(ص 1- 36)

 الرسالة العالمية للحوزة العلمية

 

     السيد زهير الاعرجي

 ------------------------------------

 المطبعة: ستارة

الطبعة الأولى 1424هجرية

------------------------------------

 بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة الكتاب

     نبحث في هذا الكتاب الصغير مجموعة من الأفكار الخاصة بدور الفقه والحوزة العلمية على مذهب أهل البيت (ع) على صعيد العالم الواسع. فللحوزة اليوم رسالة عالمية في حقول خطيرة ، هي: النظرية الاجتماعية ، وحوار الحضارات ، وأسلمة المعرفة. والقاسم المشترك في نظريات الحوزة هو انها تضع الخالق عز وجلّ في محور تفكيرها، وتستخدم المعرفة لخدمة الإنسان باعتباره كائناً كريماً يعيش على الأرض مع الجماعة ، وتهتم بدور القطع (دون الظن والشك) في إثبات صلاحية تلك المعرفة.

    والحوزة العلمية الإمامية بطاقاتها الفكرية الهائلة تستطيع رفد العالَم المعاصر بنظرية إجتماعية تتحقق فيها العدالة الدينية والحقوقية، وبفلسفة ومباني عقلية للحوار الموضوعي الهادف بين الحضارات والعقائد ، وببرنامج معرفي واسع يشمل جميع حقول المعرفة الإنسانية.

    وهذا البحث محاولة إجمالية لكتابة (الرسالة العالمية للحوزة العلمية). والله المستعان ، وله الحمد في الأولى والآخرة ، وما توفيقي إلاّ به ، عليه توكلت ، وإليه اُنيب.

 

 

                                      زهير بن السيد طالب الأعرجي

                                              الحوزة العلمية

                                      20 محرام الحرام 1423 هجرية

------------------------------------

 الفصل الأول

 الرسالة العالمية للحوزة العلمية

          إن الوجود المشرق للحوزة العلمية في مذهب أهل البيت (ع) يحمل في طياته ومضات شرعية وفلسفية واجتماعية تتعلق بأفكار الطائفة ومتبنياتها ومبادئها. ولاشك أن كلمة (وجود) ترتبط بقضية فلسفية هي العلّية. فالعلّة في وجود أو نشوء الحوزة إنما برزت من أجل تفقه طائفة من المؤمنين  لمعالجة الجهل بأحكام الدين عند عامّة الناس.

       وعلاقة التفقه بمعالجة الجهل هي علاقة العلّة بالمعلول، ويؤيده قوله تبارك وتعالى في كتابه المجيد: (...فلولا نَفَرَ مِنْ كلِّ فرقةٍ منهم طآئفةٌ ليتفقَّهُوا في الدينِ...)[1] . فمعرفة معاني الدين من قبل الأمة تحتاج إلى عمليات إحالة إلى الخبراء المتفقهين في أحكام الشريعة ومبادئها الأخلاقية . والحوزة العلمية يمكن أن تمثل جسراً معرفياً بين الناس على اختلاف مستويات إدراكهم العقلي وبين المعاني الحقيقية للدين بما فيه من أحكام وعقائد وأخلاق.

     وفي ضوء هذا الفهم لابد أن يكون للحوزة رسالة فكرية وشرعية موجهة للإنسانية جميعاً ، فما هي تلك الرسالة يا ترى؟

    قبل الجواب عن هذا السؤال لابد من مقدمة مختصرة عن أصالة التعليم في الحوزة العلمية ، ثم نطرح الرسالة العالمية للحوزة العلمية عبر أربعة محاور مختصرة.

 مقدمة فرعية

   لاشك أن العلم الديني ينتقل بشكل طبيعي من جيل لآخر عبـر المعاهد العلمية التي ينشئها الجيل السابق للجيل اللاحق. فالإنسان لايستطيع الوصول إلى مرحلة النضج العلمي ما لم تتجمّع لديه كمية كبيـرة من المعلومات العقائدية والحُكمية حول العالم الذي يعيش فيه، والعلاقات التي تتحكم في وضعه ، وموقعه تجاه الأحداث، ومقدار المهارة العملية التي يجب أن يتمتع بها.

