُ، واشتَدَّ غَضَبُهُ على قومٍ اتَّفَقَتْ كَلِمَتُهُم على قَتلِ ابنِ بِنتِ نَبِيِّهِم، أما واللهِ لا اُجيبُهُم إلى شَيءٍ مما يُريدُونَ حتى القَى الله تعالى وأنَا مُخَضَّبٌ بِدَمي)[25]. (7) مقتل أصحاب الحسين (ع) فرادى وبرز عبد الله بن عُمير الكلبي، وكان رجلاً طويلاً شديد الساعدين، بعيداً ما بين المنكبين. فامضى الحسين (ع) خروجه إلى المعركة فقال (ع): (إني لأحسَبُهُ للأقرانِ قتّالاً! اُخْرُجْ إن شِئْتَ). فقاتل وهو يرتجز: إن تُنكروني فأنا ابن الكلبي** حسبي بيتي في عليم حسبي اني امرؤ ذو مِرّة وعَصب ** ولستُ بالخوّار عند النَكْب اني زعيم لكِ أمّ وهب ** بالطعن فيهم مُقدماً والضرب ضرب غلام مؤمن بالرّب فأخذت امرأته أمُّ وهب عموداً، ثم أقبلت نحو زوجها تقول له: فداك أبي وأمّي، قاتل دون الطيبين ذرية محمد. فأقبل إليها يردّها نحو النساء، فأخذت تجاذبه ثوبه، ثم قالت: إني لن أدعك دون أن أموت معك! فناداها الحسين (ع) قائلاً: (جُزِيتُمْ مِن أهلِ بيتٍ خيراً، إرجَعي رَحِمَكِ اللهُ إلى النساءِ فاجلسي معهُنَّ فإنَّهُ ليسَ على النساءِ قتالٌ). فانصرفت إليهنّ[26]. عبد الله بن حوزة والعقاب الحتمي: ووقف رجلٌ من بني تميم يقال له عبد الله بن حوزة، وقال للحسين (ع): أبشر بالنار! فأجابه الحسين (ع): (كلاّ، إني أقدِمُ على ربٍّ رحيمٍ، وشفيعٍ مُطاعٍ. من هذا؟). قال له اصحابه: هذا ابن حوزة. قال (ع): (ربِّ حُزْهُ إلى النار). فاضطرب به فرسه في جدول فوقع فيه، وتعلّقت رجله بالرّكاب، ووقع رأسه في الأرض، ونفر الفرس، فأخذ يمرّ به فيضرب برأسه كل حجر وشجر حتى مات. يقول وائل بن مسروق لما رأى ذلك: رجعتُ وتركتُ الخيل من ورائي. فسُئل عن ذلك، فقال: (لقد رأيتُ من أهل هذا البيت شيئاً لا اقُاتلهم أبداً)[27]. مسلم بن عوسجة: ثم اشتبك جنود المعسكرين واسفرت الحملة عن مصرع مسلم بن عوسجة الأسدي على يد عمرو بن الحجاج. فمشى إليه الحسين (ع) ولا يزال به رمق من الحياة، فقال: (رَحِمَكَ رَبُّكَ يا مُسلِمَ بنَ عَوْسَجَةِ). ثم تلا قوله تعالى: (...فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً)[28]. ودنا منه حبيب بن مظاهر فقال: (عزَّ عليَّ مصرعك يا مسلم، أبشر بالجنة). فقال له مسلم قولاً ضعيفاً: (بشّرك الله بخير). فقال له حبيب: (لولا أني أعلم أني في أثرك لاحقٌ بك من ساعتي هذه، لأحببت أن توصيني بكل ما أهمّك حتى أحفظك في كل ذلك بما أنت أهل له في القرابة والدين). قال مسلم: (بل أنا أوصيك بهذا رحمك الله – وأهوى بيده إلى الحسين – أن تموت دونه). قال حبيب: (أفعل ورب الكعبة). فما كان بأسرع من أن مات في أيديهم رحمه الله[29]. عمرو بن قرظة: واستأذن عمرو بن قرظة الحسين (ع) بالقتال فأذن له، وقاتل قتال المشتاقين إلى الجزاء، وكان لا يأتي إلى الحسين (ع) سهم إلا اتقاه بيده، ولا سيف إلا تلقاه بمهجته، فلم يكن يصل إلى الحسين (ع) سوء، حتى اُثخن بالجراح، فالتفت إلى الحسين (ع) وقال: يا ابن رسول الله أوفيت؟ قال (ع): (نَعَم أنتَ أمامي في الجنَّةِ، فاقرأ رسُولَ اللهِ (ص) مني السلامَ، وأعلِمهُ أنيَّ في الأثرِ)، فقاتل حتى قتل رضوان الله عليه[30]. محاولات حرق خيم الحسين (ع): واستمر القتال حتى منتصف النهار، وجيش ابن سعد لا يستطيع القتال الا من وجه واحد، لاجتماع أبنية معسكر الحسين (ع) وتقارب بعضها من بعض. عندها أرسل عمر بن سعد رجالاً يقوضونها، ولكن أصحاب الحسين (ع) التفتوا إلى ذلك ومنعوهم من تقويضها. فصاح ابن سعد: احرقوها بالنار! فقال الحسين (ع): (دَعُوهُم فَليُحرِّقُوها فإنَّهُم لو حَرَّقُوها لم يستطيعوا أن يَجُوزُوا إليكم منها). وكان الأمر كذلك. فصار القتال من جهة واحدة. وحمل شمر ابن ذي الجوشن فطعن فسطاط الحسين (ع) برمحه ونادى: عليَّ بالنار حتى اُحرّق هذا البيت على أهله! فدوى المكان بصيحات النساء والاطفال. فصاح به الحسين (ع): (يابنَ ذي الجَوشَنْ أنتَ تدعُو بالنّارِ لِتُحَرِّقَ بيتي على أهلي؟ حَرَّقَكَ اللهُ بالنارِ)[31]. (8) صلاة الظهر في عاشوراء ولا يزال الرجل من أصحاب الحسين يقتل، فإذا قُتل منهم الرجل والرجلان تبين فيهم، وأولئك كثير لا يتبين ما يقتل منهم. ولما رأى أبو ثُمامة عمرو بن عبد الله الصائدي ذلك، قال للحسين (ع): (يا أبا عبد الله! نفسي لك الفداء، إني أرى هؤلاء قد اقتربوا منك، ولا والله لا تُقتل حتى اُقتل دونك إن شاء الله، وأحبّ أن القى ربي وقد صلّيت هذه الصلاة التي دنا وقتها). فرفع الحسين (ع) رأسه ثم قال: (ذَكرْتَ الصلاةَ، جَعَلَكَ اللهُ من المُصَلِّينَ الذاكرينَ! نعمْ، هذا أوَّلُ وَقتِها). ثم قال: (سَلُوهُمْ أنْ يكُفُّوا عنّا حتى نُصَلّي). فأذَّنَ الحسين (ع) بنفسه فلما فرغ من الاذان نادى: (وْيلَكَ يا عُمرَ بْنَ سَعْدٍ أنسيتَ شرايعَ الاسلامِ، ألا تَقِفُ عَنِ الحربِ حتى نُصَلِّي وتُصَلُّونَ ونَعُودَ إلى الحرب). فلم يجبه، فنادى الحسين (ع): (استحوذَ عليه الشيطان)[32]. ثم دعا زهير بن القين وسعيد بن عبد الله وقال لهما: (تَقَدمّا أمامي حتى اُصلِّي الظُّهْرَ)، فتقدما أمامه في نحوٍ من نصف أصحابه حتى صلّى بهم صلاة الخوف. ولما أُثخن سعيد بالجراح سقط إلى الأرض وهو يقول: اللهم العنهم لعن عاد وثمود وأبلغ نبيك مني السلام وأبلغه ما لقيت من ألم الجراح فإني أردت بذلك ثوابك في نصرة ذرية نبيك صلّى الله عليه وآله وسلّم[33]، والتفت إلى الحسين قائلاً: أوفيت يا ابن رسول الله؟ قال: (نعم أنت إمامي في الجنة)[34]، وقضى نحبه فوجد فيه ثلاثة عشر سهما غير الضرب والطعن[35]. والمشهور عند الفقهاء ان الإمام الحسين (ع) صلى عند مصابه صلاة الخوف بأصحابه[36]. وقيل: صلّى (ع) وأصحابه فرادى بالايماء، كما ورد في زيارته: (أشهد أنك قد أقمت الصلاة). ولقد اقام الصلاة في موقف تذهل منه العقول، وتذرف منه الدموع. وذلك لما زالت الشمس يوم عاشوراء صلّى الظهر بأي نحوٍ تمكّن، ولكن لم يتمكن من صلاة العصر فصلاّها صلاة لم يصلّها أحد قبله ولا بعده، ووضوؤها من دم جبهته، وركوعها حين انحنى على قربوس سرجه وأخذ السهم، وسجودها حين سقط على الأرض ولكن لم يتمكن من وضع الجبهة على التراب؛ لأنه اُصيب بحجر فوضع خده الأيمن، وتشهده حين جلس على ركبته وأخذ السهم من نحره، فلما فرغ من صلاته حرّض أصحابه على القتال وقال: (يا اصحابي إنَّ هذهِ الجنَّةَ قد فُتِحَتْ ابوابُها واتصَلَتْ أنهارُها، وأينَعتْ ثمارُها، وزُيّنَتْ قصُورُها، وتألَّفَتْ وُلْدانُها وحُورُها، وهذا رسولُ اللهِ (ص) والشهداءُ الذين قتلُوا معَهُ وأبي وأمي يتوقَّعُونَ قدُومَكُمْ، ويتباشرُونَ بِكُم، وهُم مُشتاقُونَ إليكُم، فحامُوا عن دينِ اللهِ وذَبُّوا عَن حَرَمِ رسُولِ اللهِ)[37]. ومن كلامٍ له (ع) بعد ان تم صلاته يوم عاشوراء، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: (أمَّا بعد أيُّها النَّاس فإنَّكم إن تتَّقوا الله تعالى وتعرفوا الحقَّ لأهله يكن رضاء الله عنكم، وإنَّا أهل بيت نبيكم محمد صلى الله عليه وآله وسلّم أولى بولاية هذه الأمور عليكم، من هؤلاء المدَّعين ما ليس لهم والسائرين فيكم بالظّلم والجور والعدوان...)[38]. الدلالات: 1- ذكّرهم الإمام (ع) بالصلاة ووجوب ادائها، وهذا أعظم دليل على كون الحرب التي خاضها الإمام (ع) كانت حرباً محكومة بالضوابط الشرعية والموازين الدينية، كالدفاع المحض وعدم البدء بالقتال، والالتزام باداء الصلاة بوقتها، وذكر الله عز وجل، والموعظة الدينية الحسنة. 2- لاشك ان اداء الصلاة في موضع حرب حيث يتربص العدو بالمصلين فيه من الشجاعة ما يعجز القلم عن وصفه، وفيه من اليقين والقطع بلقاء الله تعالى ما يعجز العقل عن ادراكه. (9) استشهاد بقية الأصحاب وعندما اشتد الأمر بالحسين بن علي (ع) نظر إلى من تبقى من أصحابه، وقد هدأت جوارحهم، وسكنت نفوسهم وترقبت لقاء الله تعالى، فقال (ع) لهم: (صبراً بني الكرام! فما الموت إلا قنطرة تعبـر بكم عن البؤس والضراء إلى الجنان الواسعة والنعم الدائمة. فأيـكم يكره أن ينتقل من سجن الى قصر؟ وما هو لأعدائكم إلا كمن ينتقل من قصر إلى سجن وعذاب. ان أبي حدثني عن رسول الله (ص) ان الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، والموت جسر هؤلاء الى جناتـهم، وجسر هؤلاء الى جحيمهم، ما كذبت ولا كـُذبت) [39]. حبيب بن مظاهر: وخرج حبيب بن مظاهر وقاتل قتالاً شديداً حتى قُتل. ولما قُتل هدَّ ذلك حسيناً (ع) وقال: (أحتَسِبُ نَفسي وحُماةَ أصحابي)[40]. وقال (ع) أيضاً: (للّهِ دَرُّكَ يا حبيبُ، لقد كُنتَ فاضِلاً تختِمُ القُرآنَ في ليلةٍ واحدةٍ)[41]. زهير بن القين: وقاتل زهير بن القين، ودافع عن الحسين (ع) وهو يؤدي صلاته، وقتل. فقال الحسين (ع): (لا يُبعِدُكَ اللهُ يا زهيرُ، ولعَنَ قاتِلَكَ لعنَ الذينَ مُسِخُوا قردَةً وخنازير)[42]، و(أنا القائِمُ على إثرِكَ)[43]. نافع بن هلال: وبرز نافع بن هلال، وقد تعلقت أهله به، فقال له الحسين (ع): (يا نافِعُ، إنَّ أهلَكَ لا يَطيبُ لها فِراقُكَ، فلو رأيتَ أن تختارَ سُرورَها على البُرازِ). فأصرّ نافع على القتال، فقاتل حتى قتل[44]. وبرز آخرون: وبرز أبو ثمامة الساعدي فقاتل وقتل، وبرز الأخوان الغفاريان فقاتلا وقتلا، وبرز الفتيان الجابريان فقاتلا وقتلا. حنظلة بن أسعد: وبرز حنظلة بن أسعد الشبامي وأخذ ينادي: (...يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ. مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ. وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ. يومَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ)[45]. يا قومِ لا تَقتُلُوا حُسيناً فيُسْحِتَكُمُ اللهُ بعذابٍ (...وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى)[46]. فقال له الحسين (ع): (يابنَ أسعَدَ! رَحِمَكَ اللهُ! إنِّهُم قد استَوجَبُوا العَذابَ حيثُ ردُّوا علَيكَ ما دَعَوتَهُم إليهِ مِنَ الحَقِّ. ونَهَضُوا إليكَ ليستَبيحُوكَ وأصحابَكَ، فكَيفَ بِهِمُ الآنَ وقد قَتَلُوا إخوانَكَ الصالِحينَ). قال: صدقت، جُعلت فداك! أنت أفقه منّي وأحقّ بذلك، أفلا نروح إلى الآخرة ونلحق باخواننا؟ فقال: (رُحْ إلى خَيرٍ مِنَ الدنيا وما فيها، وإلى مُلكٍ لا يَبْلى). فقال: السلام عليك أبا عبد الله، صلّى الله عليك وعلى أهل بيتك، وعرّف بيننا وبينك في جنته. فقال (ع): (آمينَ، آمينَ). فاستقدم حنظلة الشبامي فقاتل حتى قُتل رحمة الله عليه[47]. وأصحابٌ آخرون: وبرز عابس بن شبيب للقوم فلم يخرج إليه أحد، فرموه بالحجارة حتى قتل[48]. وبرز يزيد بن زياد وكان رامياً فدعا له الحسين (ع): (اللهُمَّ سَدِّدْ رميَتَهُ، واجعَلْ ثوابَهُ الجنَّةَ)[49]. جون مولى ابي ذر الغفاري: ثم تقدم جون مولى أبي ذرّ الغفاريّ، وكان عبداً أسودَ، فقال له الحسين (ع): (أنتَ في إذنٍ مني، فإنّما تَبِعتَنا طَلَباً للعافيةِ فلا تَبتلِ بِطَريقِنا). فقال: يا بن رسول الله أنا في الرخاء ألحس قصاعكم وفي الشدّة أخذلكم، والله إن ريحي لنتن، وإن حسبي للئيم، ولوني لأسود، فتنفّس عليَّ بالجنّة، فتطيب ريحي، ويشرف حسبي، ويبيضَّ وجهي، لا والله لا اُفارقكم حتى يختلط هذا الدم الأسود مع دمائكم ثم قاتل رضوان الله عليه وهو ينشد: كيف يرى الكفّار ضرب الأسود** بالسيف ضرباً عن بني محمد أذب عنهم باللسان واليد** أرجو به الجنة يوم المورد ثم قتل، فوقف عليه الحسين (ع) وقال: (اللهُمَّ بَيِّض وَجهَهُ، وَطَيِّب ريحَهُ، واحشُرهُ مَعَ الابرارِ، وعَرِّف بينَهُ وبينَ مُحمَّدٍ وآلِ مُحَمَّدٍ)[50]. وآخرون: وبرز عمرو بن خالد الصيداوي فقاتل حتى قتل. وبرز غلام تركي كان قارئاً للقرآن عارفاً بالعربية فقاتل حتى قتل. وبرز عروة الغفاري وكان شيخاً كبيراً شهد بدراً وحنين وصفين، وقال له الحسين (ع): (شَكَرَ اللهُ لكَ أفعالَكَ يا شيخُ)[51]. وهكذا قتل أصحاب الحسين (ع) عن آخرهم رضوان الله عليهم، ولم يبق معه (ع) إلا أهل بيته[52]. (10) مقتل بني هاشم في كربلاء ولما لم يبقَ مع الحسين (ع) إلا أهلُ بيته، وهم وُلد عليٍّ (ع)، ووُلدُ جعفر وعقيل وولدُ الحسنِ وولدُ الحسينِ (ع)، إجتمعوا وجعل يودِّع بعضُهم بعضاً، وعزموا على ملاقاةِ الموت ببأسٍ شديدٍ ونفوسٍ أبيَّةٍ. عليُّ الأكبر: وأوَّلُ مَن تقدَّمَ عليُّ بنُ الحسينِ (ويعرف بعلي الأكبر) وعمرُهُ واحدٌ وعشرون سَنةً، ولما عَزَمَ عليُّ الأكبرُ على القتالِ، وأقبلَ مسْتأذناً من أبيه، نظَرَ إليه الحسينُ (ع)، وأرخَى عينيهِ بالدموعِ، ورفَعَ شيبتَه نحو السماءِ وقال: (اللهمَّ اشهدْ على هؤلاءِ، فقد بَرَزَ إليهم أشبُه الناسِ خَلقاً وخُلُقاً ومنطِقاً برسولِك محمد (ص)، وكُنَّا إذا اشتقْنَا إلى رؤيةِ نبيِّك نظرْنَا إليه، اللهمَّ فامنعْهُم بركاتِ الأرضِ، وفرِّقْهم تفريقاً، ومزِّقْهُم تمزيقاً، واجعلْهُم طرائقَ قِدَداً، ولا تُرضِ الولاةَ عنْهُم أبَداً، فإنّهم دعَوْنَا لينصروننا، فعدَوْا علينا يقاتلونَنَا). وصاحَ بِعُمرَ بنِ سعد: (مالك يابنَ سعد، قطَعَ اللهُ رَحِمَك، كما قطعتَ رَحمِي ولم تحفظ قرابتي من رسول الله (ص) وسلَّطَ عليك من يذبحُك بعدي على فراشك)[53]. ثم تلا قولَه تعالى: (إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَ نُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْض وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)[54]. ولمّا يَمّمَ الحرب، عزَّ فراقُهُ على مخدّراتِ الإمامة، فأحطنَ بهِ، وقلن له: (إرحمْ غُربَتَنَا، فلا طاقةَ لنَا على فراقِكِ). فلم يَعْبأ بهنَّ، وتوجه نحوَ القومِ، وشدَّ عليهم كالليثِ الغضبانِ، وهو يقولُ: أنا عليُّ بنُ الحسينِ بنِ عليْ ** نحنُ وبيتِ اللهِ أوْلى بالنَّبيْ تاللهِ لا يحكُمُ فينا ابنُ الدَّعي** أطعنُكُم