(ص 37 - 90)

الفصل الثاني

 الحوزة العلمية وأسلمة المعرفة

     ------------------------------------

       أينما حلّ الإنسان ، يجد نفسه محاطاً بالحقائق العلمية التي تستلزم اكتشافاً أو استنباطاً أو استقراءً. وما لم يجد الفرد منهجاً علمياً للتعامل مع المعارف الإنسانية والحقائق العلمية التي يستنبطها، فإنه سيستشعر الضياع في متاهات الصراع العلمي حول أحقية المناهج التي ينبغي أن تتبع من أجل الوصول إلى الحقيقة العلمية ، بما فيها الحقائق الاجتماعية والدينية.

     ولاشك أن المنهج العلمي يتلازم دائماً مع المعرفة الإنسانية. فإذا كان المنهج العلمي منهجاً دينياً كانت المعرفة أقرب إلى الجنبة الأخلاقية مما لو كان المنهج علمانياً أو معادياً للدين. ولذلك فقد طُرحت على الساحة الفكرية الإسلامية – في الحقبة الأخيرة بالخصوص – مشاريع لأسلمة العلوم والمعارف الاجتماعية ؛ بمعنى إيجاد محاولات لتأطيـر العلوم بالإطار الأخلاقي للإسلام. ولما كان الموضوع يخص الحوزة العلمية الإمامية – بكل ما فيه من إشارات للتأصيل الفكري – ارتأينا بحثه بحثاً معرفياً يتعلق بخصوص الفكرة والمنهج والمفهوم. وقد نظرنا بعين فاحصة الى النظرية الاجتماعية في معترك الأسلمة. فكانت العناوين الفرعية التالية:

   1- بين اللغة والاصطلاح: أ- تعريف الأسلمة؛ ب- أصناف المعرفة؛ ج- القانون.

    2- مفاهيم العملية المعرفية: أ- النظرية ؛ ب- النظام؛ ج-القانون.

    3- مناهج العملية المعرفية: أ- المنهج الاستقرائي؛ ب- المنهج الاستنباطي؛ ج- منهج العلّية؛ د- القطع والاحتمالية؛ هـ - النص والدلالات. 

مقدمة

      إن قضية (الاجتهاد والتجديد) تستدعي (قراءة) مفصّلة لقضايا الكون والحياة والإنسان. وما لم يتوجه الإنسان نحو الخطاب القرآني والبيان النبوي المتضمن لبيان أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، فإنه لا يستطيع قراءة الحياة والطبيعة والاجتماع والتكليف الإلهي قراءة تشريعية صائبة. فالإدراك البشري – حسياً كان أو عقلياً-  يذعن لإشارات الوحي ، ويتفاعل مع نداءات السماء ، ويطمئن لكمال الرسالة الإلهية التي جاءت من أجل تنظيم حياة الإنسان الشخصية والاجتماعية.

     وبسبب ذلك كانت المدرسة الفقهية الإمامية مصدر جميع الأفكار والمعارف والآراء والآداب والفنون وأصول الولاية ونظم الاجتماع التي سادت الحقل الفكري الإسلامي قروناً طويلة. وبسبب قوة المباني الاجتهادية عند الطائفة لم يجرؤ أحد من الفقهاء على (المقاربة) بين فكر الإسلام وفكر الغرب من قبيل مقارنة الجن بالبكتريا كما فعل محمد عبده في تفسيره ، أو مقاربة الاشتراكية بالعدالة الاجتماعية كما فعل الكثير من علماء مدرسة الصحابة ومفكريها من متأخري المتأخرين. أما (المقارنة) بين فكر الإسلام وفكر الغرب فقد كانت ردة فعل طبيعية من أجل تحصين الجيل المثقف اليافع من أخطار الجنبة العلمانية المعادية للإسلام في فكر الغرب. ولذلك قام فقهاء عظام أمثال الشهيد الصدر ، والشهيد المطهري ، والإمام الخميني (رضوان الله تعالى عليهم أجمعين) وغيرهم من فقهاء الأمة بالتصدي للإذعان الثقافي الذي سرى في جسد الأمة، حيث استشعرت فيه قوة الغرب وهيمنته المطلقة على مجاري الفكر الإنساني. فكتبوا وخاطبوا  ونشروا وأذاعوا ، وكان محور عملهم بيان كمالية الموقف الإسلامي من القضايا الفكرية والاجتماعية وتفوقه على الموقف الغربي.

