(ص 37 - 90)الفصل الثاني الحوزة العلمية وأسلمة المعرفة ------------------------------------أينما حلّ الإنسان ، يجد نفسه محاطاً بالحقائق العلمية التي تستلزم اكتشافاً أو استنباطاً أو استقراءً. وما لم يجد الفرد منهجاً علمياً للتعامل مع المعارف الإنسانية والحقائق العلمية التي يستنبطها، فإنه سيستشعر الضياع في متاهات الصراع العلمي حول أحقية المناهج التي ينبغي أن تتبع من أجل الوصول إلى الحقيقة العلمية ، بما فيها الحقائق الاجتماعية والدينية. ولاشك أن المنهج العلمي يتلازم دائماً مع المعرفة الإنسانية. فإذا كان المنهج العلمي منهجاً دينياً كانت المعرفة أقرب إلى الجنبة الأخلاقية مما لو كان المنهج علمانياً أو معادياً للدين. ولذلك فقد طُرحت على الساحة الفكرية الإسلامية – في الحقبة الأخيرة بالخصوص – مشاريع لأسلمة العلوم والمعارف الاجتماعية ؛ بمعنى إيجاد محاولات لتأطيـر العلوم بالإطار الأخلاقي للإسلام. ولما كان الموضوع يخص الحوزة العلمية الإمامية – بكل ما فيه من إشارات للتأصيل الفكري – ارتأينا بحثه بحثاً معرفياً يتعلق بخصوص الفكرة والمنهج والمفهوم. وقد نظرنا بعين فاحصة الى النظرية الاجتماعية في معترك الأسلمة. فكانت العناوين الفرعية التالية: 1- بين اللغة والاصطلاح: أ- تعريف الأسلمة؛ ب- أصناف المعرفة؛ ج- القانون. 2- مفاهيم العملية المعرفية: أ- النظرية ؛ ب- النظام؛ ج-القانون. 3- مناهج العملية المعرفية: أ- المنهج الاستقرائي؛ ب- المنهج الاستنباطي؛ ج- منهج العلّية؛ د- القطع والاحتمالية؛ هـ - النص والدلالات. مقدمة إن قضية (الاجتهاد والتجديد) تستدعي (قراءة) مفصّلة لقضايا الكون والحياة والإنسان. وما لم يتوجه الإنسان نحو الخطاب القرآني والبيان النبوي المتضمن لبيان أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، فإنه لا يستطيع قراءة الحياة والطبيعة والاجتماع والتكليف الإلهي قراءة تشريعية صائبة. فالإدراك البشري – حسياً كان أو عقلياً- يذعن لإشارات الوحي ، ويتفاعل مع نداءات السماء ، ويطمئن لكمال الرسالة الإلهية التي جاءت من أجل تنظيم حياة الإنسان الشخصية والاجتماعية. وبسبب ذلك كانت المدرسة الفقهية الإمامية مصدر جميع الأفكار والمعارف والآراء والآداب والفنون وأصول الولاية ونظم الاجتماع التي سادت الحقل الفكري الإسلامي قروناً طويلة. وبسبب قوة المباني الاجتهادية عند الطائفة لم يجرؤ أحد من الفقهاء على (المقاربة) بين فكر الإسلام وفكر الغرب من قبيل مقارنة الجن بالبكتريا كما فعل محمد عبده في تفسيره ، أو مقاربة الاشتراكية بالعدالة الاجتماعية كما فعل الكثير من علماء مدرسة الصحابة ومفكريها من متأخري المتأخرين. أما (المقارنة) بين فكر الإسلام وفكر الغرب فقد كانت ردة فعل طبيعية من أجل تحصين الجيل المثقف اليافع من أخطار الجنبة العلمانية المعادية للإسلام في فكر الغرب. ولذلك قام فقهاء عظام أمثال الشهيد الصدر ، والشهيد المطهري ، والإمام الخميني (رضوان الله تعالى عليهم أجمعين) وغيرهم من فقهاء الأمة بالتصدي للإذعان الثقافي الذي سرى في جسد الأمة، حيث استشعرت فيه قوة الغرب وهيمنته المطلقة على مجاري الفكر الإنساني. فكتبوا وخاطبوا ونشروا وأذاعوا ، وكان محور عملهم بيان كمالية الموقف الإسلامي من القضايا الفكرية والاجتماعية وتفوقه على الموقف الغربي. ولكن قضية (المقارنة) مع أفكار الغرب (اليهودي – النصراني) أو الشرق (الملحد) لم تكن تمثل اجتهاداً فقهياً ، أو فقهاً اجتهادياً ، أو استنباطاً يُرجِع الفروع إلى الأصول. وإنما كانت قضية دفاعية محضة عن حريم الإسلام وحياضه وردة فعل طبيعية في الدفاع عن بيضة الدين ضد عدو لا يعرف للرحمة والأخلاق من معنى. ومع كل ذلك، فإن تلك المحاولات كانت محاولات رائعة ومباركة ، فقد أدت دورها في حينه وقامت بإشعار المسلمين بشخصيتهم الثقافية والفكرية والحضارية ، ولا نملك إلاّ الترحم على أولئك الفقهاء الأطهار الذين جاهدوا بأقلامهم وأفكارهم أفكار العدو. إلاّ أن قضية (الاجتهاد والتجديد) بقيت تثار مرة وتُخمد مرة أخرى وهي تراوح مكانها حتى قام البعض بنقل أفكار المدرسة السنية في مشروع (أسلمة المعرفة) إلينا. وهذا المشروع كما يعرّفه مؤسسوه يتبنى بناء منهجية إسلامية لتحديد مناهج التعامل مع القرآن الكريم كمصدر للمعرفة والفكر والبناء الحضاري ، وإيجاد الإنسان الشاهد على الناس ، وكذلك بناء منهجية التعامل مع السنّة النبوية المطهّرة. ومشروع بهذا الحجم وبتلك الكيفية لابد أن تتبناه مؤسسة علمية اجتهادية يوازي وزنها وزن الحوزة العلمية الإمامية التي ما فتئت تبحث عن الدليل الشرعي والعقلي في سبيل كشف وظيفة المكلّف على الصعيدين الفردي والجماعي. الملاحظات المسجّلة على المشروع: وفي ضوء تلك التوجهات ، وقبل عرض أفكارنا حول الموضوع ، نسجّل على مشروع (أسلمة العلوم) الذي تتبناه المدرسة الثقافية السنية بعض الملاحظات فيما يتعلق بمباني المشروع: 1-إن مشروع (أسلمة المعرفة) الذي جاءت به المدرسة السنّية يهمل تماماً فكر أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، فلم نرَ أثراً يتعامل مع دولة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) التي تحققت فيها عدالة الإسلام في الاجتماع والسياسة والحرب والسلم ، ولم نرَ أثراً يتعامل مع علوم آل محمد (عليهم السلام) في الطب والكيمياء والفلك والأخلاق واللغة والعرفان ، ولم نلمس حتى اشارة من قريب أو بعيد لذلك المنجم الثرّ الذي يستطيع أن يمدّ مشروع الأسلمة ذاتها بمعين لا ينضب من الأفكار الدينية الشرعية في السياسة والاجتماع والاقتصاد. 2-إن (منهجية الأسلمة) و(معرفيتها) التي يتبارى في طرحها أصحاب مدرسة الأسلمة تحتاج إلى إعادة منهجة قائمة على ضوء الدليل الشرعي والعقلي. فنحن لا نسلّم بمحاولة إلباس العباءة الدينية للعلوم المعاصرة من دون بناء نظريات شرعية في المواضيع الموضوعة على طاولة البحث والاستدلال. فصياغة النظرية الاجتماعية مثلاً يأتي قبل صياغة مفردات علم الاجتماع ، والنظرية الاقتصادية تصاغ قبل صياغة علم الاقتصاد ، والنظرية النفسية تصاغ قبل صياغة علم النفس . وبكلمة ، فإننا إذا لم نكن قادرين على صياغة نظريات دينية في المعارف الاجتماعية ، فإن الحديث عن (أسلمة المعرفة) سيكون مجرد تزويق لفظي لطموحاتٍ لا نعرف كيفية تحقيقها على أرض الواقع. 3- إن القاعدة والأصل في موضوع (التجديد) أو ما سُمي بالتوفيق بين (الأصالة والمعاصرة) أو (أسلمة المعرفة) هو البحث عن كل ما يوصل المكلّف إلى الكشف عن وظيفته الشرعية بالرغم من اختلاف الزمان والمكان. 4- إن مشروع (الأسلمة) ينبغي أن يراعي وظائف الأفراد وتكاليفهم الشرعية. فلاشك أن المسؤولية الأخلاقية والشرعية التي يضعها الفقه الإسلامي على الأفراد تساهم في تحديد أدوارهم ووظائفهم الاجتماعية والدينية . فلكل فرد دور محدد عبـرّ عنه القرآن الكريم بالقول : (...ورَفَعْنَا بعضَهُمْ فوقَ بعضٍ درجاتٍ ليتّخِذَ بعضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً...)[1] . فبالإضافة إلى الوظيفة الشرعية التكليفية في العبادات والوظيفة الشرعية الوضعية في الحقوق الاجتماعية كحق الزوجية وحق النفقة وحق التوكيل ، هناك وظيفة اجتماعية خاصة بكل فرد. فكل انسان مكلف في المجتمع يتمتع بمقعد اجتماعي معين تترتب عليه وظيفة معينة . والفقه لا يتدخل في شكل الوظائف الاجتماعية ولكن يجعل لها نظاماً ودستوراً. لأن الوظائف الاجتماعية موجودة في كل مجتمع إنساني بالفطرة ، لكنها تحتاج إلى تنظيم شرعي وإلزام أخلاقي . وهذا الفهم يفتح لنا الطريق لمعرفة أهدافنا الاجتماعية في أسلمة المعارف الإنسانية. 