(ص 159 - 184)

الفصل الخامس

 ملاحق الكتاب

------------------------------------

(1) تعقيبات المعهد العالمي للفكر الاسلامي

     عندما نُشِرَ موضوع (أسلمة المعرفة) المطبوع في الفصل الثالث من هذا الكتاب ، لأول مرة في مجلة (الحياة الطيبة) في أيلول 1998م، أحدث تجاوباً طيباً في الاوساط العلمية المختلفة. وقد أشارت اليه أكثر من دورية علمية. ولعل أشمل البحوث التي عرضت لتاريخ موضوع الأسلمة هو بحث الاستاذ فتحي ملكاوي عضو تحرير مجلة (أسلامية المعرفة) التي يصدرها المعهد العالمي ، ننشرها هنا مختصرة وبما يناسب حجم هذا الكتاب. وقد نشرت المقالة على صفحات الموقع الالكتروني للمعهد. ويرى القارئ العزيز ان الذين انتقدوا مشروع الأسلمة كانت ألفاظهم أقرب الى القدح منها الى النقد الموضوعي . وقد أنصف كاتب المقال في عرض الآراء الخاصة بهذا الموضوع ، وبضمنها آراء مدرسة أهل البيت (ع).

 ملخص البحث

     يمكن تمييز عدة فئات من بين المعارضين لمشروع إسلامية المعرفة، ينتسب بعضها إلى الدوائر الإسلامية وبعضها إلى الدوائر العلمانية. ويقع بعضهم في فئة الصحفيين الذين لم يطلعوا على أدبيات المشروع وكتابات رواده، وتأتي معارضتهم في سياق الضجيج الإعلامي، والخلافات السياسية، التي لا تستحق عناء النظر إليها ومناقشتها. ولكن لا يخلو الأمر من عدد من الدراسات التي حاولت أن تتلمس المنطلقات الفكرية للمشروع وتناقشها بطريقة جادة. وفي هذه المقالة عرض لنماذج مختارة من المواقف وتعليقات موجزة عليها، ويلاحظ أنها توزّعت ما بين النقض والحوار والعتاب واشتملت على نماذج تمثل التيارات والاتجاهات الفكرية والسياسية والمذهبية. وليس من همّ هذه المقالة أن تعرض مواقف المؤيدين للمشروع أو الاجتهادات المتعددة في داخله.

    إنّ نقد مشروع إسلامية المعرفة والحوار حوله أمر مشروع بلا شك، بل إنّ العاملين فيه يقيمون الندوات المتخصصة لنقده ومناقشة بعض المشروعات البحثية المتخصصة التي نفذت ضمن نشاطاته. والرؤية النقدية مطلوبة ومرحب بها ليس ممن يحملون وجهات نظر مختلفة ضمن تيار الأسلمة نفسه فحسب وإنما هي مطلوبة حتى من المعارضين لهذا التيار جملة وتفصيلاً.

الهروب من الواقع !

 ومثال ذلك الندوة التي عقدها مركز الحضارة للدراسات السياسية في القاهرة بالتعاون مع قسم العلوم السياسية في جامعة القاهرة لمناقشة مشروع العلاقات الدولية في الإسلام الذي تبناه المعهد العالمي للفكر الإسلامي، حيث قدم عدد من المفكرين والأكاديميين رؤى نقدية وازنت بين أهمية المشروع وبيان بعض أوجه القصور فيه واقتراح مسارات ومناهج محددة لاستكمالها.

    لكن الندوة استضافت السيد ياسين الذي عبرّ في مناسبات عديدة عن رؤيته النقضية لمشروع إسلامية المعرفة جملة وتفصيلاً، [وزعم] بانّ المشروع يعدّ هروباً من الواقع إلى التاريخ، وأنه لم يقدم اجتهاداً نظرياً حقيقياً، بل إنّه حاول أن يستوعب نظرات أصولية تعود لآراء واجتهادات فقهية، وبعضها أمور يجب أن يخجل من ذكرها أو تضمينها أية كتابات علمية، وإنّ العاملين في المشروع لم يحصدوا من جهدهم إلا الأوهام … الخ[1] .

