(ص 39-69)

(11)

مع أبيه (ع) قبل الخلافة (سنة 11- 36هـ)

عاش الحسين (ع) مع أبيه مدة سبع وثلاثين سنة، منها ثلاثون سنة مدة إمامة إبيه (ع). وشارك الحسين (ع) في حياة أبيه بنشاطات متنوعة منها: تعليمه المسلمين أحكام دينهم بإشارة مباشرة من علي (ع)، وخطابه لأبي ذر عندما نُفي إلى الربذة، ودعائه بالإستسقاء بإشارة من أبيه (ع)، ومشاركته (ع) في إقامة حدود الله تعالى، ووقوفه إلى جنب أبيه (ع) في جميع حروبه وهي الجمل وصفين والنهروان. وكان زواجه (ع) قد تمّ في خلافة أمير المؤمنين (ع).

تعليمه (ع) المسلمين أحكام دينهم:

وكان الإمام أمير المؤمنين (ع) يشير إلى ابنه الحسين (ع) في التصدي لأسئلة المسلمين فيما يتعلق بأحكام الشريعة والعقائد وإجابتهم بصورة مباشرة.

يروي أبو سلمة، قال: حججت مع عمر بن الخطاب، فلما صرنا بالأبطح فإذا بأعرابيّ قد أقبل علينا، فقال مخاطباً الخليفة الثاني: إني خرجت وأنا حاجّ محرم فأصبت بيض النعام، فاجتنيت وشربت وأكلت، فما يجب عليَّ؟

قال عمر: ما يحضرني في ذلك شيء. فاجلس لعلّ الله يفرج عنك ببعض أصحاب محمد (ص). فاقبل علي بن أبي طالب (ع) والحسين (ع) يتلوه.

فقال عمر: يا أعرابي هذا علي بن أبي طالب (ع) فدونك ومسألتك، فقام الأعرابيُّ وسأله، فاشار الإمام عليٌّ (ع) إلى ابنه الحسين (ع).

فقال الحسين (ع): (ألكَ إبلٌ؟).

قال: نعم.

قال (ع): (خُذْ بعددِ البيضِ الذي أصبتَ نوُقاً فاضربها بالفُحُولةِ فما فصَلَتْ فاهدِها إلى بيت الله الحرام).

قال عمر: يا حسين النوق يزلقن[1].

فقال الحسين (ع): (يا عمر إنَّ البيضَ يَمْرِقْنَ[2]).

فقال: صدقت وبررت. فقام عليّ (ع) وضمّه إلى صدره وقال: (ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)[3].([4].

الدلالات:

1- والمعنى هو ان ذلك الحاج المحرِم كان قد أصاب بيضاً للنعام فأكله، وهو محرّمٌ عليه ذلك.

فأجابه الإمام الحسين (ع) بان يأخذ مجموعة من النوق وهي انثى الابل (بعدد البيض التي أصابها وأكلها) ويجمعها مع فحل الابل حتى تتكاثر. وعندما يحين موعد فطم ما ولد من الابل، يهديها إلى بيت الله الحرام.

فاعترض عليه عمر بان انثى الابل كثيراً ما يسقطن الولد. وكأنه أراد ان يحتج على صواب الحكم الشرعي الذي أورده الإمام (ع) عبر إبراز إشكال أقرب إلى القياس وهو ان ما أكله من بيض النعام لا يعادل ما سينتجه الضرب بين إناث الابل وفحلها.

فاجابه الحسين (ع) بنفس السياق، وهو ان البيض يفسد ويصبح ماءً كما ان اناث الابل تسقط الولد بكثرة.

2- ان من شروط الإمامة العلم باحكام الإسلام. فالقول: (ما يحضرني في ذلك شيء. فاجلس لعل الله يفرج عنك ببعض أصحاب محمد صلى الله عليه وآله) لا يناسب مقام الخلافة والإمامة. وعلم أهل البيت (ع) بدقائق الشريعة هو الذي جعل المسلمين يقومون باتباعهم والإذعان لإمامتهم، مع انهم لم يجلسوا على كرسي الحكم والادارة الإجتماعية عدا أمير المؤمنين علي (ع).

3- ان الحديث يعبّر عن عملية تربية الحسين (ع) من قبل أبيه الإمام علي (ع)، فهو الذي حثّه على إجابة الإعرابي، وعندما أجابه الحسين (ع) ضمه إلى صدره قائلاً: (ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ...). وفيه دلالة على رعاية علي (ع) لابنيه في قضايا الدين والإمامة.

 مع أبي ذر في محنته:    

ولما شيع أمير المؤمنين (ع) أبا ذر (رحمه الله)، بعد نفيه إلى الربذة من قبل الخليفة الثالث، وشيعه ايضاً الحسن والحسين وعقيل بن أبي طالب وعبد الله بن جعفر وعمار بن ياسر، قال لهم علي (ع): (ودعوا أخاكم فانه لابد للشاخص من أن يمضي، وللمشيع من أن يرجع). فتكلم كل رجل منهم على حياله.

فقال الحسين (ع): (رحمك الله يا أبا ذر ان القوم إنما امتهنوك بالبلاء، لأنك منعتهم دينك، فمنعوك دنياهم. فما أحوجك غداً إلى ما منعتهم وأغناك عما منعوك).

فقال أبو ذر: (رحمكم الله من أهل بيت، فما لي في الدنيا من شجن غيركم. اني إذا ذكرتكم ذكرت رسول الله صلى الله عليه وآله)[5].

وفي رواية مفصّلة، أنه: لما أُخرج أبو ذر إلى الربذة بأمر عثمان، نودي في الناس: أن لا يكلّم أحد أبا ذرّ ولا يشيّعه. وأمر مروان بن الحكم أن يخرج به، فتحاماه الناس إلا علي بن أبي طالب (ع) وعقيلاً أخاه وحسناً وحسيناً (عليهما السلام) وعمّار بن ياسر، فانهم خرجوا معه يشيّعونه، فجعل الحسن (ع) يكلّم أبا ذر، فقال له مروان: (إيهاً يا حسن، ألا تعلم أن الخليفة قد نهى عن كلام ذلك الرجل، فإن كنت لا تعلم فاعلم ذلك). فحمل عليّ (ع) على مروان فضرب بالسوط بين أذني راحلته، وقال: (تنحّ لحاكَ الله إلى النار). فرجع مروان مغضباً إلى عثمان فأخبره الخبر، فتلظى على عليّ (ع). ولكن ذلك لم يمنع أهل البيت (ع) وصاحب رسول الله (ص) عمار بن ياسر من توديع أبي ذر.

فقال علي (ع): (يا أبا ذر إنك غضبت لله، إنّ القوم خافوك على دنياهم وخفتهم على دينكَ، فامتحنوك بالقلا، ونفوك إلى الفلا، والله لو كانت السماوات والأرض على عبد رتقاً ثم اتقى الله لجعل له منهما مخرجاً. يا أبا ذر لا يؤنسنّك إلا الحق، ولا يوحشنّك إلا الباطل).

ثم قال لأصحابه: (ودعوا عمّكم)، وقال لعقيل: (ودّع أخاك).

فتكلّم عقيل فقال: (ما عسى أن نقول يا أبا ذرّ، أنت تعلم أنّا نحبّك وأنت تحبّنا فاتّق الله، فإنَّ التقوى نجاة، واصبر فإنّ الصبر كرم، واعلم أنّ استثقالك الصبر من الجزع، واستبطاءك العافية من اليأس، فدع اليأس والجزع).

ثم تكلم الحسن (ع) فقال: (يا عمّاه لولا أنه لا ينبغي للمودّع أن يسكت، وللمشيّع أن ينصرف لقصر الكلام وإن طال الأسف، وقد أتى القوم إليك ما ترى، فضع عنك الدنيا بتذكّر فراقها، وشدّة ما اشتدّ منها برجاء ما بعدها، واصبر حتى تلقى نبيّك (ص) وهو عنك راض).

ثم تكلّم الحسين (ع) فقال: (يا عمّاهُ إنَّ اللهَ تعالى قادرٌ أن يغيّر ما قد ترى، واللهُ كُلَّ يومٍ في شأن. وقد منعك القومُ دنياهم، ومنعتهم دينك، فما أغناك عما منعوك، وأحوجهم إلى ما منعتهم. فأسأل اللهَ الصبرَ والنصرَ، واستعِذْ به من الجشع والجزع، فإن الصبر من الدين والكرم، وإن الجشعَ لا يُقدِّمُ رزقاً، والجزعُ لا يُؤخرُ أجلاً).