5-إن الفقهاهة أو الاجتهاد الفقهي هو الحدّ الأدنى الذي ينبغي أن يتوفر لدى المفكر الإسلامي في محاولته بناء نظرية دينية في المعارف الاجتماعية ، وإلا فإننا لو فتحنا الباب واسعاً لكل وارد ، فإننا سنقع في فخ حفرناه لأنفسنا بعلم أو بجهل ، وبه نخرّب أفكارنا الدينية حول الدولة والمجتمع الديني والحياة الإنسانية. وبكلمة ، فإن البساطة الفكرية التي رافقت عملية (أسلمة العلوم) يرجع بعضها إلى: أ-عدم توافر شروط الاجتهاد الفقهي عند الذين تصدوا لإنجاز تلك العملية الفكرية الكبرى. ب-عدم استيعاب المفردات الحضارية والفكرية والدينية التي يعيشها مجتمعنا المعاصر. ج-عدم امتلاك الملَكة الفكرية القادرة على الإبداع وإنشاء نظريات مستقلة في المواضيع المبحوثة ، بحيث تنبع تلك النظريات من أفكارنا ومبادئنا وعقيدتنا في قراءة الوحي والرسالة الإلهية. الحوزة ودورها في أسلمة المعرفة إن للحوزة العلمية دوراً اساسياً حاسماً في إنجاح مشروع أسلمة العلوم والمعرفة الإنسانية . والفقهاء هم الأقدر على طرح النظريات والأنظمة الاجتماعية الدينية ، لأنهم الأقرب الى إدراك مناهج العملية المعرفية من القرآن الكريم والسنّة الشريفة. 1- بين اللغة والاصطلاح ومن الطبيعي فإن مفتاح أي علم من العلوم يكمن في المصطلحات التي يصوغها المؤسسون لأسس ذلك العلم . فالاصطلاحات تعبـّر عن المفاهيم المضغوطة التي تحمل سيلاً من الأفكار والأهداف المعلنة والمضمرة. أ-تعريف الأسلمة: إن مصطلح أسلمة العلوم وصَلَنا عبـر الترجمة الحرفية لكلمة : (Islamization) أي الأسلمة. ومصطلح (Islamism : الإسلامية) المرادفة لمصطلح (الرأسمالية :Capitalism) أو (الاشتراكية:Socialism) يجري مجرى الاصطلاح الأول. وتلك الاصطلاحات لا ترتبط بثقافتنا الدينية بشيء. ولكن الذين شدّوا الرحال إلى الغرب للدراسة في حقول المعرفة التجريبية تمنّوا أن يكون للإسلام نظام معرفي مشابه للنظام المعرفي الغربي ومتفوق عليه. لكنهم نسوا أن ثقافتنا الدينية لا تقبل مجرد اقتباس النمط الغربي في الحياة الاجتماعية والدينية والعلمية. يقول مترجم أحد الكتب الحديثة في معرض حديثه عن وضع كلمة (الأسلمة) إلى قرّاء العربية: (...ثم اضطررت إلى اشتقاق مصطلح (الأسْلَمة) في اللغة العربية كمقابل للمصطلح الفرنسي Islamisation. كأن تقول تمّت أسلمة المجتمع التونسي مثلاً في القرن الأول للهجرة. وكذلك الأمر فيما يخص مصطلح (التتريث) كمقابل Traditionalisation وهو مضاد لمصطلح (التحديث) Modernisation....)[2] . وهذا الكلام يكفي للدلالة على عدم التعمق في الفهم اللغوي ، وافتقاده للأسس الثقافية الخاصة بمجتمعنا وحضارتنا. فمصطلح (الأسلمة) إذن ، لفظة مستحدثة مرتبطة بأسباب الصراع بين الإسلام والغرب (النصراني أو العلماني)، وليس مصطلحاً علمياً من مصطلحات العرب والمسلمين المتقدمين . وفي ضوء ذلك نفهم أن قضية المصطلح تضم وراءها سيلاً من الأفكار والأهداف ينبغي مناقشتها بدقة وعمق. ب-أصناف المعرفة : إن المعارف تنقسم ، حسب الطرق المنهجية العلمية التي تتبعها ، إلى ثلاثة أقسام: الأول: العلوم الطبيعية التجريبية (التطبيقية): وهي العلوم التي تدرس الظواهر الفيزيائية والبيولوجية للأشياء والكون والإنسان ؛ وأمثلتها: الكيمياء ، والفيزياء ، والفلك ، والطب ، والبيولوجيا ونحوها. ومع أن تلك العلوم بحاجة إلى مبادئ أخلاقية تهذِّب نشاطها وتسدِّد مسيرتها العلمية ، لكننا لا نحتاج إلى ذرات دينية لمواجهة الذرات العلمانية من أجل تركيب الماء أو تركيب كلوريد البوتاسيوم، فإن العلم التجريبي المكتَشف هو نفسه ، والفارق هو السبق في الاكتشاف لا غير. لكن تلك العلوم تحتاج إلى إضافات ؛ منها: أ-إضافة التأريخ العلمي للمسلمين في الكيمياء والفلك والرياضيات ونحوها. فلابدّ أن نعتـز بجابر بن حيان أكثر مما نعتـزّ بـ (نيوتن)، و(تايكو) ، و(كبلر). ونعتـزّ بالخوارزمي ، وابن قرّة ، وكمال الدين الفارسي أكثر مما نعتـزّ بـ(فورمات) ، و(ديكارت)، و(بليز باسكال) ، و(غاليلو). ب-الاهتمام بالنظرية الفلسفية للعلوم التطبيقية ، والتأكيد على أن كل ما في الكون من خلق الله سبحانه. فهي ليست جدلاً محضاً بين الإنسان والطبيعة بمعزلٍ عن الخالق عزّ وجلّ. ج-المبادئ الأخلاقية في العلوم التطبيقية. فإن منهج العلوم التطبيقية لا يتحرج عن الابتعاد عن طريق الخير والتهرب عن خدمة الإنسان ذاته. فما لم توضع أسس أخلاقية دينية للعلوم التجريبية، فإننا سنواجه دائماً خطر استغلال الإنسان لأخيه الإنسان وتدمير طاقته واستهلاك موارده. الثاني: العلوم الاجتماعية (الإنسانية): وهي العلوم التي تدرس جوانب السلوك الاجتماعي للناس. كعلم الاجتماع ، والنفس ، والاقتصاد، ونشوء الإنسان ، والقانون. والعلوم الاجتماعية التي يدور الحديث حول أسلمتها هي: 1- علم الاقتصاد: ويدرس سبل إنتاج البضائع وتوزيعها واستهلاكها، وصناعة الخدمات. ويتعامل أيضاً مع الثروة المالية في عمليات التسعير ، والأجور ، والأرباح. 2- علم الاجتماع: ويدرس طبيعة علاقات الأفراد في المجتمع ، ويحلل طبيعة عمل الأجهزة أو الأنظمة الاجتماعية، ويحاول اكتشاف العلّة والمعلول في العلاقات الاجتماعية بين الأفراد. وينصبّ الاهتمام الرئيسي لذلك العلم على اكتشاف الطرق التي تستخدمها الأنظمة الاجتماعية كالعائلة والمدرسة والحقل والمصنع للتأثير على الفرد وعلى طبيعة تعامله مع الآخرين. 3- علم النفس: ويدرس العمليات العقلية كالإدراك والذاكرة والعاطفة والذكاء ، ويستمد مبادئه النظرية وقواعده الكلية من التجارب المختبرية للعلوم الطبيعية . وما يستفيده من تجارب على الحيوانات ، يمكن تطبيقه ، بمقدار، على الإنسان. 4- العلوم السياسية: وتدرس الفلسفة السياسية والكيان الظاهري للحكومات. خصوصاً (علم الاجتماع السياسي) الذي يدرس السلوك السياسي ، ويحلل التفاعل الاجتماعي الذي يصاحب تشكيل الحكومة. 5- علم نشوء الإنسان: ويدرس نشوء الفرد ويقوم أيضاً بدراسة المجتمعات البدائية والحضارات البائدة. وتدخل تحت هذا القسم علوم ثانوية كـ (علم الحفريات) الذي يتعامل مع بقايا الحضارات المندثرة، و(علم الألسن) الذي يتعامل مع الجوانب اللغوية وغيرها من العلوم. 6- علم القانون المقارَن: ويدرس القوانين الخاصة بتنظيم حياة الإنسان في المجتمعات المتباينة في العالم. أما النظريات التي نتحدث عنها في الحقل الاجتماعي وتستطيع الحوزة العلمية صياغتها، فهي: 1- النظرية الاقتصادية: وتعرض السياسة الاقتصادية على أساس الإنتاج الحلال والاستثمار اللاربوي، والإيمان بالملكية الخاصة والعامة وشروط المنافسة الشرعية والربح الشريف ، بحيث لا تخرج عن إطار العدالة الاجتماعية. 2- النظرية الاجتماعية: وتعرض المؤشرات الدقيقة للموازين الاجتماعية والشرعية لعصر الغيبة في الحكم، والسياسة ، والقضاء ، والتعليم ، والعائلة ، والقانون ، والدفاع ، والصحة ، والتجارة ، والزراعة ، والصناعة ونحوها. 3- النظرية النفسية: وتدرس الجوانب الروحية والسلوكية النظرية للانسان المؤمن عبـر إثارات القرآن الكريم والسنّة الشريفة ، ودور الإيمان بالغيب في بناء شخصية الإنسان. ولاشك أن الإنسان هو محور مبادئ النظرية النفسية لا الحيوان في المختبـر ، كما يؤمن علم النفس. 4- النظرية السياسية: وتعرض أخلاقية السلطة الشرعية ، ودور المعصوم (عليه السلام) أو من ينوبه من الفقهاء في إدارة المجتمع الديني. وتدرس عناصر الحقوق والواجبات السياسية للأفراد كالحرية، والطاعة السياسية ، وإبداء الرأي ، والتوكيل ونحوها. 5- نظرية نشوء الإنسان: وتعرض تأثير الأنبياء والرسل (عليهم السلام) على مسار الإنسانية من آدم (عليه السلام) ولحدّ خاتم الأنبياء محمد (ص). وتدرس دور الأنبياء (ع) في هداية تلك المجتمعات وترشيدها إلى فهم معاني الوجود وإلى تنظيم الحياة الاجتماعية. 