(ص 37 - 70)

النظريات الغربية الخاصة

بالسلوك الجمعي ونقدها

     والملاحظ ان اهتمام المجتمعات الصناعية في تفسير السلوك الجمعي للافراد يرتبط بالاصل، بالاهتمام باستقرار تلك المجتمعات على الصعيد السياسي والاقتصادي والاجتماعي؛ لان التصنيع الحديث جلب على مدى القرون الثلاثة الماضية مشاكل عظيمة تجاه الفرد والمجتمع الذي يعيش فيه؛ خصوصاً فيما يتعلق بصورة العلاقات الانسانية المتمخضة عن التغيير الاجتماعي الذي صاحب ذلك التصنيع. وسوف ندرس عدداً من هذه النظريات ونحاول نقدها.

 1- نظرية (غوستاف لوبون):

      ويعتبر المفكر الاجتماعي الارستقراطي الفرنسي (غوستاف لوبون) من اكثر مفكري القرن التاسع عشر الميلادي عداءً للفقراء والمستضعفين؛ وهو ما نلمسه بوضوح في مجمل افكاره ونظرياته الاجتماعية. فخلال نهايات القرن الثامن عشر مرّت فرنسا بتغييرات اجتماعية كبيرة، بسبب التصنيع السريع، وانتشار المدن الكبيرة، وتحلل القيم الاجتماعية. فكان (غوستاف لوبون) من رواد المحافظة على النظام الارستقراطي القائم الذي طاله التغيير الاجتماعي. ومن هذا الاطار الفكري بنى نظريته الاجتماعية في السلوك الجمعي. فالسلوك الجمعي في رأيه ما هو الا ثمرة من ثمار القوة المتنامية للطبقة الجاهلة الواطئة التي كانت تتجمع في شوارع باريس متحدية النظام الارستقراطي الحاكم. فالرعاع ـ حسب نظرية (لوبون) ـ يهرعون الى الشوارع ليظهروا رغباتهم وتطلعاتهم الشخصية امام الملأ[1]. وطالما بقيت هوية الافراد في السلوك الجمعي غير معروفة، كانت افعالهم غريبة وشيطانية ووحشية احياناً؛ لان دوافع العقل الباطني هي التي تحكم الفرد المتحرك مع عواطف الجمهور. ولما كانت العواطف الفردية تنتشر بشكل عدوائي بين الافراد، اصبحت المؤثرات الخارجية من اهم عوامل السيطرة على السلوك الجمعي وتوجيهه الوجهة التي يبتغيها قادة ذلك التجمع.

      وقد تعرضت نظرية (غوستاف لوبون) الى نقد شديد من قبل اغلب مفكري علم الاجتماع، لانها تعاملت بشكل عنصري متميز مع الفقراء ووصمتهم بالرعاع، واتهمت كل انواع السلوك الجمعي بالشر والغوغائية والشيطانية، مع ان هناك انواعاً من السلوك الجمعي تتعامل سلمياً مع المشاكل الاجتماعية محاوِلةً ابراز تلك المشاكل للمجتمع الكبير واكتشاف الحلول الناجعة لمعالجتها. ولم يناقش (لوبون) دور المجتمع ونظامه الاجتماعي في تشكيل السلوك الجمعي. فالظلم والقهر الاجتماعي وعدم السيطرة على سلوك الافراد تساهم جميعا في انشاء سلوك جمعي يقوم به هؤلاء دون ان يكون لهم تلك الصفات التي اضفاها (غوستاف لوبون) عليهم.

2- نظرية الانسلاخ الاجتماعي:

      وهذه النظرية تؤمن بان افراد الطبقات الفقيرة والمتوسطة في المجتمع تشترك في اعمال غوغائية، واعمال عنف. وهؤلاء الافراد يحاولون الانضمام الى الحركات الاجتماعية لا بسبب طبائعهم الوحشية بل بسبب انسلاخهم عن المجتمع. بمعنى ان المجتمعات الصناعية الغربية الحديثة لما اهملت العلاقات العائلية والاجتماعية الحميمة، انتجت لوناً من الوان انعدام الثقة، والوحدة، والانعزال، والشعور بالضعف الشخصي امام مشاكل الحياة الاجتماعية. وهذه العوامل كلها ساعدت على انشاء سلوك جمعي يحرّك الافراد بحثاً عن حل مقبول لتلك المشاكل الاجتماعية. وما الاضطرابات التي يشهدها العالم الصناعي في القرن العشرين الا مثال تقدمه النظرية في تدعيم موقفها ورأيها الفكري. فالفقر، والبطالة، والمستوى الوضيع لفقراء المجتمع الرأسمالي، كلها تشجّع الافراد على التظاهر في الشوارع مطالبين بحقوقهم المسلوبة.

      وقد لقيت هذه النظرية دعماً من قبل فرضية مشابهة تبناها المفكران الامريكيان (جون دولارد) و (نيل ميلر) تسمّى بفرضية (التذمر- العدوان). وجوهر هذه الفرضية يعكس الفكرة القائلة بان التذمر الذي ينتاب الافراد في النظام الاجتماعي يؤدي بهم الى سلوك طريق عدواني. وهذا الطريق العدواني هو من اهم مصادر المكافأة النفسية التي يحصلون عليها[2].

      ولكن النقد الموجّه الى هذه الفرضية هو ان مصادر التذمر واشكاله تختلف من فرد لآخر. فقد يكون منشأ التذمر حرمان الفرد من حقوقه الطبيعية في سد حاجاته الانسانية الاساسية. وقد يكون منشأ التذمر الظلم الواقع على الفرد من جراء تسلط الاقلية الظالمة على مقدرات الاكثرية المستضعفة. وقد يكون منشأ التذمر عدم انجاز الوعود التي تقطعها الدولة على نفسها تجاه الافراد. فاشكال التذمر المختلفة تؤدي الى انواع مختلفة من السلوك الجماعي، وليس بالضرورة شكلاً واحداً من اشكال السلوك الجمعي. اما الانسلاخ الاجتماعي فهو وان كان يفسّر شكلاً من اشكال السلوك الجمعي، الا ان هناك اشكالاً اخرى لاينطبق عليها هذا التفسير، وامثلتها السلوك الجمعي السلمي الذي لايتحدى سياسة النظام الاجتماعي والسياسي.

