(ص 71 - 98)

الاشكال الشرعية للسلوك الجمعي في الحج

          والوان السلوك الجمعي في الحج تختلف باختلاف المناسك الواجبة، ففي الطواف بالبيت يتوجب الدوران حول البيت الحرام سبع مرات. وهو دائماً ما يكون مع جماهير الحجيج التي تهتف بهتاف توحيدي واحد، وكذلك الامر في السعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمرات، والذبح وهي غالباً ما تكون سلوكاً جمعياً. اما الوقوف في عرفات والمشعر الحرام والمبيت في منى، فهو على الصعيد الشرعي لايعدو مجرد الوجود والكون فيها مع نية القربة باية صورة كانت قياماً او قعوداً، او مشياً او ركوباً. بمعنى ان الشريعة صممت مناسك الحج للتفاعل الروحي مع الخالق عز وجل، والتفاعل الاجتماعي مع الافراد.

          فهل يُعقل ان تقوم الرسالة السماوية التي جاءت باعظم النظم الاجتماعية، بحثّ الافراد على مجرد الوقوف في تلك المواقف دون ان يكون لها قصد واضح في بناء النظام الروحي والاجتماعي للدولة الاسلامية؟ بل لابد ـ على الصعيد العقلائي ـ ان يكون لذلك التجمع العظيم للحجيج من مختلف انحاء العالم في بقعة محددة وزمن محدد، اهداف في التفاعل الاجتماعي بين الافراد؛ لان التفاعل الروحي عبر الدعاء والابتهال لله عز وجل يمكن ان يتم بشكل ومكان آخر مثلاً. الا ان التفاعل الاجتماعي بين الافراد في تلك المواقف لابد وان يكون من اعظم التفاعلات الاجتماعية بين الافراد على نطاق الانسانية جميعاً.

          ومن اجل تشكيل صورة متكاملة عن اشكال السلوك الجمعي في فريضة الحج، ينبغي لنا استعراض الاحكام الشرعية الخاصة بالمواقيت، والاحرام، والطواف بالبيت، والسعي، والصعود الى عرفات، والافاضة الى المزدلفة، والمبيت في منى.

          وتعتبر النية، والاحرام، والوقوف بعرفات، والوقوف بالمشعر، وطواف الزيارة (وهو طواف الحج)، والسعي بين الصفا والمروة، من اركان الحج. والركن هو ما يبطل الحج بتركه عمداً لا سهواً، فالطواف «ركن من الاركان من تركه عامداً بطل حجه، ومن تركه ناسياً قضاه، ولو بعد المناسك»[1]. اما فرائض الحج التي لاتعتبر اركاناً فهي التلبية، وركعات الطواف، وطواف النساء وركعتاه.

المواقيت :

          جمع ميقات، وهي اما الوقت المضروب للموعد كما في قوله تعالى: (ان يوم الفصل ميقاتهم اجمعين)[2]، واما الميقات للمكان الذي جعل له وقت معين، كما في قوله تعالى: (ولما جاء موسى لميقاتنا)[3].

          وللحج مواقيت زمانية وهي ما اشارت اليها الآية المجيدة: (الحج اشهر معلومات)[4]. وهذه الاشهر هي شوال، وذو القعدة، وذو الحجة. اما المواقيت المكانية فهي الاماكن التي وقّتها رسول الله (ص) لأهل الامصار، فلا يجوز لهم تعدي هذه المواقيت الا محرمين، وهي:

1 ـ وادي العقيق، ويبعد عن مكة مائة كيلومتر تقريباً، وهو ميقات اهل العراق، ونجد، وكل من كان طريقه به الى مكة.

2 ـ يلملم، ويبعد عن مكة 94 كيلومتراً، وهو ميقات اهل اليمن ومن مر به.

3 ـ قرن المنازل، ويبعد عن مكة 94 كيلومتراً، وهو ميقات أهل الطائف، ومن مر به.

4 ـ الجحفة، ويبعد عن مكة 187 كيلومتراً، وهي ميقات اهل مصر والشام، ولمن مر به.

5 ـ ذو الحليفة، وهو مسجد الشجرة، ويبعد عن مكة 492 كيلومتراً، وهو ميقات اهل المدينة، ولمن مر به.

6 ـ من كان من مكة، او من مكان بين الميقات وبين مكة فميقاته من منـزله.

          ولايجوز الاحرام قبل المواقيت التي وقتّها رسول الله (ص) او بعدها الا في حالات استثنائية كالنذر ونحوه. وتشير الى ذلك المعنى رواية صحيحة مروية عن الامام الصادق (ع): (ليس ينبغي ان يحرم دون الوقت الذي وقته رسول الله (ص) الا ان يخاف فوت الشهر في العمرة)[5]. فاذا تعدى الميقات دون ان يحرم منه «لم يصح احرامه، حتى يعود الى الميقات ويحرم منه، ولو افترض أن تعذر عليه الرجوع والاحرام من الميقات بعد ان تركه عمداً لم يصح احرامه وفاقاً للمشهور، بل ربما يفهم من غير واحد عدم الخلاف فيه بيننا مؤاخذة له بسوء حظه»[6].

الاحرام :

          ومعناه «ان يلبّي بقصد اداء فريضة حج التمتع ، والتلبية شروع في الاحرام، وبدونها لايكون احرام، كما ان التكبيرة شروع في الصلاة، وبدونها لاتكون صلاة»[7]. وواجبات الاحرام ثلاثة:

1 ـ النية: ومعناها ان الداعي والباعث على العمل هو التقرب الى الله وحده. ولابد من تعيين المأتي به بالخصوص. وفي ذلك ورد قول الامام الصادق (ع) في نية التمتع بالعمرة الى الحج: (ان تقول: اللهم اني اريد ان اتمتع بالعمرة الى الحج على كتابك، وسنة نبيك، وان شئت اضمرت الذي تريد)[8]. ولابد ان تكون نية الاحرام للحج، ونية الاحرام للعمرة مستقلة عن بعضهما البعض لان «الحج والعمرة لايقعان بنية واحدة، وفي احرام واحد، بل عن الشيخ الاجماع على عدم جواز القران بينهما باحرام واحد»[9].