   ففي عصر النص قامت الرسالة الإلهية ببناء الأساس لهيكل الأحكام والعقائد الإسلامية. ولكن ذلك البناء التحتي الأساسي كان يحتاج إلى بناء علوي لتفسير الأحكام والعقائد والأخلاق، فبدأت المؤسسة العلمية التي أطلق عليها لقب الحوزة العلمية القيام بوظيفتها الشرعية والثقافية.

     وليس هناك تأريخ محدد لقيام الحوزة ، لكن يعتقد أن القديمينَ : ابن أبي عقيل العماني (المعاصر للشيخ الكليني في مطلع القرن الرابع الهجري ولا نعرف تأريخ وفاته)، وابن الجنيد  (ت 381 هـ)، والشيخ المفيد (ت 413 هـ)، والسيد المرتضى (ت 436 هـ)، ثم الشيخ الطوسي (ت 460هـ)، كانوا قد وضعوا البذرة الأولى لتأسيس الحوزة العلمية الإمامية. وانفرد الشيخ الطوسي (قدس سره) بتأسيس الحوزة النجفية المشرَّفة بمرقد أمير المؤمنين (ع).

   وكان من أهم مهمات الحوزة العلمية هو الحفاظ على روح الطائفة وجسدها إلى مستقبل بعيد غير منظور ، عبـر صيانة مذهب أهل بيت النبوة (ع) والتوسع في أبحاثه النقلية والعقلية بما يتناسب والتكليف الشرعي الذي جاءت به الشريعة للمكلفين.

    وكانت البداية في ذلك ، أن الناس – وهم مكلفون – كانوا يسألون رسول الله (ص) عن أحكام دينهم ، فكان (ص) يجيبهم بما أوحى الله سبحانه له أو كان يحيلهم أحياناً إلى وقت نزول الوحي.

   وعند وفاة رسول الله (ص) بدأ دور أئمة الهدى (ع) - باعتبارهم أحد الثقلين إلى جانب القرآن الكريم – بتفسيـر الشريعة وإحالة التساؤلات إلى سنّة رسول الله (ص) باعتباره المرجعَ في كليات الرسالة الإلهية.

     وعند انتهاء النصّ وبدء الغيبة الكبرى، أصبح الفقهاء  المرجعَ الوحيد لإيصال كليات الرسالة الدينية إلى الناس ، كما يفهم من التوقيع الشريف: (أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا  فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله عليكم ...)[2] .

     وهنا بدأ البحث في توثيق الروايات وتثبيت أسماء الرواة من الرجال ، ومحاولة فهم معاريض الأخبار ، وتفسيـر القرآن الكريم بما فيه من محكم ومتشابه وظاهر وباطن ، ووضع القواعد الكلية التي تحكم المصاديق المتشابهة في الأحكام الفقهية، ووضع الأصول العملية في البراءة والإحتياط والتخييـر والإستصحاب عندما يُفتقد الدليل.

     وكانت تلك الأهداف قد وضعت مسؤولية عظيمة على عاتق الفقهاء. فلم يكن التعليم أو التدريس الهاجس الرئيسي للفقهاء فحسب، بل كان من وظيفتهم أيضاً مواصلة البحث عن كل ما يشخص التكليف الشرعي لدى المكلفين. ولذلك بحث الفقهاء حجية خبـر الواحد ، وحجية الألفاظ ، وحجية الإجماع.

     وكان البحث عن الحجية هو محور أبحاث الشريعة في أصول الفقه، بينما كان البحث عن التوحيد والنبوة والإمامة محور أبحاث الشريعة في أصول الدين.

      وكانت الرغبة بيـن فقهاء الحوزة  العلمية على مدى الألف سنة الماضية، هي إشباعَ طموح – يرقى إلى مستوى التكليف الشرعي – في تطبيق أحكام الدين على الفرد والمجتمع . فلم تكن من طبيعة الدين أن يهتم بالفرد ويهمل الجماعة. بل أهتم الدين بالفرد بنفس إهتمامه بالجماعة والمجتمع الديني. وكان ذلك واضحاً عند فقهاء الإسلام، ولكن الظروف السياسية والاجتماعية القاسية التي مرّت بها الطائفة الشيعية من اضطهاد وظلم لا يُطاق عبـر مئات السنين، رسخ فكرة (الفردية) في الفقه.

