|
(ص 131 - 158) الفصل الرابع فلسفة (الحرية) في رسالة الحوزة العلمية ------------------------------------ الحرية ركيزة من ركائز تكريم الإنسان لاشك ان الحرية فكرة أخلاقية تتعلق بعلاقة الإنسان بأخيه الإنسان في الحياة الاجتماعية. ومن هذا المنطلق فان للحرية عدواً خطيراً وهو "الإكراه" الذي يُفرض من قبل إنسان آخر؛ فعندما يغيب الإكراه عن الإنسان فإنه يتمتع بالحرية ويستنشق عبيرها. وقد عالج القرآن الكريم موضوع الحرية بفكرة رفع الإكراه عن الناس عبر الآيات الأربع التالية: (ولو شاءَ ربُّكَ لآمَنَ مَنْ في الأرض كلُّهُم جميعاً أفأنت تُكرِهُ الناسَ حتى يكونُوا مؤمنينَ)[1] ، (فَذكِّر إنما أنتَ مُذِّكرٌ. لستَ عليهمِ بمُصَيْطِرٍ)[2] ، (لآ إكراهَ في الدينِ قد تبيّنَ الرُشْدُ من الغيّ فمنْ يكفُرْ بالطاغُوتِ ويُؤمِنْ باللهِ فقدِ استمسكَ بالعروةِ الوثقى لا انفصامَ لها واللهُ سميعٌ عليمٌ)[3]، (...فمن شآءَ فليُؤمِن ومن شَآءَ فليكفُر...)[4] . والمعنى في الآيات الثلاث ظاهر. ومعنى الآية الأخيرة أن الله عز وجلّ أبلغ نبيه محمد (ص) بأن يبلّغ الكافرين أنه لا ينفعنا إيمانكم ولا يضرنا كفركم ، وكل التبعات عائدة إلى أنفسكم فاختاروا ما شئتم فقد أعتدنا للظالمين العذاب وللصالحين من المؤمنين الثواب. فالفرد الحر هو الذي يمتلك القابلية على اختيار أهدافه الحياتية، وأدوات سلوكه الإجتماعي ، وبدائله الفكرية. فالحرية تعني: أن لا تُسلَّط على إرادته إرادة فرد آخر. وغياب الإكراه يُعدّ الشرط الرئيسي لتشكيل مفهوم الحرية بمعناها الواسع الرحيب. فالإنسان مجبولٌ على اختيار البدائل ، وعلى تمحيص الخير من الشر، وعلى استثمار الإرادة التكوينية في تحقيق أهدافه الدينية والدنيوية. إننا لا نستطيع أن نقول بأن لدينا القدرة على الاختيار ، عندما نفتقد الوسيلة للاختيار. هنا افتقاد الوسيلة يساوي عدم الاختيار، وعدم الاختيار يعني انعدام الحرية. شروط تحقيق الحرية: وهنا ثلاثة مطالب أو شروط لتحقق الحرية في الإسلام: الأول: عدم وجود الإكراه الذي يمنع الإنسان من حرية اختيار البديل الذي يتمناه. الثاني: غياب الشروط الموضوعية الطبيعية التي تمنع الإنسان من اختيار الهدف الذي يروم الوصول إليه ، كالعجز التكويني في الاختيار والقصور ونحوها. الثالث: امتلاك الوسيلة لتحقيق أهداف الإنسان. فما لم تتوفر وسائل التعبير لنقل الرأي إلى الآخرين، لا يمكن الحديث عن وجود الحرية. فحرية التعبير مع الجوع أو الفقر لا يمكن اعتبارها حرية ما لم تتلازم مع مستوى كريم من إشباع حاجات الإنسان الأساسية. والجهل بالعلوم والمعارف لا يتلازم مع حرية التعبير عن الآراء والمعتقدات. فالحرية في التعبيـر ، والقدرة على أدائه تعنيان امتلاك أدوات التعبير. وبهذا الشكل تتم صورة الحرية في الحقل الاجتماعي. هل تمتلك الحرية لعبور المحيط الهادئ أو صحراء الربع الخالي؟ نعم لديك الحرية في ذلك ، إذا كنتَ قادراً على فعل ذلك العبور. هنا حققنا الاختيار والإرادة ، ولكننا ربطنا الحرية بالقدرة على تحقيقها. ولكنك لا تستطيع أن تقول إن الفقير الذي لا يملك مالاً لإشباع حاجات أسرته الجائعة له الحرية في قضاء عطلة الصيف في منتجعات أوروبا تماماً كما أن للثري الحرية في فعل ذلك. فإنك هنا أطلقتَ معنى الحرية، وقيّدتَ الظروف الموضوعية وشروط الحياة الاجتماعية بالقدرة المالية والمنظار الطبقي. الحرية ، وثقافة التحرر ، والموقف الإسلامي: إن قيم الليبرالية وثقافة الديمقراطية ذاتها لا تسمح لأفكارٍ غير أفكارها بالدخول في الساحة الثقافية الاجتماعية. وإلا لو كانت القضية غير ذلك لما ناقشنا موضوع الحرية وشروطها من الأصل. وبتعبيـر آخر: فإن الشخصية الثقافية للأفراد يساهم في إنشائها النظام السياسي أو الاجتماعي منذ الطفولة. فالعقول الصغيرة تُصَبُّ في قوالب معينة إلى أن تنمو ضمن إطار ذلك القالب. فهنا لا يُمنَحُ ذلك العقل فرصة لاختيار البديل ، حتى ينمو ويكبر ضمن الإطار المرسوم. وبذلك يكون العقل الذي خطط لتصميمه المخططون لا يحتاج الى مُكرِه يكرهه للإبتعاد عن الدين مثلاً، لأنه في الأصل ابتعد عن الدين وهو في نعومة أظفاره. وإلاّ ، فلماذا لا يسمح الغرب مثلاً بتدريس الإسلام – بدل النصرانية- للتلاميذ في المراحل الأولى للتحصيل الدراسي؟ والجواب على السؤال صريح ، وهو أن ذلك يفتح الباب للجيل الناشيء بحرية اختيار البديل – وهو الإسلام- لاحقاً، وهم لا يريدون ذلك. قيود الحرية: وهذا يوصلنا إلى نتيجة مؤلفة من طرفين: الأول: إنه ليس هناك مفهوم مطلق للحرية أصلاً. فحتى لو كانت هناك حرية ظاهرية للبالغين في المجتمع ، فان تلك الحرية لا تخلو من شوائب ما فرض على العقول الصغيرة (عقول الأطفال) من مفاهيم وأفكار وعقائد في الصغر. ولذلك فإن للإكراه أشكالاً مختلفة ودرجات متفاوتة ورتب متباينة. فالغرب – بنظامه التعليمي المدرسي- يفرض على الصغار، الإذعان لعقيدة محددة وثقافة معينة وتقاليد مقيدة بقيود ، وتلك العملية تعبّر في نفسها عن لونٍ من ألوان عوائق الحرية التي تنادي بها أوروبا وتحاول تصديرها إلينا. إذن فللحرية قيود يفرضها النظام الإجتماعي. الثاني: إن الحرية إذا كانت تعني حق الإنسان في الاختيار بين أحد بديلين ، فإن ذلك يعني: الحق في الاختيار بشرط أن يعلم الفرد ما يختار. وبتعيبـر آخر: إن للفرد الحق في الاختيار العلمي بين البديلين. وبتعبير ثالث: إن الجهل أو العلم لهما دور حاسم في قضية الاختيار، فحرية العالِم في اختيار عقيدة معينة تختلف عن حرية الجاهل في ذلك الاختيار. ولذلك ، فإن اختيار العالِم لعقيدة معينة ، ينضبط بضوابط: الرأي ، والهدف ، وطبيعة السلوك المرجو ، ونظام الحياة الذي تحدده تلك العقيدة. بينما لا يلحظ الجاهل ذلك. فكيف يستطيع الجاهل التغني بالحرية وهو لا يعلم طبيعة اختيار أحد البديلين؟ إن العلم والثقافة والوعي توسّع من دائرة الاختيار ، وبذلك تكون الحرية في اختيار القرار أقرب إلى الواقع من حرية الأمي أو الجاهل. وبكلمة: فإن المعرفة شرط مسبق لوجود الحرية السليمة. ولذلك قال عز وجلّ: (لا إكراه في الدين) وأردفه بالقول: (قد تبين الرشدُ من الغيّ) ، فالتبين أو المعرفة الحقة شرط مسبق لتحقيق الحرية السليمة. ولنفترض أن أحداً قد خدعنا – عبر معلومات وهمية مزورة- ووضعنا على حافة اختيار عقيدة (أ) بدل عقيدة (ب) ، فهل نستطيع أن نعدَّ ذلك العمل حرية صحيحة؟ في الجواب على ذلك نقول: إنه من الصعب قياس مقدار "الإكراه" في أي مجتمعٍ من مجتمعات البشر، من أجل التحقق من وجود الحرية أو عدم وجودها. فقد يكون الإكراه متمثلاً في أساليب تعليم الصغار من أجل أن يشبّوا على تعاليم مجتمعهم وتقاليده وعقيدته . وقد يكون متمثلاً في حجم المعلومات الممنوحة للأفراد حول العقائد الأخرى. وقد يكون متمثلاً في تشويه صورة بعض العقائد وتحسين البعض الآخر، من أجل أن يؤمن الناس بالصورة الناصعة المعطاة لهم وإهمال الصور الأخرى، مع أن العقيدة التي أصابها التشويه قد تكون هي الأفضل. فالحرية إذن عملية انتقائية يُحدد فيها شكل الاختيار وطبيعة البدائل من قبل النظام الإجتماعي الذي يعيش فيه الفرد، فالنظام الغربي يحدد لأفراده طبيعة البدائل ، والنظام الشرقي يحدد أيضاً طبيعة البدائل وأشكال الاختيار. فلماذا يُتهم الإسلام فقط بتحديد البدائل لأفراده ؟ الحريات وحقوق الإنسان: من زاوية الإسلام عندما نتحدث عن الحرية في الإسلام غالباً ما نذكر السالبة الجزئية وهي "عدم الإكراه" ، ولكن الحرية دون شك أوسع من ذلك فتشمل الموجبة الكلية وهي ما تمليه الإرادة الإنسانية من أعمال في مجالات الخير والمصالح الإنسانية؛ ومنها حرية الرأي والتعبير، وحرية التجمع ، وحرية العبادة ، وحرية الحركة ، وحرية العمل ونحوها. ولكن في كل تلك الحريات هناك إشارة إلى وجوب غياب الإكراه من أجل تحقق الحرية المرجوة. وعلى أي تقدير ، فإن حريات الأفراد في النظام الاجتماعي لا تتوقف على مجرد غياب الإكراه ، بل هناك حريات أساسية يحتاجها المجتمع، ويقوم الدين بتلبيتها؛ منها: الحرية من الخوف ، والحرية من الفساد، والحرية من الرغبات غير المشروعة. وتلك حريات حقيقية إذا لم تمنح للمجتمع فإنه ينهار تحت ضربات الخوف على المال والنفس والعرض، والخوف على حرمات الناس وسرائرهم ، والخوف على مكتسباتهم الحياتية من الضياع. وبكلمة ، فان الإسلام – عبر توسيعه لدائرة الحرية من المساحة الفردية الى المساحة الاجتماعية – وضع الحريات الجديدة في الواجهة الاجتماعية، فعن طريق نظام متكامل في العقوبات الجنائية والأخلاقية لمعاقبة الجناة والمنحرفين ، أسس الإسلام مبادئ الأمان (أي الحرية من الخوف) ، والعفة الاجتماعية (أي الحرية من الفساد) ، وطرق أعمال الخير ونشر الفضائل (أي الحرية من الشر). إن الحرية في الأنظمة السياسية المتعارفة اليوم ليست حرية كاملة. والأنظمة السياسية الغربية نظمٌ ديمقراطية تحاول أن تُبرز "الحرية" كثمرة من ثمراتها السياسية، ولكن الواقع يكذب ذلك. ففي المجتمع الرأسمالي يتمتع البعض القليل بالسيطرة على ملكية مالية واسعة، وبإدارة وسائل ضخمة للإنتاج ، وبالسيطرة على مساحة واسعة للنظامين التعليمي والإعلامي. بينما يبقى السواد الأعظم من الناس محروماً من التمتع بتلك المزايا الاقتصادية والسياسية. فهنا يصبح اختيار أحد البديلين أضعف بالنسبة للطبقة الفقيرة أو المحرومة. وعندها يصبح الأضعف أقل حظاً في الإدارة السياسية أو الاجتماعية، لأن القوي يمسك بزمام المعرفة ووسائلها. وهنا تتحول الحرية المزعومة إلى صمام أمان يمنع الإنفجار. فالسلطة "الديمقراطية" في هذا المجال حولت الحرية – في ميزان غير عادل – إلى أداة محكومة بشروطها في الاختيار. وهنا يأتي السؤال: ما هي العلاقة بين الحرية والديمقراطية "كنظام سياسي" ؟ والجواب على ذلك هو أن الصراع الاجتماعي بين الفئات المختلفة شرط من شروط وجود البدائل ، أي قوة الاختيار، وعندما يكون الأفراد إما حكاماً أو محكومين، فإن ذلك يعني اختلافهم في درجات الحرية وقوة اختيار أحد البديلين. فالذي يملك وسائل السلطة وأدواتها في النظام الديمقراطي تتوفر له البدائل أكثر من الذي لا يملك السلطة، وهذه العلاقة بين حجم السلطة السياسية ومساحة الحرية التي يتمتع بها السياسي هي التي تعكس صورة الديمقراطية الغربية. فإذا قلنا: بأن الديمقراطية هي شكل من أشكال التنظيم السياسي حيث يشارك كل البالغين في صياغة قراراته ، فإن الحق في المشاركة السياسية إذن يخضع لمقدار الحق العلمي الممنوح منذ الطفولة. الحرية وأحكام الارتداد: إن الحكم الشرعي يعبّر عن وصفِ هداية للسلوك الإنساني. ووصف الهداية ربما يكون ملزماً ذاتياً للإنسان كما هو الحال في الأمر بالصلاة أو الصيام. وربما يكون متلازماً مع التهديد بالعقوبة الجسدية كما هو الحال في الأوامر الناهية عن السرقة والقتل، وربما يكون شرطاً ضرورياً كما هو الحال في الإلزامات الشرعية التي تؤدي إلى التعايش الاجتماعي وما يتبعها من محبة وتعاون. بين الأحكام الشرعية والقوانين الوضعية: ولو درسنا المشتركات بين الأحكام الشرعية والقوانين التي وضعها الإنسان لتنظيم مجتمعه (وبضمنها قوانين الحرية الفردية) للحظنا إشتراكها في الأمور التالية: 1- إن لكليهما صياغة لفظية محددة، فالتعبير اللفظي يشخص طبيعة السلوك الذي يسمح ، أو يمنع ، أو يُلزم الإنسان إلزاماً أخلاقياً بدرجة أقل كالاستحباب والكراهية. 2- إن للحكم الشرعي مصدراً الهياً سماوياً، وللقانون الوضعي مصدراً بشرياً يذعن له البعض. 3- إن كليهما يحددان شكلاً معيناً للسلوك الإنساني. ولكن الأحكام الشرعية قوانين أخلاقية تختلف عن القوانين الوضعية، فهي تستبطن إلزامات أخلاقية في الأوامر والنواهي والمباحات، وتستظهر ألواناً من الحكمة الالهية. والفكرة الجوهرية في الحكم الشرعي هو أن تطبيقه من قبل المكلّف يرفع ذلك الحكم من المستوى العملي الى المستوى الامتثالي. أي أن الحكم الشرعي – بما فيه من أوامر ونواهي – عندما يُطبَّق بدافع الامتثال للمولى عز وجلّ، فإنه يُطبَّق على أساس كونه حكماً أخلاقياً ملزِماً لا باعتباره حكماً اجتماعياً أو شخصياً مجرداً. عقوبة الارتداد: ولاشك ان العقوبة تجلب وضعاً بغيضاً للمعاقَب. فما هو المبرر في إنزال عقوبة على مسلمٍ غيّر عقيدته؟ فهل أن طبيعة تلك العقوبة انتقامية ، أو هي قصاص لما اقترفت يداه ، أو تعبّر عن ردع للآخرين، أو هي تصحح لوضعٍ اجتماعيٍ ودينيٍ ؟ والجواب على ذلك هو أن تبرير العقوبة يتلازم مع كون العمل المرتكب إنما يعدُّ ذنباً يدان عليه المذنب. فالآثار المترتبة على تغيير عقيدة المسلم أعظم فساداً من إطلاق حريته دون قيود. بمعنى ان انحراف الإنسان عن الإيمان بالإسلام – كعقيدة ونظام اجتماعي- يجلب شراً وضرراً يصيب جميع أجزاء النظام الاجتماعي؛ لأن الكفر بالإسلام يعني الكفر بتشريعاته الاجتماعية في الملكية والعقود والضمان والتجارة والعلاقات الاجتماعية الإنسانية بين الأفراد. ويعني بشكل أولي الكفر بالرابطة الروحية التي تربط الإنسان بالله سبحانه وتعالى. فالعقوبة هنا صحيحة لأنها تمثل حجماً من الأذى لابد أن يُنـزَلَ بالمعاقَب يتناسب مع مقدار الضرر الذي أنزله بالنظام الأخلاقي للمجتمع. فالقيمة الأخلاقية لعقوبة "الردة" نلمسها بوضوح عندما تتحقق آثارها. وهي التماسك الإجتماعي للمسلمين، والأمن الجماعي من انتهاك حرمات النفس والعرض والمال. وهذا ليس حدساً نطرحه في نظرية مثالية ، بل هو حسٌ نلمسه في حياتنا الاجتماعية. فإن العدالة القضائية والاجتماعية تقتضي أن يعاني المذنب الذي ينـزل ضرراً بالنظام الاجتماعي. فالعقوبة هنا ليست عملاً متشابكاً مع الشر أو متلازماً مع الانتقام كما يزعمون، بل إنها جزءٌ مكمّلٌ لحرية الجماعة ونظافتها الأخلاقية والحياتية. فالعدالة الجزائية التي تهتمّ بالنظام الاجتماعي الإسلامي تستدعي معالجة الذنب القانوني فيما يتعلـق بـ"الردة" معالجـة جزائيـة عادلة. فالمذنب – الفرد- هنا يجب أن يعاني جزاء ما اقترفه بحق الجماعة. والعقوبة هنا ليست وضعاً مريحاً للفرد ولا للنظام الذي شرعها، ولكن الخلل الذي يحاول الفرد إحداثه – بقصد أو دون قصد- يجب معالجته معالجة جزائية. فالمسؤولية القانونية في الإسلام تستدعي أن لا يزعزع الفرد سلامة نظام الجماعة بدوافع مبيتة ، تماماً كما أن المسؤولية القانونية في النظام الوضعي تستدعي عدم الإخلال بالنظام عن طريق القتل والسطو المسلح ونحوها. فجوهر الموضوع هو أن القانون الجنائي الديني يفرض عقوبات على المخالفات الفردية ضد الأخلاق والتي تؤدي إلى وضع مصلحة النظام الاجتماعي العام في خطر. وهذه الرابطة المحكمة بين الشريعة والأخلاق هي التي تجعل للعقوبة الفردية معنى متميز. فأهداف الدين تتفق عندما يصل المجتمع الديني إلى درجة من الالتزام بالأحكام والتشريعات والقوانين، بحيث تهذب بعض الحريات من أجل أن يبقى المجتمع أخلاقياً في أهدافه وفي وسائل تحقيقها. فالعائلة والمدرسة تعاقبان أفرادهما أحياناً من أجل تعديل سلوكهم الأخلاقي وتنمية ثقافتهم الشخصية. أمان الجماعة: وإذا كان المعاقَب بأحكام "الردة" يعتبر عقوبته قهراً وظلماً ، فإن الجماعة لها الحق في إدانة جريمة الارتداد وما تتبعها من آثار على الجماعة ذاتها. ومن حق الجماعة أن تطالب بالجزاء الأخلاقي ضد الذين ينتهكون حرمتها في الأمن الإجتماعي والعبادي. فالعقوبة هنا، أرجعت احترام الجماعة لمبادئها الأخلاقية والدينية والقانونية إلى وضعها الصحيح. خصوصاً إذا ما علمنا بأن "الارتداد" كان يحاول تدمير الاحترام المكنون للدين في قلب الجماعة وروحها. وبطبيعة الحال، فان خرق القانون الإسلامي في "الارتداد" يعني أن تلك "الحرية" ينظر إليها الإسلام على أساس أنها من أخطر الجرائم والجنايات، ولذلك شرّع لها عقوبة الموت. بمعنى أن خرق القانون الأخلاقي للجماعة خطير للغاية، إلى حد يتحتم فيه إنزال عقوبة شديدة لمنعه وعدم تكراره مرة أخرى. وإلاّ ، فلو فتح الباب لجناية من هذا القبيل تمر دون عقوبة ، بدعوى حرية الإنسان وحقوق الإنسان لكان القيد الذي فلتَ منه فرد واحد قيداً للجماعة كلها. فعقوبة "الردة" إذن وضعت الأفراد في وضع احترام حقوق الجماعة وصيانة حريتها في الأمن الجماعي. ومن هذا المنطلق قام القرآن المجيد بتربية عقل الأمة على فهم الجوانب الأخلاقية في العقوبات : (...