ثم تكلم عمار رحمه الله مغضباً فقال: (لا آنس الله من أوحشك، ولا آمن من أخافك، أما والله لو أردت دنياهم لآمنوك، ولو رضيت أعمالهم لأحبوك، وما منع الناس أن يقولوا بقولك إلا الرضا بالدنيا، والجزعِ من الموت، ومالوا إلى سلطان جماعتهم عليه، والملك لمن غلب، فوهبوا لهم دينهم، منحهم القوم دنياهم، فخسروا الدنيا والآخرة، ألا ذلك هو الخسران المبين).

فبكى أبو ذر رحمه الله وكان شيخاً كبيراً، وقال: (رحمكم الله يا أهل بيت الرحمة، إذا رأيتكم ذكرتُ بكم رسول الله (ص)، ما لي بالمدينة سكن ولا شجن غيركم، إني ثقلت على عثمان بالحجاز، كما ثقلت على معاوية بالشام، وكره أن أجاور أخاه وابن خاله بالمصرين فأفسد الناس عليهما، فسيّرني إلى بلد ليس لي به ناصر ولا دافع إلا الله، والله ما أريد إلا الله صاحباً، وما أخشى مع الله وحشة...)[6].

 (12)

مع أبيه (ع) خلال خلافته (سنة 36 -40 هـ)

          وعندما ألبسَ أميرُ المؤمنين (ع) الخلافة زينةً وكمالاً، كان الحسين (ع) شاباً في بداية الثلاثينات من عمره. وشارك الحسين (ع) أباه (ع) في شتى النشاطات الدينية والإجتماعية.

  خلافة أمير المؤمنين (ع):

          فلما قُتِلَ عثمان انثالَ الناسُ على علي بن أبي طالب (ع) واصرّوا على بيعته حتى وطئ الحسنان وشق عطفاه، كما قال في خطبته الشقشقية، ثم بايعه الناس فقام بالأمر.

          فلما تسنم علي (ع) منصب الخلافة خرج إلى المسجد متعمماً بعمامة رسول الله (ص) لابساً بردة رسول الله (ص) متنعلاً نعل رسول الله (ص) متقلداً سيف رسول الله (ص)، فصعد المنبـر فجلس عليه متحنكاً، ثم شبك بين أصابعه فوضعها أسفل بطنه ثم قال: (يا معشر الناس سلوني قبل ان تفقدوني، هذا سفط العلم، هذا لعاب رسول الله، هذا ما زقّني رسول الله زقاً زقاً، سلوني فإن عندي علم الأولين والآخرين. أما والله لو ثنيت لي وسادة فجلست عليها لأفتيت أهل التوراة بتوراتـهم حتى تنطق التوراة فتقول: صدق عليٌّ ما كذب لقد أفتاكم بما أنزل الله فيّ، وأفتيت أهل الإنجيل بإنجيلهم حتى ينطق الإنجيل فيقول: صدق عليٌّ ما كذب لقد أفتاكم بما أنزل الله فيّ، وأفتيت أهل القرآن بقرآنـهم حتى ينطق القرآن فيقول: صدق عليٌّ ما كذب...).

ثم أمرَ الحسن (ع) بأن يخطب، فخطب.

ثم أمرَ الحسين (ع) وقال: (يا بنّي قُمْ فاصعد فتكلم بكلام لا يجهلك قريش من بعدي، فيقولون: إنّ الحسين بن علي لا يبصر شيئاً، وليكن كلامك تبعاً لكلام أخيك).

          فصعد الحسين (ع) فحمد الله وأثنى عليه، وصلّى على نبيه وآله صلاة موجزة، ثم قال: (معاشِرَ الناسِ سمعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وهو يقول: ان علياً مدينة هدى، فمن دخلها نجى ومن تخلف عنها هلك)[7].  

 

 الحسين (ع) وطلب الاستسقاء:     

ولما جاء أهل الكوفة الى الإمام علي (ع) يشكون إليه إمساك المطر، قالوا له: استسق لنا. فقال أمير المؤمنين (ع) لابنه الحسين (ع): قم واستسق. فقام (ع) وحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي، وقال: (اللهمَّ مُعْطِي الخيراتِ ومُنْـزِلَ البركاتِ أرسِلْ السماءَ علينا مِدْراراً، واسقِنْا غيثاً مِغْزاراً، واسعاً غَدَقاً، مُجَلَّلاً سَحّاً[8]، سُفُوحاً[9] فُجاجاً[10]، تُنَفِّسُ بهِ الضَّعفَ من عبادِكَ وتُحيي بهِ الميِّتَ من بلادِكَ، آمينَ ربَّ العالمين).

فما أن فرغ من دعائه (ع) حتى غاث الله تعالى غيثاً،  تماماً كما نعت (ع) في طلب استسقائه. وأقبل أعرابي من بعض نواحي الكوفة فقال: تركت الأودية والآجام يموج بعضها في بعض[11].

          وفي مناسبة أخرى: اجتمع عند علي بن أبي طالب (ع) قوم فشكوا إليه قلّة المطر، وقالوا: يا أبا الحسن ادع لنا بدعوات في الاستسقاء. فدعا علي (ع) الحسن والحسين فقال للحسن (ع): ادع لنا بدعوات في الاستسقاء.

          فقال الحسن (ع): (اللهمَّ هيّج لنا السحاب، وفتّح الأبواب بـماء عباب ورباب، بانصباب وإسكاب. يا وهاب اسقنا مغدقة مونقة، فتّح أغلاقها، ويسر أطباقها، وعجّل سياقها بالأندية في بطون الأودية بصوب الماء. يا فعال اسقنا مطراً قطراً، طلاً مطلاً، مطبقاً طبقاً، عامّاً معمّاً، دهماً بهماً رجماً، رشّاً مرشّاً، واسعاً كافياً عاجلاً طيّباً مباركاً، سلاطحاً بلاطحاً، يناطح الأباطح، مغدودقاً مطبوبقاً مغرورقاً. واسق سهلنا وجبلنا، وبدونا وحضرنا حتى ترخص به أسعارنا، وتبارك لنا في صاعنا ومدّنا، أرنا الرزق موجوداً والغلاء مفقوداً آمين رب العالمين).

          ثم قال للحسين (ع): ادعُ.

          فقال الحسين (ع): (اللهمَّ يا مُعطيَ الخيراتِ من مناهلها، ومُنـزِلَ الرحماتِ من معادنها، ومجريَ البركاتِ على أهلها، منك الغيثُ المغيثُ، وأنت الغياثُ المُستغاثُ، ونحنُ الخاطئونَ وأهلُ الذنوبِ، وأنت المستغفرُ الغفّارُ، لا إلهَ إلا أنتَ. اللهمَّ أرسلِ السماءَ علينا لحينها مدراراً، واسقنا الغيثَ واكفاً مِغزاراً[12]، غيثاً مغيثاً، واسعاً متسعاً مريّاً[13] مُمرعاً، غَدَقاً مُغْدِقاً غيلاناً[14]، سحّاً[15] سحْساحاً، بحاً[16] بَحّاحاً، سائلاً مُسِلاً عاماً، وَدَقاً مِطفاحاً، يدفع الودقُ[17] بالودقِ دفاعاً، ويتلو القطَرُ منه قطراً، غيرَ خُلَّبٍ[18] برْقُهُ، ولا مُكذَّبٌ رعدُهُ، تُنعِّشُ[19] به الضعيفَ من عبادك، وتُحيي به الميتَ من بلادك، وتستحقُ به علينا من مننك، آمين ربَّ العالمين).

          فلما فرغا من دعائهما، صبَّ الله تبارك وتعالى عليهم السماء صبّاً. فقيل لسلمان: يا أبا عبد الله أُعلّما هذا الدعاء؟

          فقال: ويحكم أين أنتم عن حديث رسول الله (ص) حيث يقول: (إنَّ الله أجرى على ألسن أهل بيتي ينابيع الحكمة)[20].

 مع الرجل الذي آتاه الله علماً:

          ويأتي الرجل الصالح الذي آتاه الله علماً إلى أمير المؤمنين (ع) ويحييه بتحية الإسلام ويذكر له أموراً حول أمة محمد (ص).