    فأصبح الفقه الإمامي يهتم بالفرد أيما اهتمام. وأصبحت عبادات الفرد المقياسَ الذي يُقاس به كمال الشريعة، مع أن الشريعة اهتمت بالفرد والجماعة، واهتمت بالعبادة وتنظيم شؤون الإنسان أيضاًً.

    ولكن ما إن تنفّس فقهاء الإمامية الصعداء بانتصار الثورة الإسلامية المباركة في إيران سنة (1979م) بقيادة الفقيه العظيم الإمام الخميني (قدس سره) ، حتى عاد السؤال يطرح نفسه من جديد: كيف يستطيع الفقهاء إدارة الجماعة أو الدولة إدارة مدنية دينية في ضوء التكاليف الشرعية ؟

    لاشك أن لدى فقهاء مذهب أهل البيت (ع) ثلاثَ قابليات متميزة انفردوا بها عن أقرانهم من المذاهب أو الأديان الأخرى.

    الأولى: القابلية على استنباط الأحكام الشرعية من مصادرها المعروفة.

    الثانية: القابلية على استثمار الدليل العقلي في عالم التحليل استثماراً موفقاً إلى أبعد حدود التوفيق.

    الثالثة: القابلية على ترجمة النظرية الفقهية إلى واقع قانوني عملي ملزِم لجميع الأفراد ، خصوصاً المكلفين منهم.

     وتلك القابليات الهائلة استُمدت من مبادئ الحوزة العلمية الهادفة إلى بناء الفرد والجماعة بناءً إيمانياً شرعياً متيناً. ومن تلك المبادئ (القرآن الكريم والسنّة المطهرة) اُستمدت الأصول في بناء الدولة الشرعية التي تنسجم وظيفتها مع وظيفة  الدين في تنظيم شؤون الإنسان وتعبيده للخالق عزّ وجلّ.

     وطالما كان للحوزة العلمية رسالة عالمية، كان عليها ان تستثمر العلم كوسيلة من وسائل تبليغ تلك الرسالة. ولهذه المؤسسة العلمية فلسفتها في المجتمع. فهي مع كونها مؤسسة تعليمية إرشادية هدفها بث العلم الديني بين الناس ، إلاّ أنها أصبحت على مرّ السنين جامعة للتقنين الشرعي والأخلاقي والمعرفي للدولة والمجتمع الإنساني. ولذلك كانت رسالتها تعبـّر عن رسالة القانون والعدالة والمعرفة والأخلاق والفكر للبشرية بكافة أفرادها ومصاديقها.

    وروح الرسالة الحوزوية يعبـّر عن هدف دنيوي يطمح لتحقيق سعادة المكلّف في تأدية التكاليف الشرعية، وهدف أخروي يطمح لتحقيق سعادة المؤمن في الحياة الآخرة بعد تأدية تكاليفه في الدنيا. وهذا هو المقصود من سعادة الدارين في الروايات الدينية.

    إن وضوح هذه المقدمة المختصرة في أصالة التعليم الديني في الحوزة العلمية، يفتح لنا الباب لإدراك أهداف الحوزة العلمية الإمامية في المجتمع المعاصر. ومن أهم تلك الأهداف هو خلق المجتمع الديني الفاضل القائم على أسس العدالة والتقوى والعلم والمعرفة. ومن أجل رؤية ذلك ، لابد من تقسيم رسالة الحوزة العلمية الإمامية إلى أربعة محاور، الأول: الرسالة الأخلاقية . الثاني: الرسالة المعرفية. الثالث: الرسالة الاجتماعية. الرابع: الرسالة القانونية الشرعية.

 المحور الأول : الرسالة الأخلاقية

    إنّ الدين والأخلاق متلازمان عند الإنسان في الدوافع والمواقف والتطبيقات العملية. فإذا كان الفرد متديناً ، فمعنى ذلك أن دوافعه ومواقفه وممارساته العملية أخلاقية المنشأ. والأخلاق النظرية والعملية تدعوان الإنسان للتمسك بالدين والإلتزام بتعليماته. ولكن الفارق بين الدين والأخلاق هو أن الدين كيان مستقل مرسل من قبل الله عزّ وجلّ للبشر ، بينما ترتكز الأخلاق على مباني العقلاء، وتعتمد على الحكمة والفلسفة. فالأخلاق تابعة وليست مستقلة.