6- النظرية القانونية: وتدرس حاجة الإنسان للتشريع والتقنين من الزاوية الدينية. ونستنتج من دراسة المعارف وأصنافها ، أن دور الحوزة العلمية الإمامية في هذه المرحلة هو بناء نظريات إسلامية في المعارف الاجتماعية بدل الدخول في معترك أسلمة العلوم ، فإن الانغمار في أسلمة العلوم الاجتماعية التجريبية بدون نظرية شرعية سليمة نستند عليها لا يوصلنا إلى النتيجة التي نتواخاها في الإدارة الاجتماعية. الثالث: العلوم الدينية الاجتهادية (النقلية): وهي تنفصل عن العلوم الطبيعية والاجتماعية باعتبارها علوماً لها قدسية وفيها إلزامات أخلاقية تفتقر لها العلوم الأخرى. ولنطلق عليها العلوم الإلزامية. فهي ليست علوماً طبيعية تطبيقية خاضعة للتجربة ، وليست علوماً اجتماعية بالمعنى الوضعي المتعارف الذي يشير إلى تلك العلوم. ولاشك أن الاجتهاد هو الوسيلة الوحيدة للوصول إلى القطع الذي يؤمّن المكلف من العقاب. فالمجتهد إما أن يعمل على طبق ما قطع به وجداناً كما في القطعيات والضروريات ، وإما أن يعمل على طبق ما قطع بحجيته من الأمارات والأصول. وبكلمة ، فالاجتهاد هو تحصيل الحجة على الحكم الشرعي فعلاً. وبذلك ، فإن استنباط الأحكام الشرعية في النظرية الدينية الخاصة بالاجتماع الإنساني لابد وأن تتم عبر طريق الحجج والأدلة الشرعية . ومن هنا نقرر بان الدين هو المصدر الرئيسي من مصادر المعرفة الإنسانية. ولكن لا في العلوم التجريبية المحضة، بل في النظريات الثابتة؛ لأن العلوم التجريبية تتغير وتتبدل كلما تبدلت أسباب البحوث وعللها. 2- مفاهيم العملية المعرفية وتتشكل العملية المعرفية التي ينبغي من ورائها استحداث نظام معرفي ديني في المجتمع المعاصر من ثلاثة عناصر هي : النظرية ، والنظام ، والقانون. فعن طريق النظرية نبني الأساس الشرعي والفلسفي للفكرة الاجتماعية. وعن طريق النظام نبني الجهاز الذي تتم فيه الفكرة. وعن طريق القانون نبني الإلزام والردع اللذين تتطلبهما عملية البناء الاجتماعي. ومن خلال تضافر تلك العناصر الثلاثة يسير المجتمع الديني في طريقه المرسوم نحو التكامل الأخلاقي والروحي والاجتماعي. ولنسرح النظر في الأفكار المرتبطة بهذا الموضوع بشيء من البسط والتفصيل. أ-النظرية: وهي مجموعة الأفكار المتضافرة التي يشدُّ بعضها بعضاً. وفائدتها أنها تختزل المعلومات الفكرية والإرشادات والأوامر الشرعية المتراكمة، وتنظّمها ، وتصهرها في قالب فكري فلسفي متضافر ، وعلى درجة كبيرة من العمق والدقة ، من أجل توضيح وظيفتنا الشرعية تجاه المؤسسات أو الأنظمة الاجتماعية. فإذا أردنا بناء مجتمع إسلامي ، فلابد لنا من صياغة نظرية إسلامية في الأسرة مثلاً. وهنا لابد أن نجمع الآيات القرآنية الشريفة والروايات المسندة الصحيحة ونحللها في المرحلة الأولى؛ حيث سنواجه عدداً كبيراً متناثراً من الآيات والروايات حول الزواج والمهر والقيمومة والنفقة والولاية على القاصرين والتربية ونحوها. وإذا استطعنا إنشاء الرابط الجامع بين تلك المفردات في المصدر الرئيسي للتشريع ، واستخدمنا التحليل النقدي والصياغة المعرفية ، اقتربنا من صياغة النظرية الاجتماعية. وتلك هي الخطوة الأولى. والخطوة الثانية لا تتم إلاّ بتنظيم الجهاز المختص بقضايا العائلة من حيث الحقوق والواجبات ، والحاجات والمسؤوليات. وعندها تشخّص المجموعة المكونة من الأبوين وأولادهما وأحفادهما وأجدادهما بـ (العائلة). وهذا هو النظام العائلي. والخطوة الثالثة تتم عن طريق تنظيم القوانين الخاصة بالعائلة من حيث تقنين شروط النكاح والطلاق ، والقيمومة ، والنفقة ، والتربية والتعليم ونحوها. وإذا أتممنا تلك الخطوات الثلاث في مختلف الأنظمة الاجتماعية ، فإننا نكون قد خطونا خطوة كبيرة في تنظيم الإدارة الاجتماعية للمجتمع الإسلامي زمن الغيبة ، من النظرية وحتى القانون الإلزامي. فالنظرية هي الآلة الفكرية للإدارة الاجتماعية ، والأنظمة الاجتماعية هي الأجهزة العملية لتسيير أمور الناس ، والقانون هو العصا الإجرائية الرادعة من أجل إسناد تطبيق الفكرة الشرعية. وهنا يكون التطبيق منسجماً مع النظام ، والنظام منسجماً مع النظرية ، والنظرية منسجمة مع التشريع. وبطبيعة الحال ، فإن النظرية الدينية تعبـّر عن جهد الفقيه المفكر، الذي يستنبط الحكم الشرعي في الإدارة الاجتماعية ثم يعرضه على شكل نظرية فقهية . ولا يستكمل ذلك إلاّ بعد أن يستقرئ مباني العقلاء والعرف الاجتماعي والنظريات الأخرى التي لها علاقة بالموضوع المبحوث. أركان النظرية: ولاشك أن لكل نظرية نريد صياغتها في المعارف الاجتماعية، أركاناً نحددها وضوابط ينبغي أن نلتزم بها. فمن أركان النظرية الدينية في المعارف الاجتماعية : الركن الشرعي ، والحقوقي ، والجزائي ، والمسؤولية ، والعلاقات الإنسانية. 1-الركن الشرعي: لابد من التسليم بحقيقة مهمة مفادها أن من أهداف تطبيق الأحكام الشرعية في الحياة الدنيا هو تنظيـم المجتمع وتعبيد أفراده لله سبحانه وتعالى . فتطبيـق بعض الأحكـام الشرعية في الحياة الدنيا – كالإلتزام بحرمة السرقة مثلاً – لا يستلزم ثواباً دنيوياً. ولكن معصية الأحكام الشرعية التي تؤدي إلى انحرافات اجتماعية – كفعل السرقة ذاته – يستلزم عقوبات دنيوية وهي القطع ؛ بينما يؤدي الامتثال أو المعصية لأمر المولى عزّ وجلّ – كفعل الصلاة أو تركها – ثواباً أخروياً أو عقوبة أخروية. فشكل الجزاء الديني في الدنيا إذن يختلف عن شكل الجزاء الديني في الآخرة. فالمطيع ينتظر ثوابه في الآخرة لا في الدنيا ، بينما يتوقع العاصي الذي يؤدي عصيانه إلى فساد اجتماعي إلى عقوبة دنيوية كالقصاص والقطع والجلد والرجم ، بمعنى أن الهدف الأول للحكم الشرعي الاجتماعي هو الامتثال لأمر الله عزّ وجلّ وهو الذي يستوجب مثوبة أخروية. والهدف الثاني هو تنظيم المجتمع وترتيب الإدارة الاجتماعية وهو الذي لا يستوجب مثوبة دنيوية ولكن مخالفته تستوجب عقوبة دنيوية. وهذا يعني أن للأحكام الشرعية طبيعة اجتماعية بالإضافة إلى جوهرها الروحي، ويعني أيضاً أن للحكم الشرعي قابلية التطبيق على مرور الزمن، حتى لو كان هناك تغيير اجتماعي ملحوظ. فمع أن الأحكام الشرعية في الملكية والعقود والإيقاعات ثابتة، إلاّ أن لها القابلية على استيعاب جميع المفردات المتغيرة. فالتغير الذي طرأ على وضع (الملكية) مثلاً ينبغي أن يُنظر له من زاوية هذا اللحاظ. فقد كانت (الملكية) في الماضي قضية يلمسها المالك من خلال تملكه للأرض أو المسكن أو الحقل أو الدابة. أما اليوم فقد أصبحت بعض أنواع الملكية غير مرئية كتملك السندات والأسهم والصكوك. ولكن الكليات الخاصة بأحكام الملكية في الفقه تستوعب تلك التغيرات. فالنظرية الخاصة بالملكية مثلاً والتي استُنبطت من الأحكام الشرعية، لابد أن تلحظ تلك التغيرات بالإضافة إلى تمسكها بالكليات الثابتة في الشريعة. والضابطة التي نستلهمها من مباني الدين أن الأحكام الشرعية بطبيعتها أخلاقية المنشأ والتطبيق. فالمحرمات والواجبات والمكروهات والمستحبات والمباحات كلها تقع تحت عنوان كلي وهو النظام الأخلاقي الذي ينبغي أن يحكم المجتمع الإسلامي في كل زمان ومكان. فالعقود مثلاً ، تنظمها الشريعة باعتبار أنها تحصل بين إرادتين ذواتيَ نوايا مختلفة. ولذلك فإنها تفرض حولها أحكاماً دقيقة ، لأن نوايا الأفراد ودوافعهم قد تتباين عما يوحيه ظاهرهم وقت إجراء تلك العقود. والألفاظ الإجتماعية تهذبها الشريعة أيضاً بحيث تعاقب الأفراد على اتهام بعضهم الآخر بالألفاظ القبيحة كما يحصل في القذف. والحقوق تنظّمها الشريعة أيضاً في الأجر العادل ، وفكرة تكافؤ الفرص بين الأفراد، وحرمة إنشاء الطبقات الاجتماعية المتفاوتة في الثراء والسلطة. فالنظرية الدينية في المعارف الإجتماعية كالسياسة والاقتصاد والعائلة والقضاء والتعليم ونحوها ينبغي أن تنظر إلى الركن الشرعي. وبتعبير آخر ، فإن ما يهمّنا من (إسلامية المعرفة) هو اقترابها من روح الشريعة وفكرها بحيث إن تلك المعارف تصبح وسيلة من وسائل بناء الجسور مع الخالق عزّ وجلّ ، ووسيلة من وسائل معرفة ملاكات الأحكام الشرعية الخاصة بالمعاملات ، وطريقاً نحو السعادة الاجتماعية. 2-الركن الحقوقي: إن الحقوق في المجتمع ترتبط دائماً بالواجبات المكلّف بها الإنسان تجاه ربه عزّ وجلّ ، وتجاه أسرته ، وتجاه أمته ومجتمعه الإسلامي. والقاعدة الفلسفية الكلية أن الحقوق المدنية التي يتمتع بها الفرد مرتبطة بالواجبات التي ينبغي له أن يؤديها. ولاشك أن الحق ادعاء محفوظ لدى الشريعة. أي أن الإنسان يملك التبرير الشرعي والعقلي للمطالبة بحقه. فالجائع الذي يسرق إنما يطالب بحقه عبر ذلك الطريق غير المشروع وهو طريق السرقة. والمظلوم يثور ضد الظالم ، لأن الأول يرى أن الثاني قد اغتصب حقه؛ فلابد له من التعبير عن رفض الظلم عبر ذلك الطريق. والجاني المتعمد يُقتص منه ، لأنه ارتكب عملاً أخلّ بالنظام الحقوقي الاجتماعي. وفي كل تلك الحالات يكون الحق قضية مصونة يحميها الدين. ولا يقتصر الحق على الكمال التكويني للإنسان ، بل إن للقاصرين والعجزة حقوقاً دينية ومدنية تثبتها الشريعة أيضاً. فالطفل الرضيع له حق الرضاعة والرعاية حتى يُفطم ، والقاصر له حق الرعاية حتى يبلُغ ، والعاجز له حق الرعاية حتى ينتهي عجزه أو يموت. وفي جميع تلك الحالات لا يساهم العجز التكويني أو الخارجي في إنكار حقوق الفرد من العيش في حياة كريمة. فالركن الحقوقي في النظرية الدينية للمعارف الاجتماعية إذن يحفظ مصالح الأفراد الاجتماعية والشخصية. أي أن الدين يحفظ مصلحة الإنسان في التملك ، أو في البيع والشراء ، أو في العمل ، أو في الأجر العادل. وبكلمة ، فإن النظرية الدينية – على مستوى المعارف الاجتماعية – تنظر إلى القضية الحقوقية في المجتمع باعتبارها ركناً مهمّاً من أركان الاقتصاد، والاجتماع، والتعليم، والسياسة، والسلام، والحرب، ونحوها. 3-الركن الجزائي: إن الركن الجزائي يتعامل بشكل خاص مع الضرر والعقوبة. فالذي ينـزل ضرراً بالآخرين من قتل أو جرح أو سرقة أو جنحة أخلاقية لابد له أن يعاقَب عقوبة جزائية رادعة تقتص منه وتردع الآخرين عن ارتكاب أمثال تلك الجنايات في المستقبل. فالعقوبة تُفرض بقوة القانون الشرعي ، على المخالفين الذين ارتكبوا انحرافات اجتماعية وأنزلوا أضراراً بالآخرين . وعندها ، أضحت العقوبة شكلاً من أشكال تصحيح الخلل الذي أحدثته الجناية المرتكبة ضد الأفراد أو ضد النظام الإجتماعي العام ، بقصد أو دون قصد. ومن الطبيعي ، فإن العقوبات الدينية في القصاص والقطع والجلد والرجم تمحق الإنحرافات الاجتماعية وتمحوها من لوح الواقع الاجتماعي. وعندها تنفتح في الساحة الاجتماعية أبواب الأمل باستقرار النظام الاجتماعي وتوجهه نحو القيم الأخلاقية الفاضلة. فالأمان الذي يستشعره أفراد المجتمع كنتيجة من نتائج تطبيق الحدود الشرعية يفسح المجال لتنشيط الطاقات الإبداعية والإنتاجية للنظام الاجتماعي. فعندما يأمن الفرد على نفسه وماله وعرضه من الإنتهاك، فإنه سيتوجه بكل ثقله نحو خدمة مجتمعه الديني في الإبداع والإنتاج والتفكير والدفاع عن مكتسباته الدينية والاجتماعية التي حققها. 4-المسؤولية: إن مقابل كلّ حق يمنح للإنسان واجب ضروري ينبغي أن يتحمل مسؤولية أدائه. فكما أن حقوق الأفراد في النظام الاجتماعي مصانة في الإسلام، فإن عليهم مراعاة الواجبات المفروضة. فالحقوق الممنوحة للأفراد في النظام الإسلامي مرتبطة بالإلزامات الاجتماعية والدينية التي فرضتها الرسالة الإلهية على المكلفين . فالقدرة على كتابة الوصية، والقدرة على نقل الملكية بالبيع ، والقدرة على توكيل الوكيل كلها تعطينا صورة واضحة عن طبيعة الحقوق والواجبات من الزاوية الشرعية. فالقدرة هنا تعني القابلية على تحمل المسؤولية الأخلاقية لنقل الحقوق وتبديل صورة الواجبات. أي أن المكلّف يمتلك قدرة نفسية وجسدية على تحمل مسؤوليات الواجب الشرعي عندما يتطلب التكليف ذلك. ولديه قدرة أيضاً على تسليم الحق الذي بحوزته إلى مكلّف آخر ، عن طريق البيع أو التوكيل أو الوصية ، إذا استدعى الموقف الشخصي أو الاجتماعي ذلك. ومن هنا ندرك ، أن الحق لا يمنح مجّاناً ما لم يتلازم مع صورة من صور الإلزام الأخلاقي بأداء الواجب. وليس في المجتمع الديني مقاعد خاصة بالأفراد الذين يستلمون الحقوق فقط دون أداء واجباتهم الاجتماعية. فالعامل له حق الأجر العادل وعليه واجب أداء العمل، والفلاح له حق الأجر العادل وعليه الإنتاج ، والفقيه له حق الفتوى وعليه طلب العلم وممارسة الاجتهاد ، والولي العام له حق الطاعة وعليه مسؤولية الإدارة الاجتماعية. وهكذا الأمر بالنسبة لجميع المكلفين. ويُستثنى من ذلك القاصر والعاجز والمضطرب عقلياً ونحوها من الاستثناءات التي فصّلتها المتون الفقهية. 5-العلاقات الإنسانية في النظرية: إن العلاقة الفقهية بين الأشخاص مثل علاقة السيد بالعبد ، والوكيل بالموكِّل ، والجاني بالمجني عليه ، والبائع بالمشتري ، تبلور أسس النظام الاجتماعي والعلاقات الاجتماعية فيه. وكذلك العلاقات القانونية أو الشرعية في العقود ، والإيقاعات ، والملكية ، فإنها تعتبر حجر الزاوية في البناء الاجتماعي. وتلك كليات تناقشها الشريعة على الصعيد النظري ، أما التفاصيل فإنها تحال إلى تصميم النظام وصياغة القانون. المنهج العلمي في النظرية: يرجع المنهج العلمي في تحديد شكل النظرية التي نطمح لصياغتها في المعارف الاجتماعية، إلى طبيعة المعلومات الشرعية والعقلية المتراكمة لدينا. فلابد من اكتشاف الحقائق الخاصة بالحكم الشرعي، وبالإنسان المكلّف، وبالعلاقة الاجتماعية، وبالنظام السياسي والاجتماعي قبل أن نشرع في صياغة النظرية. والأصل في ذلك أن يكون لدينا دليل شرعي أو عقلي على صحة ما نزعم أنه صحيح أو ملزم دينياً. إننا نؤكد الفينة بعد الأخرى ضرورة وجود ميزان شرعي لا يبخس قيمة الدليل العقلي يقودنا إلى التفتيش عن حلول للمشاكل الاجتماعية التي يولّدها التغير الاجتماعي في الزمان والمكان. ونمو النظرية الاجتماعية، وازدهار بحوثها لا يتم ما لم يحصل لون من التوازن بين الدليلين الشرعي والعقلي. وأقصد بالتوازن بين الدليلين أن يكون العقل كاشفاً ومبرزاً للدليل الشرعي. فإن أغلب المشاكل الاجتماعية المعاصرة التي نبحث عن مبرر لأسلمتها تحتاج إلى حلول نعرف عنوانها الشرعي ولكن تفاصيل جزئياتها تدخل تحت عنوان الدليل العقلي . فعنوان النظام السياسي للحكومة الإسلامية اليوم يدخل تحت لواء إدارة الفقيه الجامع للشرائط الذي يخضع للدليل الشرعي، ولكن طبيعة المؤسسات الحكومية التي ينبغي أن يشرف عليها الفقيه من أجل إدارة المجتمع تدخل تحت عنوان الدليل العقلي. وطبيعة العدالة القضائية وحلّ الخصومات تدخل تحت عنوان صلاحيات الفقيه أيضاً ، ولكن قضايا المحاماة والكفالة المالية والنيابة العامة للدولة تدخل تحت عنوان الدليل العقلي. فالمقدمات التي ينبغي تهيئتها من أجل صياغة النظرية تتلخص في ثلاثة عناصر: الأول: الإجتهاد المعمول به في المدرسة الإمامية. الثاني: الفهم العلمي للظواهر والمشاكل الاجتماعية للمجتمع الإسلامي المعاصر. الثالث: استيعاب النظريات العقلية في الإدارة الاجتماعية استيعاباً نقدياً شاملاً. وهذا الجمع لا يعني تمام المطلب ونهاية المطاف. بل إن تلك العناصر مجرد أدوات لصياغة النظرية الاجتماعية التي ينبغي أن ينهض بأعبائها الفقيه المفكر الذي يدرك حجم التغيرات الاجتماعية التي طرأت على المجتمعات. فالفقيه المفكر لديه القابلية على إرجاع الفروع المتبدلة إلى الأصول الثابتة ، بلحاظ اللغة العلمية المُحكمة . والجهد المضني الذي يبذله الفقيه لا يكمن في تشخيص المشكلة الاجتماعية ، بقدر ما يكمن في مطابقة حلول المشكلة الاجتماعية على الإطار الشرعي الخاص بها. وعندها تكون النظرية شرعية وصالحة للاستعمال عبر القوانين المستمدة منها. فتشخيص المشكلة الاجتماعية في أهمية التطبيب والعلاج الصحي وضرورته في مجتمع اليوم مثلاً ممكن وميسور؛ باعتبار أن الإنتاج الاجتماعي مرتبط بالصحة الجسدية للأفراد وعندها ينبغي أن تتوافر المؤسسات الصحية أو الطبية في كل مدينة لعلاج المرضى في المجتمع . ولكن القضية الشاقة التي تتطلب استنباطاً دقيقاً وتدخل في نطاق النظرية هي : هل تصمم المؤسسات الصحية الإسلامية من أجل الخدمة الإنسانية فيكون لكل فرد في المجتمع الحق في العلاج مجاناً ؟ أو تُصمم على أساس المنفعة التجارية بحيث إن المريض الذي لا يملك مالاً لا يحق له التطبيب أو العلاج ؟ والجواب عن ذلك بالدليل الشرعي يتطلب جهداً استثنائياً لفهم الكليات الاجتهادية في المدرسة الإمامية ، وفهم الجانب العلمي للصحة والمرض والإنتاج في المجتمع الإسلامي ، وفهم النظريات العقلية والفلسفية الخاصة بالموضوع واستيعابها. ب-النظام: نقصد بالنظام : الجهاز الذي يدير حاجة من حاجات المجتمع وينظّمها ، وتحكمه النظرية الشرعية ، ويستخدم القانون الشرعي من أجل أداء وظيفته. وتتنوع الأنظمة الاجتماعية حسب الحاجات التي يستشعرها الأفراد. فهناك النظام الحكومي ، والتعليمي ، والقضائي ، والاقتصادي ، والصحي ، والعائلي ، والصناعي ، والزراعي ، والاعلامي ، والدفاعي ، والحقوقي ، والثقافي وغيرها من الأنظمة التي تدير شؤون الإنسان في المجتمع. ولم يرد في النصوص لفظ النظام الفقهي أو النظم الاجتماعية، بل يمكن استخراج قواعدها وأحكامها من الخطابات الشرعية والمباني العقلية. ولا يمكن تحديد طبيعة تلك النظم ولا تحديد وظائفها ما لم يتم تشكيل نظرية فكرية شرعية بكل نظام. والقاعدة التي يقوم عليها النظام هو الطاعة والانقياد من قبل المكلفين . فما لم تكن هناك طاعة من قبل الأفراد ، فإن النظام لن تقوم له قائمة. وما لم تفهم الطاعة بشكل سليم ، فإنها تصبح إكراهاً يخرّب الهدف الذي جاء من أجله النظام. وفي ضوء ذلك ، فإن الفـرد لا يمتثـل للنظام ما لـم يستشعر – واقعاً – أن هناك عدالة في الحقوق والواجبات بين الأفراد ، وأن هناك عدلاً في تطبيق العقوبات تجاه المخالفين للقانون. فإذا تحققت العدالة في المجتمع الإنساني ، فإنّ مفهوم الطاعة يكون أكثر واقعية وأقرب في تطبيقه إلى النفس الإنسانية. وعلّة ذلك أن القانون العادل مرتبط بالفلسفة الأخلاقية التي يبسطها الدين على المجتمع الإنساني . فالدين يؤسس لأنظمة اجتماعية تتناغم مع طبيعة الإنسان وحاجاته الحياتية والروحية. ولا يمكن أن نسمي الكيان الإسلامي (دولة شرعية) ما لم نطبّق أحكام الفقه على كل شؤون ذلك التجمع الذي يجمع المسلمين على أرض واحدة. وهذا يعني أن أحكام الشريعة تحوي مخزوناً أخلاقياً إلزامياً ، يتناغم مع طبيعة الإنسان ، ويفهم حاجاته ورغباته ، ويُلبي حاجات تأسيس الأنظمة الاجتماعية. فالنظام الزراعي مثلاً جهاز يهتم بالإنتاج الزراعي ، والأرض ، والفلاح ، والمياه ، وسياسة التسويق والتسعير ، والآلة الحديثة في الحرث والإنبات والإسقاء والحصاد. ومن الطبيعي فإن فعالية النظام الزراعي مرتبطة بالأصل بالنظام السياسي والاجتماعي ؛ لأن النقص الفادح في الإنتاج الزراعي يترك تأثيراته السلبية على النظام السياسي وفلسفته في إشباع حاجات الناس. ولكن النظرية الزراعية تتناول كليات ملكية الأرض ، وعدالة أجور العامل الزراعي أو الفلاح ، وإباحة استخدام الموارد المائية ونحوها. والنظام القضائي جهاز يهتم بالتسلط على الحق المسلوب من قبل الظالم وإرجاعه إلى المظلوم ، ويهتم بردع الأفراد من انتهاك حقوق أقرانهم ضمن نطاق الجماعة، ويهتم بالنظر للأفراد من زاوية الفوارق الحقوقية أو الجزائية بين الجناة والمجني عليهم. ولكن النظرية القضائية تتناول كليات العدالة القضائية بين الأفراد، وقواعد القضاء ، وأصول الإثبات. والنظام التعليمي جهاز يهتم بنقل الثقافة والمعتقدات والأفكار من الجيل السابق إلى الجيل اللاحق عبر المدارس والمؤسسات العلمية ، ويهتم بنشر الثقافة الأخلاقية التي توحّد طموحات المجتمع الديني وتبلور أهدافه ، ويهتم بتطوير شخصيات الأفراد من أجل تأهيلهم للعمل التخصصي ، ويهتم أيضاً بتعليم الأفراد معاني الطاعة للخالق عزّ وجلّ ولولي الأمر المتجسد بالدولة الشرعية. ولكن النظرية التعليمية تتناول كليات (تكافؤ الفرص) التعليمية لجميع الأفراد دون تمييز على أساس الأصول العرقية أو الطبقات الاجتماعية. وتتناول أيضاً مسؤولية ولي أمر الأمة في تعليم القاصرين في سن الطفولة ، من باب تهيئة مقدمات بناء الدولة الشرعية. ومجموع الأنظمة الاجتماعية ، كالنظام السياسي والقضائي والتعليمي والاعلامي ونحوها ، تشكل الدولة. فالأنظمة الإجتماعية بمجملها ترعى مصالح الأفراد وتحمي أموالهم وأعراضهم وأنفسهم. وفي ضوء ذلك ، فإن للدولة الحق في التدخل لتنظيم الثروات الاجتماعية ، ولها الحق في تنظيم أسعار السلع الإنتاجية ، ولها الحق في إنزال العقاب بالجناة ، ولها الحق في تحديد الأرباح وتنظيم الأجور، ولها الحق في تهذيب أخلاقية الناس عبر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهذه الوظائف التي تقوم بها الدولة تقع كلها تحت عنوان حفظ أرواح الناس وأموالهم وأعراضهم. إن الدولة الشرعية إنما أنشئت من أجل خدمة الإنسان في الحياة الدنيوية ، وتسهيل أمور الناس في التعايش الاجتماعي وعدم الاصطدام عندما تتزاحم حقوقهم وواجباتهم . وطاعة الدولة الشرعية تدخل ضمن إطار حفظ الحقوق وتنظيم الواجبات ، وبضمنها الحقوق الإجتماعية في الأجر والسكن والمعيشة وبقية الحاجات الإنسانية ، والحقوق التعبدية في طاعة الخالق عزّ وجلّ. ج-القانون: يعبـّر القانون عن ترجمة النظرية إلى لائحة إجرائية قابلة للتنفيذ عبـر: اعمل هذا ، ولا تعمل ذاك. بمعنى أن القانون الشرعي يشتمل على أوامر ونواهٍ إلزامية على الصعيد الاجتماعي. ولاشك أن هناك فرقاً بين القانون والنظرية ، حتى على صعيد العلوم التطبيقية. فقانون (مندل) للوراثة يختلف عن النظرية النسبية، لا باعتبارهما يبحثان في موضوعين مختلفين فحسب ، بل إن الضوابط التي تحكم القانون تختلف عن الضوابط التي تحكم النظرية . وكذلك الأمر بالنسبة للمعارف الاجتماعية. فالقانون هو لائحة بالأوامر والنواهي موجهة للفرد ، خاص بالتجارب الاجتماعية بما هي تجارب يمكن رؤيتها وملاحظتها ملاحظة حسية ؛ بينما تعبـّر النظرية عن مجموعة أفكار حدسية تحليلية . فالقانون إذن له علاقة بالتجربة الاجتماعية ، بينما لا تمتلك النظرية غير الحدس والفكر والتحليل والتنظير. ولكن القانون لا ينـزل إلى الساحة الاجتماعية التطبيقية ما لم تكن هناك نظرية تدعمه. فقانون العقوبات الإسلامي في القصاص والقطع والجلد والرجم والتعزير لم يكن ليطبّق لولا وجود نظرية دينية بمعاقبة الجناة مصدرها القرآن الكريم. قال تعالى: (ولَكُمْ في القِصَاصِ حياةٌ يا أوُلي الألبابِ لعلّكُمْ تتقونَ)[3] ، (وكتَبْنا علَيهِمْ فيها أنَّ النّفسَ بالنّفسِ والعينَ بالعينِ والأنفَ بالأنفِ والأذُنَ بالأذُنِ والسِّنَ بالسِّنِ والجُرُوحَ قِصَاصٌ...)[4] ، (والسارِقُ والسارِقةُ فاقطَعُوا أيدِيَهُما جزآءً بما كسَبَا...) [5] ، (الزّانيةُ والزّاني فاجلِدُوا كُلَّ واحدٍ مِنْهُمَا مائةَ جلدةٍ...)