ملابسات الزمان والمكان:

      [وهكذا كانت] أحكام حامد نصر أبو زيد الذي يرى أن "أسلمة العلوم والآداب تقود إلى خطاب سلفي وتبرير ديني لوضع اجتماعي يحتل فيه الحاكم والطبقة مكان المطلق والكلي والقديم". وأنّ "الدعوة إلى أسلمة العلوم والآداب والفنون دعوة ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب تؤدي إلى تحكيم الفكر الديني الخاضع لملابسات الزمان والمكان.. وأن هذه الدعوة تنتهي إلى محاكم التفتيش التي تدين بل تجرّم كل اجتهاد إنساني في كل المجالات المعرفية فتصمه بالانحراف والضلال والإلحاد، لا لشئ إلاّ لأنّه لا يتوافق مع فهم رجال الدين للنصوص الدينية ومع تأويلهم لها.[2] "

 النكوص الفكري !

      ويستنكر عزيز العظمة بشدة استعمال مصطلح أسلمة المعرفة، ويعدّه صورة من صور جموح اللاعقلانية السياسية "لأهل الأهواء الإسلامية" وما يقول به "إسلاميو الهوى" تعبيراً عن: "شهوة السلطة الكلية لدى الإسلاميين" الذين لم يكتفوا بإضافة النعت الإسلامي إلى المجتمع وعلم الاجتماع وتوظيف الأموال وعلم الاقتصاد وعلم الطب، بل على "المعارف إنتاجاً ومحتوى وتناولاً ومؤسسات". وينظر الكاتب إلى المشروع باعتباره نموذجاً "للتطرف الإسلامي السياسي والأيديولوجي والاجتماعي"، وأنه نكوص أيديولوجي واجتماعي إلى "ماض موهوم أو مؤول يوتوبياً". و"يحاول أن يجمد الواقع في لحظات نكوص تفضي إلى إرهاب المجتمع والدولة"…

       ويرى أن مهمة أسلمة المعرفة تنصب على خطابين نقائضيين: خطاب سجال وخطاب إيجاب، يختص الأول بنقض المناهج العلمية العالمية لدراسة المجتمع والسياسة تحت عنوان الخصوصية، ويقوم الثاني بقسر وقائع التاريخ والمجتمع في بوتقة تصور إسلامي .. لا يتعدى إضافة التسمية الإسلامية على هذه الوقائع … تلبية لمشروع سياسي يروم المجانسـة القسريـة عن طريق دولـة قاهرة أو إرهاب للكافـة.. .[3] ".

الخلط بين الأدوات والمفاهيم !

    ويرى بسام الطيبي أن الأصولية الإسلامية التي انتشرت منذ السبعينيّات هي أكثر من حركة سياسية تهدف إلى مواجهة الهيمنة السياسية والاقتصادية للغرب، وذلك لأن لها استراتيجية ثقافية، وأن أسلمة المعرفة هي المعادلة الأساسية لهذه الاستراتيجية. ويرفض الطيبي القول بأن هذا المشروع يعد مشروعاً إسلامياً لما بعد الحداثة. ويؤكّد وعي الأصوليين الإسلاميين على أن هدف محاولات الغرب في إضعاف الإسلام يتوجه نحو المعرفة الإسلامية، ولذلك فإنهم يواجهون هذا الغزو الفكري الغربي بإعادة إنشاء المعرفة الإسلامية الصحيحة لتحقيق الحل الإسلامي، وأن استمرار الإسلام السياسي يعود إلى الاستراتيجية الثقافية المتمثلة في نزع الصفة الغربية عن المعرفة.

     ويرى أن الأصوليين يخلطون بين أدوات الحداثة المتمثلة في القوة العسكرية والتكنولوجية التي مكنت الغرب من استعمار الشعوب الأخرى ومفاهيم الحداثة المتمثلة في مشروعها الثقافي، ويبين أن أزمة الأصوليين تكمن في أنهم يتبنون أدوات الثقافة ويحاولون امتلاكها، وفي الوقت نفسه يرفضون أساسها ومنطقها الثقافي، وقد تطور لديهم ما يسميه الحلم الإسلامي في حداثته، حداثة جزئية أي نصف حداثة، وبالتالي يستنكر الجهود الرامية إلى فصل إنجازات الحداثة عن المعرفة التي جعلت هذه الإنجازات أمراً ممكناً. ويتساءل مستنكراً لماذا يعجز المسلمون عن قبول رؤية بأن الله خلق الإنسان وأن الإنسان قادر على خلق المعرفة بنفسه وبأساليبه الخاصة؟ هل من الضروري أن يتناقض الإيمان بالله مع الإيمان بقدرة الإنسان؟

      ويصف موقف الأصوليين الذين يقدمون ادعاءات دينية باللاعقلانية، ويتبنى تفسير برنارد لويس لوعي الأصوليين على أن الخطر الذي يواجه الإسلام المعاصر هو خطر المعرفة الجديدة وليس القوة السياسية أو العسكرية[4].

