(ص 1 - 38)

 الإمام الحسين بن علي (ع)

سيد الشهداء

 

                                           السيد زهير الاعرجي

------------------------------

 

الإمام الحسين بن علي (ع)

الناشر:  لسان الصدق  

الطبعة الأُولى: 1426هـ

(1000 نسخة)

------------------------------

 بسم الله الرحمن الرحيم

 قال تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)[1].

          وعن الإمام الحسين (ع) قال: (من أتانا [أهل البيت (ع)] لم يُعدمْ خصلةً من أربعٍ: آيةٌ محكمةٌ، وقضيةٌ عادلةٌ، وأخٌ مستفادٌ، ومجالسةُ العلماءِ) [2].

------------------------------

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

          الحمد لله والصلاة والسلام على محمدٍ رسول الله، وعلى آله الطيبين الطاهرين. وبعد.

          يعرض هذا الكتاب سيرة الإمام الثالث من أئمة أهل بيت النبوة (ع) وهو الحسين بن علي، سيد الشهداء، سيد شباب أهل الجنة، يعسوب الدين، وإمام المسلمين. وأهمية الكتاب تنبع من أهمية الحسين (ع) على المسرح الإسلامي. فقد اجتمعت لريحانة رسول الله (ص) خصال لم تجتمع لغيره، على أكثر من صعيد:

          فعلى صعيد النسب، نشأ في أسرة من أشرف الأسر على الإطلاق. جدُّهُ محمد المصطفى (ص) خاتم الانبياء والمرسلين، وأبوه علي بن أبي طالب (ع) سيدُ الوصيين، وأمه فاطمة الزهراء (ع) سيدة نساء العالمين، وأخوه الحسن الزكي. تلك الأسرة الحميدة التي كان همُّها التفاني من أجل الدين والتوحيد وهداية الأمة، جمعها في أحد الأيام كساءٌ فدكي، حيث نـزلت فيهم الآية الكريمة: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)[3].

          وعلى صعيد الأفضلية، فقد كان الحسين (ع) أفضل الناس بعد جده (ص) وأبيه (ع) وأكملهم من نواحي التقوى واليقين والعلم والفصاحة والعبادة والشجاعة. ذلك ان من مقتضيات الإمامة الكبرى ان يكون الإمام المعصوم جامعاً لصفات الكمال في الفهم والعلم، والحزم والعزم، والرأي والحلم، والكرامة والشجاعة، والزهد والعدالة، وحسن الخلق والسيرة، والتقوى والورع. فاتبعه المؤمنون طوعاً ورغبة (...أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)[4].

          ولاشك ان الإمامة الدينية لا تلازم السلطة الخارجية، ولا يكون من لوازمها القهر والغلبة والشوكة. بل يمكن ان يكون الإمام (ع) مغلوباً عليه من ناحية ظاهرية، وهذا ما حصل للحسين (ع) في كربلاء. ولكن هدف الإمام كان ويبقى هداية الناس إلى أعلى درجات الكمال دون جبـر أو إكراه.

          وأفضلية الإمام الحسين (ع) تجملها آيات القرآن المجيد النازلة به، وهي: آية المباهلة، وآية التطهير، وآية المودة، وآية الأبرار.

          ومن أخطر آثار الأفضلية تلك ان يكون الفاضل إماماً للمفضول. وتصديقاً لما أشرنا إليه يكون الحسين بن علي (ع) إماماً معصوماً تجب طاعته، فرضاً على جميع المسلمين.

          وعلى صعيد الشهادة، فقد كان مقتله (ع) في الله استثناءً لكل موازين الحرب والقتال في التاريخ. فقد صبر الحسين (ع) في واقعة الطف على ما ألمَّ به وبأهله وأصحابه، في الوقت الذي كان يقوم بأمرين. الأول: إرشاد أعدائه إلى الله سبحانه وكتابه ويدعوهم إلى حكمه. والثاني: لم ينقطع، وهو في أحلك اللحظات، من ذكر الله عزّ وجلّ والتوسل به والالتجاء إليه. وبكلمة، كان الحسين أشدَّ الناس يقيناً بالله، وبحكمه، وبقضائه.