2 ـ التلبيات الاربع: وهي قول الحاج (لبيك اللهم لبيك، لبيك لاشريك لك لبيك، ان الحمد والنعمة لك، والملك لاشريك لك). ولاينعقد الاحرام الا بالتلبية في حج التمتع، والعمرة له، والعمرة المفردة، وحج الافراد. اما الاحرام لحج القران فيتخير القارن بين التلبية، وبين الاشعار (شق الجانب الايمن من سنام الناقة)، او التقليد (ان يجعل في عنق الهدي نعلاً بالية، ليعرف بها انه هدي). وهو المشهور، وفيه روايات مستفيضة، منها قول الامام الصادق (ع): (يوجب الاحرام ثلاثة اشياء: التلبية، والاشعار، والتقليد، فاذا فعل شيئاً من هذه الثلاث فقد احرم)[10].

3 ـ لبس ثوبي الاحرام للرجل يأتزر باحدهما ويرتدي الآخر. والازار هو ما يستتر به من سرته الى ركبتيه. والرداء هو ما يكون على الظهر والصدر والكتفين. ويشترط ان لايكون ثوبا الاحرام مخيطين، وان يكونا طاهرين، وان لايكونا حريراً للرجال، أو جلداً مما لايؤكل لحمه. واتفق فقهاء الامامية على ان المحرم لايجوز له تغطية رأسه ووجهه، والمرأة تغطي رأسها وتكشف وجهها.

          ويترتب على الاحرام تروك منها:

1 ـ ترك صيد البر. وفي حالة المخالفة فعليه ان يفدي بمثله من النعم الاهلية، ومع العجز يقوّمه ويشتري بالثمن طعاماً، يتصدق به على المساكين، ومع العجز يصوم عن كل مدين من الطعام يوماً، ومع العجز يصوم ثمانية عشر يوماً.

2 ـ ترك قتل هوام الجسد، كالقمل والقراد.

3 ـ لايجوز للمحرم ان يعقد الزواج لنفسه ولا لغيره.

4 ـ حرمة المجامعة او الاستمتاع بشتى انواعه. فاذا جامع  فسد حجه، ولكن عليه المضي في حجه واتمامه، ثم القضاء في العام القادم بشرط تفريق الزوجين.

5 ـ حرمة شم الطيب او التطيب.

6 ـ حرمة الاكتحال بالسواد.

7 ـ لايجوز للمحرم ان يقصّ اظافره، ولايزيل شعره من رأسه وسائر بدنه بحلق او نتف او غيرهما.

8 ـ لايجوز للمحرم ان يقطع او يقلع شجر الحرم والنبات مما انبته الله دون توسط فرد.

9 ـ لايجوز للرجل المحرم ان يستظل حال السير.

10 ـ حرمة الفسوق والجدال، لقوله تعالى: (فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج)[11].

          وهناك موارد اخرى لتروك الاحرام اعرضنا عنها للاختصار.

الطواف بالبيت العتيق :

          وهي المرحلة الثانية من مراحل حج التمتع (وهو وظيفة النائي عن مكة)، وأحد مراحل العمرة المفردة والقران (وهما وظيفتا الساكن في مكة وضواحيها). اما المرحلة الاولى فهي الاحرام. والطواف في الاصل راجح بذاته مستقل عن اي نسك آخر لقوله تعالى: (وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود)[12]، وقوله ايضاً: (وليطوفوا بالبيت العتيق)[13]، وقد اجمع الفقهاء على وجوبه في الحج الواجب، واستحبابه في غير ذلك. ولاشك ان عدد الاطوفة تختلف من شكل لآخر من اشكال الحج. ففي حج التمتع ثلاثة اطوفة؛ الاول للعمرة وهو ركن منها، والثاني للحج وهو ركن منه، والثالث للنساء وهو ليس بركن بل جزء واجب منه. وفي حج الافراد والقران طوافان الاول للحج والثاني طواف النساء. ولابد من اداء الطواف بنفس الهيئة التي فعلها النبي (ص) لوجوب التأسي، وقوله (ص): (خذوا عني مناسككم)[14].

          ومن سنن الطواف: الاغتسال، وتطييب الفم بالاذخر وهو نبات طيب الرائحة، ودخول المسجد الحرام من باب شيبة، ورفع اليدين عند رؤية البيت، والتكبير والتهليل والدعاء بالمأثور. وقد ورد في الروايات: (من دخل مكة بسكينة غفر له ذنبه)[15].

          ولاشك ان القرآن الكريم تعرّض للطواف وركعتيه في اكثر من موضع، منها ما ورد في النص المجيد: (وعهدنا الى ابراهيم واسماعيل ان طهّرا بيتي للطائفين)[16]، والطائف هو الدائر حول الكعبة، وقوله: (ومن ذريتنا أمة مسلمة لك)[17]، وقوله: (أرنا مناسكنا)[18]. قال «قتادة: اراهما الله الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة وغير ذلك من اعمال الحج والعمرة. وقوله تعالى: (واتخذوا من مقام ابراهيم مصلّى)[19]. قال الشعبي وقتادة: أمروا ان يصلّوا عنده، وهو المروي في اخبارنا»[20]. وبذلك «يستدل على ان صلاة الطواف فريضة مثل الطواف، لان الله أمر بذلك، والامر في الشرع يقتضي الايجاب، وليس ههنا صلاة يجب اداؤها عنده غير هذه»[21].

أ- شروط الطواف:

          وللطواف الشرعي شروط، منها:

1 - النية بقصد الطواف المأمور به شرعاً، ومعناها الاتيان بالفعل بداعي الامر. و«النية واجبة في الطواف وشرط فيه وهو ان ينوي الطواف للحج او العمرة واجباً او ندباً قربة الى الله تعالى لقوله (ع): الاعمال بالنيات، وانما لكل امرئ ما نوى. وقوله ايضاً: لا عمل الا بنية. ولانه عبادة فدخل تحت عموم النص القرآني: (وما أمروا الا ليعبدوا الله مخلصين له الدين)[22] ، والاخلاص وهو التقرب المراد منه النية»[23].

2 - الطهارة من الحدث الاكبر وهو ما يوجب الغسل، والاصغر وهو ما يوجب الوضوء. وهذا الشرط يجب تحققه في «الطواف الواجب دون المستحب اجماعاً»[24].