فقد كان أمير المؤمنين (ع) في مسجد الكوفة يوماً، فلما جنّ عليه الليل أقبل رجل من باب الفيل عليه ثياب بيض، فجاء الحرس وشرطة الخميس، فقال أمير المؤمنين (ع) لهم: ما تريدون؟ فقالوا: رأينا هذا الرجل أقبل إلينا فخشينا أن يغتالك. فقال (ع): كلا فانصرفوا رحمكم الله، أتحفظوني من أهل الأرض؟ فمن يحفظني من أهل السماء؟ ومكث الرجل عنده مليّاً يسأله، ثم قال: يا أمير المؤمنين لقد ألبستَ الخلافة بهاءً وزينةً وكمالاً ولم تُلبِسْكَ، ولقد افتقرتْ إليك أمة محمد (ص) وما افتقرتَ إليها، ولقد تقدمكَ قومٌ وجلسوا مجلسك فحسابهم عند الله. وإنك لزاهدٌ في الدنيا وعظيمٌ في السموات والأرض، وإن لك في الآخرة لمواقف كثيرة تقرُّ بـها عيون شيعتك، وإنك لسيد الأوصياء وأخوك سيد الأنبياء، ثم ذكر الأئمة الاثني عشر، وانصرف.

          وعندما جاء الحسن والحسين (ع) واستفسرا عن ماهية ذلك الرجل، أخبرهما بأنه العبد الذي آتاه الله من لدنه علماً[21].

          وهو العالم الذي لقيه موسى (ع) ووصفه الله تعالى وصفاً جميلاً بقوله: (...عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا)[22]، ولم يسمِّه. وقد ورد في بعض الروايات أن اسمه الخضر وكان من انبياء بني اسرائيل معاصراً لموسى (ع)، وفي روايات أخرى عن أئمة أهل البيت (ع) أن الله رزقه طول العمر فهو حي لم يمت بعد. وليس ذلك بعزيز على الله تعالى. فقد يعمّر العبد – بإذن الله- عمراً مديداً، وليس هناك من دليل عقلي يدلّ على استحالة ذلك.

  اجراء الحد:

          وفي فترة خلافة أمير المؤمنين (ع) أتته امرأة محج[23] فقالت: يا أمير المؤمنين اني زنيت فطهرني طهرك الله، فإن عذاب الدنيا أيسر من عذاب الآخرة الذي لا ينقطع.

          فقال (ع) لها: (مما اُطهّرك؟). فقالت: انّي زنيت.

          فقال (ع) لها: (وذات بعل أنت أم غير ذلك؟). فقالت: بل ذات بعل.

          فقال (ع) لها: (أفحاضر كان بعلك إذ فعلت ما فعلت؟ أم غائب كان عنك؟). قالت: بل حاضر.

          فقال (ع) لها: (انطلقي فضعي ما في بطنك ثم إيتني اُطهّرك). فلما ولت المرأة عنه فصارت في موضع لا تسمع كلامه، قال (ع): (اللهم انـها شهادة).

          فلم تلبث أن أتت فقالت: وضعتُ فطهّرني. فتجاهل عنها، فقال (ع): (يا أمة الله مماذا؟). فقالت: اني زنيت فطهّرني.

          فقال (ع): (وذات بعل أنت إذ فعلت ما فعلت؟). قالت: نعم.

          قال (ع): (فكان زوجك حاضراً أم غائباً؟). قالت: بل حاضراً.

          قال (ع): (انطلقي فارضعيه حولين كاملين كما أمرك الله). فانصرفت المرأة، فلما صارت منه حيث لا تسمع كلامه قال (ع): (اللهم انهما شهادتان).

          فلما مضى حولان أتت المرأة فقالت: قد أرضعته حولين فطهّرني يا أمير المؤمنين، فتجاهل عنها، قال (ع): (أطهّرك مماذا؟). قالت: اني زنيت فطهّرني.

          فقال (ع): (وذات بعل كنت إذ فعلت ما فعلت؟). فقالت: نعم.

          فقال (ع): (وبعلك غائب إذ فعلت ما فعلت أم حاضر؟). قالت: بل حاضر.

          فقال (ع): (انطلقي فاكفليه حتى يعقل أن يأكل ويشرب ولا يتردّى من سطح ولا يتهور في بئـر). فانصرفت وهي تبكي، فلما ولّت حيث لا تسمع كلامه، قال (ع): (اللهم انها ثلاث شهادات).

فاستقبلها عمرو بن حريث المخزومي فقال: ما يبكيك يا أمة الله وقد رأيتك تختلفين إلى علي (ع) تسألينه أن يطهّرك؟

          فقالت: اني أتيت أمير المؤمنين (ع) فسألته أن يطهّرني، فقال: اكفلي ولدك حتى يعقل أن يأكل ويشرب ولا يتردّى من سطح ولا يتهور في بئر، ولقد خفت أن يأتي عليّ الموت ولم يطهّرني. فقال لها عمرو بن حريث: ارجعي إليه فأنا اكفله.

          فرجعت فأخبرت أمير المؤمنين (ع) بقول عمرو، فقال لها أمير المؤمنين (ع) وهو يتجاهل عنها: (ولم يكفل عمرو بن حريث ولدك؟). فقالت: يا أمير المؤمنين زنيت فطهّرني.

          فقال (ع): (وذات بعل كنت إذ فعلت ما فعلت؟). قالت: نعم. قال (ع): (أفغائباً كان بعلك إذ فعلت ما فعلت أم حاضراً ؟). قالت: بل حاضراً.

          فرفع (ع) رأسه إلى السماء وقال: (اللهم انه قد ثبت لك عليها اربع شهادات وانك قد قلت لنبيك (ص) فيما اخبرته من دينك: يا محمد من عطّل حداً من حدودي فقد عاندني وطلب بذلك مضادتي. اللهم واني غير معطل حدودك، ولا طالب مضادتك، ولا مضيّع لأحكامك، بل مطيع لك ومتبع سنة نبيك).

          فنظر (ع) محمرّاً إلى عمرو بن حريث وكأنما الرمّان يُفقأ في وجهه، فلما رأى عمرو ذلك، قال: يا أمير المؤمنين اني إنما أردت أن أكفله إذ ظننت أنك تحب ذلك. فأما إذ كرهته فإني لست أفعل.

          فقال أمير المؤمنين (ع): (أبعد أربع شهادات بالله؟ لتكفلنه وأنت صاغر). فصعد أمير المؤمنين (ع) المنبـر فقال: (يا قنبـر ناد في الناس الصلاة جامعة). فنادى قنبـر في الناس واجتمعوا حتى غص المسجد بأهله، وقام أمير المؤمنين (ع) فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: (أيها الناس انّ إمامَكم خارجٌ بـهذه المرأة إلى هذا الظَهْر ليقيم عليها الحد إن شاء الله، فعزم عليكم أمير المؤمنين إلا خرجتم وأنتم متنكرون ومعكم أصحابكم، لا يتعرّف منكم أحد إلى أحد حتى تنصرفوا إلى منازلكم إن شاء الله).

          فلما أصبح الناس بكرة، خرج بالمرأة وخرج الناس متنكرين، متلثمين بعمائمهم وبأرديتهم، والحجارة في أرديتهم وفي أكمامهم، حتى انتهى بـها والناس معه إلى ظَهر الكوفة، فأمر أن يحفر لها حفيرة ثم دفنها لحد وسطها، ثم ركب بغلته وأثبت رجله في غرز الركاب، ثم وضع اصبعيه السبابتين في اذنيه ثم نادى باعلى صوته: (ايها الناس انّ الله تعالى عهد إلى رسوله (ص) عهداً عهده محمد (ص) إليّ بأنه لا يقيم الحد مَنْ لله عليه حد، فمن كان لله عليه حد مثل ما له عليها فلا يقيم عليها الحد).

          فانصرف الناس يومئذٍ كلهم ما خلا أميرُ المؤمنين والحسن والحسين عليهم السلام، فأقامَ هؤلاءِ الثلاثةُ عليها الحدَّ وما معهم غيرُهم. وانصرف يومئذٍ فيمن انصرف محمد [بن الحنفية] بن أمير المؤمنين[24].

 الزهد في أسرة الإمام (ع):

          ومن عدالة أمير المؤمنين (ع) أنه كان يقدّر نفسه وأهل بيته بضَعَفَةِ الناس كيلا يتبيّغ[25] بالفقير فقره. وفي الرواية أن رجلاً من خثعم رأى الحسن والحسين (ع) يأكلان خبـزاً وبقلاً وخلاً، فقال لهما: أتأكلان من هذا وفي الرحبة ما فيها؟ فقالا (ع): (ما أغفلك عن أمير المؤمنين عليه السلام)[26].

 (13)

في الأسرة

          تزوج الحسين (ع) سنة 37 هجرية في الكوفة وله من العمر ثلاث وثلاثون سنة من سيدة النساء المؤمنة الموحدة، كما هو المشهور. فولدت له زين العابدين[27] وتوفيت بعد ذلك بقليل.