          وسيبقى اسم الحسين (ع) خالداً إلى يوم القيامة، ما دام هناك ساجدٌ يسجد لله، وما دام هناك لسان ذرب يلهج بمحاسنه، وما دامت هناك عين تدمع تأثراً لقتيل العبرة، التقي العالِم، الإمام القائم، الغريب الشهيد.

          اللهم تعلم انني لم ابذل هذا الجهد إلا ابتغاء وجهك الكريم، ومرضاتك في الدارين. فاسألك يا ربي الكريم، ان تتقبله بقبولٍ حسنٍ، وان تجعله ذخراً لنا يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من اتى الله بقلبٍ سليمٍ.

                                                       زهير طالب الأعرجي

1 صفر 1426هـ - الحوزة العلمية  

------------------------------

                                محتويات الكتاب:

 

            الفصل الأول: الترجمة التاريخية

            الفصل الثاني: واقعة الطف

            الفصل الثالث: الخصائص الشخصية

            الفصل الرابع: المعالم الإجتماعية

            الفصل الخامس: نصوصٌ منتقاة

------------------------------

 الفصل الأول

 الترجمة التاريخية

------------------------------

 (1)

ولادة الحسين (ع)

          ولد الحسين (ع) في المدينة في الثالث من شعبان سنة أربع من الهجرة النبوية، لأبوين كريمين هما: فاطمة الزهراء بنت النبي (ص)، وعلي بن أبي طالب (ع). وعندما أُخبر النبي (ص) بذلك، استبشر وجاء بيت فاطمة وقال (ص): (ناولوني ولدي). ثم قال (ص): (اللهم اني أعيذه بك وولده من الشيطان الرجيم). وأذَّنَ في أذنه اليمنى وأقام في أذنه اليسرى، وسماه حسيناً، وعقَّ عنه كبشاً في اليوم السابع، وقال لأمه فاطمة (ع): (احلقي رأسه وتصدقي بوزن شعره فضة، وافعلي به كما فعلت بأخيه الحسن). وكان أخوه الحسن (ع) قد ولد قبل أقل من عام.

 (2)

الحسين ووالداه (عليهم السلام)

          والدته فاطمة الزهراء (ع)، التي دلت الأخبار على خصوصيتها من رسول الله (ص) بشرف المنـزلة، وفضلها على جميع نساء العالمين بعلو الدرجة. بحيث قال (ص) عنها: (إن الله يغضب لفاطمة ويرضى لرضاها)[5]، و(من آذى فاطمة فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله عزّ وجلّ)[6].

          وأجمع العلماء على أنـها لو كانت ممن يقارف الذنوب لم يكن من يؤذيها مؤذياً له، وهو رسول الله خاتم الأنبياء الذي حارب أقرب أرحامه مرضاةً لله وانتصاراً لدينه.

          أما والده علي بن أبي طالب (ع)، فهو يصف نفسه بقوله: (...أنا عبد الله، وأخو رسوله، ووريث نبيّ الرحمة، وتزوجتُ سيدة نساء الأمة...)[7]. وفي ليلة البناء بفاطمة (ع)، في شهر ذي الحجة من السنة الثانية للهجرة، قال النبي (ص): (اللهم بارك فيهما، وبارك عليهما، وبارك لهما في شبليهما)[8].

 (3)

صباه (ع)

          إذا أردنا أن نعرّف الفترة التي قضاها الحسين (ع) مع جده المصطفى (ص)، فيمكننا ان نقول انـها سنوات من العسجد المسبوك[9]، وانـها أفضل فترة يقضيها حفيدٌ مع جده. فقد قضى الحسين (ع) ست سنوات وأشهراً مع جده (ص)، في وقت كان رسول الله (ص) فيه مشغولاً بثلاثة أمور رئيسية هي: دعوة الناس إلى دين الله تعالى، وحروب متواصلة ضد المشركين، ونـزول الوحي عليه. ولكن النبي (ص) كان يفيض من عاطفته وحبه الشديدين على الحسن والحسين (ع). وكان (ص) يصرح للملأ انـهما بمنـزلة ولداه وانـهما من أهل بيت النبوة ومن أصحاب الكساء، ولمنـزلتهما عند الله عزّ وجلّ باهلَ بـهما نصارى نجران مع آخرين من أسرته الشريفة. وكان (ص) يتنبأ بدورهما العظيم بعد وفاته، ووصفهما بأعظم الأوصاف وهي أنهما (سيدا شباب أهل الجنّة)، واضفى عليهما صفة الإمامة والمسؤولية، وأخبر بذلك عنهما وهما في ذلك العمر المبكر بقوله (ص): (الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا)[10].