3 - الطهارة من الخبث، بمعنى طهارة الثياب والبدن من النجاسة سواءً كان الطواف واجباً او مستحباً، و«مستند ذلك اطلاق قوله (ص): (الطواف بالبيت صلاة)[25] »[26].

4 - ستر العورة في الطواف الواجب والمستحب، ويعضّده قول رسول الله (ص): (لايطوف بالبيت عريان...)[27] .

5 - ان يكون الثوب الذي يلبسه المُحرِم في الطواف غير مغصوب. وقد عدّ الفقهاء شروط الساتر في الطواف كشروط الساتر في الصلاة كحرمة لبس الحرير والذهب وجلد الحيوان الذي لايؤكل لحمه.

ب ـ صورة الطواف:

          ويتم الطواف بالصورة التالية:

1 ـ الابتداء بالحجر الاسود والاختتام به، لصحيحة معاوية بن عمار عن الامام الصادق (ع) الخاصة بالطواف (من الحجر الاسود الى الحجر الاسود)[28]. ولا بأس «بادخال جزء من باب المقدمة مع استصحاب النية وقصد الاحتساب من حيث يحاذي [اي الابتداء من المحاذاة للحجر الاسود]، ولايلزم من ذلك الزيادة»[29]. ولاشك ان المقصود من المحاذاة هنا المحاذاة العرفية وليس المقصود منها الدقة العقلية.

2 - ان يجعل البيت على يساره حال الطواف، لا على يمينه غير مستقبل او مستدبر، ولو في خطوة واحدة «بلا خلاف اجده، بل الاجماع بقسميه عليه مضافاً الى التأسي»[30].

3 - ان يُدخِل في الطواف حجر اسماعيل. وحجر اسماعيل هو موضع مرقد اسماعيل (ع) وأمه ومراقد بعض الانبياء. واذا لم يطف حول الحجر، اي جعل البيت الحرام على يساره والحجر على يمينه بطل ذلك الشوط وعليه اعادته.

4 - ان يكون الطواف خارج البيت وخارج حجر اسماعيل بتمام بدنه لقوله تعالى: (وليطوفوا بالبيت العتيق)[31]، اي حوله لا فيه.

5 - ان يتم سبعة اشواط بلا زيادة او نقصان، اجماعاً و«للنصوص المستفيضة، بل المتواترة»[32].

6 - ان يكون الطواف بين البيت ومقام ابراهيم (ع)، وهو المشهور بين فقهاء الامامية.

          وذكروا ايضاً ان من مستحبات الطواف ان يكون الفرد في طوافه على سكينة ووقار، مقتصداً في مشيه، ويستحب الوقوف عند الحجر، ولابد من الاشتغال بحمد الله والثناء عليه والصلاة على النبي وآله. ويكره الكلام بغير ذكر الله، والضحك والتثاؤب، ومدافعة الاخبثين البول والغائط، والتمطي ونحوه، ويكره الاكل والشرب، بل يكره كل ما يكره في الصلاة. وفي حالة زيادة الاشواط في الطواف فـ «المعروف من مذهب الاصحاب انه تحرم الزيادة على السبعة في الواجب، وتكره في المندوب»[33].

          وفي الحالات الاستثنائية الخاصة بالمرأة مثل رؤيتها لدم الحيض وهي في الطواف بالبيت، فان حدث ذلك بعد اربعة اشواط قطعت الطواف وتوجهت نحو البدأ بالسعي، فاذا فرغت من السعي أتمت الطواف بعد طهرها، ولايجب عليها اعادة السعي. وان حدث قبل اتمام الاربعة انتظرت وقت الموقف بعرفات، فان طهرت وتمكنت من جميع الافعال قبل يوم التروية فعلت، وبقيت على حج التمتع. وان لم تطهر قبل الموقف بعرفات انقلب حجها الى الافراد، فتطهر وتحرم يوم التروية من بيتها، وتمضي الى عرفات، ثم المشعر، ثم منى، وبعد اتمام المناسك بكاملها تأتي بعمرة مفردة.

ج - ركعتا الطواف:

          وعند الانتهاء من الطواف ينبغي للفرد المكلف ان يصلّي ركعتي طواف الفريضة خلف مقام ابراهيم (ع)، للنص المجيد: (واتخذوا من مقام ابراهيم مصلّى)[34]. وان كان الزحام شديداً ولم يتمكن فعليه الصلاة حيال المقام، والا فحيث امكن من المسجد. وفي الرواية عن الامام الصادق (ع): (اذا فرغت من طوافك فأت مقام ابراهيم (ع) فصلّ ركعتين، واجعله اماماً، واقرأ في الاولى منهما سورة التوحيد قل هو الله احد، وفي الثانية قل ياايها الكافرون، ثم تشهّد واحمد الله، واثنِ عليه، وصلّ على النبي، واسأله تعالى ان يتقبل منك)[35]. ولاشك ان صلاة الطواف تجب خلف مقام ابراهيم (ع)، و«اما تعبير بعض الفقهاء بالصلاة في المقام فهو مجاز تسمية لما حول المقام باسمه، اذ القطع بان الصخرة التي فيها أثر قدمي ابراهيم (ع) لايصلّى عليها»[36].

السعي:

          وتأتي مرتبة السعي بين الصفا والمروة بعد الطواف وركعتيه في العمرة والحج بانواعهما الثلاثة، بمعنى ان السعي بين الصفا والمروة هو تبع للطواف بالبيت. فقد نَقَلَ مالك عن الامام الصادق (ع) قوله: «ان رسول الله (ص) حين خرج من المسجد الحرام، يريد الصفا وهو يقول: نبدأ بما بدأ الله به. فبدأ بالصفا»[37]. ولاشك ان السعي ركن من اركان العمرة والحج، حيث تبطلان بتركه عمداً. ويستحب للسعي الطهارة من الحدث والخبث اتفاقاً، واستلام الحجر الاسود، والشرب من ماء زمزم. وقد ورد في صحيح معاوية بن عمار عن ائمة اهل البيت (ع) القول انه: (اذا فرغت من الركعتين فأت الحجر الاسود، فقبّله واستلمه وأشر اليه، فانه لابد من ذلك. وان قدرت ان تشرب من ماء زمزم قبل ان تخرج الى الصفا فافعل)[38]. وفي حسن الحلبي قال الامام الصادق (ع): (... ثم اخرج الى الصفا عن الباب الذي خرج منه رسول الله (ص) وهو الباب الذي يقابل الحجر الاسود حتى تقطع الوادي وعليك السكينة والوقار)[39].