ثم تزوج لاحقاً من نساء أخريات، فكان له من الأولاد ستة: أربع من الذكور، واثنان من الإناث: علي زين العابدين وأمه سيدة النساء (توفيت بعد ولادته مباشرة كما ذكرنا سابقاً)، وعلي (الأصغر) وأمه ليلى بنت أبي مرة الثقفية، وجعفر وأمه قضاعية (توفي في حياة أبيه)، وعبد الله (قتل رضيعاً في الطف)، وسكينة شقيقة عبد الله وامهما الرباب بنت أمرئ القيس بن عدي، وفاطمة وأمها أم اسحاق بنت طلحة بن عبيد الله التميمية.

          فكان للحسين (ع) أربع زوجات بعد وفاة سيدة النساء، وهن: الثقفية، والقضاعية، والرباب، والتميمية.

 (14)

الحسين (ع) وحروب الإمام أمير المؤمنين (ع)

          ولما نهض أمير المؤمنين (ع) بالأمر نكثت طائفة ومرقت أخرى وقسط آخرون، فقاتلهم الإمام (ع) كما أخبره رسول الله (ص) بذلك[28]. وكان معه الحسن والحسين (ع) في جميع حروبه، وهي الجمل وصفين والنهروان.

 الحسين (ع) وحرب الجمل:

          وكان الحسين (ع) رؤوفاً رحيماً حتى باعدائه. ولما اُخذ مروان بن الحكم أسيراً يوم الجمل، تكلّم فيه الحسن والحسين (ع) فخلّى الإمام أمير المؤمنين (ع) سبيله، فقالا (عليهما السلام) له: (يُبايعك يا أميرَ المؤمنين). فردّ (ع): (ألم يبايعني بعد قتل عثمان، لا حاجة لي في بيعته، أما إنَّ له إمرة كلعقة الكلب أنفه، وهو أبو الأكبش الأربعة، وستلقى الأمة منه ومن ولده موت أحمر). فكان كما قال (ع)[29].

          ولما دخل الحسين بن علي (ع) على معاوية في فترة حكمه، قال له: ما حمل أباك على أن قتَلَ أهل البصرة ثم دارَ عشياً في طرقهمْ في ثوبين؟ (أي لم يحتمِ بلبس الدرع أو نحوه مخافة الاغتيال).

          فقال (ع): (حَمَلَهُ على ذلك علمُهُ أنَّ ما أصابه لم يكن ليُخطِئَهُ وأنَّ ما أخطأَهُ لم يكن ليُصيبَهُ). قال: صدقت[30].

 الحسين (ع) وحرب صفين:

وفي حرب صفين، لما خطب أمير المؤمنين (ع) بالكوفة وحرّض الناس على حرب معاوية واتباعه، أمر الحسن (ع) بأن يخطب الناس، فخطب.

ثم أمر الحسين (ع)، فقام (ع) فحَمِدَ اللهَ وأثنى عليه بما هو أهلُهُ وقال: (يا أهلَ الكوفةِ أنتم الأحبة الكُرماءُ، والشِّعارُ دون الدِّثارِ، فجِدُّوا في إحياءِ ما دَثَرَ بينكم، وتسهيلِ ما توعَّرَ عليكم[31]. ألا إنَّ الحربَ شرُّها ذريعٌ[32]، وطعمُها فظيع، وهي جُرَعٌ مُستحساةٌ، فمَنْ أخذَ لـها أهبَّتَها، واستعدَّ لـها عُدَّتَها، ولم يألم كلُومَها عند حُلولِها فذاكَ صاحبُها. ومَن عاجلها قبل أوانِ فُرصتها واستبصارِ سعيهِ فيها فذاك قَمَنٌ أن لا ينفَعَ قومَهُ[33] وان يهلك نفسَهُ. نسألُ اللهَ بقوتهِ ان يُدْعِمَكُمْ بالفئة)، ثم نـزل[34].

وتؤكد جميع الروايات التأريخية على شجاعة الحسين (ع) وبأسه في الحروب. قال المجلسي: روي في الكتب المعتبرة عن لوط بن يحيى، عن عبد الله بن قيس، قال: كنت مع من غزى مع أمير المؤمنين (ع) في صفين، وقد أخذ أبو أيوب الأعور السلميّ (من جيش معاوية) الماء وحرزه عن الناس، فشكى المسلمون العطش. فأرسل (ع) فوارس على كشفه، فانحرفوا خائبين، فضاق صدره. فقال له ولده الحسين (ع): (أمضي إليه يا أبتاهُ؟). فقال علي (ع): (أمضِ يا ولدي). فمضى مع فوارس، فهزم أبا أيوب عن الماء، وبنى خيمته وحط فوارسه، وأتى إلى أبيه وأخبره، فبكى أمير المؤمنين (ع). فقيل له: ما يبكيك يا أمير المؤمنين، وهو أولُ فتحٍ فُتِحَ ببركة الحسين؟ فقال (ع): (ذكرت أنه سيقتل عطشاناً بطفّ كربلاء، حتى ينفر فرسه ويحمحم ويقول: الظليمة الظليمة لأمةٍ قتلت ابن بنت نبيها)[35].

          وكان أمير المؤمنين (ع) يتحرز من اندفاع الحسنين (ع) نحو القتال مخافة انقطاع نسل النبي (ص). و"لما رأى الحسن (رض) يتسرع إلى الحرب في بعض أيام صفين، قال: أيها الناس، املكوا عني هذين الغلامين [يقصد الحسن والحسين عليهما السلام]، فاني أنفسُ بهما عن القتل أخاف أن ينقطع بهما نسل رسول الله (ص)"[36].

بين الحسين (ع) وعبد الله بن عمر:

وشخصية الحسين (ع) وفكره الثاقب لم تكونا بالصورة التي يمكن ان ينخدع فيها بالاعيب البعض كعبد الله بن عمر مثلاً. فقد أرسل الأخير إلى الحسين ابن علي (ع) في صفين أن لي إليك حاجة فالقني إذا شئت حتى أخبرك. فخرج إليه الحسين (ع) حتى واقفه وظنّ أنه يريد حربه. فقال له عبد الله بن عمر: إني لم أدعك إلى الحرب، ولكن اسمع منّي فإنها نصيحة لك. فقال الحسين (ع): (قُلْ ما تشاءُ). فقال: اعلم أن أباك قد وتر قريشاً، وقد أبغضه الناس، وذكروا انه هو الذي قتل عثمان، فهل لك أن تخلعه وتخالفه حتى نولّيك هذا الأمر؟

فقال الحسين (ع): (كلا واللهِ لا أكفُرُ باللهِ وبرسولهِ وبوصيِّ رسولِ اللهِ. إخْسَ، ويلك من شيطانٍ ماردٍ! فلقد زيَّنَ لكَ الشيطانُ سُوءَ عمَلِكَ فخدعَكَ حتى أخرجكَ من دينكَ باتِّباعِ القاسطينَ ونصرةِ هذا المارقِ من الدينِ، لم يزل هو وأبوهُ حربين وعدوَّين للهِ ولرسولهِ وللمؤمنينَ. فواللهِ ما أسلما ولكنهما استسلما خوفاً وطمعاً! فأنتَ اليومَ تقاتلُ عن غيرِ متذمِّمٍ، ثم تخرجُ إلى الحرب متخَّلِّفاً لترائي بذلك نساءَ أهل الشامِ، إرتَعْ قليلاً فإني أرجو أن يقتُلكَ اللهُ عزّ وجلّ سريعاً).

فضحك عبد الله بن عمر، ثم رجع إلى معاوية فقال: إني أردت خديعة الحسين، وقلت له كذا وكذا، فلم أطمع في خديعته. فقال معاوية: إن الحسين بن علي لا يُخدع وهو ابن أبيه[37].

وتـمر عجلة الزمن، فإذا بمعاوية وبعد سنواتٍ عديدةٍ، يخطب في المدينة ويعرّض بعبد الله بن عمر وبأبيه. وفي ذلك أخرج البخاري في صحيحه بسنده عن ابن عمر انه دخل على حفصة فقال لها: قد كان من أمر الناس ما ترين، فلم يجعل لي من الامر شيء. فقالت: (ألحِقْ بهم فانهم ينتظرونك، واخشى ان يكون في احتباسك عنهم فرقة)، فلم تدعه حتى ذهب. فلما تفرق الناس خطب معاوية، فقال: من كان يريد ان يتكلم في هذا الامر فليطلع قرنه، فلنحن أحقُ به ومن ابيه. قال حبيب بن مسلمة: فهلا أجبته ؟ قال عبد الله بن عمر: فحللتُ حبوتي[38] وهممتُ ان اقول: "أحق بهذا الامر منك مَن قاتلك وأباك على الاسلام". فخشيتُ ان اقول كلمةً تفرّق بين الجمع وتسفك الدماء، ويحمل على غير ذلك، فذكرتُ ما أعدّ الله في الجنان. قال حبيب: حفظتَ وعصمتَ [39].