[6] . والكثير من الروايات المستفادة من السنّة الشريفة للنبي (ص) وأهل بيته الأطهار (ع). ولو قدّر لنا أن نقارن القانون بالنظرية ، لقلنا بأن الحقيقة في النظرية أكثر ثراءً وغنىً منه في القانون. فالنظرية تملك أفكاراً أعم وأشمل وأوسع مما يحتويه القانون من تجارب ، بل إن القانون غالباً ما يعبـّر عن حقيقة واحدة ، بينما تعبـّر النظرية عن حقائق متعددة مترابطة فيما بينها. ولذلك ، فإن النظريات تعتبر أعلى من القوانين في السلّم العلمي ، لأن النظريات واسعة في التحليل والفكر والتطور والإبداع ، بينما تكون القوانين محدودة بحدود تطبيقاتها. ومن أجل فهم روح القانون ، لابد من وضع المؤشرات التالية: 1- إن الضابطة الشرعية التي نستلهمها من أحكام الشريعة هي أن القانون إذا لم يكن عادلاً ، فإنه لن يكون شرعياً ؛ لأن القانون الظالم لا يولّد إلزاماً ذاتياً عند الإنسان ، بل قد يُنتهك أحد أهم مباني الشريعة في الحقوق وهي العدالة الاجتماعية والحقوقية بين الأفراد. 2- إن القانون الشرعي يجب أن ننظر إليه ككيان مستقلّ عن بقية الكيانات الاجتماعية كالأعراف، والثقافة، والعادات، والتقاليد. فإذا كان العرف الاجتماعي يشجع الناس على الكرم مثلاً ، فهذا لا يعني أننا يجب أن نمحو الغرامة المالية في (الديات والتعزيرات) عن المخالفات القانونية أو الانحرافات الشرعية بدعوى الكرم. وإذا كانت الثقافة الاجتماعية تدعو إلى التسامح وغض النظر عن بعض المخالفات الاجتماعية ، فهذا لا يعني أننا نتسامح في تطبيق القانون فنعفو عن الغني وننهك الفقير عقوبة. وإذا كان المجتمع منغمراً في البناء والتصنيع ، فهذا لا يعني أننا نترك الصلاة الواجبة بدعوى تعارضها مع أوقات العمل. فالقانون الشرعي له شخصية حقيقية واقعية مستقلّة عن التأثيرات غير الدينية ، بل مستقلّة عن بعض الأعراف والقواعد الاجتماعية. الفارق بين النظرية الاجتماعية وعلم الاجتماع: تعبـّر (النظرية الاجتماعية) عن الأفكار المتضافرة المترابطة في تنظيم شؤون المجتمع. فالنظرية الاجتماعية الدينية تستلهم من مبادئ الدين وأحكامه الشرعية أفكارها ومبادئها ؛ بينما تستلهم النظرية الاجتماعية العلمانية مبادئها من الأفكار الفلسفية. وعلى أي تقدير، فإن النظرية بمعناها المطلق تنظر إلى طرفين من أطراف الرداء الاجتماعي هما: المجتمع الإنساني ، والسلوك الاجتماعي للأفراد. ولكن (علم الاجتماع) يمثّل الطريقة العلمية التجريبية للتحري والتنقيب في المجتمع البشري. فعلماء الاجتماع يعملون من أجل البحث عن فهم للأشياء التي تحصل في المجتمع ويحاولون تقديم جوابٍ شافٍ للتساؤل القائل: لماذا تحصل مثل تلك الحوادث ؟ وثقتنا بدقة معلومات عالم الاجتماع حول تحليل الأحداث في مجتمعنا تنبع من قدرته على ربط العلّة بالمعلول في السلوك الاجتماعي ، وعلى قدرته أيضاً في اكتشاف الحقائق الاجتماعية والحكم عليها بدون تحيـز. أما النظرية الاجتماعية فهي تتكفل وضع المؤشرات الدقيقة للموازين الاجتماعية الشرعية ، وتتكفل بالإجابة النظرية عن تساؤلات ملحّة مثل : لماذا يركن الأفراد إلى تشكيل العوائل ؟ وما هي المبـرّرات الشرعية والعقلية للنفقة والقيمومة والولاية على الأسرة ؟ وما هي المبـرّرات الشرعية لتوحيد الطبقات الاجتماعية ؟ ولماذا يثرى بعض الأفراد ويحكم ويعيش بعضهم الآخر حياة الفقر والذل والخضوع ؟ ولماذا ينحرف بعض الأفراد عن القوانين والأحكام الاجتماعية بينما يطيع غيرهم تلك القوانين والأحكام ؟ ولماذا تتحارب الشعوب والمجاميع الإنسانية بعضها ضد بعض ؟ ولماذا تتوحد بعض المجتمعات تحت راية واحدة وقائد واحد وتتفكك أخرى إلى مجاميع متناحرة يقاتل بعضها بعضاً ؟ وتلك الأسئلة تعالجها النظرية الاجتماعية بدقة ووضوح عبـر أطروحتها الشرعية والفكرية والفلسفية. وبناء النظرية الاجتماعية عملية معقدة جداً ؛ لأننا ننظر للمجتمع الذي نعيش فيه من زوايا مختلفة. فالعالَم الخارجي من حولنا لا يكوّن في أذهاننا – كأفراد – حقيقة واحدة متساوية الأبعاد والأطراف. فكلٌ منا ينظر إلى العالَم من زاوية تفكيره الخاص. فالجوهرة التي أمامنا في حانوت المجوهرات قد تبدو لنا ببساطة على أنها مجرد جوهرة ، إلاّ أن نظرات الأفراد وتفسيرها لها تختلف من شخص لآخر. فالفنان ينظر إليها من زاوية فن الجمال والإبداع ، واللص ينظر إليها من زاوية قدرته على سرقتها ، وتاجر المجوهرات ينظر إليها من زاوية قيمتها التجارية في السوق، وهكذا. وكلّ فرد من هؤلاء ينظر إلى ذلك الحجر الكريم من زاوية بعده الشخصي ويبني على ذلك نتائج وآثاراً خاصة به. إلاّ أننا إذا استبدلنا الحجر الكريم في مثالنا السابق بالمجتمع ، فإننا سوف نرى أن كلاًّ من الفيلسوف ، والأديب ، ورجل السياسة ، ورجل الاجتماع ينظر إلى المجتمع من زاوية اهتماماته الفنية. فنظرة الفيلسوف تنحصر مثلاً في المقدمات والنتائج والعلّة والمعلول ، ونظرة الأديب تنحصر في الوصف اللغوي، ونظرة السياسي تنحصر في فكرة (من الذي يحكم من ولماذا ؟ ) ، ونظرة عالم الاجتماع تنحصر في تحليل السلوك الاجتماعي وتأثيره في المجتمع الإنساني. ولكن النظرية الاجتماعية تتقدم كل تلك الإهتمامات بدرجة، وتتميـز عنها بكونها تنظر للمجتمع بلحاظ النظرة الكلية الشمولية. فهذه النظرية تدعونا إلى رؤية ما يحيط بنا من أشياء تخصّ المجتمع كما لو كانت تلك الرؤية تحصل للمرة الأولى في حياتنا . فنحن ورثنا ما نراه من تقاليد ونشاطات اجتماعية ، ولا نستطيع أن نُنشئ نظرية اجتماعية تلائم مجتمعنا ما لم نتجرد عن النظرة التقليدية ونرتفع إلى مستوى النظرة الشمولية التي تشجعنا على رؤية خصائص المجتمع الإنساني وتفسيرها في ضوء تلك النظرة الجديدة. فالنظرية الاجتماعية تفتح لنا أبواب العالَم لننظر إلى الأغنياء والفقراء ، والأقوياء والضعفاء، والساسة والمحكومين ، والأطباء والمرضى ، والقضاة والخارجين عن القانون ، وبعدها تضع لنا الحقيقة الاجتماعية التي تستطيع أن تضبط سلوك كل هؤلاء الأفراد وتحددهم ضمن المعالم الأخلاقية التي تحملها إلينا. ولاشك أن الذي نحتاجه في البداية من أجل بناء المجتمع في دولة إسلامية هو نظرية إسلامية في كل حقل من حقول الإدارة الاجتماعية . ثم نحاول أن يكون النظام الاجتماعي منطبقاً على أسس النظرية الدينية عبـر القوانين الإلزامية الشرعية التي نستحدثها. ثم يأتي علم الاجتماع – بضوابطه الدينية – من أجل دراسة الظواهر الاجتماعية في المجتمع الديني. فإذا صممت النظرية الاجتماعية الدينية موضوع الأسرة، وأصبحت لنا نظرية عائلية تهتم بالزواج والقيمومة والنفقة والوصية والإرث والطلاق، يكون دور علم الاجتماع دراسة طبيعة تلك القيمومة ومقدار تلك النفقة في المجتمع القروي مثلاً ، وطبيعة الزواج والطلاق عند المواطنين في المدن ، وتأثير الوصية والإرث على الفقراء. ومن حصيلة تلك المعلومات الحقلية نستخرج نظرة – لا نظرية – حول طبيعة مجتمعنا ومقدار الجهد الذي ينبغي بذله من أجل تصحيح وضعنا الديني أو الأخلاقي أو الاقتصادي. فإذا كانت النظرية الاجتماعية تضع الموازين الشرعية للطلاق على الصعيد النظري. فإن علم الاجتماع يقوم بجمع الإحصاءات الخاصة بالطلاق ، ومعرفة أسباب ارتفاع نسبة الطلاق في مجتمع دون غيره، والخروج – بعدها – بقاعدة علمية يمكن تطبيقها على حالات متعددة. ولنفترض أن تلك القاعدة تفصح عن أن أحد أسباب ارتفاع نسبة الطلاق هو الفقر وتدني المستوى المعيشي للأفراد في ذلك المجتمع. فيكون علم الاجتماع – عندها – مؤشراً علمياً لتشخيص حالات الضعف والقوة على الصعيد النظري ، أو مؤشراً عملياً على حُسن تطبيق النظرية الاجتماعية نفسها. وهنا لا يبقى مجال للبحث عن (إسلامية المعرفة) قبل أن نكتشف جوهر النظرية الدينية التي نؤمن بها ، وطبيعة مجتمعنا الذي نحاول تطبيق تلك النظرية على شؤونه العملية. علم الاجتماع في خدمة النظرية الاجتماعية: إن ظاهرة الاقتباس في دوافعنا العلمية جعلتنا نتسرع في محاولة بناء علم اجتماع إسلامي قبل بناء نظرية اجتماعية سابقة عليه. وإذا استطعنا لوي عنق الحقائق الخارجية عبـر الإصرار على هذا