          والصفا والمروة جبلان معروفان بمكة، وهما من الشعائر اي معالم الله . قال عز وجل: (ان الصفا والمروة من شعائر الله)[40]. و«شعائر الله اعلام متعبداته من موقف او مسعى او منحر، مأخوذ من (شعرت به) اي علمت، وكل معلم لعبادة من دعاء او صلاة واداء فريضة فهو مشعر لتلك العبادة»[41]. وقيل ان «الشين والعين والراء اصلان معروفان، يدلّ احدهما على ثبات والآخر على علْم وعلَم ـ بسكون اللام وفتحه ـ. ومشاعر الحج مواضع المناسك، سميّت بذلك لانها معالم الحج، والشعيرة واحدة الشعائر، وهي اعلام الحج واعماله»[42].

صورة السعي:

          ويتحقق السعي الشرعي  بوجود اربعة شرائط:

الاول: نية القربة الى الله تعالى.

الثاني: الابتداء بالصفا.

الثالث: الاختتام بالمروة.

الرابع: السعي سبعة اشواط. اي ان يكون ذهابه شوطاً، وعوده شوطاً آخر. وقد اجمع الفقهاء على ذلك لدلالة النصوص الشرعية الواردة عن اهل البيت (ع)، كالرواية الواردة عن الامام الصادق (ع): (طف بينهما [اي بين الصفا والمروة] سبعة اشواط، تبدأ بالصفا وتختم بالمروة)[43].

          ولا تجب الموالاة بين الاشواط، فيجوز له الاستراحة قبل اتمام السعي، او الصلاة الواجبة او نحوها. ويجوز السعي ماشياً او راكباً، وقد تواتر عن رسول الله (ص) انه طاف وسعى على راحلته. وقد ورد انه (ص) «كان يقف على الصفا بقدر ما يقرأ سورة البقرة مترسلاً»[44].

الوقوف في عرفات :

          وهو العمل الثاني في حج التمتع او القران او الافراد. حيث يُبْتَدَأ الحج بالاحرام من مكة، ويثنّى بالوقوف في عرفات. ويستحب للحاج ان يغتسل في مكة يوم التروية، وهو اليوم الثامن من ذي الحجة، ويلبس ثوبي الاحرام، ويدخل المسجد حافياً، وعليه السكينة والوقار، ثم يصلّي ركعتين عند مقام ابراهيم (ع)، ثم يعقد احرامه قائلاً كما ورد في صحيحة حماد بن عثمان: (اني اريد الحج على كتابك وسنّة نبيك)[45]. وهذا الحكم عام بالنسبة للاصحاء. اما المرضى والشيوخ الطاعنون في السن فيجوز لهم التعجيل خوفاً من الزحام قبل يوم التروية، بيوم، او يومين، او ثلاثة ايام. ويستحب ايضاً الدعاء والتلبية عند الصعود الى عرفات، كدعاء «الامام الحسين (ع) المعروف، ودعاء ولده زين العابدين في الصحيفة، ودعاء النبي (ص) الذي علّمه لعلي (ع) كما في مرسل ابن سنان عن الصادق (ع)... وهو: لا اله الا الله وحده لاشريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، اللهم لك الحمد كما تقول وخير ما تقول وفوق ما يقول القائلون، اللهم لك صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي، ولك تراثي، وبك حولي، ومنك قوتي...»[46]. ويستحب عند اهل السنّة الجمع بين صلاة الظهرين في عرفة. فقد ورد عن مالك عن ابن شهاب «انه سأل سالم بن عبد الله بن عمر هل يُجمع بين الظهر والعصر في السفر؟ فقال:نعم، لابأس بذلك. ألم تر الى صلاة الناس بعرفة ؟ قال الدهلوي: وعليه اهل العلم»[47].

صورة الوقوف في عرفات:

اولاً: ان الواجب الشرعي الرئيسي في عرفات هو التواجد جمعاً مع نية القربة الى الله تعالى. فيكون التجمع باية صورة كانت، قياماً او قعوداً، مشياً او ركوباً.

ثانياً: وللوقوف الواجب في عرفات وقتان؛ الاول: اختياري، وهو من زوال اليوم التاسع من ذي الحجة الى المغرب. حيث يجب التواجد او الوقوف في عرفات هذه المدة باكملها. والثاني: اضطراري، ويمتد الى طلوع الفجر من اليوم العاشر اجماعاً ونصاً.

ثالثاً: ان حدود عرفات هو من بطن عرنة وثوبة ونمرة الى ذي المجاز، وهذه هي اسماء الاماكن الجغرافية المحيطة بعرفات. ويجزي الوقوف في هذه الحدود الجغرافية بالاتفاق. ففي صحيح معاوية بن عمار عن الامام الصادق (ع) ان «رسول الله (ص) وقف بعرفات في ميسرة الجبل، فلما وقف جعل الناس يبتدرون اخفاف ناقته فيقفون الى جانبه ، فنحّاها، ففعلوا مثل ذلك فقال: ايها الناس انه ليس موضع اخفاف ناقتي الموقف، ولكن هذا كله موقف واشار بيده الى الموقف [اي عرفات]، وفعل مثل ذلك في المزدلفة»[48].

الوقوف في المزدلفة:

          وهو الموقف الثاني بعد الوقوف في عرفات. سُمّي بذلك «لازدلاف الناس اليها اي اقترابهم [من عرفات] اليه»[49]، ولانه محل الزلفى والتقرب الى الله. ويسمى ايضاً بالمشعر الحرام، لانه «معلم للحج والصلاة والمقام والمبيت به»[50]. ويسمى «جمعاً بالفتح وسكون الميم»[51]، لان الناس يجتمعون فيه ويزدلفون الى الله بالطاعة. وهو اقرب من عرفات الى مكة. وتقع المزدلفة ما بين المارمين الى وادي محسر. وكل هذه المساحة من الارض موقف واحد.