بالرمحِ حتّى يَنثني أضربُكم بالسيفِ أحمي عن أبي** ضربَ غلام هاشمي عَلَوي ولَمْ يزلْ يحملُ على الميمنةِ ويعيدُها على الميسرةِ، فلم يقابِلْه مقاتلٌ إلاّ ردَّهُ، ولا بَرزَ إليهِ شجاعٌ إلاّ قَتلَه، فقتلَ منهُم مقتلةً عظيمةً، حتى ضجَّ الناسُ من كثرةِ مَنْ قُتلَ مِنهُم، ولمّا اشتدَّ بهِ العطشُ، رجعَ إلى أبيه الحسين (ع) قائلاً: يا أبه، العطشُ قد قتلني، وثِقلُ الحديدِ قد أجهدني، فهلْ إلى شربةِ ماء من سبيل أتقوّى بها على الأعداء. فبكى الحسينُ (ع) وقال: (واغوثاه! مِن أين آتي لكَ بالماءِ، قاتلْ قليلاً، فما أسرَعَ ما تلقى جدَّكَ رسولَ الله (ص)، فيَسقيكَ بكَأسِه، الأوفى شربةً لا تظمأُ بعدَها أبداً). فرَجعَ عليُّ الأكبرُ إلى الميدانِ وجَعلَ يُقاتِلُ أعظمَ القتالِ، فأكثرَ القَتْلى في صفوفِ الأعداءِ. فقالَ مُرّةُ بنُ منقِذِ العبدي: عليَّ آثامُ العربِ أن لم أُثكِلْ بهِ أباه، فطعنَهُ بالرمحِ في ظهرهِ، وضربَهُ بالسيفِ على رأسه ففَلقَ هامتَهُ، وضربه الناسُ بأسيافِهم، فاعتنقَ فرسَهُ، فاحتَملَه الفرسُ إلى معسكرِ الأعداءِ، فقطّعوهُ بسيوفِهم إربْاً إربْاً، فنادى رافعاً صوتَه: أبتاه عليك منِّي السلام، هذا جدِّي رسولُ الله قد سَقَاني بكَأْسِه الأَوفى شربةً لا أظمأُ بعدَها أبداً[55]، وهو يقول لك: العجل، العجل، فإنّ لكَ كأساً مذخورةً. فصاحَ الحسينُ(ع): (ولدَاه)، وحَملَ على القومِ ففرّقَهُم، وأقبلَ إلى ولدِه مُسْرعاً، حتى وَصلَ إليهِ، ورمى بنفسهِ عليه، وأخذَ رأسَه فوضعَهُ في حِجرِهِ، وجَعلَ يمسحُ الدمَ والترابَ عن وجهِه، واعتنقَهُ واضِعاً خدّه على خدّهِ، وهو يقول (قَتلَ اللهُ قَوماً قتلوكَ يا بُنيَّ، ما أجرأَهَم على الرحمنِ، وعلى انتهاكِ حرمة الرسولِ(ص)! على الدنيا بعدكَ العفا يا بُنيّ! أمّا أنتَ فقد استرحتَ منْ الدُّنيا وضَيمِها، وقد صِرْتَ إلى روح وريحان، وبقي أبوكَ، وما أسرعَ لحوقَه بكَ)[56]. عبدُ الله بن مسلم: وخَرجَ من بعدهِ عبدُ الله بنُ مسلم بنِ عقيل، وأمُّهُ رقيّةُ الكُبرى بنتُ أميرِ المؤمنينِ (ع) وهو يقولُ: اليومَ ألقَـى مُسلِماً وهْو أبـيْ ** وعصبـةً بادُوا على ديـنِ النبيْ فقَتلَ جماعةً بثلاثِ حملات، ورماهُ مقاتلٌ من القومِ بسهمٍ، فاتّقاه بيدهِ ثم قالَ: (اللّهُمَّ إنّهمْ استقلُّونا واستذلُّونَا، فاقْتلْهُم كما قتلونَا). وقاتل حتى قتل (رضوان الله عليه). آلُ أبي طالب: ولما قُتِلَ عبدُ اللهِ بنُ مسلم حَملَ آلُ أبي طالب حملةً واحدةً، فاحاط بهم الناسُ ، فصاحَ الحسين (ع): (صبراً على الموتِ يا بني عمومتي، لا رأيتم هواناً بعدَ هذا اليومِ)، فجَعلُوا يُقاتلونَ أشدَّ القتالِ، فاستشهد فيهمْ عونُ بنُ عبدِ الله بنِ جعفر وأُمُّه العقيلةُ زينبُ (ع)، وأخوهُ محمدُ وأمّهُ الخوصاءُ، وعبدُ الرحمنِ بنُ عقيل وأخوهُ جعفرُ بنُ عقيلُ ومحمدُ بنُ مسلمِ بنِ عقيل ومحمدُ بنُ أميرِ المؤمنين (ع) وعبدُ اللهِ الأكبرُ بنُ عقيل وكان آخرُهم محمدَ بنَ أبي سعيد بنِ عقيل. وخَرجَ عبدُ اللهِ الأكبرُ بنُ الحسنِ (ع) وأمُّه رملةُ، فقاتَلَ حتَّى قُتِل. ومازالَ آلُ أبي طالب يتسابقونَ إلى القتالِ حتى انتهت النوبةُ إلى القاسمِ بنِ الحسنِ (ع) وهو غلامٌ لمْ يبلغِ الحلُم، وأمّه رملةُ أيضاً، فأقبلَ إلى عمِّه الحسينِ (ع) يستأْذنُه في القتالِ، فنَظرَ إليه الحسينُ (ع) ولمْ يملِكْ نفسَه دونَ أنْ تقدَّم إليه واعتنقَهُ، وجَعَلا يبكيانِ، وأبى أن يأذنَ لهُ، فلم يزلْ القاسمُ يتوسَّلُ إليه ويُقبِّلُ يديهِ حتّى أَذِنَ له، فبَرزَ إلى الميدانِ راجِلاً وهو يقولُ: إنْ تُنكروني فأنا نَجلُ الحَسنْ** سِبطِ النبيِّ المُصْطفَى والمُؤتَمنْ هذا حُسينٌ كالأسيرِ المُرتَهنْ ** بينَ أُناس لا سُقُوا صوبَ المُزَنْ فقاتَلَ مقاتلةَ الأبطالِ وقَتلَ عَدداً من الأعداءِ، وبينَما هُو يُقاتلُ ضربه عمرو ابنُ سعد الأزدي بالسيفِ ففلقَ رأسَهُ، فوَقعَ لِوجههِ وصاحَ يا عمّاه!! فأتاه الحسين (ع) مُسرعاً، ووقفَ عندَ رأْسِ القاسمِ فقالَ: (يَعزُّ واللهِ على عمِّك أنْ تَدعوهُ فلا يُجيبُكَ، أو يُجيبكَ فلا يعينُكَ، أو يُعينُكَ فلا يُغني عَنكَ، بُعْداً لقوم قَتلَوكَ، هذا يومُ كثُرَ واترُهُ وقلَّ ناصرُه)[57]. ثمَّ حملَهُ وجاء بهِ إلى الخيمةِ ووضعهُ معَ ولدِهِ عليِّ الأكبرِ والقَتْلى منْ أهلِ بيتِهِ، ثُمّ رَفعَ طَرْفَهُ إلى السّماءِ، وقالَ: (اللّهُمَّ احْصِهِمْ عَدَداً، واقتُلهُمْ بَدَداً، ولا تُغادرْ مِنهُمْ أَحَداً، ولا تَغفِرْ لهُم أَبَداً، صَبْراً يا بَني عُمومَتي، صَبْراً يا أهْلَ بَيتِي، لا رَأيتُم هواناً بَعدَ هذا اليومِ أبَدَاً). العباسُ بنُ علي (عليه السلام): ولمّا رَأى العبَّاسُ بنُ عليٍّ (ع) كَثْرَةَ القَتْلَى في أهّلِ بَيتِهِ، قالَ لأُخْوتِهِ الثلاثةِ من أمِّه (أمِّ البنينِ) وأبيهِ أميرِ المؤمنينَ (ع) وهم عبدُ اللهِ وعْثمانُ وجعفرُ: (تَقدّمُوا يا بَنِي أمِّي حتّى أراكُم قد نصحتُم للهِ ولرسولِهِ فإنّه لا وُلْدَ لَكُم)، فقاتَلَوا بينَ يدَي أبي الفضلِ وأبْلَوا بلاءً حَسَناً حتّى استشهدوا بأجْمَعِهِمْ. ولمْ يصبر العباسُ (ع) على البَقاءِ، بَعد مقْتلِ إخوتِهِ وعُمومِ أهلِ بيتِ الحسينِ (ع) وأصْحابِهِ، فجاءَ إلى أَخيهِ الحسينِ (ع)، يَسْتأذِنُه في القتالِ، ويطلبُ الرُخْصةَ منْهُ، فأجابه الحسينِ (ع): (يا أخي، أنتَ صاحبُ لِوائي، وإذا مَضيتَ تفرّقَ عَسْكري)[58]. فقالَ العباسُ (ع): يا أخِي قَد ضاقَ صدْري.. وأُريدُ أنْ آخُذَ ثَأري مِن هؤلاءِ المُنافقينَ). فقال الحسين (ع): (إذاً فاطْلبْ لهؤلاءِ الأطفالِ قَليلاً مِن الماءِ)[59]. فذهَبَ العباسُ (ع) إلى القومِ، ووعَظَهُم، وحذَّرَهُم غَضبَ الجبّارِ وطلَبَ منهم شَيئاً من الماءِ للأطْفالِ. فأجابَه الشمرُ قائلاً: يا بنَ أبي تراب، لو كان وجهُ الأرضِ كلُّه ماءً، وهو تحتَ أيدينا، لَمَا سقيناكُم منْهُ قَطرةً، إلا أن تدخُلُوا في بيعة يزيد. فرَجعَ العباسُ إلى أخيه (ع) وأخْبرَهُ بمقالةِ القومِ، فسَمعَ الأطفالُ - ومعَهُم سُكَينَةُ بنتُ الحسينِ (ع) - يُنادُون: العطشَ العطشَ، فلم يتحمّلْ ذلكَ فرَكِبَ جوادَهُ، وأخَذَ سيفَهُ والقِربةَ وقَصَدَ الفُراتَ، فأحاطَ بهِ جمعٌ عظيمٌ من الفرسان، ورَمَوهُ بالنبال فلم يعبأ بِجَمعهِم ولا راعتْهُ كثرتُهُم، فكشفَهم عنْ وجهِه. ودَخلَ الفُراتَ، ثم اغْترَفَ من الماءِ غُرفَة، وأدناها مِن فَمهِ، فتذّكرَ عطشَ أخيه الحُسينِ (ع) وعيالِه وأطفالِه، فرمَى الماءَ من يدِهِ وقالَ: يا نفسُ من بَعدِ الحُسينِ هُونِي ** وبَعدَهُ لا كُنتِ أو تَكوِني هذا الحُسينُ واردُ المَنونِ ** وتَشربينَ باردَ المَعينِ تاللهِ ما هذا فِعالُ دِيني ثم ملأَ القِربةَ وحَمَلَها على كتفِه الأيمنِ، وركبَ جوادَه وتوّجَهَ نَحوَ المخيّمِ مُسْرِعاً، فقَطعَ الأعداءُ عليه الطريقَ فجَعلَ يصولُ في أوْساطِهمْ، ويَضربُ فيهم بِسيفِهِ حتّى أكثرَ القتلَ فيهِم وكَشفَهم عن الطريقِ وهو يقولُ: لا أرهبُ الموتَ إذا الموتُ زَقَا** حتَى أُوارَى في المصاليتِ لُقَى نفسِي لسبطِ المُصطفَى الطُهرِ وِقَا** إنّي أنا العباسُ أغْدُو بالسِّقا ولا أخافُ الشرَّ يَومَ المُلتقَى فكَمُنَ لهُ زيدُ بنُ الرَّقاد الجُهَنِي منْ وَراءِ نَخْلة، وعاوَنَه آخر، فضربَهُ على يمينهِ بالسّيفِ فبَراها، فقالَ (عليه السلام): واللهِ إنْ قَطَعْتُم يَميني ** إني أُحَامي أبَداً عن ديِني وعنْ إمام صَادقِ اليَقينِ ** نَجلِ النبيِّ الطّاهرِ الأمينِ وأَخذَ السّيفَ بشِمالِهِ وضمَّ اللواءَ إلى صدرِهِ وحَملَ على القومِ كالأسدِ الغَضْبانِ، لكنَّ حكيمَ بنَ الطُفيلِ الطّائِي كَمُنَ لَهُ مِن ورَاءِ نَخْلَة أُخْرى وضَربَه على شِمالِه، فقَطعَها من الزّندِ، فقالَ(ع): يا نفسُ لا تَخشَي منَ الكُفَّارِ** وأبْشرِي برَحمةِ الجبّارِ معَ النبيّ المُصطْفَى المُختارِ** قدْ قَطعُوا بِبَغْيِهِم يَسَاري فأصْلِهمْ يا ربّ حرَّ النّار فَعندَ ذلكَ وقَعَ السّيفَ من يدِهِ، وجَعلَ يُسْرعُ ليُوصِلَ الماءَ إلى المخيّمِ، فلمّا نَظرَ ابنُ سعدٍ إلى شدّةِ اهْتمامِ العبَّاسِ (عليه السلام) بما جلبه من الماءِ، صَاحَ بالقومِ: ويلَكُمْ، ارشقوا القِربةَ بالنبلِ، فواللهِ إنْ شَرِبَ الحُسينُ من هذا الماء أفناكم عن آخرِكمْ. فأتْته السِّهامُ كالمَطرِ وأصّابتْهُ في صدرِهِ، وسَهمٌ أصَابَ إحدّى عينيهِ، وأَصابَ القِربَةَ سَهمٌ فأُرِيقَ ماؤُها. وضَربَهُ أحدهم بالعمودِ علَى رأْسِه ففلقَ هامَتَه وسقَطَ على الأرضِ مُنادياً: عَليكَ منّي السلامُ أبَا عَبدَ الله. فأتَاهُ الحُسينُ (ع) مُسْرِعَاً، ففَرّقَ القومَ عنْهُ، حتّى إذا وَصَلَ إليهِ رَآهُ مَقطوعَ اليَدينِ، مَفضوخَ الهامةِ، مُطْفأ العَينِ، مُثْخَناً بالجراحِ، فأَخَذَ رأَسَهُ ووَضَعَهُ في حِجْرِهِ، وجَعَلَ يَمْسَحُ الدَمَ والتُرابَ عنْه، وقالَ بَاكياً: (الآن انكسَرَ ظَهرِي، وقلّتْ حيِلَتي، وشَمُتَ بِي عَدوّي)[60] ، ثُمّ انْحنَى عليهِ واعْتَنَقَهُ وجَعَلَ يُقَبِّلُهُ، ففَاضَتْ رُوحُ العباسِ بينَ يَدَي أخَيه الحُسينِ (ع)، فَتَركَهُ في مكانِهِ، ورَجَعَ إلى المُخيّمِ، وقَدْ تَدافَعَتْ الخَيلُ والرّجالُ علَى مُخَيّمِه، فَنادَى: (أمَا مِن مُغيثٍ يُغيثُنَا؟ أمَا مِنْ مُجيرٍ يجيرنا؟ أمَا مِن طالبِ حقٍّ فَيْنصُرَنا؟ أَمَا منْ خائفٍ منْ النارِ فيذبّ عنّا؟). غربةُ الحُسينِ (عليه السلام): ولمّا بَقيَ الحُسينُ، وَحِيداً فَريدَاً قد قُتِلَ جَميعُ أَصْحابِهِ وأهلُ بيتِهِ ورآهَم على وَجهِ الأرْضِ مُجزَّرينَ كالأضَاحي، ولَمْ يَجدْ أحَداً ينصرُهُ ويذبُّ عنْ حَريمِهِ، فَعندَ ذلكَ نَادَى بأَعْلَى صَوتِهِ: (هلْ مِنْ ذابٍّ عن حرمِ رسولِ اللهِ؟ هلْ من مُوَحدٍّ يخافُ اللهَ فيِنا؟ هلْ مِنْ مغيثٍ يَرجُو اللهَ في إغاثَتِنَا؟). ولم يكن في ذلك الجمع الشرير من يخاف الله فيهم أو من يذبّ عن حرم رسول الله (ص). الإمامُ زينُ العابدينَ (عليه السلام): ونَهَضَ عليُّ بنُ الحسينُ زينُ العابدينَ (ع)، وخَرجَ مِن الخيمةِ وهوَ يتوّكأُ علَى عصا ويجرّ سيفَه جرّاً، فقد كانَ مَرِيضَاً. فَصاحَ الحُسينُ (ع) بأمِّ كُلثوم: (إحْبِسيهِ يا أُخْتاهُ لئلاً تَبقَى الأرضُ خاليةً من نسْلِ آلِ محمد صلى الله عليه وآله). فقالَ زينُ العابدينَ: (يا عَمّتاه، ذَرينِي أُقاتِلُ بينَ يدَي ابنِ رسولِ اللهِ)، فأَخذَتْ أمُّ كُلثوم تُمانعُه، وتُنادي خَلفَهُ: (يا بُنَي ارجعْ)، حتّى ارجَعَتْه إلى فراشِهِ. الوداع: ولمّا استعد الحسينُ (ع) للقتل في سبيل الله جاءَ ووَقفَ بِبابِ خَيمةِ النّساءِ، مُودِّعاً لحرمِهِ وهُنَّ مُخدراتُ الرّسالةِ وعقائلُ النبوةِ، ونادَى: (يا زينبُ، يا أمَّ كُلثوم، يا فاطمةُ ويا سُكَينةُ عَليكُنّ منّي السلامُ)، فأقبلنَ إليهِ فودعهنّ (ع). وضمّ سُكينةَ إلى صَدْرِهِ، وكانَ يُحبُها حُبَّاً جَمَّاً، ومَسحَ دُموعَه بِكُمّهِ قائلاً: سيَطولُ بَعدي يا سُكينةُ فاعْلَمِي** مِنكِ البُكاءُ إذا الحِمامُ دَهاني لا تُحرِقِي قَلبِي بِدمعِك حَسرةً ** ما دَامَ منِّي الروحُ في جُثمانِي فإذا قُتلتُ فأنتِ أوْلَى بالذي** تأتِينَه يا خِيرةَ النِّسوانِ واللافت للنظر ان المصادر التأريخية تقتصر على وداعه (ع) لأختيه زينب وأم كلثوم، وبنتيه فاطمة وسكينة. ولم تشر إلى وداعه زوجاته. والتحقيق ان اللاتي ودعهن الحسين (ع) قبل استشهاده كان لهن دور كبير في تبيان حقائق واقعة الطف. عبدُ اللهِ الرّضيع: ثُمَّ دَعا الحسينُ (ع) بِوَلدِهِ عَبدِ اللهِ الرضيعِ ليُودِّعَهُ، فأَجْلَسَهُ في حِجْرِهِ، وأَخذَ يُقبِّلُهُ ويقولُ: (ويلٌ لهؤلاءِ القومِ إذا كانَ جَدُّكَ المُصطَفى خَصمَهُمْ). وفي رواية اخرى: ثُمّ أَتَى بِهِ نَحوَ القَومِ يَطلِبُ لَهُ الماءَ وقالَ: (إنّ لَمْ تَرحمَونِي فارحَمُوا هذا الطفلَ). فرَماهُ حَرْملةُ بنُ كاهلِ الأسدي بسهمٍ فذَبَحَهُ - وهو في حجرِ أبيهِ- فتَلّقَى الحُسينُ (ع) الدّمَ بكَفّهِ ورَمَى بِهِ نَحوَ السّماءِ. فلَم يَسقُطْ منْ ذلكَ الدم قَطرةٌ إلى الأرضِ، كما روى الامام الباقر (ع) ذلك. ثُمّ قالَ الحسينُ (ع): (هَوَّنَ ما نَزَلَ بِي أنّهُ بعينِ اللهِ تَعالى...) ثُمَّ وَضَعَهُ معَ القَتلى منْ أهلِ بيتِهِ، وأَمَرَ عيالَه بالسكوتِ، وودّعَهم، ثانياً. وطلَبَ ثَوباً لا يرغَبُ فيه أحدٌ فوضعه تحتَ ثيابِه لئلاً يُجرّدُ مِنْهُ، فإنّه مقتولٌ مسلوبٌ، والتحفَ ببُردة رسول الله (ص). نحو الشهادة: ثُمّ تقدّمَ (ع) نحوَ القَومِ مُصْلِتَاً سيفَهُ، عازِماً على الشهادةِ، ودعا الناسَ إلى البرازِ، فَلَمْ يَزَلْ يَقَتلُ كلَّ مَن بَرزَ اليهِ حتّى قَتلَ جَمْعاً كَثيراً، وهو يقولُ: أنَا ابنُ عليّ الطُّهرِ مِنْ آلِ هاشمِ** كَفانِي بـهذا مَفْخَراً حين أفخرُ وجَدّيْ رسولُ اللهِ أكرمُ مَن مَضَى** ونَحنُ سِراجُ اللهِ في الأرض نَزهرُ وفاطمةُ أمّي ابنةُ الطُهرِ أحمد **وعَمّيَّ-يُدْعى ذا الجِناحين- جَعفرُ ثم حمل على الميمنة وهو يقول: المـوتُ أولَـى من ركوبِ العارِ ** والعارُ أولَـى مـنْ دُخـولِ النَّارِ ثُمّ حَملَ علَى المَيسرةِ، وهو يَقولُ: أنا الحُسينُ بنُ عليّ** آليتُ أنْ لا أنثَنِي أحْمِي عيالاتِ أبِي** أمْضِي على دينِ النبيْ ولما أصبحت الخيل تقبل على الحسين (ع) رفع يديه وقال: (اللهم أنتَ ثقتي في كُلِّ كربٍ، وأنتَ رَجائي في كُلِّ شدةٍ، وأنتَ لي في كُلِّ أمرٍ نَزَلَ بي ثقةٌ وعدّةٌ، كَمْ يا آلهي من همٍّ يضعفُ فيهِ الفؤادُ، وتقلُّ فيهِ الحيلةُ، ويخذلُ فيهِ الصديقُ، ويشمتُ فيهِ العدوُ، أنزلتَهُ بكَ وشكوتُهُ إليكَ رغبةٌ مني إليكَ عمّن سواكَ. ففرّجتَهُ عني وكشفتَهُ، فأنتَ وليُّ كُلِّ نعمةٍ، وصاحبُ كلِّ حسنةٍ، ومنتهى كُلِّ رغبةٍ)[61]. يصفُ أحدُ الذين شهدوا كربلاء، بالقول: (فواللهِ، ما