نقض الإبداع !

    يزعم المقال الذي نشرته جريدة الحياة مؤخراً للكاتب علي حرب أن القول بإسلامية المعرفة يشكل نقيض الإبداع ويعرقل نشاط الفكر الخلاق ويحول دون تطوير العلوم والمعارف أو دون تجديد المفاهيم والمناهج.. ويصدر عن منـزع نرجسي أو عن هاجس صوفي، وتراجع عن عالمية الفكر الإسلامي.

      والأعجب أن يدّعي الكاتب أن أسلمة المعرفة لا تعرقل المشاريع الفكرية فحسب، بل "تلغم المشاريع النضالية، بمعنى أنها لا تساعد على التحرر من التبعية للغير.. وتترك الفرصة للغربيين لكي يفكروا لنا ولهم ولجميع الناس.."، وللخروج من هذه القوقعة الفكرية يقترح الكاتب أن يتعامل الباحث مع نفسه "بوصفه طالب علم ومعرفة في الدرجة الأولى، همّه في ذلك إنتاج سلع معرفية يدرس بها مجتمعه بمقدار ما يفهم العالم، ويبدع ما يحتاج إليه الغير، بمقدار ما يغني رصيد الإنسان من المعارف الغنيّة والثمينة"[5].

الأوجه الثلاثة !

     يرى برهان غليون أن مشروع الأسلمة قائمٌ على ثلاثة أوجه هي في رأيه: رفض مجموعة المعارف العلمية القائمة اليوم واعتبارها علماً غريباً خاصاً، ورفض منطق العلم الراهن واعتباره منطقاً ملوناً بالنـزعـة الوضعية، وإخضاع البحث العلمي للقيم الأخلاقية والدينية وتأكيد أولوية الإيمان وضرورة وجوده وهيمنتـه.

     ثم يعرض رأيه في طبيعة العلم والنشاط العلمي الذي يقوم على مبادئ ثلاثة هي الموضوعية والمادية والعقلانية. وأن العلم يؤمن بالتجربة منهجاً وحيداً، وأنه نشاط برغماتي بالدرجة الأولى. ثم يشـرح معنى الإسلام بالصـورة التي يظـن أن مشروع أسلمة العلوم يعنيها. ويحصر هذا المعنى في ثلاثة وجوه أولها مجموعـة العقائد التي يحملها مفهوم التراث الإسلامي والتأمل في القرآن لاستخراج العلوم الجديدة منه، وثانيها المجتمعات الإسلامية باعتبارها دائرة حضارية متميزة في قوانين حركتهـا وتوجهاتهـا وحاجاتها عن المجتمعات الأخرى. وثالثها موقف روحاني من الكون يفرضه الإسلام على البحث العلمي مناقض للموقف الوضعي العلماني. ويحاول الكاتب أخيراً أن يختبر إمكانية التوفيق بين منطق العلم ومنطق الدين، فيؤكد أن العلم الذي يعنيـه هو المعنى الحديث الـذي يختلف تماماً عن علوم الفقه وأصوله وأصول الدين والعقائد، وينحصر معناه فقط في ما يتصف بالموضوعية والمادية والعقلانية. وأنّ محاولة التوافق والتفاهم بين العلم بهذا المعنى وأية حقائق اعتقادية وأخلاقية لا يمكن أن تتم إلا على حساب نفي التجربة العلمية وإضفاء رغباتنا وأهوائنا على الواقع، وأنّ "جوهر المنهج العلمي هو أسبقية التجربة، وإذا رفضنا هذا المنهج التجريبي، حتى في فهم تجربتنا الدينية، فلن نستطيع أن نعبر الحاجز بين العقلية السحرية والعقلية العلمية أبداً"[6].

ومما يلفت الانتباه في مقالة برهان غليون ما يأتي:

أولاً: يتخيل الكاتب أنّ الدعوة إلى إسلامية المعرفة هي دعوة لتوليد العلوم من القرآن الكريم، ويتوصل بالتالي إلى عبثية البحث عن قانون الجاذبيـة أو الانشطار الذريّ، ويبين كيف أن القرآن كتاب هدايـة وإرشاد وليس ألغازاً علميـة، وكيف أنّ القرآن قد دعا الناس إلى التأمل في خلق الله والتأمل في الكون وسننه، وأن مذهب الإسلام في العلم هو معرفـة الواقع الموضوعي كما هو، وطلبه العلم ولو في الصين أي عند غير المسلمين.