    ولكن قضية (المقارنة) مع أفكار الغرب (اليهودي – النصراني) أو الشرق (الملحد) لم تكن تمثل اجتهاداً فقهياً ، أو فقهاً اجتهادياً ، أو استنباطاً يُرجِع الفروع إلى الأصول. وإنما كانت قضية دفاعية محضة عن حريم الإسلام وحياضه وردة فعل طبيعية في الدفاع عن بيضة الدين ضد عدو لا يعرف للرحمة والأخلاق من معنى. ومع كل ذلك، فإن تلك المحاولات كانت محاولات رائعة ومباركة ، فقد أدت دورها في حينه وقامت بإشعار المسلمين بشخصيتهم الثقافية والفكرية والحضارية ، ولا نملك إلاّ الترحم على أولئك الفقهاء الأطهار الذين جاهدوا بأقلامهم وأفكارهم أفكار العدو.

      إلاّ أن قضية (الاجتهاد والتجديد) بقيت تثار مرة وتُخمد مرة أخرى وهي تراوح مكانها حتى قام البعض بنقل أفكار المدرسة السنية في مشروع (أسلمة المعرفة) إلينا. وهذا المشروع كما يعرّفه مؤسسوه يتبنى بناء منهجية إسلامية لتحديد مناهج التعامل مع القرآن الكريم كمصدر للمعرفة والفكر والبناء الحضاري ، وإيجاد الإنسان الشاهد على الناس ، وكذلك بناء منهجية التعامل مع السنّة النبوية المطهّرة.

     ومشروع بهذا الحجم وبتلك الكيفية لابد أن تتبناه مؤسسة علمية اجتهادية يوازي وزنها وزن الحوزة العلمية الإمامية التي ما فتئت تبحث عن الدليل الشرعي والعقلي في سبيل كشف وظيفة المكلّف على الصعيدين الفردي والجماعي.

الملاحظات المسجّلة على المشروع:

    وفي ضوء تلك التوجهات ، وقبل عرض أفكارنا حول الموضوع ، نسجّل على مشروع (أسلمة العلوم) الذي تتبناه المدرسة الثقافية السنية بعض الملاحظات فيما يتعلق بمباني المشروع:

   1-إن مشروع (أسلمة المعرفة) الذي جاءت به المدرسة السنّية يهمل تماماً فكر أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، فلم نرَ أثراً يتعامل مع دولة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) التي تحققت فيها عدالة الإسلام في الاجتماع والسياسة والحرب والسلم ، ولم نرَ أثراً يتعامل مع علوم آل محمد (عليهم السلام) في الطب والكيمياء والفلك والأخلاق واللغة والعرفان ، ولم نلمس حتى اشارة من قريب أو بعيد لذلك المنجم الثرّ الذي يستطيع أن يمدّ مشروع الأسلمة ذاتها بمعين لا ينضب من الأفكار الدينية الشرعية في السياسة والاجتماع والاقتصاد.

    2-إن (منهجية الأسلمة) و(معرفيتها) التي يتبارى في طرحها أصحاب مدرسة الأسلمة تحتاج إلى إعادة منهجة قائمة على ضوء الدليل الشرعي والعقلي. فنحن لا نسلّم بمحاولة إلباس العباءة الدينية للعلوم المعاصرة من دون بناء نظريات شرعية في المواضيع الموضوعة على طاولة البحث والاستدلال. فصياغة النظرية الاجتماعية مثلاً  يأتي قبل صياغة مفردات علم الاجتماع ، والنظرية الاقتصادية تصاغ قبل صياغة علم الاقتصاد ، والنظرية النفسية تصاغ قبل صياغة علم النفس . وبكلمة ، فإننا إذا لم نكن قادرين على صياغة نظريات دينية في المعارف الاجتماعية ، فإن الحديث  عن (أسلمة المعرفة) سيكون مجرد تزويق لفظي لطموحاتٍ لا نعرف كيفية تحقيقها على أرض الواقع.