          قال بدر الدين العتبي في شرحه على البخاري: (قوله: وقد كان من أمر الناس ما ترين) أراد به ما وقع بين علي ومعاوية من القتال بصفّين، واجتماع الناس على الحكومة بينهم فيما اختلفوا فيه، فراسلوا بقايا الصحابة من الحرمين وغيرهما وتواعدوا على الاجتماع لينظروا في ذلك. فشاور عبد الله اخته حفصة في التوجه إليهم أو عدمه، فأشارت عليه باللحوق بهم. وقوله: (فلما تفرق الناس) أي: بعد اختلاف الحكمين أبي موسى الاشعري وعمرو بن العاص، خطب معاوية. وقوله: (...فليطلع لنا قرنه...) تعريض من معاوية بابن عمر. وقوله: (أحق به) أي: بأمر الخلافة. وقوله: (منه ومن أبيه) أي عبد الله بن عمر ومن أبيه عمر بن الخطاب. وقول ابن عمر لمعاوية: (من قاتلك وأباك على الاسلام) أي: يقصد به علياً (ع) قاتل معاوية وأبا سفيان يوم اُحد ويوم الخندق وهما كافران. وقوله: (حفظت وعصمت) كلاهما على صيغة المجهول. واستصوب حبيب رأيه لانه كان من أصحاب معاوية[40].

 الحسين (ع) والنهروان:

وفي النهروان، وعندما دحر الإمام (ع) الخوارج وقتل المخدج، وهو ممن تنبأ رسول الله (ص) بمقتله. قال علي (ع): (صدق الله ورسوله). فسمع أحد ابنيه يقول: (الحمدُ للهِ الذي أراحَ أمّةَ محمدٍ (ص) من هذهِ العصابةِ)، قال علي (ع): (لو لم يبق من أمة محمدٍ (ص) إلا ثلاثة لكان أحدهم على رأي هؤلاء، انهم لفي أصلاب الرجال وارحام النساء)[41]. وكأنه أراد القول بان قدر هذه الأمة هو ان ترى أمثال هؤلاء في احشائها.

          فلاريب أن يقول عندما قيل له (ع) لما أراد قتال الخوارج: لو احتـرزت يا أمير المؤمنين، فقال (ع)[42]:

أي يومٍ من الموت أفر ** أيوم لم يقدر أم يوم قدر

يوم ما قدّر لا أخشى الرَّدى** وإذا قدّر لم يغنِ الحذر

 تنبؤ أمير المؤمنين (ع) باستشهاده:

وعندما قدم علي (ع) من سفره، واستقبله الناس يهنئونه بظفره بالخوارج، دخل إلى المسجد الأعظم، فصلّى فيه ركعتين، ثم صعد المنبر فخطب خطبة، ثم التفت إلى ابنه الحسين (ع) فقال: (يا أبا عبد الله كم بقي من شهرنا هذا؟). يعني شهر رمضان الذي هم فيه. فقال الحسين (ع): (سبعَ عشرةَ يا أميرَ المؤمنينَ).

فضرب (ع) بيده إلى لحيته، وهي يومئذٍ بيضاء وقال: (والله ليخضبنها بالدم إذ انبعث أشقاها)، ثم جعل يقول[43]:

أريـد  حياتـهُ  ويريـد  قتلـي**خليلـي من  عذيري  مـن مـراد

(15)

وصية أمير المؤمنين (ع) لولده الحسين (ع)

          وقبل استشهاده (ع) أوصى ابنه الحسين (ع) بوصايا الحكمة والعلم، فقال (ع) في وصيته:

          (يا بُني أوصيك بتقوى الله عزّ وجلّ في الغيب والشهادة، وكلمة الحق في الرضا والغضب، والقصد في الغنى والفقر، والعدل في الصديق والعدو، والعمل في النشاط والكسل، والرضا عن الله تعالى في الشدة والرخاء. يا بُني ما شرٌّ بعده الجنّة بشرّ، ولا خيرٌ بعد[ه] النار بخير، وكل نعيم دون الجنة محقور، وكل بلاء دون النار عافية.

          أعلم يا بُني أن من أبصر عيب نفسه شغل عن غيره، ومن رضى بقسم الله تعالى لم يحزن على ما فاته، ومن سلّ سيفَ البغي قتل به، ومن حفر بئراً وقع فيها، ومن هتك حجابَ غيره انكشفت عوراتُ بيته، ومن نسي خطيئتَه استعظم خطيئةَ غيره، ومن كابد الأمور عطب، ومن اقتحم البحر غرق، ومن أعجب برأيه ضلّ، ومن استغنى بعقله زلّ، ومن تكبر على الناس ذلّ، ومن سفه عليهم شتم، ومن دخل مداخل السوء اُتهم، ومن خالط الانذال حُقِّر، ومن جالس العلماء وُقِّر، ومن مزح اُستخفَّ به، ومن اعتزل سلم، ومن ترك الشهوات كان حرّاً، ومن ترك الحسد كانت له المحبة من الناس.

          يا بُني عز المؤمن غناه عن الناس، والقناعةُ مالٌ لا ينفد، ومن أكثر ذكر الموت رضي من الدنيا باليسير، ومن علم أن كلامه من عمله قلّ كلامهُ إلا فيما ينفعه. العجب لمن خاف العقاب ورجا الثواب فلم يعمل. الذكرُ نورٌ والغفلةُ ظلمةٌ، والجهالةُ ضلالةٌ، والسعيدُ من وُعِظَ بغيره، والادب خيرُ ميراث، وحسن الخلق خير قرين.

          يا بُني ليس من قطيعة الرحم نماء، ولا مع الفجور غنى. يا بُني العافية عشرة أجزاء تسعة منها في الصمت إلا بذكر الله، وواحد في ترك مجالسة السفهاء. ومن تزين بمعاصي الله عزّ وجلّ في المجالس ورثه ذلاً. [و] من طلب العلم علم.

          يا بُني رأس العلم الرفق وآفته الخرق، ومن كنوز الإيمان الصبر على المصائب. العفاف زينة الفقر، والشكر زينة الغنى، ومن أكثر من شيء عُرِفَ به، ومن كثر كلامُهُ كثر خطؤه، ومن كثر خطؤه قلّ حياؤه، ومن قلّ حياؤه قلّ روعه، ومن قلّ ورعه ماتَ قلبه، ومن مات قلبه دخل النار.

          يا بُني لا تؤيسن مذنباً، فكم من عاكف على ذنبه خُتِمَ له بالخير، ومن مقبل على عمله مفسد له في آخر عمره صار إلى النار. من تحرى القصد خفت عليه الأمور.

          يا بُني كثرة الزيارة تورث الملالة. يا بُني الطمأنينةُ قبل الخبرة ضد الحزم. اعجاب المرء بنفسه دليل على ضعف عقله. يا بُني كم من نظرة جلبت حسرة، وكم من كلمة جلبت نعمة. لا شرف أعلى من الإسلام ولا كرم أعلى من التقوى، ولا معقل أحرز من الورع، ولا شفيع أنجح من التوبة، ولا لباس أجمل من العافية، ولا مال أذهب للفاقة من الرضى بالقوت. ومن اقتصر على بلغة الكفاف تعجل الراحة، وتبوأ حفظ الدعة.

الحرص مفتاح التعب، ومطية النصب، وداعٍ إلى التقحم في الذنوب. والشرُ جامعٌ لمساوئ العيوب. وكفى أدباً لنفسك ما كرهته من غيرك، لأخيك مثل الذي عليك[44] لك، ومن تورط في الأمور من غير نظر في الصواب فقد تعرض لمفاجأة النوائب. التدبير قبل العمل يؤمنك الندم.

من استقبل وجوه العمل والآراء عرف مواقع الخطأ. الصبر جنّة من الفاقة، في خلاف النفس رشدها، الساعات تنقص الاعمار. ربك للباغين من أحكم الحاكمين، وعالم بضمير المضمرين. بئس الزاد للمعاد العدوان على العباد.

في كل جرعة شرق، وفي كل أكلة غصص. لا تنال نعمة إلا بفراق أخرى، ما أقرب الراحة من التعب، والبؤس من النعيم، والموت من الحياة، فطوبى لمن أخلص لله تعالى علمه وعمله وحبه وبغضه وأخذه وتركه، وكلامه وصمته، وبخ بخ لعالمٍ عَلِمَ فكفَّ، وعمل فجدَّ، وخاف التباب[45] فأعدّ واستعد، إن سئل أفصح، وإن ترك سكت، كلامه صواب، وصمته من غير عي عن الجواب، والويل كل الويل لمن بُلي بحرمان وخذلان وعصيان، واستحسن لنفسه ما يكرهه لغيره. من لانت كلمته وجبت محبته. من لم يكن له حياء ولا سخاء فالموت أولى به من الحياة. لا تتم مروءة الرجل حتى لا يبالي أي ثوبيه لبس، ولا أي طعاميه أكل)[46].   