      والتفريق بين الإستقلالية والتبعية هنا مهم للغاية، لأن الاستقلالية في الدين السماوي تعني استقلالية  المصدر وكماله. وبمعنى آخر أن الدين أعلى رتبة من الأخلاق. ولذلك ورد في الأثر عن رسول الله (ص): (إنما بعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق)[3] .

     فالمتدين يكون خلوقاً بالضرورة ولا عكس ، لأن رتبة الدين أعلى من رتبة الأخلاق، ولذلك بُعثَ النبي (ص) لإتمام مكارم الأخلاق. ولولا علو رتبة الدين لما بُعث صلى الله عليه وآله.

     فالأصل في الموضوع أن الذي لا يؤمن بالدين السماوي ولايطبق تعليماته لايصبح سلوكه سلوكاً أخلاقياً ، حتى لو ادعى ذلك. وإن الذي يؤمن بالدين السماوي ويستلهم من معارفه السامية طريقه في الحياة ، يصبح سلوكه دينياً وأخلاقياً في ذات الوقت.

 عناصر الرسالة الأخلاقية:

    ومن هذا  المنطلق نعتقد أن للحوزة العلمية رسالةً أخلاقية تعرضها على العالم . ولاشك أن تلك الرسالة الأخلاقية مستمدَّة من أخلاقية الدين ذاته . وتلك الرسالة تستند على أربعة اعتقادات:

    1- الاعتقاد بكرامة الإنسان ، ويؤيده قوله تعالى: (ولقَدْ كَرَّمْنا بني آدمَ وحملنَاهُم في البـّرِ والبحرِ...)[4] . وهذا الاعتقاد نابعٌ من كون الإنسان أكرم مخلوقات الباري عزّ وجلّ بقوة العقل وقوة الاختيار. فصلاحية الإنسان لاحتلال موقعه المتميـز في النظام الكوني يعبـّر عن صلاحيته لطاعة مولاه الخالق العظيم اختياراً. وتلك الطاعة الأخلاقية تؤهلّه كي يكون أكرم المخلوقات في الكون.

    2- الإعتقاد بأن أعلى مراحل الخيـر هو أن يُفعل الخيـر بدافع كونه خيـراً لا بدافع الحصول على الأجر لاحقاً ، ويؤيده قول الإمام أميـر المؤمنين (ع) مخاطباً ربّه سبحانه وتعالى: (عبدتك لا طمعاً في جنتك ولا خوفاً من نارك ، وإنما وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك)[5] . وهذا الأثر الشريف بدّل الرتبة الشرعية للخيـر من رتبة المثالية إلى رتبة الواقعية.

   فالإنسان ، لو تجرد من عالمه المادي كما حصل للمعصوم (عليه السلام) ، لاستطاع الوصول  إلى الرتبة المتقدمة من رتب الخيـر، وهي رتبة عمل الخير دون التفكير بدوافع الأجر. ولكن فعل الخيـر حتى لو كان بدافع الأجر الإلهي – كما هو ديدن عامة الناس – لكان أخلاقياً أيضاً . ذلك لأن فيض الخالق عزّ وجلّ لا يمتنع عن الوصول إلى عباده الذين يفضلون تلك الرتبة الأخيرة.

   3- الاعتقاد بأن الحلال والحرام، والأمر والنهي، والاستحباب والكراهية ، لها مناشئ  أخلاقية بالإضافة إلى مناشئها الشرعية الإلزامية.

       ففهم طبيعة الملاكات في الأحكام الشرعية قد يوصلنا إلى فهم أفضل لطبيعة المصلحة والمفسدة. وتطبيق تلك الأحكام الشرعية لايتعارض مع الوصول إلى المثاليات الأخلاقية. فكلما وصل الإنسان إلى درجة أعلى في الطاعة الشرعية ، تسامى إلى درجة أرقى من درجات الأخلاق المثالية. ولاشك أن الحلال يولّد دائماً جمالاً، ومعرفةً، وسعادةً، بينما يولّد الحرام قبحاً، وجهلاً، وتعاسةً. وبكلمة فإن الحلال ينتج خيراً ، والحرام ينتج شراً.