رَأيتُ مَكثُوراً – قَط- قَد قُتِلَ وِلْدُهُ وأهلُ بيتِهِ وصحبُهُ أَرْبطَ جَأشاً مِنْهُ، ولا أمْضَى جَنانَاً ولا أَجْرأَ مَقدَماً، ولَمْ أرَ قبلَهُ ولا بَعدَهُ مثلَهُ، ولقَد كانَتْ الرِّجالُ لتَشدُّ عليهِ، فيشدُّ علَيها، فتَنْكشفُ بَينَ يَديهِ. ولقدْ كانَ يَحمِلُ عليهم، وقد تَكامَلُوا ثلاثين ألفاً، فينهزمونَ بينَ يديهِ كأنَّهمْ الجَرادُ المُنتَشِرُ، ولَمْ يَثبتْ له أحدٌ. ثُمَّ يَرجِعُ إلى مركزِهِ وهو يَقولُ: (لا حولَ ولا قوَّةَ إلاّ باللهِ العليِّ العظيمِ) حتَى قَتلَ منهُمْ مَقتلةً عَظيمةً. فَصاحَ عُمرُ بن سعد بِقومهِ: الويلُ لكُم، أَتدرونَ مَنْ تُقاتِلونَ، هذا ابنُ الأنزعِ البطينِ، هذا ابنُ قتّالِ العَربِ، احْملُوا عليهِ منْ كلّ جانب، فأمر شِمرٌ الرماةَ فَرشَقُوهُ بالسِّهامِ، وجاءَ الشّمرُ في جَماعَة منْ أصْحَابه، فحالُوا بينَ الحسينِ (ع) وبينَ رحلِهِ وعيالِهِ، فصاحَ بِهمْ: (ويَحَكُمْ يا شيعةَ آلِ أَبي سُفيانَ، إنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ ديِنٌ، وكُنتُمْ لا تخَافَونَ المَعادِ، فَكونُوا أحراراً في دُنْياكُم وارجِعُوا إلى أحْسابِكُمْ إنْ كُنتُم عُرُباً كَما تَزْعُمُون). فقالوا له: ما تقولُ يابن فاطمة؟ فقال: (أقولُ: أنا الذي أُقاتُلكُم وتُقاتِلُونني، والنساءُ ليسَ عليهَّن جُناحٌ، فامنعَوا عتاتَكم وجُهّالكُم عن التعرضِ لحرمي ما دمتُ جيّاً). فقالَ شمرٌ: لك ذلك يا حسينُ، ثم صاحَ بالقومِ: إليكُم عن حرمِ الرَجلِ، فاقصدُوهُ بنفسِهِ، فلعَمري لهو كفؤٌ كريمٌ. فقصدَهُ القومُ واشتدّ القتالُ، وجَعلَ يَحملُ عليهم ويحملونَ عليهِ، وقدْ اشتدّ بهِ العطشُ، وكلّما حَملَ بفَرسهِ علَى الفُراتِ حَملوا عليهِ حتّى أجلَوْهُ عنْهُ، ودنا من الفرات - ثانياً - فرماهُ الحُصينُ بنُ نُمير بسهم، وَقعَ في فمهِ الشريفِ، فَجعلَ يتلقّى الدمَ من فمهِ ويَرمي بهِ نحوَ السماءِ، وقالَ: (اللّهمّ إنّي أشْكو إليكَ ما يُفعلُ بابنِ بنتِ نبيّك). وحَملَ من نحو الفراتِ على الأعْورِ السّلَمي وعَمْرو بنِ الحجّاجِ وكانَا في أربعةِ آلاف، فكَشفَهُم عن الماءِ وأقْحمَ الفرسَ في الفُراتِ، ولمّا مدّ الحُسينُ (ع) يدَهُ إلى الماءِ ليَشربَ ناداهُ القومِ: يا حُسينُ، أتلتذ بِشربِ الماءِ، وقد هُتِكَتْ حُرمُكَ. فنفضَ الماءَ من يدهِ ولمْ يَشربْ، وحَملَ علَى القَومِ، فَكشفَهم وقَصدَ الخيمةَ، فاذا هيَ سالمةٌ. ثم إنّه (ع) ودّع عياله – للمرة الأخيرة - وأمرَهم بالصبرِ، ووَعدَهم بالثواب والأجْرِ وقالَ لَهم: (استعدّوا للبلاءِ، واعلموا أنّ اللهَ تعالى حاميكُمْ وحافظُكمْ، وسيُنجِّيكُم من شرّ الأعداءِ، ويَجعلُ عاقبةَ أمركم إلى خير، ويُعذّبُ عدوَّكُم بأنواعِ العذابِ، ويُعَوّضُكُمْ ما يَنقصُ منْ قَدرِكُم). فصاحَ عُمَرُ بنُ سعد بقومهِ: ويَحكُم، اهجموا عليهِ ما دامَ مشغولاً بنفسهِ وحرمِهِ، واللهِ إنْ فَرِغَ لكُم لا تَمتازُ ميمنَتُكُم عن ميسرتِكُم، فَحَملُوا عليهِ يرمونَه بالسّهامِ، حتّى تَخالفتْ السّهامُ بينَ أطنابِ المخيّم. فَحملَ على القومِ كالليثِ الغَضبانِ، فلا يَلحقُ أَحداً إلاّ ضَرَبهُ بسيفِهِ فقَتلَهُ، والسِّهامُ تَأخذُه من كلّ جانب وهو يتّقيها بصدرِهِ ونحرِهِ ويقولُ: (يا أمةَ السّوءِ، بِئْسَما خَلّفتُم مُحمَداً في عترتِهِ، أمَا إنّكُم لن تَقتُلوا بَعدي عَبْداً من عبادِ اللهِ، فتَهابُون قتلَهُ، بلْ يَهونُ عليكُم ذلك عندَ قتلِكُم إيّايَ، وأَيمُ اللهِ إنّي لأَرْجو أن يكرمَني الله بالشهادةِ، ثُمْ ينتَقِمُ لي مِنكُم من حيثُ لا تشعُرُونَ). فناداهُ الحُصينُ بنُ مالك: وبماذا ينتقمُ لكَ منّا يا ابنَ فاطمة؟ فقالَ الحُسينُ (ع): (يُلقِي بَأسَكُم بينَكُم، ويَسِفكُ دماءَكُم، ثُمّ يَصبُّ عليكُم العذابَ الأليمَ). ورَجعَ (ع) إلى مركزِهِ، وهو يُكثِرُ من قَولِ: (لا حولَ ولا قوّةَ إلاّ باللهِ العلّي العظيمِ)، وطَلَبَ في هذه الحالِ ماءً، فقالَ لهُ الشّمرُ: لا تَردُهُ حتّى تَرِدَ النارَ، وناداهُ آخر: يا حسينُ، ألا تَرَى الفُراتَ، كأنّه بُطونُ الحيّاتِ، فلا تَشربُ منْهُ قَطرةً حتّى تموتَ عَطَشاً. فقالَ الحُسينُ (ع): (اللّهمّ أَمِتْهُ عَطَشاً). فكان ذلكَ الرجلُ يَطلبُ الماءَ، فيُؤتَى بهِ، فَيَشرب ولا ينفعه، وما زالَ كذلكَ إلى أن ماتَ عَطَشاً. ورماه أبو الحتوفِ الجُعفِي بسهم وَقعَ في جبهتِهِ فنَزعَهُ، وسالَتْ الدِماءُ على وجهِهِ، فقالَ: (اللّهمّ إنّكَ تَرى ما أنا فيه من عبادِكِ هؤلاءِ العُصاةِ، اللّهمّ أَحْصَهِمْ عَدَداً واقتُلْهُم