|
(ص 91 - 130) الفصل الثالث الحوزة العلمية وحوار الحضارات ------------------------------------ مقدمة عندما نتحدّث عن الدين في عالم اليوم ، فإننا لابد أن نجزّء العالم إلى ستّة محاور. نصفها محاور سماوية ، والنصف الآخر محاور وضعية . فالمحاور السماوية تمثلها الأديان الرئيسية الثلاث : اليهودية ، والنصرانية ، والاسلام. والمحاور الوضعية تمثلها عقائد ثلاث هي : البوذية والهندوسية وهما دينان وضعيان ، والعلمانية وهي دين من لا دين له. ولاشك أن الأفق الديني يتسع لكلّ الأفكار التي ترى في الحوار والجدال العلمي طريقاً سليماً للتفاهم الإنساني . ولكن كيف تتعامل الحوزة العلمية مع عالم خُمسه مسلمون، وأربعة أخماسه أناس يعتقدون بعقائد أخرى قد نشترك معها في الصورة الكلية ، وقد نرفضها جملة وتفصيلاً ؟ علماً بان عالم اليوم هو خليط متشابك، لا يرقى إلى مستوى النسيج، من أفكار وعقائد مختلفة ومتناقضة. فكيف يتم الحوار بين حضارات يكون الدين، في بنيانها الفكري والاجتماعي، العمود الأساس ؟ قبل الإجابة على هذا السؤال والخوض في غمار موضوع دور الدين والحوزة العلمية في حوار الحضارات لابد من توضيح نقطة مهمة وهي: إنّ الضابطة في تحديد القدرة على الحوار بين حضارات العالم واديانها هو ان يكون الدين المشارِك في الحوار ، ديناً كونياً شاملاً للحياة البشرية يخاطب جميع البشر على اختلاف أجناسهم وألوانهم ومواطنهم. وهذه الضابطة تسقط كل الأديان الوثنية المحلية التي اعتقدت بها قبائل متناثرة في استراليا وجزر المحيط الهادئ (الباسفيك) والامريكيتين وبعض مناطق أسيا وأفريقيا. والأديان القبلية لا تنهض بأعباء الهمّ المشترك بين بني آدم ، ولا تنهض إلى مستوى بناء دور في التقريب بين البشر على مستوى الأرض والعالم. معنى الحوار بين الحضارات: ب-الحضارة: وهي أعلى المراحل الثقافية في حياة المجتمع. فالمجتمع المتحضر هو المجتمع الذي حصل على منجزات عظيمة في الاعتقاد والثقافة والتاريخ. والحضارة تجمع شعوب متعددة تحت مظلة دين واحد ولغة مشتركة، ومشتركات أخرى كالتاريخ والتقاليد والعادات. والحضارة الواحدة على الأغلب، يربطها رباط ديني واحد. فالحضارة الأوروبية الحديثة يربطها رباط النصرانية واليهودية. والحضارة الإسلامية يربطها رباط الإسلام. والحضارات الأخرى يربطها رباط ديني خاص ، وهكذا.يعتقد علماء نشوء الإنسان ان أولى الحضارات في العالم القديم قد نشأت في بلاد ما بين النهرين قبل أكثر من خمسة آلاف سنة ، ثم نشأت في مصر حضارة أخرى ، ثم انتقلت الحضارة الإنسانية الى وادي السند والى الصين. ومن الطبيعي فان تطور النقل البحري ، واستخدام الحديد وصهره ، واختراع الكتابة ، وممارسة التجارة، كلها ساهمت في تلاقح الحضارات. وليس غريباً الإيمان بان الاتصالات التجارية قد فتحت الباب نحو تفاعل فكري ومعرفي بين الشعوب والقبائل. وبذلك فقد انبثقت علاقة داخلية بين الإنسان والفكر والطبيعة. فالإنسان مهما كان جنسه أو لونه ، والفكر العقلي أو الديني مهما اختلف ، والأرض أينما كانت ، يُحتملْ أن تلتقي كلها في نقطة واحدة. وتلك