3- النظرية العدوائية:

      وتفسر النظرية العدوائية السلوك الجمعي بانه سلوك يفقد فيه الافراد كيانهم الذاتي بسبب انتشار العدوى الشعورية والعاطفية من خلال التفكير والشعور الجماعي. فخلال تجمع الافراد في بقعة محددة ،يبرز (العقل الجمعي) بشكل صارخ وتختفي تدريجياً شخصيات الافراد المتميزة. بمعنى ان الافراد في السلوك الجمعي يسيطر عليهم حافز واحد يحدد سلوكهم، وينظّم افعالهم، فيتصرفون تصرفاً موحداً. وعندها تنحل المسؤولية الاخلاقية الفردية وتنتقل الى مستوى جماعي، فيضيع الشعور بالذنب ـ خصوصاً ـ عندما ترتكب اعمال اجرامية جماعية.

      ولكن هذه النظرية العدوائية التي كان من روادها (غوستاف لوبون) ايضاً، لها عيوبها ومواطن ضعفها الواضحة. فالسلوك الجمعي ما هو الا مجموع سلوك الافراد الذين يضمهم ذلك التجمع. فالسلوك الجمعي في البلدان الافريقية مثلاً يختلف عن نفس السلوك الذي يمارسه الافراد في البلدان الاسيوية. والسلوك الجمعي في المجتمع النصراني يختلف عن السلوك الجمعي في المجتمع الاسلامي مثلاً. فدخول فرد مسلم في تجمع نصراني لايدفع ذلك المسلم الى الاندفاع لممارسة السلوك الجمعي النصراني. فليس هناك (عقل جمعي) مستقل عن عقول الافراد الذين يكونونه وينشئونه بتصميم مسبق. وفكرة (العقل الجمعي) تنقل الانسان وما يحمله من فكر، الى مستوى الحيوان التائه في القطيع. وليس غريباً ان نجد ان هذا المفهوم يبرز بقوة في افكار العالِم الاجتماعي (هربرت بلمر) ـ وهو ايضا من انصار النظرية العدوائية ـ الذي اشار الى ان الافراد يتصرفون في المجتمع البشري تصرفاً عاطفياً انعكاسياً اسماه بـ «التفاعل الدائري»[3]. وهو مشابه تماماً للتفاعل الذي يحصل بين قطيع من الحيوانات. فاذا انفعل حيوان ما في ذلك القطيع، تصرف القطيع بكامله استجابة لتحرك ذلك الحيوان دون ادنى شعور او احساس. ولذلك فان الافراد في السلوك الجمعي ـ حسب نظرية (هربرت بلمر) ـ يتصرفون دون تفكير معقول بافعالهم التي ما كانوا يفعلونها لو كانوا يتصرفون لوحدهم ودون وجود ذلك الجمهور.

      ونقد آخر يوجّه الى هذه النظرية، وهو ان نسبة الافراد الذين يتوجهون دون شعور لممارسة السلوك الجمعي ومحاكاة افعال الاخرين هي نسبة محدودة فقط، بينما تبقى نسبة اخرى واعية دون ان تتأثر بذلك السلوك. فكيف يمكن تطبيق فكرة السلوك الجمعي على هؤلاء الافراد؟ أضف الى ذلك ان هذه النظرية تصف لنا العملية العدوائية فحسب، ولكنها لا تحللها تحليلا علمياً اجتماعياً، ولا توضح اسباب نشوئها.

4 - نظرية التقليد العرفية:

      ولما كانت النظرية العدوائية واضحة الضعف، تبنّت مجموعة من علماء الاجتماع الغربيين امثال (رالف تيرنر) و(لويس كيلين) نظرية (التقليد العرفية) التي آمنت بان السلوك الجمعي ما هو الا نتيجة من نتائج العرف العقلائي الذي يتبلور بقوة خلال التفاعل الاجتماعي بين اعضاء الجمهور[4]. فالافراد الذين يتجمعون في مكان ما يعتمدون في تصرفاتهم على العرف الاجتماعي الذي يبيح لهم ذلك التصرف. اما اذا جهل بعض الافراد ما يجري ضمن اطار ذلك الجمهور، فان هؤلاء الجاهلين بامور التجمع ينظرون الى اقرانهم بحثاً عن جواب ايحائي. وهذا البحث عن الجواب يجعل هؤلاء الجاّهلين اكثر قابلية وسرعة على تقبل ايحاءات واشارات الجمهور المحتشد.

      ويزعم رواد هذه النظرية بان صحة افتراضهم تعتمد على قاعدة من قواعد علم النفس تؤمن بان افراد الجمهور الواحد يختلفون في الدوافع والاتجاهات. فبعضهم متحمس لاهداف السلوك الجمعي، والبعض الآخر مجرد مؤيد، والثالث عابر سبيل، والرابع منتهز فرصة، وهكذا. ولكنهم يسلكون سلوكاً موحداً بمقتضى العرف العقلائي. وبكلمة، فان الافراد ضمن الجمهور يفكرون بشكل يختلف تماماً عن بعضهم البعض، حتى لو كانوا يسلكون سلوكاً موحداً. ولكن العرف الاجتماعي المنتصر هو الذي يسيطر على توجهات ذلك السلوك الجمعي.

      ويرد على هذه النظرية، بان اغلب اشكال السلوك الجمعي تحاول كسر العرف الاجتماعي. فالتجمع، والهتاف، والسلوك الذي يصاحبه عنف، ما هي الا استثناءات عن القاعدة السلوكية المتعارف عليها اجتماعياً. فكيف يكون العرف المنتصر في عملية الصراع الاجتماعي هو المسيطر على توجهات السلوك الجمعي، في حين ان أهمّ اهداف السلوك الجمعي هو التغيير الاجتماعي ؟

5- نظرية الميول والتقارب:

      وتؤمن هذه النظرية بان الافراد الذين يجتمعون في مكان واحد يحملون نفس المشاعر المشتركة تجاه المشكلة الاجتماعية من حب او بغض او اي هدف محدد آخر. وهذا يفسر التصرف الجماعي الذي يحكم تلك المجموعة من الافراد. فالافراد المؤيدون لحزب من الاحزاب السياسية يتجمعون في جهة واحدة ويهتفون بشعار واحد وما يجمعهم الا التأييد لسياسة ذلك الحزب[5].