بَدَداً، ولا تَذَر على وجهِ الأرضِ منهُم أحداً، ولا تَغفرْ لَهُم أَبَداً). وأصابته جرِاحاتٌ كثيرةٌ، حتى ضَعُفَ عن القتالِ. ولمّا ضَعُفَ عن القتالِ وقفَ ليستريحَ قَلَيلاً، فَرماهُ رجلٌ بِحجَر في جبهِتِه، فسالَتْ الدِّماءُ على وجهِهِ، فأَخذَ الثَوبَ لِيَمْسحَ الدمَ عن وجهِهِ وعينيهِ، فأَتاهُ سهمٌ مُحدَدٌ مسمومٌ لهُ ثلاثُ شُعِب وَقعَ على قلبِهِ فقالَ (ع): (بِسمِ اللهِ وباللهِ وعلى ملّةِ رسولِ الله صلى اللهُ عليهِ وآلهِ ورَفعَ رأسَهُ إلى السماءِ وقالَ: (إلهي إنّكَ تعلَمُ إنّهم يَقتلُونَ رَجُلاً، ليسَ على وجهِ الأرضِ ابنُ بِنتِ نَبيٍّ غَيرُهُ). ثُمّ أَخذَ السّهمَ فأَخْرَجَهُ من وراءِ ظَهرِه، فانبعثَ الدمُ كالميزابِ فوَضعَ يَدَهُ تَحتَ الجُرحِ، فلّما امتلأَتْ دَماً، رَمَى بهِ نحوَ السّماءِ، وقالَ: (هَوّنَ عليّ ما نَزلَ بِي أَنّهُ بعينِ اللهِ)، فلمْ تَسقُطْ من ذلك الدّم قَطرةٌ إلى الأرضِ، ثُمَ وَضعَ يَدَهُ – ثانياً- فلمّا امتلأَتْ لطّخَ بهِ رأسَهُ ووَجْهَهُ ولحيَتَهُ، وقالَ: (هكذا أكون، حتّى أَلقَى اللهَ وجدّي رسولَ الله (ص) وأَنا مُخضَّبٌ بدمي...). ولمّا أُثْخِنَ (ع) بالجِراحِ طعنه صالحٌ بنُ وهب المرِّي في خاصرتِهِ طعنةً فسقَطَ عن فرسِهِ إلى الأرضِ على خدِّهِ الأيمنِ وهو يقولُ: (بِسمِ اللهِ وباللهِ وعلَى ملّةِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله). وأعياهُ نَزفُ الدّمِ، فجَلَسَ على الأرضِ يَنوءُ برقبتِهِ، فانْتَهى إليه في تلكَ الحالِ مالكُ بنُ النَّسر الكندي، فشتَمَهُ ثُمّ ضرَبَهُ بالسيفِ على رأسِهِ، وكانَ عليهِ بُرنُسٌ، فامْتَلأَ البُرنُسُ دَماً فقالَ الحُسينُ (ع): (لا أكلتَ بيمينِكِ ولاَ شربْتَ بِها، وحَشَرَكَ اللهُ مع الظالمينَ) ثم ألقى البُرنُسَ وشدّ رأسَهُ بخرقَة استدعاها. (تليها ص 197 - 234)
اللاحق صفحة التحميل الصفحة الرئيسية [1] الفتوح ج 5 ص 83. [2] الارشاد ص 231. [3] الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 105. [4] الارشاد ص 231. [5] بحار الأنوار ج 11 ص 149. [6] ناسخ التواريخ ج 2 ص 160. [7] الكامل في التاريخ ج 2 ص 560. [8] اللهوف لابن طاووس ص 36. [9] سورة آل عمران: الآية 178- 179. [10] كامل الزيارات ص 73. [11] تاريخ الطبري ج 3 ص 318، الارشاد ص 233. [12] المناقب لابن شهرآشوب ج 4 ص 100. [13] مقتل الحسين (ع) للخوارزمي ج 1 ص 252، وبحار الأنوار ج 45 ص 5. [14] سورة يونس: الآية 71. [15] سورة الاعراف: الآية 196. [16] سورة الدخان: الآية 20. [17] سورة غافر: الآية 27. [18] تاريخ الطبري ج 3 ص 318، والارشاد ص 234. [19] ينابيع المودّة ص 340 ط مصر. [20] سورة البقرة: الآية 197. زهر الآداب للحصري ج 1 ص 62، طبع سنة 1372. [21] تَفَيَّلَ: ضعف واخطأ، تفيَّل رأيه: ضعف رأيه واخطأ.
[22] مقتل الحسين عليه السلام الخوارزمي ج 2 ص 6 ط الغري. * الطب هو الإرادة والعادة. [23] الكامل في التاريخ ج 2 ص 563، وتاريخ الطبري ج 3 ص 320. [24] راجع ينابيع المودة ص 414. [25] بحار الانوار ج 45 ص 12، اللهوف ص 100. [26] تاريخ الطبري ج 3 ص 321. [27] الكامل في التاريخ ج 2 ص 564 مع تغيير طفيف في السرد. [28] سورة الاحزاب: الآية 23. [29] مقتل الحسين (ع) للخوارزمي ج 2 ص 15. [30] اللهوف ص 46. [31] تاريخ الطبري ج 3 ص 326. [32] معالي السبطين ج 1 ص 361. [33] مقتل العوالم ص 88. [34]ذخيرة الدارين ص 178. [35] اللهوف ص 62. [36] الخلاف ج 1 ص 231. [37] ناسخ التواريخ ج 2 ص 287. [38]الخوارزمي (مقتل الحسين) ج 1 ص 232 ط النجف. [39] معاني الأخبار ص 288، ب 21 ، ح 3. [40] الكامل في التاريخ ج 2 ص 567. [41] ينابيع المودة ص 415. [42] العوالم ج 17 ص 269. [43] اسرار الشهادة ص 295. [44] معالي السبطين ج 1 ص 384. [45] سورة غافر: الآية 30-33. [46] سورة طه: الآية 61. [47] تاريخ الطبري ج 3 ص 329، ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 24. [48] مثير الاحزان ص 66. [49] تاريخ الطبري ج 3 ص 330. [50] بحار الانوار ج 45 ص 47. [51] ينابيع المودة ص 412. [52] المناقب لابن شهرآشوب ج 4 ص 100. [53] بحار الانوار ج 45 ص 42. اللهوف ص 48. [54] سورة آل عمران: الآية 33- 44. [55] اللهوف ص 49، مقاتل الطالبيين ص 116. [56] بحار الانوار ج 45 ص 43، مقاتل الطالبيين ص 115. [57] الاقبال ص 49، الارشاد ص 239. [58] بحار الانوار ج 45 ص 41. [59] مقتل الحسين للمقرم ص 328. [60] بحار الانوار ج 45 ص 42. [61] الإرشاد للشيخ المفيد ص 233. |