النقطة هي اللبنة الأساسية في حوار الحضارات. وإذا نظرنا إلى الدنيا في القرن السادس قبل الميلاد ، نرى عالماً مكوناً من أربع حضارات سائدة هي : الصين ، والهند، والأغريق، والشرق الادنى. ففي الصين كانت الكونفوشصية، الديانة السائدة. وفي الهند كانت البوذية، الديانة السائدة. وفي أوروبا كان فلاسفة الإغريق قد ساعدوا قارتهم على النهوض الى مستوى الحضارة النصرانية فيما بعد. وفي الشرق الادنى كان أنبياء بني إسرائيل في الشام والعراق ومصر ( وبالخصوص إبراهيم وموسى عليهما السلام)، وزرادشت في فارس قد فعلّوا الفكر الإنساني في إقامة الحضارة البابلية وحضارة أور والحضارة الفارسية. وهكذا برزت الحضارات الأربع القديمة في الصين والهند وأوروبا والشرق الادنى ، بسبب جذور دينية متباينة في التوجهات والإعتقادات. وليست لدينا معلومات عن أثر الأنبياء (ع) على ديانات الهند والصين. ولكننا نعلم ان بعضاً من عقائد تلك البلدان اليوم مقتبسة من أخلاقيات متطابقة مع الأديان السماوية السابقة. والحضارة ما هي إلاّ أثر من آثار الدين على الإنسان. فإذا أنحرف الناس وقلّ التأثير الديني ، زالت الحضارة واندثرت وبرزت على أنقاضها حضارة أخرى قد تأثرت بدين آخر. خذ مثلاً على ذلك . ففي القرن السادس الميلادي بدأت تلك الحضارات تضمحل بسبب بروز حضارة بديلة جديدة ، عظيمة في المباني ، عملاقة في المفاهيم والأفكار ، عميقة في فهم متطلبات البشر، تلك هي الحضارة الإسلامية ، التي بقيت مزدهرة عشرة قرون متواصلة ، في حدود جغرافية مترامية بين اسبانيا والصين ، ومنغوليا وأفريقيا. وعلى الرغم من اختلاف أشكال تلك الحضارات الخمس وتباين تقاليدها وأساليب حياتها، فان مبانيها كانت مباني دينية في الأساس ، سماوية في حضارات ووضعية في أخرى. بمعنى ان الحضارة انما هي وليدة الضمير الديني للإنسان. وأخيراً استفادت الحضارة الأوروبية الحديثة من الحضارة الإسلامية استفادة عظيمة عبر نقل الأفكار والمفاهيم دون المبادئ والمعتقدات. واستفادت أوروبا منذ القرن الخامس عشر الميلادي في الإنتشار بقوة في العالم عبر الحروب والاحتلال العسكري والاكتشاف الجغرافي. واُكتشِفتْ مناطق لم تكن معروفة سابقاً، خصوصاً في الامريكيتين ، واستراليا ، والمحيط الهادئ ، وجنوب أفريقيا. وأصبحت تلك القارات مناطق نصرانية ، خلافاً لرغبة أهلها الأصليين. وهكذا انتهينا الى ست حضارات تاريخية ذات منشأ ديني على الأغلب. ولكن الحضارة الحديثة هي الأشرس على مستوى الحروب والقتل الجماعي. فالحربين العالميتين : الاولى سنة 1914م ، والثانية سنة 1939م قد زعزعتا ثقة البشرية بالحضارة الاوروبية النصرانية. وفي تلك الحربين ذبح المسيحيون الغربيون بعضهم البعض من أجل السيطرة على مقدرات العالم. لكنهم لم يستطيعوا ان يحولوا العالم الى كنيسة نصرانية مائة بالمائة كما دعا الى ذلك مؤتمر المبشرين في ادنبرا- اسكتلندا (بريطانيا) سنة 1910م. هل الخرافة تولد حضارة ؟ ترتبط الخرافة - وهي اعتقاد باطل لأفكار وعقائد وثنية- بثقافة المجتمع. فالخرافة تبدأ بقصة غير واقعية وتنتهي بفكرة دينية. والأفكار الوثنية مليئة بالخرافات . فحياة الآلهة المزعومة خرافات مركبة من زمان ومكان ذات طبيعة استثنائية غير واقعية. ومشكلتنا مع الخرافة مشكلة عقلية بالدرجة الأولى. أي ان للخرافة مشكلة محيرة للعقل في المعنى والتفسير. فلدينا مشكلة عقلية في تفسير عبادة المؤمنين بالهندوسية للبقر. ولدينا مشكلة عقلية في تفسير عبادة العرب في الجاهلية للأصنام والأحجار. وحتى لو انهم قدموا لنا تفسيراً يقول بان البقر يمثل الخير ، وان الأحجار تشفع للناس عند الله عز وجل ، فان المشكلة تبقى قائمة. وهي ان تلك الأعمال خرافية محضة ليس لها دليل عقلي يدعمها ويؤيدها. وطالما كانت الخرافة بعيدة عن مباني العقلاء ، فانها بعيدة عن الواقع الحقيقي الخارجي. وبكلمة ، فان الخرافة هي باطل ووهم . والحقيقة هي حق وواقع. وقد حاولت الأديان السماوية تسفيه الخرافات لانها لا تنهض الى مستوى الحقيقة والواقع الخارجي. ونلمس ذلك بوضوح على صعيد القرآن الكريم : (وقالُوا أساطيرُ الأولين اكتتَبَها فهي تُملى عليهِ بكرةً وأصيلاً)[3] , (ولا تَقْفُ ما ليسَ لكَ بهِ علمٌ....)[4] ، (…ما هذهِ التماثيلُ التي انتُمْ لها عاكِفُونَ) [5]. وحصرت محتوى الدين بإخبار الوحي لأنبياء الله المرسلين. فلا يحق للإنسان الافتراء على الله عز وجل بوضع دين يضلّ به الناس. وطالما كانت الخرافة تناقض العقل ، فانها لا تصل الى معاني الحقيقة والواقع. والديانات الوضعية التي تعتمد على الخرافة لا تنهض الى مستوى الحقيقة والعقل ، وتبقى أسيرة واقعها القصصي الخيالي المحدود. وبكلمة ، فان الخرافة لا تولد حضارة بمعناها الشائع وهو المستوى المتقدم من المجتمع. ولكن المجتمع اذا وضع الخرافة جانباً ، واستند على مقدمات عقلية فانه يستطيع ان يبني حضارة مادية عقلائية قريبة من الدين. والمجتمع الذي يعتمد على الخرافة ليست له قيم أخلاقية واضحة ، لأن الخرافة تبتنى دائماً على الجهل والإبتعاد عن التحليل العقلي. واذا كانت الخرافة بتلك الدرجة السفلى من السلم العقلي ، فانها تعدّ من المسلمات الثقافية والتأريخية للمجتمعات الوثنية والبدائية. والنتيجة ، هي ان الخرافة بحد ذاتها لا تولد حضارة لانها بعيدة عن مبنى العقل والمنطق ، ولكن اذا اعتمد المجتمع على اصول عقلية غير مرتبطة بالدين الوثني فانه يستطيع ان يبني حضارة مادية قريبة من مبادئ الدين. أسس الحوار: ولا نستطيع ان نبدأ حواراً بين المسلمين وبين المشركين أو الوثنيين ما لم نفتح كتاب الله المجيد ، وما لم نستن بسنة رسول الله (ص) وأهل بيته الطيبين الطاهرين (ع)، لنهتدي بهديهما ونلتمس منهما الطريق الصحيح لإرشادنا . أ-الأسس الشرعية للحوار: أولاً: الأساس القرآني: ونستقرأ من القرآن الكريم مجموعة من الآيات الشريفة ونحاول إستخلاص المعاني المستفادة منها: 1- قوله تعالى : (ولا تُجادلوا أهلَ الكتابِ إلاّ بالتي هيَ أحسنُ إلاّ الذينَ ظَلَمُوا مِنهُم وقولُوا آمنّا بالذّي أُنزِلَ إلينا وأنزِلَ إليكم وإلهنا وإلهُكم واحدٌ ونحنُ لهُ مسلمونَ)[6] . وظاهر معنى الآية الكريمة هو: أ-التحاور مع أهل الكتاب باللين والرفق من أجل إظهار الحق. ب-عدم اللجاج والعناد واستثارة العصبية. ج-إظهار المشتركات ، ومنها وحدة الخالق عزّ وجلّ ووحدة مصدر الكتب السماوية ، وهي قوله تعالى : (...