      وهذه النظرية لاتفسر الدوافع التي تدفع بعض الافراد للتجمع والبعض الآخر للابتعاد عن ذلك التجمع مع ان كليهما يحمل مشاعر مشتركة تجاه المشكلة الاجتماعية. اضافة الى ذلك فان الميول والمشاعر المشتركة لاتنتج دائماً سلوكاً جمعياً ما لم يكن هناك منظِّم ينظّم ذلك السلوك، وقائد يدعو الافراد للخروج بشكل جماعي.

 ***  ***  ***

      هذه هي ملخص النظريات الغربية في تفسير السلوك الجمعي، وقد جمعناها جمعاً استقرائياً، وحاولنا نقد ارائها الخاصة في بيان منشأ ذلك السلوك، الا اننا اذا طبقّنا هذه النظريات على المناسك التعبدية في الحج، فاننا نلاحظ قصورها جميعاً عن الالمام بالاطار الاجتماعي الفريد الذي جاءت به الشريعة الاسلامية فيما يخص فريضة الحج، كما سنرى ذلك لاحقاً، باذنه تعالى.

 الحركات الاجتماعية

          وتعتبر الحركات الاجتماعية من اكثر انواع السلوك الجمعي تنظيماً في العمل، وتصميماً في القصد والهدف. ولاريب ان الحركات الاجتماعية تتواجد على ساحات المجتمع المتحضر، فاغلب المجتمعات البدائية والصحراوية لاتعرف معنىً ولا تشكيلاً لهذه الحركات، لان تلك المجتمعات تخشى التغيير الاجتماعي الناتج من نشاط تلك الحركات الاجتماعية. والملاحظ ان اغلب علماء الاجتماع المعاصرين في الغرب يؤمنون بان المجتمعات البدائية انما تصبّ همومها النفسية وتذمرها من استحالة التغيير الاجتماعي عندما تضع ثقتها في الدين، لان الافراد البدائيين يفسرون سوء الحظ والمصائب التي تقع عليهم تفسيراً دينياً، لا تفسيراً اجتماعياً او اقتصادياً او سياسياً. وافضل مثال يقدمونه هو مسيرات الفلاحين الاوروبيين الفقراء في القرن الرابع عشر من مدينة الى اخرى تعجيلاً بظهور السيد المسيح (ع) الذي سيخلصهم من الفقر والمرض والظلم الاجتماعي، حسب العقيدة النصرانية[6]. ولكن التقدم الصناعي في الغرب، فسح المجال للحركات الاجتماعية العلمانية، مع اتجاه سياسي واضح، بالظهور على الساحة الاجتماعية.

          فالحركات الاجتماعية لها تأثير واضح على مجرى الاحداث في المجتمعات المتحضرة؛ لانها ـ وبسبب اختلاف الميول والاراء في تلك المجتمعات ـ تهدف الى التأثير على مجرى الاحداث الاجتماعية. بل انها تهدف بالاصل الى التأثير على قادة النظام الاجتماعي الذين يخططون لمستقبل الدولة والنظام. فالحركات الاجتماعية اذن، ماهي الا افراد ومنظمات تحاول تغيير مجرى التاريخ عن طريق التغيير الاجتماعي والثقافي. واغلب الثورات والتغييرات الاجتماعية في العالم الصناعي، قامت على اساس نشاط الحركات الاجتماعية، كالثورة الانكليزية عام 1688م، والثورة الامريكية في 1776م، والثورة الفرنسية في 1789م، والثورة المكسيكية في 1910م، والثورة الروسية في 1917م، والتغيرات الاجتماعية الناتجة عن التخلي عن الرق، ومنح النساء حق الانتخاب، وشرعية الاجهاض ومنع الحمل.

          ومن اجل فهم اشمل لدور الحركات الاجتماعية في التغيير الاجتماعي، فاننا سنتناول بالنقد اهم النظريات التي ظهرت على الساحة الغربية في القرن الميلادي الاخير. ثم نتناول ايضاً خصائص الحركات الاجتماعية في محاولة تمهيدية منا لدراسة النظرية الاسلامية في السلوك الجمعي.

النظريات الغربية الخاصة بظهور الحركات الاجتماعية

          وتقوم الساحة الفكرية الاوروبية الخاصة بتفسير نشوء الحركات الاجتماعية على دعامة ثلاث مجاميع من النظريات المهمة وهي:

          1 ـ النظريات النفسية.

          2 ـ نظريات الضغوط الاجتماعية.

          3 ـ نظرية النفير الاجتماعي وتجميع مصادر القوة.

 1 ـ النظريات النفسية:

          وهذه النظريات تستند على رأيين متباينين. ولذلك فانها تنشطر الى قسمين؛ الاول: نظريات (السخط الاجتماعي)، وهي النظريات التي تعزي نشوء الحركات الاجتماعية الى السخط والاستياء العام بين افراد المجتمع. فالافراد الذين يعيشون رخاءً ونعيماً مادياً لاينتمون الى الحركات الاجتماعية على الاغلب، لانهم ليسوا  بحاجة الى خدماتها السياسية او الاجتماعية. اما المحرومون من الثروات الاجتماعية ـ الذين يشعرون بانهم ضحايا التمييز وانعدام العدالة الاجتماعية ـ فانهم اكثر قابلية على تقبل دعوات الحركات الاجتماعية والانضمام اليها. ولكن تحليل هذه النظريات لايكفي لتفسير نشوء هذه الحركات، لان هناك الكثير من الشعوب التي تنوء تحت وطأة الفقر وعدم المساواة والفساد الاداري، الا انها لاتشكل حركات اجتماعية بسبب سخطها على الوضع الاجتماعي. ولاشك ان السخط الاجتماعي في المجتمعات الصناعية لم يتبلور الى حركات اجتماعية الا في العقود الاخيرة من القرن العشرين.

          والنوع الثاني من النظريات النفسية، هي نظريات (سوء التوافق وعدم الانسجام الشخصي)، وهي النظريات التي ترى ان الحركات الاجتماعية ما هي الا ملجأ لفشل الافراد في تحقيق طموحاتهم. فالافراد المنضوون تحت راية الحركات الاجتماعية، هم من نمط اصحاب العقد النفسية الذين يفتقدون لمعنىً وهدف شامل في حياتهم الاجتماعية والاقتصادية؛ وكذلك الاقليات، وكل الذين يفتقدون الى حظ في التوفيق الاجتماعي. الا ان النقد الموجّه الى هذه النظرية هو انه من الصعب قياس شخصية الفرد على اساس العقد النفسية التي يحملها. أضف الى ذلك، نحن نتساءل: ما هو الدليل على ان الافراد المنتمين الى الحركات الاجتماعية هم من الفاشلين في تحقيق اهدافهم الاجتماعية؟ ولماذا لانفترض ان اصحاب الحركات الاجتماعية والافراد المنضوين تحت لوائها هم من اصحاب الافكار الابداعية في مجتمعاتهم؟ وهذه الافتراضات جميعاً ـ على ضعفها او قوتها ـ لاتقدّم لنا تحليلاً لنشوء الحركات الاجتماعية.