      وبذلك تكون الواجبات الدينية واجبات أخلاقية يَسعُدُ الإنسان بأدائها. وتكون المحّرمات الدينية محّرمات أخلاقية يَسعدُ الإنسان بتركها أيضاً.

     4- الاعتقاد بأنّ القدرة على اختيار الخيـر دون الشر أمر ممكن، إذا استطاع الإنسان تنقية دوافعه الذاتية ونواياه، وتغييـرها إلى نوايا ودوافع دينية بحيث يُؤثِر الآخرين على نفسه حتى لو كان معدماً. كما ورد في قوله تعالى: (...ويُؤثِرُونَ على أنفُسِهم ولو كانَ بهم خَصَاصَةٌ ...)[6]. فالإيثار يعبـّر عن قدرة الإنسان على تفضيل الآخرين على نفسه تفضيلاً أخلاقياً. مع أن الإيثار قد يولّد مشقة للإنسان، ولكن الدين يعلّمه اختيار طريق الخيـر وطاعة أحكام الدين في كل الأحوال.

هذه الرسالة:

       وهذه الرسالة الأخلاقية تستطيع الحوزة العلمية الإمامية أن تنقلها إلى العالم الواسع ، عبـر المفكرين والفقهاء والفضلاء الذين يعملون في إطارها. وإذا كان الدين يتعامل مع النوايا والدوافع الأخلاقية نحو حب الخيـر ونبذ الشر ، فإنه لاشك يتعامل مع وسائل تنفيذها على نطاق المجتمع.

     وهكذا تصبح الأخلاق التي تدعو لها الحوزة العلمية أخلاقاً عمليةً يمكن تطبيقها ، لا أخلاقاً مثاليةً تدفن في بطون الكتب والمتون الفلسفية.

     ومن أجل أن تصل رسالتنا الأخلاقية إلى العالم لابد من طرح نظريات دينية : في الأخلاق النظرية والعملية ، وفي نوايا الإنسان ودوافعه الشخصية الذاتية ، وفي السلوك الأخلاقي ، وفي العلاقة الصميمية بين الأخلاق والدين.

 المحور الثاني : الرسالة المعرفية

     وهذه الرسالة تتضمن قابليات كامنة لصياغة نظرية معرفية جديدة على ضوء القطع واليقين، خصوصاً في العلاقة بين الإيمان والمعرفة ، وفي تركيبة الدليل العقلي ، وفي نظرية المعرفة.

 العلاقة بين الإيمان والمعرفة:

    لاشك أن قضية المعرفة تعدُّ من أهم القضايا الفلسفية التي بحثها الفلاسفة على مرّ العصور. فالمعرفة الواقعية ، في نظر الدين ، تُعَدُّ الطبيعة النهائية للحقيقة. ولكن ما هي العلاقة بين المعرفة والإيمان في النظرية الدينية؟ أو بتعبيـر آخر ما هي العلاقة بين العقل والقلب ؟

     إنّ المعرفة تعني الإعتقاد بتراكم المعلومات حول وجود الشيء. فعندما يقول الانسان: أنا أعرفُ ذلك المفهوم ، فإنه يقصد أن لديه تبـريراً للإعتقاد بأنّه يعرف ذلك المفهوم من خلال المعلومات المتراكمة في ذهنه. أي أن المعرفة قضية ذهنية حقيقية لها مسوّغ مستمَد من الخارج. أما الإيمان فهو يعني الحالة الشعورية الذاتية للقلب والتي لها علاقة مباشرة بسلوك المؤمن . فالمؤمن برسالة الدين يعيش حالة ذاتية تدفعه لسلوك معين كالإيمان بالله سبحانه وبكتبه السماوية وبرسله وبحججه عليهم السلام.

      وبطبيعة الحال ، فإنّ المساحة التي يشترك فيها الإيمان مع المعرفة هي مساحة القطع واليقين. وفي تلك المساحة تمتد الجسور بين الإيمان والمعرفة. فإذا كان اليقين قائماً مع الإيمان، كان المؤمن عارفاً. وإذا كان اليقين قائماً مع المعرفة، فإن ذلك يوصله إلى الإيمان بالله سبحانه وتعالى.