    3- إن القاعدة والأصل في موضوع (التجديد) أو ما سُمي بالتوفيق بين (الأصالة والمعاصرة) أو (أسلمة المعرفة) هو البحث عن كل ما يوصل المكلّف إلى الكشف عن وظيفته الشرعية بالرغم من اختلاف الزمان والمكان.

    4- إن مشروع (الأسلمة) ينبغي أن يراعي وظائف الأفراد وتكاليفهم الشرعية. فلاشك أن المسؤولية الأخلاقية والشرعية التي يضعها الفقه الإسلامي على الأفراد تساهم في تحديد أدوارهم ووظائفهم الاجتماعية والدينية . فلكل فرد دور محدد عبـرّ عنه القرآن الكريم بالقول : (...ورَفَعْنَا بعضَهُمْ فوقَ بعضٍ درجاتٍ ليتّخِذَ بعضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً...)[1] .

     فبالإضافة إلى الوظيفة الشرعية التكليفية في العبادات والوظيفة الشرعية الوضعية في الحقوق الاجتماعية كحق الزوجية وحق النفقة وحق التوكيل ، هناك وظيفة اجتماعية خاصة بكل فرد. فكل انسان مكلف في المجتمع يتمتع بمقعد اجتماعي معين تترتب عليه وظيفة معينة . والفقه لا يتدخل في شكل الوظائف الاجتماعية ولكن يجعل لها نظاماً ودستوراً. لأن الوظائف الاجتماعية موجودة في كل مجتمع إنساني بالفطرة ، لكنها تحتاج إلى تنظيم شرعي وإلزام أخلاقي . وهذا الفهم يفتح لنا الطريق لمعرفة أهدافنا الاجتماعية في أسلمة المعارف الإنسانية.

    5-إن الفقهاهة أو الاجتهاد الفقهي هو الحدّ الأدنى الذي ينبغي أن يتوفر لدى المفكر الإسلامي في محاولته بناء نظرية دينية في المعارف الاجتماعية ، وإلا فإننا لو فتحنا الباب واسعاً لكل وارد ، فإننا سنقع في فخ حفرناه لأنفسنا بعلم أو بجهل ، وبه نخرّب أفكارنا الدينية حول الدولة والمجتمع الديني والحياة الإنسانية.

    وبكلمة ، فإن البساطة الفكرية التي رافقت عملية (أسلمة العلوم) يرجع بعضها إلى:

    أ-عدم توافر شروط الاجتهاد الفقهي عند الذين تصدوا لإنجاز تلك العملية الفكرية الكبرى.

   ب-عدم استيعاب المفردات الحضارية والفكرية والدينية التي يعيشها مجتمعنا المعاصر.

    ج-عدم امتلاك الملَكة الفكرية القادرة على الإبداع وإنشاء نظريات مستقلة في المواضيع المبحوثة ، بحيث تنبع تلك النظريات من أفكارنا ومبادئنا وعقيدتنا في قراءة الوحي والرسالة الإلهية.

 الحوزة ودورها في أسلمة المعرفة

   إن للحوزة العلمية دوراً اساسياً حاسماً في إنجاح مشروع أسلمة العلوم والمعرفة الإنسانية . والفقهاء هم الأقدر على طرح النظريات والأنظمة الاجتماعية الدينية ، لأنهم الأقرب الى إدراك مناهج العملية المعرفية من القرآن الكريم والسنّة الشريفة.

 1- بين اللغة والاصطلاح

    ومن الطبيعي فإن مفتاح أي علم من العلوم يكمن في المصطلحات التي يصوغها المؤسسون لأسس ذلك العلم . فالاصطلاحات تعبـّر عن المفاهيم المضغوطة التي تحمل سيلاً من الأفكار والأهداف المعلنة والمضمرة.