 (4)

أ- أيام الصبا: مع رسول الله (ص)

          عاش الحسين (ع) مع جده المصطفى (ص) ست سنين وسبعة أشهر[11] كما ذكرنا ذلك آنفاً. وكان النبي (ص) يعامل الحسين وأخاه الحسن (عليهما السلام) معاملة الوالد لولديه. وكان (ص) يلاعبهما ويتصابى لهما. ولم يكن ذلك مقتصراً على بيت رسول الله (ص)، بل كان يحصل ذلك في الأماكن العامة كالمسجد مثلاً. فكانا يتواجدان مع جدهما في صلاته (ص) وخطبه. فإذا سجد (ص) وهو في صلاته في مسجد المدينة وثب الحسنان على ظهره، وأحياناً على كتفه[12]، فيبادر بعض الصحابة ليمنعوهما، فيشير إليهم أن دعوهما. وما أن يقضي صلاته (ص) حتى يضعهما في حجره، ويقول: (من أحبني فليحبّ هذين)؛ (هذان ابناي فمن أحبهما فقد أحبني، ومن أبغضهما فقد أبغضني)[13]. وفي حديث مهم آخر، قال (ص): (من أحب الحسن والحسين أحببته، ومَن أحببته أحبّه الله، ومَن أحبّه الله عزّ وجلّ أدخله الجنة، ومن أبغضهما أبغضته، ومَن أبغضته أبغضه الله، ومَن أبغضه الله خلّده في النار)[14].  وفي بعض الأحيان، كان (ص) عندما يثبان على ظهره (ص) وهو يصلي، يمسكهما بيده حتى يرفع صلبه ويقومان على الأرض، فلما يفرغ من صلاته يجلسهما في حجره ويقول: (ان ابنيَّ هذين ريحانتاي من الدنيا)[15].

وفي بيته كان (ص) يجثو للحسنين (عليهما السلام) فيركبان على ظهره ويقول: (نعم الجمل جملكما ونعم العدلان أنتما). وحملهما مرةً على عاتقه، فقال لهما أحد الصحابة: نعم الفرس لكما. فقال (ص): (ونِعمَ الفارسان هما). وكان (ص) يشجعهما على التسابق في تعلم الكتابة والقراءة والصحبة الجميلة بينهما.

          والمعروف عن رسول الله (ص) انه كان يردد غالباً: (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة)[16]، و(أبناي هذان إمامان قاما أو قعدا)[17]. ويخصُّ (ص) الحسين (ع) على ما رواه الترمذي: (حسينٌ مني وأنا من حسين، أحبَّ اللهُ من أحبَّ حسيناً)، و(حسينٌ سبطٌ من الاسباط). قال في (المصباح المنير): السبط هو ولدُ الولد[18]. وفي (صبح الأعشى): ان الحسن والحسين (ع) أول من سميا بالسبطين في الإسلام[19].

          يشير أحد الرواة وهو واثلة بن الأسقع[20] إلى ذلك، فيقول: لقد رأيتني يوماً وقد جئت النبي (ص) في بيت أم سلمة فجاء الحسن فأجلسه على فخذه اليمنى وقبلّه، ثم جاء الحسين فأجلسه على فخذه اليسرى وقبلّه، ثم جاءت فاطمة فأجلسها بين يديه، ثم دعا بعلي ثم قال: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)[21].