صورة الوقوف في المزدلفة:

          وقد اجمع الفقهاء على وجوب الوقوف بالمشعر الحرام، لقوله تعالى: (فاذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وان كنتم من قبله لمن الضالين ثم افيضوا من حيث افاض الناس واستغفروا الله ان الله غفور رحيم)[52]. وفي رواية صحيحة عن الامام الصادق (ع): (اذا غربت الشمس فأفض مع الناس، وعليك السكينة والوقار ... واصبح على طهر بعدما تصلّي الفجر، فقف ان شئت قريباً من الجبل وان شئت حيث شئت)[53]. ويعتبر الوقوف في المشعر الحرام افضل من الوقوف في عرفات، مع ان كلا الوقوفين واجب. ولذلك اتفق الفقهاء ان من فاته الوقوف بعرفات وادرك الوقوف بالمشعر قبل طلوع الشمس تمّ حجه. و«مما يدلّ على ان الوقوف بالمشعر الحرام واجب وهو ركن من اركان الحج قوله تعالى: (فاذا افضتم من عرفات فاذكروا الله ...)[54]، والامر شرعاً على الايجاب، ولايجوز ان يوجب ذكر الله فيه الا وقد اوجب الكون فيه»[55].

          ويتنجز الوقوف الشرعي في المشعر الحرام بالتواجد في ذلك المكان مع نية القربة لوقت شرعي محدد. ويقسّم الفقهاء الوقت الشرعي الى قسمين؛ الاول: الوقت الاختياري، وهو لغير النساء والصبيان ممن لاعذر له في التأخير، ويتحدد ما بين الطلوعين من يوم العيد وهو اليوم العاشر من ذي الحجة، اي طلوع الفجر وطلوع الشمس، بشرط ان يستوعب الوقوف هذه الفترة بكاملها. والثاني: الوقت الاضطراري، وهو وقت النساء والصبيان ولمن له عذر يمنعه من الوقوف بين الطلوعين، ويمتد من طلوع الفجر الى زوال الشمس من يوم العيد.

          ويستحب الجمع بين صلاة المغرب والعشاء في المشعر، وان «صلّى المغرب قبل ان يأتي مزدلفة  ولم يجمع، خالف السنّة وصحّت صلاته، وبه قال عطاء وعروة والقاسم بن محمد وسعيد بن جبير ومالك والشافعي واسحاق وابو ثور وابو يوسف وابن المنذر. وقال ابو حنيفة والثوري لايجزئه لان النبي (ص) جمع بين الصلاتين فكان نسكاً، وقد قال: خذوا عني مناسككم»[56]. واستدلَّ الامامية بفعل النبي (ص) على جواز الجمع بين الظهرين والعشائين مطلقاً، لقوله (ص): (صلّوا كما رأيتموني أصلّي)، ولانه لم يرد نص على التخصيص وعدم الاطلاق. ويستحب ايضاً الكون على الطهارة عند الصباح، والتهليل والتكبير والدعاء بالمأثور. ويستحب التقاط حصى الجمار من المشعر والاحتفاظ بها الى منى عند الرمي وعددها سبعون حصوة.

اعمال منى:

          واذا طلعت الشمس من يوم العيد، ينتقل الحجيج من المشعر الحرام الى منى عن طريق وادي محسر. وتبدأ اعمال منى من يوم العيد الى صبيحة اليوم الثالث عشر، وتسمى هذه الايام الثلاثة 11 ، 12 ، 13 من ذي الحجة بايام التشريق. وفي منى تنتهي واجبات واعمال الحج. وفي يوم العيد يتوجب على المكلف ان يقوم بثلاثة اعمال هي:

1 ـ رمي جمرة العقبة.

2 ـ الذبح.

3 ـ الحلق او التقصير.

رمي جمرة العقبة:

          ومن شروطها نية القربة الى الله سبحانه وتعالى، ويبتدئ وقت الرمي من طلوع الشمس الى غروبها من اليوم العاشر لذي الحجة، وان يكون الرمي بسبع حصوات اجماعاً ونصاً، وان يكون الرمي بمعنى القذف فلا يكفي مجرد الوضع والطرح، وان يرميها متفرقة متلاحقة الواحدة بعد الأخرى فلا يكفي رميها دفعة واحدة، وان يكون الرامي هو المباشر بالفعل فلا تجزي الاستنابة الا مع الضرورة.

          وتستحب الطهارة في الرمي، وان يكون الرامي على بعد عشر او خمس عشرة خطوة عن الجمرة. ويستحب ايضاً ان تكون الحصاة بقدر رأس انملة، ولونها بلون الكحل، وان يهلل ويكبر، ويدعو بالمأثور.

الذبح او الهدي:

          وهو العمل الثاني الواجب فعله في منى. وقد تحدثنا عنه مفصّلاً في كتاب (العدالة الاجتماعية وضوابط توزيع الثروة في الاسلام).

الحلق والتقصير:

          وهو العمل الثالث الذي يتعين فعله في منى. يقول تعالى: (ولاتحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله)[57]. بمعنى «ان لا تتحللوا من احرامكم حتى يبلغ الهدي محله وينحر او يذبح»[58]. ولما كان حج التمتع مركّباً من العمرة والحج، تحتّم على الفرد المكلف واجبان هما؛ الاول: تعين التقصير بعد السعي، والثاني: التخيير بين التقصير والحلق بعد الذبح بمنى، بل قال اغلب الفقهاء بتعين الحلق على الصرورة  (وهو الفرد الذي يؤدي الحج لاول مرة)، والملبّد (وهو من تلبّد شعره) و«تلبَّدَ الشعرُ تداخلَ ولزقَ»[59].

 ********

          وعندما ينهي المكلف القيام بالمناسك الثلاثة يوم العيد وهي الرمي والذبح والحلق، يرجع الى مكة لطواف الزيارة بالبيت، وركعتيه، والسعي، ثم طواف النساء وركعتيه. ثم يرجع الى منى.