          وبالجملة، فان هذه النظريات الاجتماعية التي جاء بها مفكرو القرن التاسع عشر الميلادي في اوروبا، ركّزت فقط على طبيعة الخصائص النفسية السيكولوجية الخاصة بتصرفات الحركات الاجتماعية والافراد المنضوين تحت لوائها، ولم تعط للدوافع الاجتماعية والحرمان الاقتصادي والتوجه الديني اية اهمية  في تفسير نشوء هذه الحركات. ولاشك ان هؤلاء المفكرين اظهروا عداءهم السافر لكل اشكال السلوك الجمعي باعتباره سلوكاً يبتعد عن الارتكاز العقلائي والعرف الاجتماعي. أي ان كل من يحاول تحدي وزعزعة النظام الاجتماعي والاخلال باستقراره ما هو الا فرد يعيش معاناة عقلية من نوع ما، وما الحركات الاجتماعية التي تنظّم ذلك السلوك الجمعي الا تنظيمات غوغائية متمردة. وقد بقي هذا الاعتقاد سائداً في المدرسة الاجتماعية الغربية لحد نهاية النصف الاول من القرن العشرين؛ وهو اعتقاد يلخّص النظرية النفسية التي تؤمن بان الحركات الاجتماعية كالاحزاب والمنظّمات والاتحادات هي تنظيمات تجذب الافراد الذين يعانون من نقص ما في شخصياتهم وسلوكهم الاجتماعي. وعملية الانضمام لهذه الحركات انما يستجيب لحاجاتهم النفسية فحسب، وذلك بجعلهم يشعرون باهميتهم الاجتماعية بين بقية الافراد[7].

          ولكن هذه النظريات النفسية تفتقر الى وضوح في الرؤية الاجتماعية لدور هذه الحركات في التفاعل الاجتماعي وطبيعة المشاكل التي يعاني منها المجتمع. فلو كان اعتقاد رواد هذه النظريات سليماً، فلماذا يشترك الافراد في عضوية حركات واحزاب معينة دون غيرها؟ بمعنى ان القضية اذا كانت مرضاً نفسياً يصيب الانسان، فلماذا لايهرع الافراد بشكل عشوائي الى الانضمام الى كل الحركات دون تمييز، مع العلم ان اغلب الناس ينتخبون الحركات التي ينضمّون اليها بعد احساسهم بعمق المشكلة الاجتماعية ومحاولة تلك الحركات حلّها او على الاقل تقديم البديل الناجح لها. وكتفريع على هذه القضية يتساءل الفرد: لماذا تنجح بعض الحركات الاجتماعية وتفشل غيرها، اذا كانت كل هذه الحركات اندية للعلاج النفسي؟ ولاشك ان الصاق تهمة المرض النفسي بالافراد الذين يحاولون اصلاح مشاكل مجتمعهم هي محاولة من رواد هذه النظريات للتقليل من حجم تلك المشاكل وايهام الناس بان تحدي النظام الاجتماعي ما هو الا ضرب من ضروب الاضطراب العقلي.

2 - نظريات الضغوط الاجتماعية:

          وهي النظريات التي تفسّر نشوء الحركات الاجتماعية على اساس شعور الافراد بالحرمان من الحقوق والثروة الاجتماعية؛ بمعنى ان الضغوط الاجتماعية الاقتصادية على الافراد يولّد تياراً يمهّد لظهور الحركات الاجتماعية. ولم تتميز هذه النظريات عن بعضها البعض من ناحية الاصالة ماعدا نظرية (نيل سملسر)[8] التي تُعتَبر اكثر هذه النظريات شمولية لتفسير اسباب نشوء الحركات الاجتماعية وما يتبعها من سلوك جمعي وتغيير اجتماعي مرتقب.

          ولكن حتى نظرية (سملسر) لم تقدّم لنا شيئاً جديداً حول نشوء الحركات الاجتماعية. فهي لم تفسّر لنا اسباب عدم ظهور الحركات الاجتماعية في المجتمعات الديكتاتورية مثلا، مع العلم بان الحكم الديكتاتوري يسلّط ضغوطاً اجتماعية عظيمة على الافراد. بل ان اغلب المجتمعات الانسانية فيها نوع من الحرمان الاجتماعي، ولكننا لانرى ظهور الحركات الاجتماعية التي تنادي بالتغيير. فالزنوج في جنوب افريقيا وفي اوروبا وفي امريكا الشمالية رضخوا تحت نير ظلم الرجل الابيض لاكثر من مائة عام قبل ان تظهر حركاتهم الاجتماعية المُطالِبة بالمساواة. والاغلبية من جماهير العالم الثالث ترضخ تحت نير الظلم والاستعباد دون ان تكترث لسماع صوت القلة من الاحرار. بل ان الحركات الاجتماعية الاوروبية الداعية الى الاقرار بحقوق المرأة ظهرت بشكل فاجأ اغلب النساء في المجتمعات الاوروبية نفسها، في بدايات النصف الثاني من القرن العشرين[9].

3 - نظرية النفير الاجتماعي وتجميع مصادر القوة:

          وهي آخر النظريات الاجتماعية واحدثها فيما يتعلق بنشوء الحركات الاجتماعية. فهذه النظرية التي صاغها الباحثان الاجتماعيان الامريكيان (جون مكارثي) و(ماير زالد) في كتابهما (ديناميكية الحركات الاجتماعية)[10]، تؤكد على ان الحركة الاجتماعية لايمكن انشاؤها ما لم تتضافر جهود الافراد وتحتشد في تجميع الاموال، والافراد، والمهارات. فالظلم والحرمان الاجتماعي لايكفيان لوحدهما في انشاء تلك الحركة، بل لابد من تنظيم الافراد وتنفيرهم واستثمار كل الطاقات والقوى الاجتماعية من اجل التغيير. ويركز الباحثان على دور الدعم الذي يقدّمه الافراد خارج الحركة لها. فالاحزاب والتنظيمات تتلقى مساعداتها من المتعاطفين او من الجهات التي ترى من مصلحتها التغيير الاجتماعي المنشود.