 دوماً مع رسول الله (ص):

          وهذا اسامة بن زيد[22] يطرق باب رسول الله (ص) ليلاً لحاجة له عنده (ص)، فيخرج النبي (ص) وهو مشتمل على شيء لم يدرِ أسامة ما هو، فلما فرغ من حاجته قال له: يا رسول الله ما هذا الذي أنت مشتمل عليه؟ فيشير إليه، فيحدق أسامة ببصره فإذا هما الحسن والحسين على وركيه، فقال (ص) عندئذٍ: (هذان ابناي وابنا ابنتي، اللهم إنك تعلم أني أحبهما) ثلاث مرات[23].

وفي مناسبةٍ كان رسول الله (ص) يخطب في المسجد فجاء الحسن والحسين وعليهما قميصان يعثران ويقومان فنـزل (ص) إليهما فاخذهما فوضعهما في حجره على المنبـر...ثم أخذ في خطبته.

          وقد سئل (ص) يوماً عن أحب أهل بيته إليه، فقال: (الحسن والحسين)[24]. وكان (ص) كلما يدخل بيت فاطمة (ع) يقول لابنته: (ادعُ إليَّ ابنيَّ)، فيشمهما ويضمهما إليه.

          وهذا التأكيد على حبهما (ع) وحرمة بغضهما من قبل رسول الله (ص)، مرآة عكست علمه وتنبؤه الصادق بما سيحصل لهما بعد وفاته (ص).

          وكان رسول الله (ص)، على ما رواه أبو سعيد الخدري[25]، يمرّ على بيت فاطمة (ع) كل يوم ويقول: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته، الصلاة يرحمكم الله (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)[26] في فترة قدِّرت - على بعض الروايات[27]- بثمانية اشهر، وفي روايات اخرى بأقلَّ من ذلك.

          وربما كان تحديد تلك الفترة بثمانية أشهر أو أقل، انها لم تكن فترة حروب أو غزوات فكان رسول الله (ص) قادراً على البقاء في المدينة والمكث فيها طول تلك الفترة. فكان مروره (ص) ببيت فاطمة (ع) قبل صلاته في المسجد أمراً طبيعياً. قال المؤرخون وأهل السير ان جميع ما غزا رسول الله (ص) بنفسه خلال تسع سنوات كانت ستاً وعشرين غزوة، بعد أن اُذِنَ له (ص) في محاربة قريش[28].

          ومن الطبيعي فان المرور على بيت فاطمة (ع) كان ينقطع بانشغال رسول الله (ص) في الحروب والغزوات، خصوصاً غزوة تبوك التي دامت أشهراً عديدة، ومعركة خيبـر ونحوها.

ولاشك ان الحسين (ع) كان يسمع دعوة رسول الله (ص) لأبويه لقيام الفجر. ومن المقطوع به انه كان (ع)  يشاركهما صلاتـهما ومناجاتـهما. فهذه الأسرة الكريمة شرفها الله تعالى بتعويد ذريتها على العبادة والبـرّ وجميع الفضائل الاخرى منذ الصبا.

 أخلاق ذرية الأنبياء (ع):

          ومن حسن أدب الحسين (ع) في  صباه انه مرَّ هو وأخوه الحسن (ع) على شيخ يتوضأ ولا يحسن الوضوء، فتظاهرا في التنازع، يقول كلُ واحدٍ منهما: (أنتَ لا تُحسِنُ الوضوءَ). فقالا: (أيها الشيخ كُنْ حكماً بيننا، يتوضأُ كلُّ واحدٍ منا). فتوضئا، ثم قالا: (أيُّنا أحسنُ؟). قال: كلاكما تُحسنان الوضوء، ولكن هذا الشيخ الجاهل هو الذي لم يكن يحسن، وقد تعلّم الآن منكما وتاب على يديكما ببـركتكما وشفقتكما على أمة جدّكما[29].

قال الإمام الحسين (ع) وهو يتحدث عن سني طفولته: انه دخل وأخوه على جدهم رسول الله (ص)، فأجلسهما وقبلّهما، وقال (ص): (بأبي أنتما من إمامين صالحين اختاركما الله مني ومن أبيكما وأمـّكما، واختار من صلبك يا حسين تسعة أئمة، تاسعهم قائمهم، وكلكم في الفضل والمنـزلة عند الله تعالى سواء)[30].