مَنْ قَتَلَ نفساً بغيرِ نفسٍ أو فسادٍ في الأرضِ فكأنّما قتلَ الناسَ جميعاً...)[5] ، (إنّما جزآءُ الذينَ يحاربونَ اللهَ ورسولَهُ ويسعوْنَ في الأرضِ فسَاداً أن يُقَتَّلُوا ...)[6] . فتقييد حرية فرد بعقوبة، نتيجة جناية أخلاقية ارتكبها، تعني خيراً عميماً للضمير الجماعي للأمة؛ لأن العقوبة الجنائية محقٌ للباطل الذي أراد الذنب إيقاع المجتمع الكبير في حبائله. إرجاع الحق إلى نصابه: إن الخلل الذي تحدثه "الردة" في الميزان الأخلاقي للمجتمع الإسلامي لا يمكن معالجته إلاّ بإنزال عقوبة رادعة بالمرتد. وبكلمة فلسفية، أن الارتداد هو محاولة لمحو الحق وإبطاله. والعقوبة الجزائية تنفي ذلك النفي. وبذلك فإنها تحق الحق وترجعه الى نصابه. والنظام القضائي مصممٌ لترشيد سلوك الأفراد، عن طريق عرض قوانين جزائية، تستهدف أولئك الذين يختارون كسر تلك القوانين أو التشريعات الاجتماعية. و"المرتد" هنا له الحرية الكاملة في الخيار بين الدين الحق وبين الخروج عنه. والخروج عنه يستلزم عقوبة واضحة في القانون الشرعي من أجل أن يستمر النظام القضائي في ترشيده سلوك الناس، فالمرتد هنا ليس بريئاً ، حتى تكون عقوبته منافية للأخلاق، بل إنه اختار – بكامل حريته – أسوأ البديلين وأحطهما وهو بديل الكفر على الإيمان. ولم تكن آثار ذلك الاختيار فردية ، بل كانت آثاراً اجتماعية مدمرة على النظام الاجتماعي وبقية الأفراد الذين يعيشون تحت مظلته الحقوقية والتكليفية. فالعقوبة لها تبرير أخلاقي عندما يكون المذنب قد أذنب بكامل حريته ، وبدون أي ضغط أو إكراه، ولو كان الذنب قد اُرتكب بدافع الجهل أو عدم القصد ، فانه لا يصنّف تحت هذا العنوان، بل سيكون له عنوان آخر. العقوبة تقلل من جاذبية الذنب: إن الجرائم الخطيرة التي ترتكب ضد القيم والأسس الأخلاقية للمجتمع تستحق أقصى العقوبات؛ ذلك لأن العقوبة الشديدة تجعل الذنب أقل جاذبية بالنسبة للمذنبين، فيرتدعون عن ارتكابه. ولاشك أن الحرية الدينية متلازمة مع حرية الاختيار التي هي شرط أساسي في المسؤولية الأخلاقية، والمسؤولية الأخلاقية مرتبطة بصبّ اللائمة أو المسؤولية الجزائية على المذنب. وبكلمة ، إن السلوك الإنساني قابل للتكيف مع المسؤوليات الدينية التي تجعل العقوبة، الوسيلة الأخيرة للامتثال. فهنا موردان: الأول: إن قوله تعالى (لا إكراهَ في الدينِ قد تبيّنَ الرّشدُ من الغَيّ...)[7] تعني منطوقاً نفي الدين الإجباري ، لأن الدين من الأمور الاعتقادية القلبية التي لا يحكم فيها الإكراه والإجبار، وتعني مفهوماً نفي القدرة على اختيار أحد البديلين عند الجهل. ولكن عندما يتحقق العلم بروح الشريعة ومفاهيم السماء ، فإن الإكراه محرّم لأنه من المؤكد أن الإنسان سيختار البديل الأصلح الأفضل وهو الإسلام. الثاني: إن موضوع تغيير عقيدة المسلم هو موضوع آخر غير موضوع حرية الفرد، وهو موضوع نظام الجماعة وحريتها من الخوف والشر والفساد. حرية التعبير المتعلقة بالدين: ما هو نطاقها ؟ والقاعدة: إن حرية التعبير ينبغي أن لا تتصادم مع الروح الاجتماعية للقانون أو التشريع، فالقانون الشرعي في دولة دينية له انعكاسات على تنظيم شؤون الجماعة ، وبضمنها الأسس النفسية والاجتماعية للطاعة. الشخصيات الدينية والصفة القدسية: وحرية التعبير يجب أن لا تؤخذ بمعزلٍ عن الخريطة الاجتماعية والثقافية والدينية للمجتمع ككل. فالنظام القانوني له جذور طبيعية في الفطرة البشرية؛ ولذلك فإن الناس ترغب أن ترى المذنب قد نال جزاءه العادل ، وترغب أن ترى المظلوم قد اُستردَّ حقه كما أشار الى ذلك الإمام أمير المؤمنين (ع)، وترغب أن تحترم الشخصيات الدينية وتُقدَّس. ولو أضفنا الجوانب التأريخية للأنبياء والمعصومين (ع) ورجال الفكر والدين ومعاناتهم لرأينا أن مسألة الاحترام والتقديس تتناسب مع فطرة الإنسان – غربياً كان أو شرقياً – في النظر الى القائد الديني باعتباره أكبر من مجرى الحياة. فأوروبا النصرانية تبكي على مظلومية السيد المسيح (ع) والشرق الإسلامي يبكي على مظلومية الإمام الحسين (ع) . وكل العالم يرى أن في احترام الشخصيات السماوية التي تضفى عليها صفة القداسة إضاءة لجوانب حياتها من أجل التأسي بها. وقداسة الشخصيات الدينية في عينها ظاهرة اجتماعية تستحق التأمل. فالقانون الاجتماعي الذي ينظّم شؤون الجماعة يتطلب دائماً وجود شخصيات لها صفات القدسية والاتصال بالغيب، ولها القدرة على تحريك المشاعر الدينية للناس. ولاشك أن الدين ليس مجرد أحكام وتشريعات ، بل أنه حياة وحيوية تنقل أفكاره ومتبنياته شخصيات نذرت نفسها لخدمته. وحتى لو افترضنا أن الدولة التي نعيش فيها تحكم تحت ظلال الدين وتطبّقه على كل صغيرة وكبيرة في نظامها الاجتماعي ، فان الفقهاء مثلاً يتعدى دورهم الدور الاجتماعي العام ليصل إلى ذاتيات الأفراد. فالذي يريد أن يتصل بالخالق عزّ وجلّ ، عليه أن يبحث عن الطرق الشرعية في ذلك الاتصال كأداء الواجبات العبادية مثل الصلاة والصيام ونحوها. فلابد له أن يمر في طريقه على الفقهاء ليتزود بما يساعده على الاتصال بالله سبحانه. وهنا لا مجال لنفي صفة الاحترام والقدسية عن الذين نذروا أنفسهم لخدمة دينهم وخدمة الناس وتعليمهم أحكام العبادات بدون أي مقابل. حدود حرية التعبيـر: ولكن حرية التعبير يجب أن توضع لها الحدود المنطقية والفلسفية والشرعية بحيث لا تتجاوز الأهداف الاجتماعية المرسومة. فالحرية إذا ما تجاوزت حدود الدين، وحاولت ضرب المصالح الحقوقية للجماعة، فإنها ستصبح عملية تخريبية للواقع الاجتماعي. ونحن كمسلمين لا نستطيع أن نجعل الحرية – بمفهومها العام – من الحقائق الاجتماعية ما لم نقيّم محاسن الحرية ومساوءها ونحدد موقعها في أفكارنا الدينية. وإذا استطعنا أن نجعل الحرية قيمة دينية بدل أن تكون حقيقة اجتماعية ، استطعنا تهذيب تلك القيمة وإرشادها إلى طريق الخير والجمال والعلم ، وإبعادها عن طريق الشر والقبح والجهل. فالحرية يجب أن تنظر إلى الحقائق الاجتماعية أكثر مما تنظر إل |