ثانياً: يتخيل الكاتب أن أسلمة المعرفـة تعني تخصيص العلم وقومنة العالمي ورفض ما هو مشترك بين بني البشر، وهذا لا يسهم في تطوير العلم ولا في تعميق الرؤية الدينية وشحذ الإيمان.

ثالثاً: يتوجه الكاتب في تأكيده لمفهوم العلم إلى العلوم الطبيعية وسحب دلالة العلم الطبيعي على كل ما يسمى علماً سواء تعلق بالكون المادي أو الاجتماعي أو حتى بالتجربة الروحية. ويبدو أنه يرفض أي تمييز في مستوى علمية هذه العلوم، أو في إمكانية الاختلاف في مستوى التجريب وطبيعته في كل منها.

رابعا: يحصر الكاتب سبب التخلف الحضاري للمسلمين والعالم الثالث في غياب التراكم العلمي والتقني، ويفسر بهذا الغياب الارتداد عن التجربة العلمية والانكفاء على الفكر التأملي المجرد.

موضوعية العلم :

        يبدو أن نقد زكي نجيب محمود كان موجهاً لدعاة الأسلمة الذين يريدون أن: "تكون لنا علوم إنسانية خاصة بنا، عربية إسلامية، أنهم يريدون منا شيئين فيما يبدو، أولهما: ألاّ تكون مراجعنا في البحث العلمي هي ما كتبه في موضوعات العلوم الإنسانية علماء الغرب، وأن تكون مراجعنا هي مراجعنا نحن.. ما كتبه أعلامنا، الإمام الغزالي والفقيهان ابن تيمية وابن القيم، والفيلسوف والفقيه الإسلامي ابن حزم وفيلسوف العلوم الاجتماعية ابن خلدون.." على سبيل المثال. و"الشيء الثانـي الـذي يدعو إليه أصحاب الدعوة .. أن تنصب أبحاثنا العلمية في مجال العلوم الاجتماعية على واقع حياتنا نحن".

      وينطلق د. زكي في نقده من جملة افتراضات تبدو أقرب إلى السطحية والشكلية. من هذه الافتراضات أن علوم الشريعة يجب أن تخرج من العلوم الإنسانية وأنها تصح فيها الأسلمة، لأنها بالتالي لا تصح إلا أن تكون إسلامية، سواءً من ناحية الموضوع أو من ناحية المصادر. وأما الافتراض الثاني فهو أن البحث في العلوم الإنسانية يتطلب السعي إلى إضافة الجديد إلى العلم، ويجد للمشكلات المتجددة في هذه العلوم حلولاً غير مسبوقة. وإن قراءة كتب علماء التراث سيجعل الباحث عالماً بما في كتب الأقدمين وليس عالماً بحقائق الواقع الجديد في ميدان علمه. أما الافتراض الثالث فهو أن "العلم هـو علم بمنهجه وليس موضوعاته.. ومنهج العلم واحد لا غير هو منهج البحث العلمي مهما تعددت وتنوعت الموضوعات العلمية. وهو منهج تجريبي يفحص العينات ويمر بخطوات وإجراءات معرفة ويحسب نتائجه بطريقـة إحصائيـة .. وأن العلوم الإسلامية هي علـوم، يقبل الاختلاف على نتائجها، وليس إسلاماً لا يقبل فيه من الناحية الإيمانية اختلاف المؤمنين.." و"أن العلم موضوعي أي أن الذي يجعله علماً هو منهج خاص ينصب على موضوع البحث دون أن يتدخل الإنسان بميوله وعقائده.." ، و"أن ما يختلف باختلاف الشعوب والديانات والأعراف فيكون في مجال تطبيق العلوم، وتبقى الحقيقة العلمية دون تغيير.." [7].

خطورة ثوب الإعتدال!

      يميز أحمد ابراهيم خضر فيما يقرأ من أدبيات هذا المشروع بين ثلاثة اتجاهات داخل المشروع "يلبس الاتجاه الأول ثوب الاعتدال، وهو أخطـرها، فيدعو أصحابه إلى الاستعانـة بالقواعـد الفقهيـة والمنهجية الأصولية وتطبيقها في العلوم الإجتماعية، وعرض نتائج العلوم الإجتماعية على علماء الدين وإقامة جسر بينهما؛ ويغلب على الاتجاه الثاني صفة السطحية والوصولية؛ أما الاتجاه الثالث فقد تطرف إلى الحد الذي دعا فيه إلى نقد التراث ومراجعة الدراسات التي بنيت على القرآن والسنة وتجديدها...". ومع ذلك فإن الكاتب يجمل حكمه على المشروع "برمته" وباتجاهاته الثلاثة كلها بأنها: "تتسم جميعها بسمة الاستعلاء على الكتاب والسنة وما انبثق عنهما من شريعة وفقه". وبعد أن ينقل أهداف المشروع كما يعرضها أحد دعاته "د. إبراهيم رجب" فيصفها بأنها "بريئة المظهر فاسدة المخبر".