          وتشير الروايات إلى ان الحسن والحسين (ع) تعلّما الكتابة في صغرهـما، وكانا يفتخـران بعرض خطهما على جدهـما رسول الله (ص)[31] وأبيهما علي (ع) وأمهما فاطمة الزهراء (ع).

 الدلالات:

1- تعمّدَ رسول الله (ص) إظهار حبه لحفيديه الحسن والحسين (ع)، وكرَّرَ (ص) كلمات الحب والعاطفة اللتين كان يكنّهما إلى هذين الصبيين الطاهرين بقصد تعويد الأمة وتمرينها على حبهما. وان لا تستغرب من ذلك، إذا سمعت به بعد وفاته (ص).

2- نسبَ (ص) حبهما إلى حبه وحب الله سبحانه وتعالى، وهي نسبة عظيمة لأنها صدرت منه (ص) وهو الذي لا ينطق عن الهوى. أي ان مقولة: (من أحب الحسن والحسين (ع) أحببته، ومن أحببته فقد أحبه الله تعالى) هي قضية معادلة دينية طرفاها الدين من جهة وما يمثّله الحسن والحسين (ع) من قيم سماوية فاضلة من جهة اخرى. وبهذا المعنى نستنتج بأن الحسن والحسين (ع) جزءٌ لا يتجزأ من أجزاء الدين. فأنت كما تحب ان تقوم للصلاة وأداء العبادة، فعليك ان تحب هذين الإمامين ورسالتهما في الحياة. وهذه المنـزلة لا توضع لأحدٍ من البشر ما لم يكن أهلاً لها وخاضعاً لشروطها.

3- ان قول رسول الله (ص) للحسنين وهما صبيان بانهما إمامان قاما أو قعدا تنبؤ خطير لمستقبلهما. فالرسول الصادق الأمين (ص) لو كان يعلم ان حياتـهما لن  تستوعبا صفات الإمامة وشروطها، لما قال ذلك. ولكنه (ص) كان صادقاً عالماً بـما يقول. ومعنى القيام والقعود هو حمل السيف أو وضعه لأسباب شرعية.   

 (5)

ب- أيام الصبا: الإيثار المنقطع النظير

نزلت الآية الكريمة: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا. إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلا شُكُورًا. إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا)[32] وهي تخص مجموعة من أهل البيت (ع) هم: علي وفاطمة والحسن والحسين (ع). ومع ان الصبيان لا يصومون – على الأغلب- لأن التكليف مرفوع عنهم، إلا ان وضع الحسن والحسين (ع) كان مختلفاً، فكانا يصليان مع جدهما وأبويهما ويصومان وهما في السادسة أو السابعة من عمرهما.

          ولو كان مراد الآية علياً وفاطمة (ع) فقط لكان منطوقها: (ويطعمان الطعام...)، ولكن القرآن قال: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ...) فشمل الجميع وبضمنهم الحسن والحسين (ع).

          والظاهر من الروايات ان الحسنين (عليهما السلام) مرضا. وعندما عادهـما رسول الله (ص)، نذر أبوهما علي (ع)، إذا شفيا، بصيام ثلاثة أيام شكراً لله عزّ وجلّ، وكذلك نذرت أمهما فاطمة الزهراء (ع). وقال الصبيان: (ونحن أيضاً نصومُ ثلاثة أيام)[33]. وكذلك قالت جاريتهم فضة. وعندما ألبسهما الله ثوب العافية، أصبحوا صياماً وليس عندهم طعام.

          فقايض الإمام علي (ع) جزّة من الصوف تغزلها فاطمة (ع) بثلاثة أصوع من شعير.

          فأخذت فاطمة (ع) صاعاً من الشعير فطحنته وخبـزت منه خمسة أقراص، وعندما جلسوا للإفطار، وقف مسكين بالباب وهو يقول: السلام عليكم يا أهل بيت محمد، أنا مسكين من مساكين المسلمين، أطعموني مما تأكلون أطعمكم الله من موائد الجنة. فقام علي (ع) بتسليم الطعام إلى المسكين، وباتوا جياعاً ، وأصبحوا صياماً لم يذوقوا إلا الماء.