 وكان أمير المؤمنين (ع) قد اوصى لولده الحسن (ع) بالامامة. يقول الأصبغ بن نباتة: ان علياً (ع) لما ضربه ابن ملجم دعا بالحسن والحسين (ع) فقال: (إني مقبوض في ليلتي هذه، فاسمعا قولي، وأنت يا حسن وصيي[47] والقائم بالأمر بعدي، وأنت يا حسين شريكه في الوصية. فاصمت وكن لأمره تابعاً ما بقي، فإذا خرج من الدنيا فأنت الناطق من بعده، والقائم بالأمر عنه). وكتب له بالوصية عهداً منشوراً نقله جمهور العلماء[48].

(16)

استشهاد الإمام علي (ع)

وعند الليلة التاسعة عشرة من شهر رمضان سنة أربعين للهجرة، خرج أمير المؤمنين (ع) في صبيحتها إلى المسجد فضربه أشقى الأولين والآخرين. فخرجت الناس وهي تنادي: وإماماه وأمير المؤمنيناه، قتل والله إمام عابد مجاهد لم يسجد لصنم، كان أشبه الناس برسول الله (ص).

ولما سمع الحسن والحسين (عليهما السلام) بضرب أبيهما الإمام (ع)، هرعا إلى الجامع فوجدا أبا جعدة بن هبيرة ومعه جماعة من الناس، وهم يجتهدون أن يقيموا الإمام في المحراب ليصلّي بالناس، فلم يطق النهوض، فتأخّر عن الصف. وتقدّم الحسن (ع) فصلّى بالناس وأمير المؤمنين (ع) يصلي إيماء من جلوس، وهو يمسح الدم عن وجهه، يميل تارة ويسكن اخرى[49].

وعندما سكن الألم في اليوم الثاني، أوصى ابنه الحسين (ع) في قضية الكفن ودعاء الجوشن، كما ينقل ذلك عنه، فيقول (ع): (أوصاني أبي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) وصيةً عظيمةً بدعاء الجوشن[50]، وقال لي: يا بني اكتب هذا الدعاء على كفني). وفعل الحسين (ع) ذلك، واعلن ذلك للناس قائلاً: (فعلتُ كما أمرني أبي)[51].

وخرجتْ الكوفة تبكي علياً (ع)، وكان الحسين (ع) يردد: (لا حولَ ولا قوةَ إلا باللهِ العليِّ العظيمِ. إنا للهِ وإنا إليه راجعون. يا أبتاه وإنقطاع ظهراه. مِنْ أجلِكَ تعلَّمتُ البكاءَ، إلى اللهِ المشتكى)[52].

ويصفُ الحسين (ع) دفن أبيه أمير المؤمنين (ع)، بالقول: (خرجنا به ليلاً حتى مررنا بهِ على مسجدِ الأشعثِ، حتى خرجنا بهِ إلى ظهرِ ناحيةِ الغريّ)[53]. وتكتم الحسنان على موقع دفن أبيهما (ع) مخافة نبشه من قبل بني أمية.

 (17)

مع أخيه الإمام الحسن (ع) (سنة40- 49 هـ)

          ولما بزغ فجر يوم الجمعة الحادي والعشرين من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة النبوية، صلّى الإمام الحسن (ع) صلاة الفجر بالناس في مسجد الكوفة. وكان قد رجع لتوه من دفن أبيه أمير المؤمنين (ع)، فخطب الناس بعد الصلاة. فحمد الله وأثنى عليه وذكر مناقب أبيه (ع)، وقال:

          (لقد قُبض في هذه الليلة رجلٌ لم يسبقه الأوّلون بعمل، ولا يدركه الآخرون بعمل. ولقد كان يجاهد مع رسول الله (ص) فيقيه بنفسه. ولقد كان يوجهه برايته فيكتنفه جبرائيل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، فلا يرجع حتى يفتح الله عليه. ولقد توفّي في هذه الليلة التي عرج فيها بعيسى بن مريم، ولقد توفّي فيها يوشع بن نون وصيّ موسى. وما خلّف صفراء ولا بيضاء، إلا سبعمائة درهم بقيت من عطائه أراد أن يبتاع بـها خادماً لأهله).

          ثم خنقته العبرة، فبكى وبكى الناس معه.

          ثم قال: (أيها الناس، مَن عرفني فقد عرفني. ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن محمد (ص). أنا ابن البشير، أنا ابن النذير، أنا ابن الداعي إلى الله عزّ وجلّ بإذنه، وأنا ابن السّراج المنير، وأنا من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، والذين افترض الله مودّتـهم في كتابه إذ يقول: (...وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً...)[54]. فإقتراف الحسنة موّدتنا أهل البيت).

          ثم قام ابن عباس بين يديه، فدعا الناس إلى بيعته،  فاستجابوا له وقالوا: ما احبّه إلينا واحقّه بالخلافة فبايعوه[55]. ولم يورث من أبيه إلا العلم والتقى، والأخلاق الحميدة.

          ثم جاء محمد بن الحنفية يطلب ميراثه من أبيه، فقال له الحسين (ع): (ما تركَ أبوكَ إلا سبعمائةِ درهمٍ فُضِّلَتْ من عطاياه). قال محمد: فان الناس يسألوني، فلا أجد بدّاً من أن اُجيبهم. فاعطني من علم أبي. فدعا الحسين (ع) بصحيفة صغيرة فيها بعضٌ من علم علي (ع)[56]، فاعطاها إياه فقنع بذلك.

          ولما بلغ معاوية استشهاد أمير المؤمنين (ع) وبيعة الحسن (ع)، أنفذ عماله إلى البلدان ودسّ عليه الدسائس ليفسد الأمر عليه، واحتج عليه الحسن (ع) في استحقاقه الأمر، ووقع بينهما مكاتبات لم يقبلها معاوية، حتى بلغه أن معاوية سار بجيش نحو العراق. فعزم الإمام الحسن (ع) على مقابلته، وحرّض الناس على قتاله، فتثاقلوا عنه، وكتبوا إلى معاوية بالطاعة سراً، واستحثوه على سرعة المسير نحوهم، وضمّنوا له تسليم الحسن (ع) إليه عند قدومه، أو الفتك به. فبلغ الحسن (ع) ذلك[57].

 خيانة النخبة:

          ولما رأى الإمام الحسن (ع) خيانة النخبة من أصحابه وتنازعهم في أمر معاوية وفشلهم في التخطيط السياسي، وبلغه كتاب قيس بن عبادة يخبـره عن توجه أهل العراق إلى معاوية، دعا (ع) أصحابه وقال لهم:

          (يا أهل العراق ما أصنع بجماعتكم معي وهذا كتاب قيس بن سعد[58] يخبرني بأنّ أهل الشرف منكم قد صاروا إلى معاوية. أما والله ما هذا بمنكر منكم؛ لأنكم أنتم الذين أكرهتم أبي يوم صفين على الحكمين، فلما أمضى الحكومة وقَبَلَ منكم اختلفتم، ثم دعاكم إلى قتال معاوية ثانية فتوانيتم. ثم صار إلى ما صار إليه من كرامة الله إياه. ثم إنّكم بايعتموني طائعين غير مكرهين، فأخذت بيعتكم وخرجت في وجهي هذا. والله يعلم ما نويت فيه، فكان منكم إلى ما كان. يا أهل العراق! فحسبي منكم، لا تغروني في ديني فإني مسلّم هذا الأمر إلى معاوية...)[59].

 الدلالات:

1- لاشك ان خيانة النخبة تعدُّ من أعظم الانتكاسات التي تصيب الحركات الدينية والإجتماعية. لأن الإمام أو القائد انما يعتمد على النخبة في تنظيم العمل الإجتماعي مع الأمة. وقراءة دقيقة في خطاب الإمام الحسن (ع) يكشف ذلك فهو يقول: (...وهذا كتاب قيس بن سعد يخبرني بأن أهل الشرف منكم قد صاروا إلى معاوية).فإذا كان أهل الشرف (وهم النخبة التي تطيع القائد وتنقل أفكاره إلى الناس) قد تخلوا عن الإمام (ع)، فان أي تحرك إجتماعي بدونها يعني الانتحار بعينه.