    وتلك العلاقة الراسخة بين الإيمان بالغيب والمعرفة العقلية في النظرية الدينية تسلّط الضوء على العلاقة بين العقل والقلب. فيدخل العلم بالغيب، والوحي، والرؤيا الصادقة، وخشوع القلب، والدليل الشرعي، والدليل العقلي في دائرة تلك العلاقة الراسخة بين الإيمان بالغيب والمعرفة العقلية. وتخرج من دائرتنا كل العناصر الأخرى التي تولّد إيماناً – في النظريات غيـر السماوية – كالأحلام، والهلوسة، والخرافة، والخيال.   

    والعلاقة بين العقل والقلب في النظرية الدينية تفصح عن  أن العقل يبحث عن الحجة والدليل. فإذا ثبتت الحجة آمن بها القلب. وقد يتّحد القلب والعقل في شخصية المؤمن الخاشع؛ فقلبه المرهف البصيـر قد وثق قطعاً بالدليل القلبي لمعرفة الغيب. وقد أدان القرآن الكريم قوماً لا تفقه قلوبهم معارف الشريعة فقال في وصفهم: (...لهم قلوبٌ لا يفقَهُونَ بها ولهُمْ أعينٌ لا يُبصِرُونَ بها ولهم آذانُ لا يَسمَعُونَ بها أولئكَ كالأنعامِ ...) [7] . وفي آية أخرى : (...فإنها لا تَعمَى الأبصارُ ولكن تَعمَى القُلُوبُ التي في الصدورِ) [8].

    وفي ضوء ذلك الفهم عن الغيب والعقل ، نستمد تصوّرنا عن دور الحوزة العلمية في رفد العالم بنظرية جديدة عن الربط بين الإيمان والمعرفة. فما لم يستند الربط على قطع ويقين بكليهما ، فإن الإيمان والمعرفة لا يرتقيان إلى مستوى النظرية الدينية. ومعنى اليقين هو ان لا يُراود الإنسان شكٌ بصحة معتقده الذي يؤمن به ، وبصحة المعلومات المتراكمة في ذهنه حول المواضيع الخارجية التي لها علاقة بذلك الإيمان. ورسالة الحوزة –إذا استطعنا صياغتها على شكل نظريات – تُخرج كل الخرافات التي تسللت إلى بعض الأفكار الدينية الموجودة في عالم اليوم.

 الدليل العقلي:

    إن إمضاء الحوزة العلمية للدليل العقلي يعني انفتاحها على حركة الأفكار العالمية التي ينتجها العقل البشري. فالدليل العقلي يعكس القوة التي يمتلكها عقل الإنسان في التحليل الذهني ، والنظر للعالم الطبيعي الذي يحيطنا من كل جانب.

    ولاشك أن تلاحم الدليل الشرعي مع الدليل العقلي يؤدي إلى تأسيس نظام اجتماعي عقلائي منسجم مع جميع أجزائه. فكما يشعر الإنسان بالسعادة عندما تنسجم تطلعات الروح مع آمال الجسد، فإن الإنسان يشعر بالسعادة أيضاً عندما يتناغم الدليل العقلي مع الدليل الشرعي على الصعيد الاجتماعي خصوصاً على صعيد الإدارة الاجتماعية. فمثلاً يحثُّ الإسلامُ الأفرادَ على عدم أكل أموال الآخرين بالباطل عبـر قوله تعالى: (ياأيها الذين آمنُوا لا تأكُلُوا أموالَكُم بينَكُم بالباطلِ إلاّ أن تكُونَ تجارةً عن تراضٍ منكم...)[9] ؛ وهذا الدليل الشرعي يحرّم المعاملات التجارية التي لا تهتدي بهدي الشريعة، كالغش والغبن وبخس الاشياء والتلاعب بالمكيال والميزان والسرقة والغصب ونحوها.