          ثم عمدت فاطمة (ع) إلى الصاع الثاني من الشعير فعملت مثلما عملت في اليوم السابق. وعند الإفطار، وبعد صلاة المغرب، وقف يتيم من يتامى المسلمين بالباب، وهو يقول: السلام عليكم يا أهل بيت محمد (ص)، أنا يتيم من يتامى المسلمين أطعموني مـما تأكلون، أطعمكم الله من موائد الجنّة. فقاموا بدفع الطعام إلى اليتيم. فباتوا جياعاً لم يذوقوا إلا الماء، وأصبحوا صياماً.

          ثم عمدت فاطمة (ع) إلى الصاع الثالث من الشعير فعملت مثلما عملت في اليومين السابقين. وعند الإفطار طرق بابهم هذه المرة أسير من أسرى المشركين. فقال: السلام عليكم يا أهل بيت محمد، تأسروننا وتشدوننا ولا تطعموننا؟ فدفعوا الطعام إلى الأسير. وباتوا جياعاً، وأصبحوا مفطرين وليس عندهم شيء.

          وأقبل عليٌّ (ع) بالحسن والحسين (ع) نحو رسول الله (ص) وهما يرتعشان كالفراخ من شدة الجوع، فلما بصر بـهم النبي (ص) قال: (يا أبا الحسن شدّ ما يسؤوني ما أرى بكم! انطلق إلى ابنتي فاطمة). فانطلقوا إليها وهي في محرابـها، قد لصق بطنها بظهرها من شدة الجوع وغارت عيناها، فلما رآها رسول الله (ص) ضمّها إليه. وقال: (واغوثاه بالله! أنتم منذ ثلاث فيما أرى). فنـزل قوله تعالى: (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُوراً) الى قوله: (إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاء وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً)[34].

 دلالات آية (هل أتى...):

1- ان علياً وفاطمة (عليهما السلام) نذرا نذراً بالصيام ثلاثة أيام عند شفاء الحسنين (ع)، وشاركهما في الصيام الحسنين (ع) وفضة. وإلى ذلك يشير القرآن (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ). وقد وفوا بالنذر فوراً بعد شفائهما.

2- أتت الآيات القرآنية للتأكيد على مصداقية علي وفاطمة والحسن والحسين (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ) أي على شهوتـهم للطعام وإيثارهم له (مِسْكِينًا وَيَتِيمًا) من مساكين المسلمين وايتامهم (وَأَسِيرًا) من أسارى المشركين. فحكم الإطعام نَظَرَ إلى الإنسان ككائن كريم ينبغي ان لا يجوع، مؤمناً كان أو مشركاً، مسالماً كان أو محارباً.

3- كان الإطعام خالصاً لوجه الله (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلا شُكُورًا)[35].

4- وعد إلهي حتمي بتحقق الجزاء والمكافأة الربانية (فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً) في الوجوه (وَسُرُورًا) في القلوب (وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً) يسكنونـها (وَحَرِيرًا) يفترشونه ويلبسونه (مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأرَائِكِ) الأريكة: السرير (لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا)[36].

 (6)

ج - أيام الصبا: المباهلة

          ومن الأحداث المتميزة التي عايشها الحسين (ع) وكانت مناراً لفضله  ولفضل أخيه الحسن (ع) هي حادثة المباهلة. فقد باهلَ بـهما النبي (ص) وهما صبيان، كما دلَّ عليه قوله تعالى في آية المباهلة: (فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ)[37]. حيث دعا رسول الله (ص) علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً وقال (ص): (اللهم هؤلاء أهلي)[38].

          وعقّبَّ الشيخ سليمان بعد ذكر الآية: فابرز النبي (ص) علياً والحسن والحسين وفاطمة صلوات الله وسلامه عليهم، وعنى في قوله انفسنا نفس علي، ومما يدل على ذلك قول النبي (ص): لتنتهين بنو وليعة أو لابعثن إليهم رجلاً كنفسي، يعني علي بن أبي طالب، فهذه خصوصية لا