2- ان طبيعة تغير سياسة النخبة من أهل الشرف كان غريباً، فلم تكن لديهم الجرأة على مواجهة الإمام الحسن (ع) في البداية. فقد اكتشف الإمام (ع) خيانتهم عبر رسالة قيس بن سعد. وهذا في غاية الخطورة، لأن ذلك الموقف كان قد دبر بليل. أي انه كان خيانة بكل معنى الكلمة.

3-لم يكن أمام الإمام الحسن (ع) إلا إمضاء الصلح مع معاوية، وهو (ع) كاره. لأن قتال معاوية لم يكن ليتم في الوضع الذي شرحناه للتو. فكيف يُقاتَلُ معاوية وأركان جيش الحسن (ع) قد استسلموا للعدو قبل البدء بالقتال.

4- ان انكار بعض المخلصين من أصحاب الحسن (ع) لقضية الصلح انما يرجع إلى قصورهم في فهم خطورة الوضع من حيث سفك الدماء، وقطع الأرحام، وتقطيع السبل، وتعطيل الثغور، وإدامة الفتنة.

          فقد روى البلاذري ان حجر بن عدي كان أول من أعترض على الصلح، وقال للحسن (ع) قبل خروجه من الكوفة: خرجنا من العدل ودخلنا في الجور، وتركنا الحق الذي كنا عليه ودخلنا في الباطل الذي كنّا نذمّه! وأعطينا الدنية ورضينا بالخسيسة، وطلب القوم أمراً وطلبنا أمراً؛ فرجعوا بما أحبّوا مسرورين، ورجعنا بما كرهنا راغمين!

          فقال له الحسن (ع): (يا حجر: ليس كل الناس يحبّ ما أحببت، إني قد بلوت الناس. فلو كانوا مثلك في نيّتك وبصيرتك لأقدمت).

          وأتى الحسين (ع) فقال له: يا أبا عبد الله شريتم العزّ بالذلّ؟! وقبلتم القليل بترك الكثير؟ أطعني اليوم وأعصني سائر الدهر! دعْ رأي الحسن واجمع شيعتك ثم ادعُ قيس بن سعد بن عبادة وابعثه في الرجال؛ وأخرج أنا في الخيل، فلا يشعر ابن هند إلا ونحن معه في عسكره، فنضاربه حتى يحكم الله بيننا وبينه وهو خير الحاكمين. فإنـهم الآن قارّون.

          فقال له الحسين (ع): (إنا قد بايعنا وليس إلى ما ذكرت سبيلٌ)[60].

ونستقرئ من هذه الرواية، إذا صح اسنادها، جملة أمور، وهي:

أولاً: ان الحسين (ع) لم يخالف قرار أخيه الإمام الحسن (ع) باعتباره إماماً واجب الطاعة.

ثانياً: ان البعض من الاصحاب كانوا متحمسين دون بعد نظر أو دراية بخطورة الوضع الإجتماعي أو السياسي. وكلام حجر،كان كلاماً يفتقر - على أبسط الافتراضات- لدلالات الحكمة أو الطاعة المفترضة لأئمة العدل (ع).

ثالثاً: وصفَ الإمام الحسن (ع) نيات الناس، وبعد ان اختبرهم في الشدائد، بانها غير منعقدة على الجهاد، وان بصيرتـهم الضعيفة لا ترى حقائق الدين رؤية واقعية. ولو كان هناك عدد من المؤمنين لهم صفات حجر بن عدي في النية والبصيرة لما ترك الإمام الحسن (ع) جهاد معاوية. ومفهوم الرواية يدل على ان وجود المؤمنين من أهل النيات الصادقة والبصيرة هو أحد شروط خروج الإمام في جهاد العصاة. وهذا أهم معنى نستفيده من الرواية.

5- ان الإمام الحسن (ع) كان كارهاً لبيعة معاوية، ولم يكن راضياً بـها. أي انه كان مجبـراً على قبولها، لأن ذلك كان الخيار الوحيد المتوفر للإمام (ع). وكان الحسين (ع) كارهاً لقبولها أيضاً، ولكن المصلحة العليا للدين هي التي جعلتهما يقولان بالصلح.

وتؤيده رواية البلاذري : إنه لما وقع ذلك الصلح، دخلت مجموعة من الشيعة (وفيهم جندب بن عبد الله الأزدي، والمسيب بن نَجبَة الفزاري، وسليمان بن صُرد الخزاعي، وسعيد بن عبد الله الحنفي) على الحسين (ع) وهو قائمٌ في قصر الكوفة يأمر غلمانه بحمل المتاع ويستحثّهم، فسلّموا عليه. فلما رأى ما بهم من الكآبة وسوء الهيئة، تكلم فقال (ع): (إنَّ أمرَ اللهِ كانَ قدَرَاً مقدُوراً. إنّ أمرَ اللهِ كان مفعولاً). وذكر كراهيته لذلك الصلح، وقال: (لكنتُ طيِّبَ النفسِ بالموتِ دونَهُ! ولكن أخي عَزَمَ عليَّ وناشدني فأطعتُهُ، وكأنما يُحَزُّ أنفي بالمواسي ويُشَرَّحُ قلبي بالمُدى! وقد قال اللهُ عزّ وجلّ: (...فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا)[61]. وقال: (...وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)[62].

          فقال له جندب: والله ما بنا إلا أن تضاموا وتنتقصوا، فأما نحن فإنا نعلم أن القوم سيطلبون مودتنا بكل ما قدروا عليه، ولكن حاشا لله أن نوازر الظالمين، ونظاهر المجرمين ونحن لكم شيعة ولهم عدو!

          وقال سليمان بن صرد الخزاعي: إن هذا الكلام الذي كلّمك به جندب هو الذي أردنا أن نكلّمك به كلنا.

          فقال (ع): (رحِمَكمُ اللهُ صدقتم وبررتم).

          وعرض له سليمان بن صرد، وسعيد بن عبد الله الحنفي بالرجوع عن الصلح! فقال (ع): (هذا ما لا يكون ولا يَصلحُ)[63].

          وفي رواية ثانية: ان الحسين (ع) قال لهم: (قد كانَ صلحٌ وكانتْ بيعةٌ كنتُ لها كارهاً، فانتظروا ما دامَ هذا الرجلُ حيّاً، فإنْ يهلك نظرنا ونظرتم). فانصرفوا عنه؛ ولم يكن شيء أحبّ إليهم من هلاك معاوية؛ وهم يأخذون أعطياتهم ويغزون مغازيهم[64].

          قال الحضرمي وهو يشير إلى صلح الحسن (ع) مع معاوية: (وكان صلحه هذا – رضي الله تعالى عنه- من أعظم التدبير ومن خفي اللطف الذي جرت به المقادير، فإنه – رضي الله تعالى عنه- حقن به دماء خلق كثير وفاز فيه بأجر كبير)[65].

 الخروج من الكوفة:

          وعندما خرج الحسن والحسين (عليهما السلام) من الكوفة خرج الناس يشيعونهما، وكان فيهم جندب بن عبد الله والمسيب بن نجبة وسليمان بن صُرد ونحوهم، فلما جاوزوا دير هند، نظر الحسين (ع) إلى الكوفة فتمثل قول زميل بن أبير الفزاري (ابن أم دينار)[66]:

فما عنْ قلىً فارقتُ دارَ معاشرِ** هُمُ المانعونَ باحتي وذِماري

ولكنهُ ما حُمَّ لابُدَّ واقعٌ** نظارٌ تُرَقِّبُ ما يُحَمُّ نظارِ

          وأوصى الحسين (ع) من جاءه من الشيعة كمحمد بن بشر الهمداني وسفيان بن ليلى وغيرهم: (ليكُنْ كُلُ امرىءٍ منكم حِلسَاً مِنْ أحلاسِ بيته ما دامَ هذا الرجلُ حيّاً، فإن يُهلكْ وأنتم أحياءٌ رَجَونا أن يُخيّر اللهُ لنا ويُؤتينا رُشدَنا ولا يكلنا إلى أنفُسِنا (إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ)[67]([68]

          وعن أبي النباخ محمد بن يعلى قال: لقيت الحسين على ظهر الكوفة وهو راحل مع الحسن (ع)، فقلت: أرضيت يا أبا عبد الله؟

          فقال (ع): (شِقْشِقَةٌ هَدَرَتْ، وفورةٌ أنارتْ، وشَجَمَاً[69] عُرىءً، وسَمٌّ زُعاقٌ[70]، وقيعانٌ بالكوفة وكربلا. إني واللهِ لصاحبُها وصاحِبُ ضَحَّيتِها، والعصفُورُ في سنابلِها. إذا تواضعَ نواحي الجبلِ، وهجهجَ كوفانُ الوهلِ، ومنَعَ البـرّ جانبَهُ، وعُطِّلَ بيتُ اللهِ الحرامِ، وأُرجِفَ الوقيدُ، فيا لها من زُمَرٍ[71] أنا صاحبُها. أيه أيه أنّى وكيف، ولو شئتُ لقلتُ أين أنزلُ وأين أقيمُ).