المبيت في منى:

          والثابت بين الفقهاء ان المكلّف اذا قضى مناسكه الواجبة في مكة يوم العيد من طواف الزيارة والسعي وطواف النساء، ان يعود وجوباً يوم العيد الى منى، وان يبيت فيها بنيّة القربة الى الله تعالى ليلة الحادي عشر والثاني عشر من ذي الحجة. ولايجب عليه المبيت بمنى ليلة الثالث عشر، بشرط ان يخرج من منى بعد ظهر اليوم الثاني عشر وقبل المغيب، وان يكون قد اتقى ـ وهو مُحرِم ـ الصيد والنساء. وهو تفسير قوله تعالى: (واذكروا الله في ايام معدودات فمن تعجّل في يومين فلا اثم عليه ومن تأخر فلا اثم عليه لمن اتقى واتقوا الله واعلموا انكم اليه تحشرون)[60]، و«هذا أمر من الله للمكلّفين ان يذكروه في ايام معدودات وهي ايام التشريق ثلاثة ايام بعد النحر والايام المعلومات عشر ذي الحجة»[61]. ولكن اذا كان قد أتى النساء، والصيد، او غابت الشمس من اليوم الثاني عشر وهو في منى، وجب عليه المبيت فيها شرعاً ليلة الثالث عشر، ويجب ايضا رمي الجمار الثلاث في صبيحته.

          وبطبيعة الحال فانه ينبغي على كل حاجّ، ان يرمي خلال بقائه في منى ثلاث جمرات كل يوم. بمعنى ان عليه في كل من اليوم الحادي عشر، واليوم الثاني عشر ان يرمي ثلاث جمرات، كل جمرة بسبع حصاة. اما اذا بات ليلة الثالث عشر بمنى فقد وجب عليه ان يرمي في يومه ذلك ثلاث جمرات ايضاً. واتفق الفقهاء على وجوب كون الرمي على الترتيب الشرعي، بحيث يبدأ بالجمرة الاولى، ثم الوسطى، ثم جمرة العقبة. ووقت الرمي الاختياري هو ما بين طلوع الشمس الى غروبها، اما الوقت الاضطراري للمرضى ونحوهم فهو الليل.

          وعند  الانتهاء من رمي الجمار في منى تنتهي اعمال الحج، ويستحب له ان يعود الى مكة ليطوف طواف الوداع، قبل ان يقفل راجعاً الى بلده. ويستحب زيارة قبر النبي (ص)، فعن مالك عن عبد الله بن دينار انه قال: «رأيت عبد الله بن عمر يقف على قبر النبي (ص) فيصلّي على النبي (ص)... وعليه اهل العلم انه يسنّ زيارة قبره (ص) بعد فراغ الحج»[62]. وروى الدارقطني بسنده عن حاطب قال: قال رسول الله (ص): (من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي)[63]. ولاشك ان «العقل يحكم بحسن تعظيم من عظّمه الله تعالى والزيارة نوع من التعظيم. وفي تعظيمه (ص) بالزيارة وغيرها تعظيم لشعائر الاسلام»[64].

 الاستنتاج

          ومن خلال دراسة المناسك الشرعية في الحج ـ وهي التي تخص السلوك الجمعي ـ نستطيع تسجيل النقاط التالية:

اولاً: ان شكل التجمع الغفير لحجاج بيت الله الحرام يوحي بان لهذا الركن الرئيسي من اركان الاسلام مقاصد واهدافاً سامية على الصعيدين الروحي والاجتماعي. فمبيت مليوني حاج اليوم في منى مثلاً، وتحديد وقت وجوب البقاء في عرفات والمزدلفة، وحتمية الافاضة مجتمعاً، كما اشارت اليه الآية القرآنية المجيدة: (فاذا افضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وان كنتم من قبله لمن الضالّين. ثم افيضوا من حيث افاض الناس واستغفروا الله ان الله غفور رحيم)[65]، ورمي الجمرات وهو ما يتم بشكل جمعي بسبب تضييق وقت الرمي. كل ذلك يدلّ على ان من مقاصد الحج هو تقريب الافراد من مختلف الاجناس والمواطن نحو بعضهم البعض، وتقصير المسافة المكانية بينهم، حتى يتم تفاعلهم الاجتماعي وهم في اسمى درجات العبادة والتنسك والابتهال والدعاء. وهذا لاشك ينسجم تماماً مع تطلعات الرسالة الاسلامية في اقامة دولة التوحيد العالمية المنسجمة على صعيد الفكر والروح.

ثانياً: ان التنظيم الدقيق لاعمال ومناسك الحج يعكس اهتمام الاسلام بتنظيم شؤون النظام الاجتماعي ايضاً. فالفرد الذي يهتمّ بدقة موقعه امام بيت الله الحرام في الطواف لابد وان يهتمّ بدقة موقعه في المجتمع الكبير. فالطائف يجب عليه شرعاً ان يجعل البيت على يساره حال الطواف، لا على يمينه غير مستقبل او مستدبر ولو في خطوة واحدة. وهذه الدقة العرفية لابد وان تعمل عملها النفسي والروحي في شخصية الفرد والجماعة؛ لان انتظام اكثر من مليوني فرد بهذا الشكل الرائع يساهم بشكل غير منظور في انشداد افراد الامة الاسلامية في جميع انحاء الارض الى بعضهم البعض، والتكاتف من اجل بناء نظامهم الاجتماعي المنشود.

ثالثاً: ان شخصية الفرد في مناسك الحج الجماعية لاتذوب في السلوك الجمعي. فقد أكد الاسلام في مستحباته على اهمية شخصية الفرد في الطواف بالبيت وفي بقية المناسك، فعليه ان يكون مقتصداً في مشيه، وعلى شخصيته سيماء السكينة والوقار، ولابد له من الاشتغال بحمد الله وذكره. وقد أكد الاسلام في مكروهاته على اجتناب الضحك والتثاؤب، والتمطي، والاكل والشرب، بل كل ما يخلّ بشخصية الانسان. وهذا الاهتمام بالفرد متوافق مع تصميم الرسالة الالهية بتكريم الانسان كفرد له مكانه الخاص وموقعه المتميز في المجتمع.

رابعاً: ان اهتمام الاسلام بجدية مناسك الحج، وما يرافقها من سلوك جمعي تترتب عليه تغييرات اجتماعية متوقعة لايحتاج الى عميق بحث. فالحج ليس مكاناً للهو أو العبث أو الفسوق، كما اوضحت لنا الآية القرآنية ذلك: (فلا رفث ولا فسوق ولاجدال في الحج)[66]. وليس تحريم هذه الاشياء مخصوصاً في حالة الاحرام، بل هي حرام مطلقاً، لكنها ابلغ واشدّ في فريضة الحج. وبذلك يكون السلوك الجمعي الاسلامي من اكثر اشكال السلوك الجمعي الانساني جديةً وتصميماً في القصد. وهذا التصميم والجد يضمن تفاعلاً اكبر بين الافراد وتغييراً اعمق في مجتمعاتهم.