          ولكن هذه النظرية واجهت نقداً شديداً، لانها تجاهلت ـ عن قصد ـ دور الظلم الاجتماعي في تحريك الافراد نحو تأسيس الحركات الاجتماعية. بل ان هذه النظرية اخضعت كل مشاعر الافراد والامة نحو التنظيم دون الاخذ بنظر الاعتبار دوافع الافراد الذاتية في رفض الحرمان الاجتماعي، حتى لو لم يتوفر التنظيم المناسب لذلك.

 خصائص الحركات الاجتماعية:

          ولاشك ان لكل حركة اجتماعية نظامها الفكري والعقائدي الذي يوضّح اهدافها واسباب وجودها. وهذا النظام الفكري مهم للغاية في تشخيص المشكلة الاجتماعية التي تهدف تلك الحركة في التعامل معها وتصحيحها. ولاريب ان مؤسسي الحركات الاجتماعية لديهم فكرة دقيقة عن اهداف حركاتهم، الا ان بقية الافراد في النظام الاجتماعي يفهمون اهداف الحركة بشعاراتها العامة التي تطرحها. وعلى ضوء ذلك، فان الحركات الاجتماعية تختلف عن بعضها الاخر من خلال النظام الفكري الذي تقدمه، وحجم المشكلة التي تتعامل معها. فيمكن تقسيم تلك الحركات الى الانواع التالية:

1 - الحركات الاصلاحية:

          وهي الاحزاب والتنظيمات التي تنظر للواقع الاجتماعي نظرة قبول واقتناع، الا انها تطالب باصلاحات ضرورية لبعض الجوانب الاجتماعية فقط. ومن امثلتها الحركات النسائية التي تطالب ببعض التغييرات الاجتماعية التي تهم النساء، ولكنها تقبل بالواقع الاجتماعي اجمالاً.

2 - الحركات الثورية:

          وهي الحركات التي ترفض الواقع الاجتماعي جملة وتفصيلا، وتطالب بتغيير النظام الاجتماعي بكافة مرافقه الاساسية بما يناسب نظامها الفكري والعقائدي. ولاشك ان الحركات الثورية كانت قد غيّرت التاريخ في بلدانها بشكل خاص والعالم بشكل عام. ومن امثلتها الثورة الاسلامية في ايران، وثورات اوروبا كالثورة الفرنسية والروسية، وثورات اخرى كالثورة الامريكية والثورة الصينية.

3 - الحركات الفلسفية والمثالية:

          وهي الحركات المنتشرة اليوم في مناطق مختلفة من العالم، خصوصاً العالم الصناعي، وتدعو الى حياة مثالية مبنية على كمال العلاقات الانسانية كحركات الاخلاق الفاضلة؛ او تدعو الى رفض القيم الدينية، ومن امثلتها الحركات الوجودية، وموجات الافكار الالحادية؛ او البدع التي تظهر وتختفي بين فترة واخرى.

          وحتى تبقى اهداف الحركات الاجتماعية حية في اذهان الناس، فانها لابد وان تستخدم تكتيكاً معيناً يناسب انظمتها الفكرية والعقائدية. وهذه التكتيكات مهمة في الفات نظر الافراد من خارج دائرة تلك الحركات نفسها، وحثّهم على الايمان بافكارها. فالحركات الثورية تستخدم وسائل عسكرية ضد النظام السياسي من اجل اسماع صوتها للمجتمع الكبير، بينما تستخدم حركات اجتماعية اخرى وسائل مختلفة اخرى. فاتحادات الطلبة تعتصم في بنايات الجامعة احتجاجاً، واتحادات العمال تضرب عن العمل الانتاجي، والاحزاب السياسية تقاطع الانتخابات التي يقوم بها النظام السياسي. وهذه الوسائل، تعتبر من الاساليب الفعّالة في تحقيق بعض اهداف تلك الحركات الاجتماعية.

          وليس هناك شك من ان الحركات الاجتماعية، بنوعيها الاصلاحي والثوري، تلعب دوراً مهمّاً في إلفات نظر المجتمع الى المشاكل التي يعاني منها الافراد. فلولا الحركات الاجتماعية لما استطاع النظام الاجتماعي معالجة مشاكل الظلم، والفقر، والامية، والتخلف الحضاري، وقضايا الاستعباد، والاستكبار، والاستعمار، ونحوها. ولكن الحركات الاجتماعية تبقى محدودة بزمان المشكلة التي يراد حلها ومعالجتها. فاذا عولجت المشكلة الاجتماعية انحلّت الحركة التي انشئت من اجل التعامل مع تلك المشكلة الاجتماعية.

  النظرية الاسلامية في السلوك الجمعي

          والاسلام ليس حركة اجتماعية، بالمقدار الذي نفهمه من اهداف الحركات الاجتماعية التي تنحل بمعالجة المشكلة التي انشئت تلك الحركات من اجلها. فمناسك الحج لاتندرج تحت مظلة نشاط الحركات الاصلاحية، ولا الحركات الثورية، ولا الحركات الفلسفية والمثالية، مع انها تقوم اجتماعيا بادوار واهداف كل هذه الحركات في التغيير الاجتماعي. والاسلام ليس حركة اجتماعية بالمعنى المتعارف في النظريات الغربية، بل هو رسالة سماوية لها ابعاد روحية واجتماعية ذات محتوىً عظيم.

          والانتماء الى الحركات الاجتماعية غالباً ما يكون نتيجة طبيعية للحرمان والسخط والاستياء الاجتماعي، حسب اراء علماء اجتماع الغرب. فالافراد الذين يملكون وسائل القوة والسلطة والثروة لاينتمون لتلك الحركات، لانتفاء حاجاتهم لخدماتها. والسلوك الجمعي الناتج عن نشاط تلك الحركات ـ حسب الرأي الغربي ايضاً ـ لايضم الا المحرومين والساخطين والفاشلين في حياتهم الاجتماعية، بينما يبقى المتنعمون بالثروات الاجتماعية بعيدين عن هذه الاجواء.