الخلل المبنائي ، فإننا سوف ننسف كل محاولات (أسلمة العلوم) من الداخل. والعلّة في ذلك واضحة ، فإننا نقوم بإنبات أشجارنا الفتية في صحراء قاحلة لا تحلم بقطرة واحدة من قطرات الربيع الصافية. ومنشأ الخلل أن الاضطراب الغربي في التمييز بين النظرية الاجتماعية وعلم الاجتماع كان قد انعكس على بعض مثقفينا الذين تمسكوا بأسلمة العلوم أولاً. فجاءت الدعوة إلى أسلمة علم الاجتماع مثلاً قبل صياغة النظرية الاجتماعية الدينية ، في حين أن (علم الاجتماع) ينبغي أن يكون في خدمة (النظرية الاجتماعية) ، ولنشرح ذلك بشيء من التفصيل . فقد برز (علم الاجتماع) في أوروبا في المراحل الأولى للثورة الصناعية في محاولة لفهم التحولات الاجتماعية خلال التصنيع والاكتشاف التي باتت تهدد استقرار المجتمعات الغربية وثباتها[7]. ولم يشأ علماء الاجتماع الأوائل في الغرب أمثال (أوغست كونت) ، و(هربرت سبنسر) ، و(كارل ماركس) ، و(إميلي ديركهايم) ، و(ماكس وبر) ؛ والعلماء المتأخرون أمثال (تالكوت بارسنـز) ، و(سي رايت ميلز) ، و(روبرت ميرتون) ، و(بيتر بيركر) أن يصبّوا جلّ اهتمامهم على دراسة القوى التي تمسك النظام الاجتماعي وتوحّده ، دراسة تجريبية . ولكنهم لم يلتفتوا إلى دراسة النظرية الاجتماعية ، حيث ترك ذلك للفلاسفة والحكماء. ومن هنا جاء الخلل المبنائي في (أسلمة العلوم). فقد اقُتبست فكرة (علم الاجتماع) دون النظر إلى مراحل تطورها ، ودون النظر إلى الخصوصيات التي تُشكّل للشعوب ثقافتها الدينية والاجتماعية . فعالِم الاجتماع مثلاً يجمع المعلومات الخاصة بالمشكلة الاجتماعية ويحللها. وفي ضوء ذلك التحليل يخرج باستنتاجاته العلمية التي تساعدنا على تصحيح تلك المشاكل الاجتماعية أو حلّها. أي إن (علم الاجتماع) ينبغي أن يكون دائماً في خدمة النظرية الاجتماعية لا العكس. فعلم الاجتماع يعدّ مؤشراً على فهم طبيعة المشكلة الاجتماعية. وقد ثبتنا ذلك في الصفحات القليلة الماضية. فعلم الاجتماع إذن آلة من آلات النظرية الاجتماعية. ولكنه كعلم يمتاز بنواقص ومتغيرات عديدة كما هو الحال في بقية العلوم التجريبية . ولذلك فإننا – ومن وجهة نظر الرسالة الدينية – لا نستطيع أن نستقرئ نظرية اجتماعية من مفردات علم الاجتماع وتطبيقاته ، بل لابد أن تكون تلك النظرية الاجتماعية جزءً لا يتجزء من رسالة الوحي. فكيف نستطيع إذن ولوج باب أسلمة العلوم الاجتماعية، ولم نطرق بعد باب النظرية الاجتماعية الدينية ؟ لاشك أننا إذا استوعبنا الفكرة القائلة بأن علم الاجتماع آلة من آلات النظرية الاجتماعية ، فإن منهجنا المعرفي سيكون أكثر وضوحاً وأكثر دقّة من ذي قبل. 3- مناهج العملية المعرفية إن تباين جوهر المعارف الاجتماعية واختلاف أهدافها يقتضي تباين المناهج التي تتم فيها العملية المعرفية ؛ لذلك فإننا سوف نقوم بفحص المناهج المعرفية التي يمكن أن نستخدمها في بناء النظرية والنظام والقانون. ومن تلك المناهج : المنهج الاستقرائي ، والاستدلالي ، والعلية ، والقطع والاحتمالية، والنص والدلالات. أ-المنهج الاستقرائي: يقوم المنهج الاستقرائي على (تصفح الجزئيات وتتبعها لإثبات حكم كلي)[8]. أي إنه استدلال تكون فيه النتيجة أكبر من المقدمات المشتركة في تكوين ذلك الاستدلال. ويمثَّل له بتمدد قطع الحديد بالحرارة في أماكن مختلفة من الأرض ، فتمدد قطعة من الحديد في شرق الأرض ، وتمدد قطعة أخرى في غربها ، وثالثة في الوسط يوصلنا إلى نتيجة استقرائية وهي تمدد الحديد بالحرارة على وجه سطح الأرض. وتلك النتيجة أكبر من المقدمات المستخدمة في الاستقراء. وهنا سار الدليل الاستقرائي من مرحلة الخاص إلى مرحلة العام. والمنهج الاستقرائي في المعارف الاجتماعية يقوم على أساس قراءة المصاديق والحالات الجزئية واستخراج قاعدة كلية على ضوئها. وهذا المنهج يناسب بحوث العلوم الإنسانية كعلم الاجتماع والاقتصاد والسياسة والتعليم والقضاء وغيرها ؛ لأن العلم التجريبي الإنساني يستقرئ حالات اجتماعية متعددة ليخرج بعدها بقاعدة كلية لا تقبل الخطأ. فعلم الاجتماع يستطيع استقراء حالات الفقر والفاقة والعوز لدى الأفراد ليخرج بعدها بنتيجة مفادها عدم عدالة نظام الأجور. مثلاً : إذا افترضنا أن أجرة عامل الميكانيك ضئيلة جداً وعلى أثرها أصبح العامل فقيراً ، وأن أجرة عامل الخدمات لا تكاد تكفي إشباع الأطفال في عائلته ، وأن أجرة العامل الزراعي ضئيلة إلى درجة أنه لا يستطيع أن يشتري ثياباً له ولزوجته ، كانت النتيجة أن الفرد الذي يكون أجره ضئيلاً يدخل طبقة الفقراء. وهذه الطريقة الاستقرائية رفعت الاستنتاج من الخاص إلى العام. ولاشك أن النقاش الفلسفي الجاد حول عقم الدليل الاستقرائي خارج عن نطاقنا هنا[9]. لكننا لا نتعامل في حقل الدليل الاستقرائي مع النظريات الثابتة ، بل نستطيع استخدام الدليل الاستقرائي في العلوم الإنسانية التجريبية المتغيرة أو المتطورة. وهذه النقطة بالغة الحساسية ، لأن استخدام المنهج الاستقرائي في النظرية الاجتماعية الدينية مثلاً يخرب مباني تلك النظرية ويبعدنا عن مفاهيم الدين الثابتة التي لا تقبل المنهج التجريبي المتغير. ب-المنهج الاستدلالي أو الاستنباطي: ويقوم هذا المنهج على أساس أن النتيجة أصغر من المقدمات التي تكوّن منها ذلك الاستدلال ، أو على الأقل أن النتيجة مساوية لمقدماتها. فنقول مثلاً : علي إنسان ، وكل إنسان يموت ، فعليّ يموت. وهذه النتيجة الاستنباطية وهي أن (علياً يموت) أصغر من مقدماتها ، لأنها تختص بفرد من أفراد الإنسان وهو علي. وهنا سار الدليل الاستنباطي من مرحلة العام إلى مرحلة الخاص ، أو من الكلي إلى المصداق ، أو من المبدأ العام إلى التطبيق الخاص. وهذه الطريقة يطلق عليها اسم القياس الأرسطي أيضاً. والمنهج الاستنباطي يستند على مبدأ عدم التناقض ، لأن النتيجة تكون دائماً مساوية لمقدماتها أو أصغر منها. فمن الضروري أن تكون النتيجة صادقة إذا صدقت المقدمات. إن المنهج الاستدلالي ينفعنا في بناء النظرية في المعارف الاجتماعية، لأن الأصل في النظرية هو الكليات أو المقدمات الكبيرة التي تكوّن لون الاستدلال وتشخّصه . ولا نقصد بذلك القياس الذي حرّمه أئمة أهل البيت (عليهم السلام). بل هناك قواعد كلية نستفيدها في بناء النظرية مثل : قاعدة (نفي الضرر) التي نهت عن الإضرار بالغير، وقاعدة (الضمان) في الأحكام الوضعية ، وقاعدة (تسلط الناس على أموالهم) وغيرها من القواعد التي تبحث في حقوق الأفراد وواجباتهم. فإن في تلك القواعد كليات يستفاد منها في الاستدلال ، لا في القياس الذي نهت عنه الشريعة. ج-منهج العلّية : إن منهج العلّية يكشف عن أن الطبيعة الكونية والاجتماعية تمضي على نهج واحد. فإذا أثبتنا علاقة السببية والضرورة بين (أ) و(ب)، فلابد أن نعترف بأن هناك سنخية بين العلّة والمعلول. أي إننا نستنتج أن (ع) التي هي علّة (غ) تمضي وتعمل على نهج واحد دائماً. فإذا أحضرنا (ع) فإن (غ) تحضر على أثرها. يقول ابن سينا في كتاب (الشفاء) : (...إنه لما تحقق أن السقمونيا يعرض له إسهال الصفراء، وتبين ذلك على سبيل التكرار الكثير ، علم أن ليس ذلك اتفاقاً ، فإن الاتفاقي لا يكون دائماً ولا أكثرياً. فعلم أن ذلك شيء يوجبه السقمونيا طبعاً إذ لا يصح أن يكون عنه اختياراً...)[10].وهذا التفكير يرجع إلى فهم أصل العلّية التي تقول: بأن اقتران العلّة والمعلول دائمي بالضرورة ، لذا فكل اقتران غير دائمي ليس علّياً. فهنا لابد من تحقيق هذا الأصل ومعرفة انطباقه على العلوم الاجتماعية. فهل نستطيع أن نضع بعض الاقترانات غير الدائمية (الأكثرية) في مستوى الاقترانات العلّية ؟ هذا البحث يحتاج إلى دراسة فلسفية في موارد العلم الإجمالي خارجة عن نطاق هذا الكتاب. ولكن العلية ، بصورتها المطلقة ، لها دور أساس في عمل العلوم الإنسانية خصوصاً علم الاجتماع والاقتصاد والنفس. ولاشك أن قانون العلّية العام يمكن تطبيقه على العلوم الاجتماعية ونخص بالذكر علم الاجتماع. فالكليات الاجتماعية تخضع لقانون العلّية العام. مثال ذلك انعدام العدالة في توزيع الثروة الاجتماعية يسبب انتقال الثروة إلى طبقة معينة بذاتها وحرمانها في طبقة أخرى، وتلك العملية تقود الأفراد نحو الفقر والظلم الاجتماعي. فالعلّة هنا عدم توزيع الثروة الاجتماعية بالعدل والإنصاف ، والمعلول : الفقير أو كل من اتصف بصفة الفقراء والمظلومين . وتلك كلية مطلقة نراها في جميع المجتمعات الإنسانية تقريباً وفي كل عصر ومصر. أما الكليات المحدودة فهي التي لا تخضع لقانون العلّية ، بل إن أسبابها مؤقتة ومشروطة . ومثال ذلك أن حرية المرأة في العمل خارج بيت الزوجية ، يؤدي أحياناً إلى صراع بين الزوج والزوجة ينتهي بهما إلى الطلاق. وهذه القاعدة ، وإن كانت كلية إلاّ أنها محدودة بالظروف الموضوعية التي يعيشها المجتمع. فحرية النساء في العمل في بعض المجتمعات لا تؤدي إلى ذلك ، بل قد تساعد الزوج على تثبيت أركان الضمان الاجتماعي لأسرته. د-بين منهج القطع ومنهج الاحتمالات: إن القطع يعني اليقين ، واليقين قد يتم دفعة واحدة ، أو قد تتجمع ذرات الشكوك والشبهات تحت شروط خاصة لتصنع يقيناً قائماً على أساس القرائن الموضوعية. وعلى أي تقدير فإن القطع هو الذي يوصل الإنسان إلى الاطمئنان بالأمن من العذاب الإلهي. والقطع يوصلنا أيضاً إلى شاطئ الاطمئنان بأن ما نقوم به من استدلالات أو استقراءات أو تحليل ذهني في بناء النظرية الاجتماعية سوف يؤمّننا من العذاب والعقوبة الإلهية. ومن هذا المنطلق فقد حُددت القواعد الأساسية لمعرفة الوظيفة الشرعية للمكلف – في علم الأصول – على ضوء القطع الذي يكشف الواقع كشفاً تاماً ، والظن المعتبـر باعتباره احتمالاً راجحاً على نقيضه ، والشك الذي عولج بالأصول الأربعة (البراءة ، والتخيير، والاحتياط ، والاستصحاب) أو بالقواعد الأصولية الفرعية كقاعدة الفراغ والتجاوز وقاعدة أصالة صحة فعل المسلم ونحوها. ومن الطبيعي فإن منهج العملية المعرفية في صياغة نظرية فقهية في العلوم الاجتماعية ينبغي أن يأخذ بالنقاط التالية: 1- إن القطع يوصل المكلّف إلى الاطمئنان على أن ما يقوم به من تكاليف يطابق الحقيقة الشرعية. فاليقين الموضوعي المبـرَّر هو الذي يقوم على أساس القرائن والشواهد الموضوعية. وذلك النوع من اليقين – وهو غير اليقين الذاتي الذي يخطر في الذهن ويقطع به – هو الذي يوصلنا إلى اكتشاف الحقائق الموضوعية الخاصة بالنظريات والعلوم الاجتماعية. 2- إن الظن المعتبـر ، باعتباره احتمالاً راجحاً على نقيضه ، قد عالج مشكلة الانسداد. 3- إن الشك الذي يعبـّر عن الجهل بالحكم الشرعي قد عولج بالأصول الأربعة وغيرها من الأصول. ولاشك أن المسافة الزمنية التي فصلتنا عن عصر النص تحتاج إلى تقسيم فلسفي أصولي من هذا القبيل ، لأن كثيراً من المشاكل الموضوعية الجديدة التي شكّلت في أذهاننا ظنّاً معتبراً أو شكاً قد برزت بسبب تغير الزمان والمكان ، وتغير المناهج العلمية التي استخدمها الإنسان في تأريخه الطويل. أما نظرية الاحتمالات فهي تقوم على رأيين: الأول: الكلاسيكي ويتـزعمه (لابلاس) فيقول بأن الاحتمال يقوم على أساس علمنا من جهة ، وعلى أساس جهلنا من جهة أخرى. الثاني: التكراري ، فزعم بأن الاحتمال لا يقوم على أساس الإمكان المنطقي ، بل على أساس الوقوع الخارجي. أي إن المجاميع الخارجية هي التي تشكل الأرضية الواقعية لحساب الاحتمالات. بينما ذهب الشهيد الصدر (رض) إلى ربط الاحتمال بالعلم الإجمالي، فاعتبره عضواً دائماً في مجموعة احتمالات ، وقيمته تساوي ناتج قسمة رقم يقيننا على عدد أعضاء مجموعة العلم الإجمالي[11]. وعلى أي تقدير ، فإن ما ينفعنا في نظرية الاحتمالات هو صحة تطبيقها في النظرية الاجتماعية عندما تتوقف الطرق العلمية لاكتشاف الحقائق. ولاشك أننا نستطيع تطبيق نظرية الاحتمالات ، لو كان الاحتمال المراد انتقاؤه راجحاً على بقية الاحتمالات بالقرائن الموضوعية. أما إذا كان يقوم على أساس علمنا من جهة ، وعلى أساس جهلنا من جهة أخرى بنسبة متساوية ولا سبيل للرجحان فإن ذلك لا يحقق لنا قطعاً أو يقيناً في صحة استنباطنا. هـ -النص والدلالات: تمثل النصوص الدينية واجهة علمية للحوار والتفسير والتأويل والكشف بين الفقيه والمادة النصية. فللنصوص الشرعية مداليل اجتماعية وتعبدية بحاجة إلى كشف من قبل الفقيه. وقد ورد عن أمير المؤمنين (ع) قوله: (هذا القرآن إنما هو خط مستور بين الدفتين لا ينطق بلسان. ولابد له من تَرجُمان. وإنما ينطق عنه الرجال)[12]. وفي شرحه قيل : إن التـَرجُمان مفسر اللغة بلسان آخر[13]. وفي مناسبة أخرى قال (ع) لابن عباس حينما بعثه لمحاججة الخوارج ومجادلتهم : (لا تخاصمهم بالقرآن ، فإن القرآن حمال ذو وجوه ، تقول ويقولون، ولكن حاججهم بالسنّة ، فإنهم لن يجدوا عنها محيصاً)[14]. ووجه الدلالة أن السنّة الشريفة اقرب إلى الحمل على وجه واحد من القرآن المجيد . وبلغة علمية، فإن السنّة الشريفة أقرب إلى الظهور اللفظي في تحديد المصاديق ، بينما يتعامل النص القرآني مع الكليات التي يحملها الناس على وجوه مختلفة. وقد أشار عز وجل إلى ذلك بالقول: (هو الذّي أنزلَ عليكَ الكتابَ منهُ آياتٌ مُحكماتٌ هُنَّ أمُّ الكتابِ وأُخَرُ متشابهاتٌ فأمّا الذينَ في قلُوبِهْم زيغٌ فيتّبِعُونَ ما تشَابهَ منهُ ابتِغاءَ الفتنةِ وابتغاءَ تأويلهِ وما يعلَمُ تأويلَهُ إلاّ اللهُ والراسخونَ في العلمِ يقولونَ آمنّا بهِ كُلٌّ مِن عندِ ربّنا وما يذّكرُ إلاّ أولوا الألبابِ)[15]. ومن هنا نفهم أن الإدراك المعمق للمدلول الاجتماعي للنصوص الشرعية ، وملاحظة مناسبات الحكم والموضوع ، تساهم بطريقة من الطرق في فهم الدليل الشرعي. فالفقيه يحتاج إلى أدوات من أجل التعامل مع النصوص وفهم مداليلها الإلزامية الاجتماعية. وليس لنا من ساحة للاستنباط الشرعي في المعارف الاجتماعية غير ساحة النصوص المسنَدة الصحيحة ، حيث تعارف القوم على الأخذ منها واستلهام معانيها العظيمة. خاتمة: بعد أن تناولنا دور الدين والحوزة في صياغة الإطار المعرفي للعلوم الاجتماعية ، وبعد أن طرقنا أبواب النظرية والنظام والقانون ومناهج العملية المعرفية ، لابد لنا من وقفة مهمة مع هدف القضية المعرفية. فإن في محاولة قراءة (الوحي) و(الكون) من قبل فقهاء الأمة معنى استفراغ وسع جدي لفهم وظيفة المكلف الشرعية على النطاقين الاجتماعي والشخصي. وما لم يكن المنهج المستخدم في عملية (أسلمة العلوم) منهجاً علمياً دقيقاً يضيف أفكار أهل البيت (ع) الشرعية إلى القرآن المجيد والسنّة الشريفة ، فإننا قد نبني صرحاً من رمال لا يصمد أمام موجة عاتية من موجات المحيط الهائج. (نهاية ص 90)
[1] سورة الزخرف: الآية 32 [2] (أين هو الفكر الإسلامي المعاصر؟) – محمد أركون. لندن : دار الساقي 1993م. ترجمة هاشم صالح. [3] سورة البقرة: الآية 179 [4] سورة المائدة : الآية 45 [5] سورة المائدة: الآية 38 [6] سورة النور: الآية 2 [7] مباني النظرية الاجتماعية في الاسلام للمؤلف. قم: المطبعة العلمية ، 1417هـ . ص 44. [8] حاشية الملا عبد الله على التهذيب ص 195 . قم: سيد الشهداء ، 1404هـ [9] الأسس المنطقية للاستقراء – الشهيد الصدر (رض) .بيروت: دار التعارف ، 1982م [10] (منطق الشفاء – البرهان) – ابن سينا. حققه : أبو العلاء عفيفي. القاهرة: 1956م. ص 95 [11] الأسس المنطقية للاستقراء ص 190- 191 [12] نهج البلاغة – الخطبة 125 [13] شرح نهج البلاغة – ابن أبي الحديد المعتـزلي ج 2 ص 304 [14] نهج البلاغة – الرسائل والكتب. الكتاب 77 [15] سورة آل عمران: الآية 7. |