 فلسفة السلوك الجمعي الاسلامي

          ان الفلسفة السلوكية السايكولوجية المعاصرة حاولت تفسير سلوك الانسان من خلال النظريات والقوانين التي صممت للتعامل مع الانسان على الاساس الفيزيائي الخارجي. ولذلك، فان هذه النظريات حاولت تجنب الخوض في قضايا الانسان الذاتية كالقصد، والنية، والشهوة، والشعور ونحوها. بل انها حاولت محاذاة النشاطات والاحداث العقلية كالتفكير، والتوقع، والفهم، والارتباك، والابتعاد عنها. وهذه النظريات السلوكية تبتعد عن الاسلام ونظريته في السلوك الجمعي.

          فالنية في النظرية الاسلامية ـ بمعناها الواسع وهو اداء العمل العبادي بنية القربة الى الله تعالى ـ تعتبر الاساس في السلوك الجمعي الاسلامي، وبدون النية لايتحقق ذلك السلوك، ولايتحقق القصد الى تلك العبادة؛ في حين تنكر النظريات السلوكية الغربية المعاصرة[67] ان يكون للنية دور في السلوك، لان النية ـ بزعمهم ـ لاترتبط بالقضايا الفسيولوجية التي يختبرها الانسان في حياته الاجتماعية. ولكننا لانستطيع ان نربط بين السلوك النابع عن نية الفرد بـ (النظرية الجزيئية) التجريبية التي تستند على حركة جزيئات وخلايا الجسم بالصورة الفسلجية، ولانستطيع ان نربط الحافز العصبي بالسلوك الانساني ونهمل دور النية في الاندفاع نحو العمل.

          ان الاندفاع نحو اداء مناسك الحج في الاسلام ليس «استجابة» فسيولوجية مجردة لـ «حافز» خارجي ـ كما هو المسلّم به بين علماء السلوك المعاصرين ـ بل هو لون من الوان التنشيط المعنوي للدافع الذاتي الذي يمتثل للامر المولوي المتحدث بلغة الفطرة الانسانية والداخل الى اعماقها. فنظرية (الحافز ـ الاستجابة) التي انشأها (ايفان بافلوف) وطورها علماء امريكان امثال (جي. بي. واتسن) و(ادوارد ثورندايك) لها عيوبها ونواقصها الواضحة. فلايستطيع الحيوان المشبع بالطعام الاستجابة لحوافز تناول طعام جديد، لان الدافع الذي يدفعه نحو التناول قد تقلّص بالشبع. ولذلك فان الدافع الذاتي نحو اداء العمل هو الاصل في الاداء وليست الاستجابة للحافز الخارجي. وهذا هو عين ما نقصده من ان النية الذاتية لاداء المناسك الشرعية انما تنشط الدافع الذاتي للتحرك نحو اداء العمل العبادي، لا ان الدافع الذاتي يتحرك بموجب (الحافز ـ الاستجابة) بمعناه الغربي الضيق.

          ان مذهب العلوم الطبيعية التجريبية الذي غيّر مجرى تاريخ القرن العشرين لم يكن له دور حاسم في تحديد النظرية السلوكية الانسانية؛ لان ذلك المذهب عجز عن تقديم تفسير مقنع لنموذج التفاعلات الاجتماعية بين الاجسام في الفضاء. فاذا ـ كنا نحن ـ واعين لمحيطنا الخارجي، فان ذلك المحيط لابد ان يضع بصماته علينا بشكل من الاشكال، او قُل لابد ان يضع «انطباعاً» في اذهاننا. ومع ان (ديفيد هيوم) استخدم مصطلح (الانطباع)، و(جون لوك) استخدم مصطلح (الفكرة) في تفسير تأثير المحيط على عقولنا؛ الا ان العلاقة الفلسفية بين الجسم والعقل لازالت تنسف اسس المذهب التجريبي. فالمذهب التجريبي آمن بان الفكرة او الانطباع انما هو نتاج العالم المحيط بنا، وان التجربة الانسانية انما نفهمها لانها مجرد سلسلة احداث واشياء حاصلة في العالم الخارجي من حولنا. الا ان النظرية الدينية المتمثلة بالسلوك الجمعي في الحج تعارض المذهب التجريبي وتعلن بان النية الذاتية هي التي تسبب الحركة الخارجية؛ بمعنى ان نية الافراد نحو اداء المناسك هي التي تنشئ الانطباع للحركة الخارجية. ولابد ان نذكر هنا بان نية الفرد لاداء المناسك انما هي انعكاس للارادة الالهية. فالعلاقة بين العقل الذي يُنشئ النية نحو اداء العمل العبادي وبين الجسد الذي يقوم بتحمل اعباء السفر، هي عملية مشابهة للعلاقة ما بين العالم الخارجي وبين النفس الداخلية. الا ان الذي حيّر علماء المذهب التجريبي هو ماهية الجسر الذي يربط ما بين النية والعمل، والقلب الذاتي والجسد الخارجي، والقصد والواقع. والنظرية الدينية تقدم جواباً على ذلك التساؤل، وهو ان الذي صمم عقل الانسان وخلق جسده هو الذي صمم جسراً للربط ما بين ذلك العقل وذلك الجسد. فالعقل الانساني مصمم ايضاً لانشاء النية التي يستحدثها الانسان ، والجسد انما صمم للتنفيذ.

          وبطبيعة الحال، فان القوى الدافعة لاداء المناسك لم تنبع من اللذة او الالم ـ كما وصفهما فليسوفا اوروبا (بنثام) و(ثورندايك) بالسيدين المستقلين[68] ـ بل تنبع من الامتثال للامر الشرعي الالهي الذي يعجز (بنثام) و(ثورندايك) عن فهمه وتفسيره. ان هذا الامر الشرعي الالهي هو الذي ينشئ ذلك السلوك الجمعي الهائل في مكة المكرمة وضواحيها كل عام. فنحن في النظرية الاسلامية نقف امام دافع ثالث غير دافعيَ اللذة والالم، وهو الدافع نحو الامتثال للاوامر الالهية، او سمّه ـ على سبيل الافتراض ـ الدافع الامتثالي.