وقولُوا آمنا بالذّي أُنزِلَ إلينا وأنزِلَ إليكم وألهنا وألهكم واحدٌ ونحنُ لهُ مسلمونَ). د-استثناء (الذين ظلموا منهم) من الحوار. وهم الذين لا ينفع معهم الرفق ولا اللين ، ولا الحوار الهادف الصحيح. 2- قوله تعالى : (ادعُ الى سبيلِ ربّكِ بالحكمةِ والموعظةِ الحسنةِ وجادِلْهُمْ بالتي هي أحسنُ إنّ ربَّكَ هو أعلمُ بمن ضلَّ عن سبيلهِ وهو أعلمُ بالمهتدين)[7]. والمعنى: أ- إنّ هناك ثلاثة طرق للدعوة الى الإسلام وهي: الاول: الحكمة ، وهي المعرفة. والمعرفة الصحيحة حجة على الخصم، لانها توصل الى الحق الذي لا مراء فيه. الثاني: الموعظة الحسنة ، وهي البيان الصالح الذي يرق له القلب وتخشع له الروح ويطمئن له العقل. والبيان فيه صلاح للسامعين وأثر محمود على المجتمع. الثالث: الجدال أو الحوار بالتي هي أحسن ، وهي الحجة والبرهان اللذان يفتلان الخصم عما أصر عليه. ب- مفهوم الآية الكريمة يدل على وجوب التحرز عن العناد والمكابرة والتخاصم. ذلك لأن الحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن ، يوصل الخصوم الى رقة القلوب وانفتاح الأذهان. وهذه هي أسس الحوار. ج- مفهوم الآية يدل أيضاً على عدم الإستهزاء بما يعتقده الخصم ، وعدم سبه أو شتمه. فالحكمة والموعظة الحسنة لا تساعدان على الاستهزاء أو الاستخفاف بما يعتقده الآخرون. 3-قول النبي هود (ع) لقومه : (قالَ قدْ وقعَ عليكُمْ من ربِّكُمْ رجسٌ وغضبٌ أتجادلونني في أسماءٍ سميّتُمُوها انتم وابآؤُكُم ما نزّلَ اللهُ بها من سلطانٍ فانتظروا إنّي معكم من المنتظرينَ)[8] . وظاهر معنى الآية: أ- إنّ هوداً (ع) كان يحتج على قومه من الكافرين بأن هذه الآلهة التي وضعتم اسماءها ليس لكم على ألوهيتها من حجة ولا برهان، وهو قوله : (...أتجادلونني في أسماء سميتموها...). ب- إنّ هناك دليلاً على أن المحاورة والمجادلة كانت قائمة بين هود (ع) والمشركين من قومه. ج- إنّ هوداً (ع) كان يقارع الحجة بحجة أقوى ، والدليل بدليل أمتن. وهذا هو معنى الحوار أو المجادلة بالحق. 4-قوله تعالى : (كذَّبتْ قبْلَهُمْ قومُ نوحٍ والاحزابُ من بعدِهِمْ وهمّتْ كلُ أمةٍ برسولِهم ليأخُذُوهُ وجادلوا بالباطلِ ليُدحِضُوا به الحقَّ فأخذتُهُم فكيفَ كانَ عقابِ)[9] . وظاهر المعنى: أ- إنّ سنّة تلك الأمم الكافرة كانت قتل الرسل أو إخراجهم ، ومجادلتهم بالباطل من أجل إزالة الحق. ب- مفهوم الآية الكريمة هو أن المجادلة ينبغي ان تكون بالحق من أجل تثبيت الحق. 5- قوله تعالى: (يا أيها الناسُ إنا خلقناكُمْ من ذكَرٍ واُنثى وجعلنَاكُمْ شعوباً وقبآئلَ لتعارفُوا إن أكرمَكُم عندَ اللهِ اتقاكم إنّ اللهَ عليمٌ خبيرٌ)[10]. وظاهر المعنى : أ- الإعلان السماوي للبشرية بأن الناس قد خُلقت من نسل مشترك منحدر من ذكر (آدم) وانثى (حواء). ب- العلة في خلق الإختلافات بين الشعوب والقبائل هو التعارف والإجتماع على الخير، لا