          ولكن السلوك الجمعي الاسلامي يجمع نظرياً كل الافراد المكلّفين على اختلاف درجات ثرواتهم وقواهم ومنازلهم الاجتماعية. فالكل مكلّفون بتطبيق الاحكام الشرعية الخاصة بتلك العبادة. وهو دون شك يؤدي الى تفاعل اجتماعي بين الفقراء والاغنياء، وبين الحكام والمحكومين، ويفضي في النهاية الى تضييق الفوارق الطبقية بين الافراد.

          وفي الوقت الذي يوصم فيه (غوستاف لوبون) السلوك الجمعي بالجهل والغوغائية، تنهض الرسالة الاسلامية فتعلن وجوب اداء المناسك وتشترط شرطي البلوغ والعقل في الحج كشرط مسبق لاداء ذلك التكليف الشرعي. وبذلك يكون السلوك الجمعي في الحج من اكثر اشكال السلوك الجمعي الانساني تكاملاً في الادراك والفهم. ولايندفع الافراد نحو المناسك العظيمة في الحج بسبب انسلاخهم الاجتماعي، كما تؤمن بعض النظريات الغربية بذلك خلال تفسيرها لنشوء السلوك الجماعي. بل ان الدافع الشرعي هو الذي يوحّد الافراد نحو التحرك للاعداد لتلك الرحلة العظيمة والتوجه مجتمَعاً لادائها. ولاشك ان للصلاة والدعاء والابتهال ـ التي يقوم بها الفرد منفرداً ضمن مجموع الحجيج ـ دوراً في كسر فكرة (العقل الجمعي) التي يدّعي مفكرو الغرب سيطرتها على الافراد عند تجمعهم في مكان واحد.

          وبطبيعة الحال، فان الاسلام لم يقدّم للبشرية نظرية من اعظم نظريات السلوك الجمعي فحسب، بل وضع الافراد على محك التكليف الشرعي العملي واوجب عليهم ـ عند تحقق الاستطاعة الشرعية وضمن تحديد زماني معين ـ التوجه الى بيت الله الحرام في وسط صحراء الجزيرة العربية القاحلة لاداء تلك المناسك الشرعية في الطواف والصلاة والسعي والوقوف والنحر والمبيت. والتزام الافراد بهذا العمل على مدى القرون الطويلة، مع ملاحظة المشّاق التي كان يعاني منها الفرد في التنقل، تعبّر اولاً عن حقيقة الرسالة الاسلامية وارتباطها بالتصميم الالهي للخلق والمخلوقات. ولو قامت اية حركة اجتماعية او حزب سياسي بدعوة الناس الى التجمع في ذلك المكان الصحراوي في وقت محدد من كل عام، لما استجاب لتلك الدعوة فرد. ثانياً: انها تعبّر عن ان النتائج المترتبة على تأدية تلك المناسك تثمر على الصعيدين الفردي (وهو ما يتعلق بالتهذيب الروحي)، والجماعي (وهو ما يتعلق بالتهذيب الاجتماعي). ولاشك ان التأثيرات والتفاعلات الاجتماعية لمناسك الحج يمكن اعتبارها جوهر النظرية الاسلامية في السلوك الجمعي.

          وحتى نفهم طبيعة هذه النظرية لابد لنا من ترتيب مفاهيمها ضمن النقاط التالية:

اولاً: يمكن اعتبار الحج من اكمل اشكال السلوك الجمعي الانساني، لما يتميز به من دقة وتنظيم. ففي حين يعتبر علماء الاجتماع الغربيين السلوك الجمعي حالة سلوكية معينة للافراد في مواقف يلفّها الغموض ويصعب توقع نتائجها كالمظاهرات واعمال الشغب، في الوقت نفسه فانهم يدرجون المظاهرات السلمية ونشاط الاحزاب والكنائس تحت لائحة (الحركات الاجتماعية). الا ان المناسك التعبدية الجماعية التي يقوم بها الافراد في الحج تختلف تماماً عن الحركات الاجتماعية السلمية واعمال الكنائس النصرانية والمعابد اليهودية وتختلف تماماً عن السلوك الجمعي العنفي. ومن المناسب على سبيل الافتراض ان نطلق على السلوك التعبدي والاجتماعي الذي يقوم به الافراد  في الحج بالسلوك الجمعي الاسلامي، حتى يتميز عن بقية اشكال التصرفات التي تفسرها النظريات الاجتماعية الغربية.

          ولعل منشأ اختلاف اعمال الحج عن اعمال الافراد المنضوين تحت راية الحركات الاجتماعية هو ان اعمال الافراد العبادية في الحج مع انها خاضعة للاحكام الشرعية بدقة، الا ان التفاعل الاجتماعي الذي يحصل بين الافراد في الطواف، والسعي، والوقوف في عرفات، والافاضة الى المزدلفة، والمبيت في منى، يُخرِج اعمال الحج عن اعمال الحركات الاجتماعية التي تهدف بالاساس الى ايصال صوتها الى الجهات السياسية التي تخطط لمستقبل النظام الاجتماعي. فيكون الحج ومنشأ اختلاف اعماله عن السلوك الجمعي حسب التعريف الغربي، هو ان الحج لايؤدي الا الى الانسجام الفكري والروحي والعبادي بين الحجيج، على عكس السلوك الجمعي في المفهوم الغربي الذي يؤدي الى اعمال الشغب والعنف.

ثانياً: يتفق السلوك الجمعي الغربي مع السلوك الجمعي الاسلامي في الحج في قضية مهمة، وهي ان كليهما يؤديان الى تغيير اجتماعي ملموس. الا ان الحج باعتباره سلوكاً جمعياً منتظماً وثابتاً في الزمان والمكان والشروط، فان تأثيره الاجتماعي في التغيير اعظم بكثير من السلوك الجمعي الغربي، وذلك لاسباب عديدة منها:

          أ - ان السلوك الجمعي حسب النظرية الغربية غالباً ما يحصل ضمن فترات متقطعة او استثنائية، وقد يؤدي ذلك الى تغيير اجتماعي من نوع معين ثم ينتهي ذلك التأثير؛ بينما يبقى تأثير ذلك السلوك الجمعي الاسلامي مستمراً على مر السنين.