          ان الدافع الامتثالي عند المؤمن ـ الذي يؤدي الى تجمع الافراد وقت المناسك ـ هو الذي ينشئ الانطباع الخارجي الذي ما كان ليحصل لولا وجود ذلك الدافع عند الانسان. وبكلمة، فان الدافع الامتثالي لاداء المناسك هو الذي يخلق الحركة الخارجية بالسفر واداء الاعمال التعبدية؛ والحركة الخارجية هي التي تخلق الانطباع في ذهن الفرد عن بقية الحجيج وحركتهم في الفضاء الخارجي الاجتماعي. الا ان الانطباع لايُنشِئ الفكرة، باعتبار ان فكرة الحج انما هي فكرة الهية وليست فكرة موضوعية انقدحت في ذهن الانسان.

          ولاشك ان النظرية السلوكية التجريبية المعاصرة وقعت في اعظم الاخطاء عندما صبّت جلّ جهدها على دراسة سلوك الحيوانات في محاولة منها لفهم السلوك الانساني، غافلةً عن ان الحيوانات لاتملك درجة كافية من القصد، والفهم، وانشاء النية. فكيف تطبّق نظرية (الحافز ـ الاستجابة) الخاصة بالحيوانات على الانسان اذن؟ ونحن نعلم ان الحيوانات ليس لديها قابلية على انشاء القصد والنية او الفهم والادراك للعالم الخارجي!

          ان النية في النظرية السلوكية الاسلامية تأتي اولاً، ثم يأتي بعدها الدافع الامتثالي. لان النية اذا انتفت، انتفى الدافع الشرعي في اداء الاعمال التعبدية. فاول خطوات السلوك الجمعي في الحج تبدأ بانشاء نية وتصميم وقصد باداء العمل. فاذا ما اُنشئتْ تلك النية يبدأ الدافع الامتثالي بتفسير العمل المنوِيِّ اداؤه، ثم يبدأ التحرك نحو تهيئة مقدماته وانجازه لاحقاً. واذا اجتمعت نوايا الافراد في بقعة واحدة طاهرة نحو التقرب الى المولى عز وجل، اصبحت تلك القلوب الغفيرة ترتبط ـ على حدة ـ بشعاع متصل بمصدر واحد، وهو مصدر المولوية المطلقة. وعندها يتسامى هؤلاء الحجيج الى صورة ناصعة من صور الكمال الانساني.

(نهاية ص 98)

 

 السابق              صفحة التحميل                 الصفحة الرئيسية


 

[1]  شرائع الاسلام للمحقق الحلي ج 1 ص 202.

[2]  سورة الدخان: الآية 40.

[3]  سورة الاعراف: 143.

[4]  سورة البقرة: الآية 197.

[5]  التهذيب ج 1 ص 461.

[6]  جواهر الكلام ج 18 ص 102.

[7]  مناسك الحج للسيد الخوئي.

[8]  الوسائل باب 17 من ابواب الاحرام - حديث 1.

[9]  جواهر الكلام ج 18 ص 202.

[10]  التهذيب ج 1 ص 459.

[11]  سورة البقرة: الآية 198.

[12]    سورة الحج: الآية 26.

[13]  سورة الحج: الآية 29.

[14]  تيسير الوصول ج1 ص 312.

[15]  من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 73.

[16]  سورة البقرة: الآية 125.

[17]  سورة البقرة: الآية 128.

[18]  سورة البقرة: الآية 128.

[19]  سورة البقرة: الآية 125.

[20]  تفسير البرهان ج 1 ص 151.

[21]  فقه القرآن للراوندي ج 1 ص 273.

[22]  سورة البينة: الآية 5.

[23]  منتهى الطلب للعلامة الحلي ج 2 ص 690.

[24]  جواهر الكلام ج 19 ص 314.

[25]  سنن البيهقي ج 5 ص 87.

[26]  مسالك الافهام للشهيد الثاني ج 1 ص 95.

[27]  تفسير القمي ص 258.

[28]  الكافي ج 1 ص 281.

[29]  الجواهر ج 19 ص 290.

[30]  الجواهر ج 19 ص 291.

[31]  سورة الحج: الآية 29.

[32]  الجواهر ج 19 ص 295.

[33]  الحدائق الناضرة ج 14 ص 385.

[34]  سورة البقرة: الآية  125

[35]  التهذيب ج1 ص 485.

[36]  الجواهر ج 19 ص 318.

[37]  المسوى شرح الموطأ للدهلوي ج 1 ص 376.

[38]  الكافي ج1 ص 284.

[39]  التهذيب ج 1 ص 284.

[40]  سورة البقرة: الآية 158.

[41]  فقه القرآن ص 274.

[42]  معجم مقاييس اللغة لابن فارس ج 3 ص 193.

[43]  الكافي ج 1 ص 285.

[44]  الجواهر ج 19 ص 416.

[45]  من لايحضره الفقيه ج 1 ص 112.

[46]  الجواهر ج 19 ص 50.

[47]  المسوى شرح الموطأ ج 1 ص 380.

[48]  الكافي ج 1 ص 293.

[49]  تهذيب الاسماء واللغات للنووي ج 3 ص 150.

[50]  مسالك الافهام للفاضل الكاظمي ج 2 ص 209.

[51]  المبسوط للشيخ الطوسي ج 1 ص 267.

[52] سورة البقرة: الآية 198.

[53]  الكافي ج 4 ص 469.

[54]  سورة البقرة: الآية 198.

[55]  فقه القرآن للراوندي ج 1 ص 286.

[56]  المغني لابن قدامة ج 3 ص 377.

[57]  سورة البقرة: الآية 196.

[58]  مجمع البيان ج 2 ص 519.

[59]  لسان العرب ج 3 ص 386.

[60] سورة البقرة: الآية 203.

[61]  مجمع البيان ج 2 ص 532.

[62]  المسوى شرح الموطا ج 1 ص 411.

[63]  وفاء الوفاء ج 2 ص 394.

[64]  كشف الارتياب للسيد محسن الامين ص 471.

[65] سورة البقرة: الآية 198

[66]  )سورة البقرة: الآية 197.

[67]  كلارك هول. العقل، الآلية، والسلوك المكتسب. مقالة علمية في مجلة (النقد النفسية)، عدد 44، 1937م. ص32 .

[68]  وليام استي وآخرون. النظرية التعليمية الحديثة. نيويورك: فيكنك، 1954م.