          فقلت: يابن رسول الله ما تقول؟   

          قال (ع): (مقامي بين أرضٍ وسماءٍ، ونُزولي حيثُ حَلَّتْ الشيعةُ الأصلابَ والأكبادَ الصِّلابَ لا يتضعضعنَ للضّيمِ، ولا يأنفونَ. تجـُّرُ مفاصِلُهُمْ ليُحيىَ بهم أهلَ ميراثٍ على ورثةِ بيته)[72]. وتلك الرواية تدل على كراهيته للصلح مع معاوية، وعلى تنبؤه (ع) بمقتله في كربلاء.

          وتنسب الأبيات التالية إليه (ع)، وهي تؤيد كراهيته لصلح معاوية:

ولم أكُ أرضى بالذي قد رضوا بهِ** ولو جمعتْ إليَّ كلُ المجامعا

ولو حَزَّ أنفي قبل ذلك حَزَّةً** بموسى لما ألقيتُ للصلحِ تابعاً

          قال الأربلي: ان صحّ أن هذه الأبيات من شعره (ع) فكلٌ منهما يرى المصلحة بحسب حاله ومقتضى زمانه، وكلاهما (عليهما السلام) مصيبان فيما اعتمداه، وهما امامان سيدان قاما أو قعدا، فلا يتطرق عليهما مقال، وهما أعرف بالأحوال في كل حال[73].

          والخلاصة ان الإمام الحسن (ع) رأى المصلحة الشرعية، بحسب ظروفه ومقتضى زمانه، في صلح معاوية. وقد أطاع الحسين (ع) أخاه الإمام الحسن (ع) لأنه كان الإمام المفترض الطاعة. وهذا الأمر مهم لأنه يكشف طبيعة الطاعة في نظام الإمامة. فالطاعة قضية حتمية وحق من حقوق الإمام.

(تليها ص 70- 104)

 

اللاحق               السابق           صفحة التحميل         الصفحة الرئيسية


 

[1] النوق: جمع ناقة، وهي الأنثى من الأبل. زلقت القدم زلقاً: لم تثبت حتى سقطت. والمزلق والمزلقة: الفرس التي كثيراً ما تسقط الولد.

[2] مرق: خرج منه من غير محله منه، ويقال: (مرق السهم من الرمية مروقاً)، ويقال: (مرق من الدين مروقاً)، إذا خرج منه. والمرق هنا: الفساد. مرقت البيضة: فسدت، فصارت ماءً.

[3] سورة آل عمران: الآية 34.

[4] بحار الأنوار ج 44 ص 197.

[5] المحاسن للبرقي ج 2 ص 94 حديث 46.

[6] بحار الأنوار ج 22 ص 412.

[7] أمالي الصدوق ص 280.

[8] سَحّاً: صبّاً غير منقطع.

[9] سفح سفوحاً: انصبّ صباً.

[10] فجاج: الذي يشق الأرض.

[11] عيون المعجزات ص 64.

[12] واكف: متقاطر. مغزار: كثير الدرّ والصبّ.

[13] مريّاً: كثير الماء.

[14] غيلاناً: الذي يجري على وجه الأرض.

[15] سحاً: الذي يجري من فوق.

[16] بحاً: ذو صوت شديد.

[17] مطفاحاً: مائلاً إلى الغدران والعيون. الودق: المطر.

[18] خَلّب: البرق الخلب الذي لا مطر فيه.

[19] تنعّش: يرده من الهلكة، ويحييه ويخصبه.

[20] قرب الاسناد ص 156 حديث 576.

[21] بحار الأنوار ج 39 ص 132.

[22] سورة الكهف: الآية 65.

[23] امرأة محج: مقرب، أي التي حملت وقرب وضعها.

[24] التهذيب للطوسي ج 10 ص 9 حديث 23.

[25] يتبيغ: يهيج به الألم فيهلكه.

[26] بحار الأنوار ج 41 ص 113.

[27] راجع كتابنا: الإمام علي بن الحسين (ع) – طبعة قم 1425 هـ.

[28] بحار الأنوار ج 32 ص 299.

[29] أعلام الورى ص 571. وبحار الأنوار ج 32 ص 235 حديث 187.

[30] نور الثقلين ج 2 ص 28 حديث 104.

[31] توعر: تعسّر وصعب.

[32] ذريع: فظيع.

[33] قمن: جدير.

[34] بحار الأنوار ج 32 ص 405 حديث 369.

[35] المنتخب للطريحي ج 2 ص 300. وبحار الأنوار ج 44 ص 266.

[36] جواهر العقدين للسمهودي، العقد الثاني، الذكر الثامن ص 211.

[37] الفتوح لابن أعثم ج 3 ص 35.

[38] قال الجوهري: احتبى الرجل، إذا جمع ظهره وساقيه بعمامته. وقد يحتبي بيديه. يقال: حَلَّ حِبْوَتَهُ وحُبْوَتَهُ (الصحاح ج 4 ص 2307).

[39] صحيح البخاري ص 78 ، كتاب الادب ، باب 82. وصحيح مسلم ص 45، كتاب البر والعلّة 22 باب مداراة من يتقى ، حديث رقم 173.

[40] عمدة القارئ في شرح صحيح البخاري – ج 17 باب 85 ص 186.

[41] مجمع الزوائد ج 6 ص 242.

[42] التوحيد للصدوق ص 374 حديث 19.

[43] الفتوح ج 3 ص 277.

[44] هكذا في الأصل ولعل الصواب: (عليه).

[45] التباب: الخسران والهلاك، قال تعالى: (تبت يدا أبي لهب وتب).

[46] الاعجاز والايجاز ص 33.

[47] إرشاد المفيد ص 192.

[48] إثبات الهداة ج 5 ص 140.

[49] بحار الأنوار ج 42 ص 283.

[50] دعاء الجوشن هو دعاءٌ هبط به جبرئيل (ع) على النبي (ص). وقد كان النبي (ص) يلبس درعاً ثقيلاً في بعض غزواته، وكان الثقل يألمه (ص). فقال له جبرئيل (ع): يا محمد ربك يقرئك السلام ويقول لك اخلع هذا الجوشن واقرأ هذا الدعاء، فهو أمانٌ لك ولامتك. وفيه: (سبحانك يا لا إله إلا أنت الغوث الغوث خلصنا من النار يا رب).

[51] بحار الأنوار ج 94 ص 402، وج 81 ص 332.

[52] بحار الأنوار ج 42 ص 295.

[53] كامل الزيارات ص 34.

[54] سورة الشورى: الآية 23.

[55] مقاتل الطالبيين ص 51، وينابيع المودة ص 265.

[56] بصائر الدرجات ص 160 حديث 29، وبعبارات مختلفة.

[57] باختصار عن كشف الغمة ج 2 ص 538.

[58] قال إبن سعد كاتب الواقدي: (ولم يزل قيس بن سعد مع علي حتى قتل علي، فصار مع الحسن بن علي. فوجهه على مقدمته يريد الشام. ثم صالح الحسن بن علي معاوية، فرجع قيس إلى المدينة فلم يزل بها حتى توفي في آخر خلافة معاوية بن أبي سفيان) الطبقات الكبرى لإبن سعد ج 6 ص 34.

[59] الفتوح لابن أعثم ج 3 ص 291.

[60] انساب الاشراف ج 3 ص 151 حديث 12. وفي رواية انه عدي بن حاتم بدل حجر.

[61] سورة النساء: الآية 19.

[62] سورة البقرة: الآية 216.

[63] انساب الاشراف ج 3 ص 148 حديث 11.

[64] أنساب الاشراف ج 3 ص 150 حديث 10.

[65] وسيلة المآل في عدّ مناقب الآل (عليهم السلام) ص 344.

 [66]انساب الاشراف ج 3 ص 148 حديث 9. قلى: بغض. حُمَّ: قضى وقدّر.

[67] سورة النحل: الآية 128.

[68] انساب الاشراف ج 3 ص 150 حديث 11.

[69] شجماً: هلاكاً.

[70] زعاق: المر الذي لا يطاق شربه.

[71] الزَمر: بفتح الزاء بمعنى الصوت، وبضمها أي الزُمر  بمعنى الجماعة. وكلاهما صحيحان ومحتملان.

[72] دلائل الإمامة ص 75.

[73] كشف الغمة ج 2 ص 35.