 أ-تعريف الأسلمة:

    إن مصطلح أسلمة العلوم وصَلَنا عبـر الترجمة الحرفية لكلمة : (Islamization) أي الأسلمة.  ومصطلح (Islamism : الإسلامية) المرادفة لمصطلح (الرأسمالية :Capitalism) أو (الاشتراكية:Socialism) يجري مجرى الاصطلاح الأول. وتلك الاصطلاحات لا ترتبط بثقافتنا الدينية بشيء. ولكن الذين شدّوا الرحال إلى الغرب للدراسة في حقول المعرفة التجريبية تمنّوا  أن يكون للإسلام نظام معرفي مشابه للنظام المعرفي الغربي ومتفوق عليه. لكنهم نسوا أن ثقافتنا الدينية لا تقبل مجرد اقتباس النمط الغربي في الحياة الاجتماعية والدينية والعلمية.

    يقول مترجم أحد الكتب الحديثة في معرض حديثه عن وضع كلمة (الأسلمة) إلى قرّاء العربية: (...ثم اضطررت إلى اشتقاق مصطلح (الأسْلَمة) في اللغة العربية كمقابل للمصطلح الفرنسي Islamisation. كأن تقول تمّت أسلمة المجتمع التونسي مثلاً في القرن الأول للهجرة. وكذلك الأمر فيما يخص مصطلح (التتريث) كمقابل Traditionalisation وهو مضاد لمصطلح (التحديث) Modernisation....)[2] . وهذا الكلام يكفي للدلالة على عدم التعمق في الفهم اللغوي ، وافتقاده للأسس الثقافية الخاصة بمجتمعنا  وحضارتنا.

     فمصطلح (الأسلمة) إذن ، لفظة مستحدثة مرتبطة بأسباب الصراع بين الإسلام والغرب (النصراني أو العلماني)، وليس مصطلحاً علمياً من مصطلحات العرب والمسلمين المتقدمين . وفي ضوء ذلك نفهم أن قضية المصطلح تضم وراءها سيلاً من الأفكار والأهداف ينبغي مناقشتها بدقة وعمق.

 ب-أصناف المعرفة :

    إن المعارف تنقسم ، حسب الطرق المنهجية العلمية التي تتبعها ، إلى ثلاثة أقسام:

 الأول: العلوم الطبيعية التجريبية (التطبيقية):

     وهي العلوم التي تدرس الظواهر الفيزيائية والبيولوجية للأشياء والكون والإنسان ؛ وأمثلتها: الكيمياء ، والفيزياء ، والفلك ، والطب ، والبيولوجيا ونحوها.

     ومع أن تلك العلوم بحاجة إلى مبادئ أخلاقية تهذِّب نشاطها وتسدِّد مسيرتها العلمية ، لكننا لا نحتاج إلى ذرات دينية لمواجهة الذرات العلمانية من أجل تركيب الماء أو تركيب كلوريد البوتاسيوم، فإن العلم التجريبي المكتَشف هو نفسه ، والفارق هو السبق في الاكتشاف لا غير.

    لكن تلك العلوم تحتاج إلى إضافات ؛ منها:

    أ-إضافة التأريخ العلمي للمسلمين في الكيمياء والفلك والرياضيات ونحوها. فلابدّ أن نعتـز بجابر بن حيان أكثر مما نعتـزّ بـ (نيوتن)، و(تايكو) ، و(كبلر). ونعتـزّ بالخوارزمي ، وابن قرّة ، وكمال الدين الفارسي أكثر مما نعتـزّ بـ(فورمات) ، و(ديكارت)، و(بليز باسكال) ، و(غاليلو).

    ب-الاهتمام بالنظرية الفلسفية للعلوم التطبيقية ، والتأكيد على أن كل ما في الكون من خلق الله سبحانه. فهي ليست جدلاً محضاً بين الإنسان والطبيعة بمعزلٍ عن الخالق عزّ وجلّ.

    ج-المبادئ الأخلاقية في العلوم التطبيقية. فإن منهج العلوم التطبيقية لا يتحرج عن الابتعاد عن طريق الخير والتهرب عن خدمة الإنسان ذاته. فما لم توضع أسس أخلاقية دينية للعلوم التجريبية، فإننا سنواجه دائماً خطر استغلال الإنسان لأخيه الإنسان وتدمير طاقته واستهلاك موارده.

 الثاني: العلوم الاجتماعية (الإنسانية):

    وهي العلوم التي تدرس جوانب السلوك الاجتماعي للناس. كعلم الاجتماع ، والنفس ، والاقتصاد، ونشوء الإنسان ، والقانون.