          ب - ان السلوك الجمعي حسب النظرية الغربية يحصل ضمن بقعة جغرافية محلية معينة، فسكان مدينة باريس مثلاً تصرفوا تصرفاً جمعياً ايام الثورة الفرنسية، وهي ثورة مهما عَظُم تأثيرها على بقية الشعوب الا انها تبقى ثورة فرنسية في الفكر والمنشأ والهدف. اما الحج والسلوك الجمعي المنبثق عنه فانه قضية عالمية بكل ابعاد الكلمة، لان الحجيج يأتون الى مكة من مختلف انحاء العالم، ولايفصلهم في اداء مناسكهم فاصل عرقي او جغرافي او لغوي، وقد جاء في النص المجيد: (...يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق)[11]. ولذلك فان التأثير الذي يكتسبونه من خلال التفاعل الاجتماعي فيما بينهم هو اهم مصادر التغيير الاجتماعي.

          ج - ان شروط السلوك الجمعي الاسلامي تحقق كمالاً اكبر نحو التغيير الاجتماعي، وهي شروط البلوغ وسلامة الجهاز العقلي والاستطاعة الشرعية للفرد. بمعنى ان الحجيج هم من الافراد الذين لديهم القدرة العقلية على تحمل اعباء ومسؤوليات الحج الاجتماعية وما يتبعها من تغيير اجتماعي لاحق، كما ذكرنا ذلك سابقاً؛ بينما يحتمل ـ حسب النظرية الغربية ـ ان يقوم بالسلوك الجمعي افراد ليست لديهم قابليات عقلية على التغيير الاجتماعي، او صبيان ليست لديهم الخبرة الكافية، مع ان سلوكهم يسمى سلوكاً جمعياً.

ثالثاً: ان تعلم الخبرات الاجتماعية من افراد يختلفون تماماً في المنشأ واللون واللغة والمكان، يساهم مساهمة عظيمة في بناء الدولة العالمية الموحّدة، وهو دليل على عالمية الاسلام وعالمية الرسالة السماوية على النطاق التشريعي والتطبيقي. ولاشك ان السلوك الجمعي في احكام الحج يصهر هذه الخبرات الاجتماعية، فيتعلم المسلمون الوافدون من قارات العالم المختلفة من بعضهم البعض التقاليد والعادات الاجتماعية والعلوم النظرية والثقافات والقضايا الفكرية، وهذا يؤدي حتماً الى تقارب في وجهات النظر الفردية والجماعية بخصوص المشاكل التي تعاني منها المجتمعات الانسانية. ولما كان الفرد مُكلَّفاً على الصعيد الوجوبي بالحج مرة واحدة عند تحقق الشروط، فان اختلاف نوعية الافراد المكلفين بالحج كل سنة يساهم في نقل الخبرات الاجتماعية فيما بينهم، ويقلل من فرص احتكار تلك الفريضة على طبقة معينة من الافراد. وبالتالي، فانه يساهم في ازدهار نمو تلك المجتمعات البشرية المتباينة في العادات والتقاليد والثقافات.

رابعاً: لما كان الحج يعكس اكمل مثال من امثلة السلوك الجمعي الانساني، فانه لابد وان يرفع ارقى الشعارات الاجتماعية التي تؤدي في النهاية الى التغيير الاجتماعي المطلوب. وهذا الشعار الذي أمر الاسلام المكلفين برفعه في الحج هو شعار (البراءة من المشركين)، كما ورد في قوله تعالى: (براءة من الله ورسوله الى الذين عاهدتم من المشركين)[12]، وقوله تعالى: (واذان من الله ورسوله الى الناس يوم الحج الاكبر ان الله بريء من المشركين ورسولُه فان تبتم فهو خير لكم وان توليتم فاعلموا انكم غير معجزي الله وبشّر الذين كفروا بعذاب اليم)[13]. فاعظم الانحرافات التي يدينها الاسلام ويعتبرها مصدر كل انواع الشقاء الانساني هو الشرك بالله عز وجل. ولاشك ان بقاء الشرك في المجتمع الانساني يعتبر عائقاً من عوائق اقامة العدالة الاجتماعية. فاعلان البراءة من المشركين يعتبر من اعظم المساهمات في التطلع نحو هدف تغيير المجتمع الانساني الى مجتمع موحّد قائم على اساس تطبيق احكام الرسالة الالهية، وما ينبثق عنها من عدالة اجتماعية على جميع المستويات.

خامساً: ان السلوك الجمعي الاسلامي في الحج يعكس عدالة الاسلام الاجتماعية. ومن مصاديقها اشباع الفقراء، ومساندتهم عاطفياً ومعنوياً بتقسيم الاضحية اثلاثاً، وارتداء اكثر الازياء الانسانية بساطة في الاحرام، ودفع الحقوق الشرعية الخاصة بالفقراء قبل اداء مناسك الحج. بل ان ذلك العمل العبادي الجمعي برمتّه يكون باطلاً ومحرّماً اذا كان الثوب الذي يلبسه المُحرِم مغصوباً. وبالاجمال، فان الحج هو تأكيد سعي الاسلام الحثيث نحو اعادة توزيع الثروة الاجتماعية استناداً على مبدأ العدالة بين جميع الافراد.

سادساً: ان الطهارة الروحية والمادية تعتبران من اهم مميزات السلوك الجمعي الاسلامي. ففي الطواف بالبيت تتوجب ـ اجماعاً ـ الطهارة من الحدث الاكبر وهو ما يوجب الغسل، والاصغر وهو ما يوجب الوضوء، باعتبار ان الطواف بالبيت صلاة، كما جاء في المشهور من حديث رسول الله (ص). وكذلك تتوجب طهارة المرأة من الحيض. وبذلك يكون السلوك الجمعي الاسلامي من اطهر التجمعات الانسانية على وجه الارض؛ حيث يتجمع للطواف والسعي وبقية المناسك، الملايين من الافراد وهم على أتم اشكال الطهارة البدنية والروحية.

سابعاً: عدم التمييز بين الرجال والنساء، وهو يعكس طبيعة الشريعة وجوهرها في المساواة بين الافراد في الاحكام الشرعية دون النظر الى جنس الفرد. فاحكام النساء تشابه تماماً احكام الرجال، ما عدا المواضع التي يتوجب فيها الفصل، ومنها الاحكام المتعلقة ببيولوجية المرأة كالحيض في الاركان التي تتوجب فيها طهارة بدنية، واحكام عدم لبس المخيط من الثياب حيث يحق لها ان تلبس حجابها الطبيعي شرط ان يكون الوجه مكشوفاً، وعدم الحلق فليس عليها الا التقصير اطلاقاً، سواء كانت معتمرة او متمتعة، او قارنة، او مفردة.