الإجتماع على التفاخر بالأنساب والعرقيات. وهذا يفيد معنى الحوار أو المجادلة بالتي هي أحسن، واستخدام الحكمة والمعرفة في ذلك. ج- إنّ المقياس في الكرامة عند الله هو تقوى الإنسان لا الغنى والرئاسة والنسب. ثانياً: الأساس الروائي: وهو ما يمكن الإستفادة منه في أقوال النبي (ص) والعترة الطاهرة (ع) وأفعالهم وسيرتهم. أ- فقد أعتمد رسول الله (ص) في نشر الإسلام على طريقة المكاتبات، وهو أقرب إلى الحوار الفكري ، فكتب الكتب وأرسل المبعوثين الى الملوك والحكّام، فدعاهم الى الإيمان بالإسلام والخروج من ظلمات الكفر والفساد. وكانت ردودهم متباينة . فبعضهم أجاب الدعوة وأسلم كـ (باذان) حاكم اليمن ، و(النجاشي) ملك الحبشة . ومنهم من قال خيراً كـ (المقوقس) حاكم الإسكندرية في مصر ، و(هرقل) ملك الروم. والبعض الآخر لم يستجب مثل (كسرى) ملك فارس ، و(الحارث) حاكم دمشق [11]. وفي ذلك دلالة على أن الدعوة الفكرية من أجل الإيمان بالإسلام أمرٌ شرعي مارسه رسول الله (ص) في حياته الشريفة ، وكان خياراً أختاره في مرحلة من مراحل نشر الإسلام. ب- وعن الإمام علي (ع) انه قال في وصيته لمالك الأشتر : (وأشعر قلبك الرحمة للرعية...فانهم صنفان: إما أخٌ لك في الدين ، واما نظيرٌ لك في الخلق)[12] . وفي ذلك دلالة على ان البشرية تستحق ان تتحاور فيما بينها لأن حاجاتها المادية والروحية متناظرة ومتشابهة. ج- محاورات الإمام جعفر الصادق (ع): كان انتشار الإسلام في بقعة واسعة من الأرض في فترة زمنية قصيرة ، ودخول ثقافات متباينة في الدين الجديد، قد أحدث مشاكل فكرية وعقائدية ، بدأت فيها الناس تبحث عن أجوبة شافية لها. ولم تكن فلسفة الإغريق واليونان بعيدة عن أرض الشام والبلاد المفتوحة. فكان لابد من وجود إمام معصوم يذود عن حياض الإسلام وفكره. فكان جعفر بن محمد الصادق (ع) ذلك الرجل الذي لعب دوراً عظيماً في توضيح أصول الدين ، خصوصاً فيما يتعلق بالتوحيد والنبوة والإمامة ، ومباني الأحكام الشرعية التكليفية في الإسلام. وقد تميّز الإمام الصادق (ع) بإلمامه الشامل بمناهج الفلاسفة ومواضع التهافت عندهم ، وإدراكه الكامل لأصول الدين. وبذلك فقد كان مرجعاً في ردّ الشبهات والإثارات التي كانت تثار من قبل أهل الزندقة والإلحاد. ومن أهم الشبهات التي أثيرت في ذلك الزمان قضية القضاء والقدر ، والجبر والتفويض ، ومسألة المعصية وعلاقتها بالحساب الإلهي ، والبداء. ومن الطبيعي أن تثار إشكالات من ذاك القبيل ولا تثار إشكالات من قبيل حقوق المرأة ، أو حقوق الإنسان، أو المجتمع المدني. لأن شروط الزمان كانت تقتضي أن تثار الإشكالات الفلسفية الخاصة بطبيعة الإنسان والوجود والخالق عزّ وجلّ دون غيرها. وقام الإمام (ع) بحوارات مع مختلف الإتجاهات والحركات والفرق المناوئة للمجرى العقائدي العام للإسلام. وما وصلنا من نصوص في تلك الفترة يعبر عن ردود على تلك الفرق وشبهاتها. وحوارات الإمام الصادق (ع) كانت مصداقاً حقيقياً لقوله تعالى: (ادعُ الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ...) . فتحاور مع المرجئة ، وهم الذين آمنوا بنظرية الإرجاء إلى الله عزّ وجلّ حتى يكون الحساب فجادلهم وردّهم ، وملخص ردّه (ع) ان الله : (لم يبعث نبياً قط يدعو إلى معرفة ليس معها طاعة في أمر ونهي، فإنما يقبل الله من العباد العمل بالفرائض التي افترضها الله على حدودها...