     والعلوم الاجتماعية التي يدور الحديث حول أسلمتها هي:

    1- علم الاقتصاد: ويدرس سبل إنتاج البضائع وتوزيعها واستهلاكها، وصناعة الخدمات. ويتعامل أيضاً مع الثروة المالية في عمليات التسعير ، والأجور ، والأرباح.

    2- علم الاجتماع: ويدرس طبيعة علاقات الأفراد في المجتمع ، ويحلل طبيعة عمل الأجهزة أو الأنظمة الاجتماعية، ويحاول اكتشاف العلّة والمعلول في العلاقات الاجتماعية بين الأفراد.

     وينصبّ الاهتمام الرئيسي لذلك العلم على اكتشاف الطرق التي تستخدمها الأنظمة الاجتماعية كالعائلة والمدرسة والحقل والمصنع للتأثير على الفرد وعلى طبيعة تعامله مع الآخرين.

    3- علم النفس: ويدرس العمليات العقلية كالإدراك والذاكرة والعاطفة والذكاء ، ويستمد مبادئه النظرية وقواعده الكلية من التجارب المختبرية للعلوم الطبيعية . وما يستفيده من تجارب على الحيوانات ، يمكن تطبيقه ، بمقدار، على الإنسان.

    4- العلوم السياسية: وتدرس الفلسفة السياسية والكيان الظاهري للحكومات. خصوصاً (علم الاجتماع السياسي) الذي يدرس السلوك السياسي ، ويحلل التفاعل الاجتماعي الذي يصاحب تشكيل الحكومة.

    5- علم نشوء الإنسان: ويدرس نشوء الفرد ويقوم أيضاً بدراسة المجتمعات البدائية والحضارات البائدة. وتدخل تحت هذا القسم علوم ثانوية كـ (علم الحفريات) الذي يتعامل مع بقايا الحضارات المندثرة، و(علم الألسن) الذي يتعامل مع الجوانب اللغوية وغيرها من العلوم.

     6- علم القانون المقارَن: ويدرس القوانين الخاصة بتنظيم حياة الإنسان في المجتمعات المتباينة في العالم.

     أما النظريات التي نتحدث عنها في الحقل الاجتماعي وتستطيع الحوزة العلمية صياغتها، فهي:

     1- النظرية الاقتصادية: وتعرض السياسة الاقتصادية على أساس الإنتاج الحلال والاستثمار اللاربوي، والإيمان بالملكية الخاصة والعامة وشروط المنافسة الشرعية والربح الشريف ، بحيث لا تخرج عن إطار العدالة الاجتماعية.

     2- النظرية الاجتماعية: وتعرض المؤشرات الدقيقة للموازين الاجتماعية والشرعية لعصر الغيبة في الحكم، والسياسة ، والقضاء ، والتعليم ، والعائلة ، والقانون ، والدفاع ، والصحة ، والتجارة ، والزراعة ، والصناعة ونحوها.

     3- النظرية النفسية: وتدرس الجوانب الروحية والسلوكية النظرية للانسان المؤمن عبـر إثارات القرآن الكريم والسنّة الشريفة ، ودور الإيمان بالغيب في بناء شخصية الإنسان. ولاشك أن الإنسان هو محور مبادئ النظرية النفسية لا الحيوان في المختبـر ، كما يؤمن علم النفس.

     4- النظرية السياسية: وتعرض أخلاقية السلطة الشرعية ، ودور المعصوم (عليه السلام) أو من ينوبه من الفقهاء في إدارة المجتمع الديني. وتدرس عناصر الحقوق والواجبات السياسية للأفراد كالحرية، والطاعة السياسية ، وإبداء الرأي ، والتوكيل ونحوها.

     5- نظرية نشوء الإنسان: وتعرض تأثير الأنبياء والرسل (عليهم السلام) على مسار الإنسانية من آدم (عليه السلام) ولحدّ خاتم الأنبياء محمد (ص). وتدرس دور الأنبياء (ع) في هداية تلك المجتمعات وترشيدها إلى فهم معاني الوجود وإلى تنظيم الحياة الاجتماعية.