     أما الدليل العقلي فإنه ينظّم السوق التجاري من حيث عدالة الأسعار وتقليم أظافر نظرية العرض والطلب بحيث لا يُستغَلْ الفقير لمنفعة الغني ؛ وهذا الدليل العقلي يفتح الطريق لاكتشاف الدليل الشرعي ، وهو أصالة العدالة في التجارة التي تؤمن بحرمة أكل أموال الناس بالباطل.

    وبكلمة ، فإن الدليل العقلي لا يتطابق مع المشاعر العاطفية أو الوجدانية للإنسان، بل يتطابق مع الدليل والحجة. إلاّ اللهم إذا كان يقصد بالوجدان ، العقل ذاته.

     فعلى سبيل المثال: يدعو العقل إلى تطبيق القصاص بالجناة، ولكن عاطفتي لا تدعو إلى ذلك لأنني مرتبط بالجاني برابطة القرابة مثلاً. فالدليل العقلي هنا ، يتطابق مع الدليل الشرعي ، ولكنه يتناقض مع الدليل العاطفي.

    ولاشك أن الدليل العقلي نتاج ثلاثة عناصر متضافرة:

الأول: التجربة الإنسانية المختمرة في ذهن الإنسان والمكتسبة من الخارج.

الثاني: التركيب الذهني الذاتي الذي يخلقه الإنسان لنفسه مهما كانت درجة ثقافته.

الثالث: القدرة الإلهامية التي يزرعها المولى عزّ وجلّ في ذهن الإنسان المبدع الملهَم.

    وعندما نقول بانسجام الدليل الشرعي مع الدليل العقلي ، فإننا نقصد بأن الحكم الشرعي الخاص بتجربة إنسانيةٍ معينة كالتجارة مثلاً، نجد له تقبلاً وانفتاحاً في ذهن الإنسان. ذلك الذهن الذي يلحظ تركيبة السوق التجارية من الناحية الشرعية، ويفكر بضوابط سماوية تضبط مقدار المصلحة والمفسدة التي يجلبها التعامل التجاري للإنسان.

 نظرية المعرفة :

    إن ارتباط الدليل الشرعي بالدليل العقلي ينبغي أن يؤسس تركيبةً جديدة لنظرية المعرفة، باعتبار أن ذلك الإرتباط يعرض فكرة ربط الأفكار الدينية السماوية والتكاليف الشرعية بالواقع الخارجي والحقيقة الخارجية. ونظرية جديدة في المعرفة لابد وأن تؤسس لعالم يختلف عن عالمنا المادي الذي نعيش فيه صراعاً لا نهائياً. والعالم الجديد الذي نتوقعه هو عالم العدالة الواقعية، وعالم الرحمة والمحبة، وعالم السلام والأخوة. وعالمٌ بتلك المواصفات يعبـّر عن الحقيقة الإلهية التي ينبغي أن تسود هذا الكوكب المسكون بكائنات هي بأمس الحاجة إلى هداية سماوية.

    إن تلك النظرية الجديدة تضع الخالق عزّ وجلّ في محور تفكيرها. فهو سبحانه وتعالىخلق المعرفة، وخلق  الإنسان وأوهبه الإدراك والفهم ، وجعل له الشريعة وسيلة من وسائل تنظيم العيش في الحياة الدنيوية، ووسيلة من أجل العبادة. وما نظرية المعرفة الدينية إلاّ نظرية لربط الأفكار المتشابكة بين الدليلين الشرعي والعقلي.

    إن نظرية المعرفة لا تهتم بكيفية اكتساب المعرفة عند الإنسان ، بل إن اهتمامها ينصبّ على مدى صلاحية تلك المعرفة والمبـرّر الذي يبـرّر القول بأن تلك المعرفة تمثل حصة كاملة من الحقيقة. وبتعبير آخر، فإن نظرية المعرفة تهتم بدور القطع أو الشك أو الظن في إثبات صلاحية المعرفة أو عدم صلاحيتها.

    فإذا كان هناك شكٌ في حقل من حقول المعرفة الدينية ، فإن الإيمان بجوهر تلك المعرفة لا يتحقق ما لم يزل الشك الذي كان يحوم حولها زوالاً تاماً. وعندها فإن إمكانية مطابقة تلك المعرفة للحقيقة الخارجية تكون تامة ، ويكون المبـرّر للإ