إنه من عرف أطاع، ومن أطاع حرّم الحرام ظاهره وباطنه)[13]. وردّ الخوارج الذين قالوا بأنّ الخليفة لا يكون إلا بانتخاب حر من المسلمين ، ويستمر ما قام بالعدل مبتعداً عن الزيغ والخطأ ، فإن حاد وجب عزله أو قتله. وقالوا أيضاً بأن العمل جزء من الإيمان، والمخطئ في الإجتهاد كافر. وعلى هذا الأساس فقد كفّروا جميع فرق المسلمين وأباحوا دماءهم. فردّهم الصادق (ع) في خطبة يصف فيها أحوال الإمام (ع) ، ففنّد فيها رأيهم ، وأعلن بأن الإمام المعصوم (ع) يختاره الله لخلقه ولا يختارونه. وأعلن أيضاً بان هناك فرق في درجات الأعمال والنيات. وقال (ع): (...الإيمان هو إقرار باللسان، وعقد بالقلب ، وعمل بالأركان...فإذا أتى العبد بكبيرة من كبائر المعاصي أو صغيرة من صغائر المعاصي التي نهى الله عزّ وجلّ عنها كان خارجاً من الإيمان ، ساقطاً عنه اسم الإيمان ، وثابتاً عليه اسم الإسلام ، فإن تاب واستغفر عاد إلى الإيمان ولم يخرجه الى الكفر والجحود...)[14] . وردّ المعتـزلة الذين قالوا بأنّ مرتكب الكبيرة بين المنـزلتين: الإيمان والكفر. فقال (ع): (إياكم ومعاصي الله أن تركبوها ، فإنّه من انتهك معاصي الله فركبها فقد أبلغ في الإساءة الى نفسه. وليس بين الإحسان والإساءة منـزلة. فلأهل الإحسان عند ربهم الجنة، ولأهل الإساءة عند ربهم النار...). وردّ (ع) أهل القياس والإستحسان والرأي ، والقائلون بخلق القرآن، والقائلون بالتناسخ ، وأهل التشبيه والتجسيم ، وأصحاب الجبر والتفويض ، والغلاة عبر حوار موضوعي يتسم بالدليل الساطع والبرهان القاطع والحجة المفحمة[15]. وتلك الردود والحوارات تدل على شرعية النقاش الموضوعي بين المسلمين من جهة وبين الملحدين أو الكافرين بالدين من جهة أخرى. ب – الحقائق الموضوعية للحوار: وهناك جملة من الحقائق لابد من عرضها كجانب مكمّل لأسس الحوار ، منها: 1- إن الأديان السماوية – بالخصوص - تعدُّ بالنسبة لمعتقديها طريقة حياة وأسلوب شامل يحقق للإنسان أهدافه في الحياة. إلاّ أن الحوار بين الحضارات لا يمس تلك العقائد والأديان ، بل يجعلها تتعايش في عالم صغير محدود. ومعنى التعايش هو أن يدرك البشر شرعية ترجيح التفاهم حول حق الآخرين في العيش الكريم على التناحر والتنابذ والتقاتل. وقد قال تعالى : (قل يا ايّها الكافرونَ . لا اعبدُ ما تعبدونَ. ولا انتُمْ عابدونَ ما اعبدُ. ولا انا عابدٌ ما عبدتُمْ. ولا انتُمْ عابدونَ ما اعبدُ. لكم دينُكُم ولي دينِ)[16]. 2- إن الخسارة في الحروب تولد - على الأغلب - شعوراً قوياً بالرجوع إلى الدين، وضعياً كان أو سماوياً. فالهزيمة العسكرية تبعث تأملاً ومساحة للتفكير في العلل والأسباب. والأمثلة على ذلك كثيرة نذكر منها ما ينفعنا في تاريخنا المعاصر. فالمجتمعات الغربية تمسكت بالنصرانية بعد حروبها الدامية في القرن |