     6- النظرية القانونية: وتدرس حاجة الإنسان للتشريع والتقنين من الزاوية الدينية.

        ونستنتج من دراسة المعارف وأصنافها ، أن دور الحوزة العلمية الإمامية في هذه المرحلة هو بناء نظريات إسلامية في المعارف الاجتماعية بدل الدخول في معترك أسلمة العلوم ، فإن الانغمار في أسلمة العلوم الاجتماعية التجريبية بدون نظرية شرعية سليمة نستند عليها لا يوصلنا إلى النتيجة التي نتواخاها في الإدارة الاجتماعية.

الثالث: العلوم الدينية الاجتهادية (النقلية):

     وهي تنفصل عن العلوم الطبيعية والاجتماعية باعتبارها علوماً لها قدسية وفيها إلزامات أخلاقية تفتقر لها العلوم الأخرى. ولنطلق عليها العلوم الإلزامية. فهي ليست علوماً طبيعية تطبيقية خاضعة للتجربة ، وليست علوماً اجتماعية بالمعنى الوضعي المتعارف الذي يشير إلى تلك العلوم.

    ولاشك أن الاجتهاد هو الوسيلة الوحيدة للوصول إلى القطع الذي يؤمّن المكلف من العقاب. فالمجتهد إما أن يعمل على طبق ما قطع به وجداناً كما في القطعيات والضروريات ، وإما أن يعمل على طبق ما قطع بحجيته من الأمارات والأصول. وبكلمة ، فالاجتهاد هو تحصيل الحجة على الحكم الشرعي فعلاً. وبذلك ، فإن استنباط الأحكام الشرعية في النظرية الدينية الخاصة بالاجتماع الإنساني لابد وأن تتم عبر طريق الحجج والأدلة الشرعية . ومن هنا نقرر بان الدين هو المصدر الرئيسي من مصادر المعرفة الإنسانية. ولكن لا في العلوم التجريبية المحضة، بل في النظريات الثابتة؛ لأن العلوم التجريبية تتغير وتتبدل كلما تبدلت أسباب البحوث وعللها.

2- مفاهيم العملية المعرفية

    وتتشكل العملية المعرفية التي ينبغي من ورائها استحداث نظام معرفي ديني في المجتمع المعاصر من ثلاثة عناصر هي : النظرية ، والنظام ، والقانون. فعن طريق النظرية نبني الأساس الشرعي والفلسفي للفكرة الاجتماعية. وعن طريق النظام نبني الجهاز الذي تتم فيه الفكرة. وعن طريق القانون نبني الإلزام والردع اللذين تتطلبهما عملية البناء الاجتماعي. ومن خلال تضافر تلك العناصر الثلاثة يسير المجتمع الديني في طريقه المرسوم نحو التكامل الأخلاقي والروحي والاجتماعي. ولنسرح النظر في الأفكار المرتبطة بهذا الموضوع بشيء من البسط والتفصيل.

 أ-النظرية:

   وهي مجموعة الأفكار المتضافرة التي يشدُّ بعضها بعضاً. وفائدتها أنها تختزل المعلومات الفكرية والإرشادات والأوامر الشرعية المتراكمة، وتنظّمها ، وتصهرها في قالب فكري فلسفي متضافر ، وعلى درجة كبيرة من العمق والدقة ، من أجل توضيح وظيفتنا الشرعية تجاه المؤسسات أو الأنظمة الاجتماعية.

   فإذا أردنا بناء مجتمع إسلامي ، فلابد لنا من صياغة نظرية إسلامية في الأسرة مثلاً. وهنا لابد أن نجمع الآيات القرآنية الشريفة والروايات المسندة الصحيحة ونحللها في المرحلة الأولى؛ حيث سنواجه عدداً كبيراً متناثراً من الآيات والروايات حول الزواج والمهر والقيمومة والنفقة والولاية على القاصرين والتربية ونحوها. وإذا استطعنا إنشاء الرابط الجامع بين تلك المفردات في المصدر الرئيسي للتشريع ، واستخدمنا التحليل النقدي والصياغة المعرفية ، اقتربنا من صياغة النظرية الاجتماعية. وتلك هي الخطوة الأولى.