    ويعلّق على قوله تعالى (إنا أنزلناه قرآناً عربياً) [8] ، وقوله سبحانه (بلسان عربي مبين)[9] بكلام عجيب مفاده أن العلوم التي يسعى دعاة الأسلمة إلى تأصيلها إسلامياً وجمعها مع الشريعة علوم أوروبية الصنع، صدرت بلسان غير عربي، والشريعة نزلت بلغة العرب لا دخل فيها للألسن الأعجمية.. ولذا يلزم عند فهم الشريعة الاقتصار على كل ما يضاف علمه إلى العرب خاصة وليس إلى غيرهم"[10].

الوحي وعلوم الاجتماع !

     إن أهم ما ينكره أبو يعرب المرزوقي أشد الإنكار هو حاجة العلوم الطبيعية والاجتماعية إلى أسس منهجية تخضع للعامل الديني وتكون خاصة بالمسلمين دون غيرهم، أي أنه ليس ثمة حاجة للعلم عامة وللعلم الاجتماعي خاصة إلى الوحي. كما ينكر أن يكون ثمة فارق بين المنهجية في كل من العلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية. فالمنهح عنده مجرد أداة ليس لها صفة عقدية، ويمكن أن يستعمل دون أي تأسيس عقدي. ويدعي المرزوقي أن هذه النتيجة قد انتهى إليها علماء الإسلام وحصل عليها الإجماع حتى بين ممثلي المدرستين الفلسفية والكلامية عند أهل السنّة، وأن المعايير المنهجية التي تستعملها الجماعة العلمية لتحديد علمية التعبير العلمي عن الحقائق العلمية ليست خاصة بالمسلمين، بل هي شاملة للجماعة العلمية في العالم كله. وإذا كان ثمة إضافات نتيجة الأسلمة فإنها ستكون مسلمة من الجميع وتقبل بها الجماعة العلمية من غير المسلمين، وبالتالي تعود بهذه المعايير المنهجية إلى التعميم والعالمية.

     ويقارب المرزوقي مفهوم الجماعة العلمية المعاصر بمفهوم الإجماع في علم الأصول، وهو وحده الذي يضفي -في نظره- على الاجتهاد طابع الشرعية في المجتمع الإسلامي. ومع أنه لا مانع أن يحصر مفهوم الجماعة العلمية بالعلماء المسلمين إذا تعلّق الأمر بالمسائل الدينية والشرعية، فإنه لو عمّم على المسائـل العلميـة الأخـرى (الطبيعيـة والاجتماعية) لأصبحت الجماعة العلمية الإسلامية تعيش في "جيتو" منفصلة عن الحركة العلمية في العالم.

     وإذا أخذنا بالاعتبار أن الموقف الذي يعبر عنه المرزوقي يبنى على نفس الأسس الوضعية، من حيث النظر إلى العلم بمنهجه وليس بموضوعه، ومن حيث افتراض الموضوعية في حركة العلم وتقدمه، فإننا نكون بحاجة إلى استحضار النقد الذي وجهه كثير من فلاسفة العلم ومؤرخيه إلى المنهج، وتذكِّرُ الاعتبارات التاريخية والاجتماعية والنفسية التي تشكل محددات قوية لحركة العلم وتصوره [11].

التفكير العقلي والتجربة:

   يرى ضياء الدين سردار بان إسماعيل الفاروقي هو الذي طور نظرية الأسلمة كما نعرفها اليوم (عند صدور كتاب سردار عام 1989). وذلك عندما وجه الفاروقي ثلاث تهم أساسية للعلوم الاجتماعية الغربية، الأولى إنكار صحة وجود معلومات قبلية تتعلق بأسئلة الروح والأخلاق، والثانية تقديم معنى خطأ للموضوعية، والثالثة مناقضة مبدأ الوحدة الذي يعدّ أساسياً في المنهجية الإسلامية. وعلى هذا الأساس فإن الأجيال السابقة من رواد الإصلاح في العالم الإسلامي من أمثال جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده لم تكتشف هذا التناقض كما اكتشفـه هـذا الجيل الذي عاش هذا التناقض في حياته الفكرية.

      ثم يلخ