    والخطوة الثانية لا تتم إلاّ بتنظيم الجهاز المختص بقضايا العائلة من حيث الحقوق والواجبات ، والحاجات والمسؤوليات. وعندها تشخّص المجموعة المكونة من الأبوين وأولادهما وأحفادهما وأجدادهما بـ (العائلة). وهذا هو النظام العائلي.

    والخطوة الثالثة تتم عن طريق تنظيم القوانين الخاصة بالعائلة من حيث تقنين شروط النكاح والطلاق ، والقيمومة ، والنفقة ، والتربية والتعليم ونحوها.

    وإذا أتممنا تلك الخطوات الثلاث في مختلف الأنظمة الاجتماعية ، فإننا نكون قد خطونا خطوة كبيرة في تنظيم الإدارة الاجتماعية للمجتمع الإسلامي زمن الغيبة ، من النظرية وحتى القانون الإلزامي. فالنظرية هي الآلة الفكرية للإدارة الاجتماعية ، والأنظمة الاجتماعية هي الأجهزة العملية لتسيير أمور الناس ، والقانون هو العصا الإجرائية الرادعة من أجل إسناد تطبيق الفكرة الشرعية. وهنا يكون التطبيق منسجماً مع النظام ، والنظام منسجماً مع النظرية ، والنظرية منسجمة مع التشريع.

    وبطبيعة الحال ، فإن النظرية الدينية تعبـّر عن جهد الفقيه المفكر، الذي يستنبط الحكم الشرعي في الإدارة الاجتماعية ثم يعرضه على شكل نظرية فقهية . ولا يستكمل ذلك إلاّ بعد أن يستقرئ مباني العقلاء والعرف الاجتماعي والنظريات الأخرى التي لها علاقة بالموضوع المبحوث.

 أركان النظرية:

   ولاشك أن لكل نظرية نريد صياغتها في المعارف الاجتماعية، أركاناً نحددها وضوابط ينبغي أن نلتزم بها. فمن أركان النظرية الدينية في المعارف الاجتماعية : الركن الشرعي ، والحقوقي ، والجزائي ، والمسؤولية ، والعلاقات الإنسانية.

 1-الركن الشرعي:

   لابد من التسليم بحقيقة مهمة مفادها أن من أهداف تطبيق الأحكام الشرعية في الحياة الدنيا هو تنظيـم المجتمع وتعبيد أفراده لله سبحانه وتعالى . فتطبيـق بعض الأحكـام الشرعية في الحياة الدنيا – كالإلتزام بحرمة السرقة مثلاً – لا يستلزم ثواباً دنيوياً. ولكن معصية الأحكام الشرعية التي تؤدي إلى انحرافات اجتماعية – كفعل السرقة ذاته – يستلزم عقوبات دنيوية وهي القطع ؛ بينما يؤدي الامتثال أو المعصية لأمر المولى عزّ وجلّ – كفعل الصلاة أو تركها – ثواباً أخروياً أو عقوبة أخروية. فشكل الجزاء الديني في الدنيا إذن يختلف عن شكل الجزاء الديني في الآخرة. فالمطيع ينتظر ثوابه في الآخرة لا في الدنيا ، بينما يتوقع العاصي الذي يؤدي عصيانه إلى فساد اجتماعي إلى عقوبة دنيوية كالقصاص والقطع والجلد والرجم ، بمعنى أن الهدف الأول للحكم الشرعي الاجتماعي هو الامتثال لأمر الله عزّ وجلّ وهو الذي يستوجب مثوبة أخروية. والهدف الثاني هو تنظيم المجتمع وترتيب الإدارة الاجتماعية وهو الذي لا يستوجب مثوبة دنيوية ولكن مخالفته تستوجب عقوبة دنيوية. وهذا يعني أن للأحكام الشرعية طبيعة اجتماعية بالإضافة إلى جوهرها الروحي، ويعني أيضاً أن للحكم الشرعي قابلية التطبيق على مرور الزمن، حتى لو كان هناك تغيير اجتماعي ملحوظ.

    فمع أن الأحكام الشرعية في الملكية والعقود والإيقاعات ثابتة، إلاّ أن لها القابلية على استيعاب جميع المفردات المتغيرة. فالتغير الذي طرأ على وضع (المل