ثامناً: ركعتا الطواف الواجب تأديتهما بعد الطواف تعكس اصالة الفرد في السلوك الجمعي الاسلامي. فالفرد المكلف مسؤول عن صلاته مسؤولية شخصية وليست جماعية. وفي هذه المحطة من محطات الحج يقف الفرد وحده امام الله سبحانه وتعالى. فالفرد، حتى لو كان يؤدي منسكاً في سلوك جمعي تبقى شخصيته المتميزة في استقلال تام، ويبقى هو المسؤول عن اعماله وتصرفاته وسلوكه ضمن نطاق الجماعة. ولعل هذه المحطة من محطات الحج تذكّره بانه هو وحده المسؤول امام خالقه في الحياة الدنيا وفي الاخرة.

تاسعاً: ان الموضة في النظام الرأسمالي تستهلك جزءاً كبيراً من موارد النظام الاجتماعي المالية، لانها تصميم مؤقت يستبدل دائماً بتصميم آخر، خصوصاً الملابس وما يتعلق منها بالمظهر الخارجي للفرد. ويعتبر الفرد ـ الذي يعيش في المجتمع الرأسمالي ولايساهم في الموضات الحديثة المتناوبة الصدور ـ كائناً انعزالياً خارجاً عن اطار الانسجام الاجتماعي. ولكن الحج يُشعِر الفرد بان الزي ما هو الا وسيلة من وسائل تغطية مساوئ الانسان فحسب، وليس مظهراً من مظاهر الطبقية والثراء والتميز والتفاضل الانساني. فثياب الاحرام توفر للنظام الاجتماعي الانساني موارد مالية غير قليلة، عندما يتحتم على الحجيج ارتداؤها، وهي ثوبا الاحرام للرجل يأتزر باحدهما، ويرتدي الآخر. ولاشك ان وجوب ارتداء قطعتين من قماش غير مخيط، لابد وان يجعل الفرد يشعر بقيمته الحقيقية وتواضعه في الحياة الاجتماعية.

عاشراً: ان اغلب الانظمة السياسية الديكتاتورية تمنع المظاهرات والتجمعات السياسية والاجتماعية، وتحاول قمعها بشتى الوسائل والاساليب؛ لان النظام الديكتاتوري يخشى اي مظهر من مظاهر التغيير الاجتماعي الذي تنتجه تلك التظاهرات الجماعية. الا ان الاسلام ونظامه الروحي يشجّع الافراد على التغيير الاجتماعي الذي يوصل الفرد والمجتمع الى مستوى رفيع من مستويات الكمال. ولما كان الحج نمطاً من انماط السلوك الجماعي الذي يؤدي الى التغيير، وفي الوقت نفسه يعتبر ركناً من اهم الاركان التعبدية في الاسلام، فانه سيمنح المجتمعات الانسانية مصدراً مستمراً من مصادر التغيير الاجتماعي الناتج عن تفاعل الافراد من مختلف الثقافات والعادات والطبائع البشرية فيما بينهم.

حادي عشر: اذا كان حقاً ما يقوله علماء اجتماع الغرب من ان الحركات الاجتماعية لاتظهر ولاتتواجد في المجتمعات البدائية والصحراوية لانها تخشى التغيير الاجتماعي. اذا صح زعمهم هذا، فان تشريع الحج في الاسلام ـ بموجب نظريتهم ـ يكون من اعظم معجزات الرسالات السماوية. فكيف اتفق ان يحثّ هذا الدين الحنيف على التجمع التعبدي في البيت الحرام وسط اكثر القبائل وحشية واكثر المناطق وعورة واكثر المجتمعات بدائية وهي مجتمعات العرب في الجاهلية. ولعل منتقد لنا يقول ان الحج كان سائداً زمن الجاهلية فكيف تزعمون ان الاسلام جاء بهذا التشريع الجديد؟ والجواب على ذلك، نقول انه اذا كان المقصود من الحج زمن الجاهلية، الحج الابراهيمي الحنيف، فان ذلك يدعم موقف الاسلام القائل من ان الرسالات السماوية انما تسير على خط واحد ممتد من ابراهيم (ع) الى رسالة رسول الانسانية محمد (ص)، والتشريع الاسلامي امضى بعض الاعراف الموجودة زمن الرسالة ولم ينكرها؛ بل اضاف اليها اركاناً، ووضعها ضمن اطار تعبدي واجتماعي متكامل. اما اذا كان الحج حج الجاهلية وعبادة الاصنام، فان الاسلام قد تبرّأ من ذلك، كما ورد في النص المجيد واصفاً اعمالهم في مكة: (وما كان صلاتهم عند البيت الا مكاء وتصدية)[14]. بمعنى ان تجمّعهم في مكة زمن الجاهلية لم يكن لهدف روحي او اجتماعي واضح كالتغيير والبناء الاجتماعي وعبادة الخالق عز وجل، بل كان لمجرد اللهو والتصفير والتصفيق. وبكلمة، فان الاحكام الدقيقة التي شرّعها الاسلام في الطواف والصلاة والسعي والوقوف والنحر والرمي والمبيت لم تسبقه اليها اية رسالة دينية او اجتماعية اخرى. فاذا كانت اطروحة الحج الاسلامية من اكبر وسائل التغيير الاجتماعي بين المجتمعات الانسانية المتباينة في الفكر والنظر، فكيف يفسر علماء اجتماع الغرب الاتهامات التي يروجونها حول تخلف وبدائية الاسلام؟ واذا كان الاسلام دين البدائية والصحراوية فكيف يشرّع هذا التجمع العظيم الذي يهدف الى تهذيب الافراد روحياً والى تربية المجتمعات الانسانية على التغيير الاجتماعي المستمر؟

ثاني عشر: لما كانت المجتمعات الانسانية تختلف في درجات الرقي والتقدم الحضاري والثقافي، فان اجتماع افراد مختلفين من مستويات متباينة في الابداع يساهم في تفاعل بنّاء على الصعيد الانساني العالمي. ولاشك ان تعدد المواقف في الحج والفترة التي يقضيها الحجيج قبل وبعد مناسك الحج، تمنح هؤلاء الافراد فرصة عظيمة للتفاعل والتأثير الاجتماعي فيما بينهم.

          بيْدَ ان التغيير الاجتماعي المطلوب خلال وبعد اداء مناسك الحج يتم على صعيدين؛ الصعيد الاول: هو التغيير الروحي والتطهير النفسي من آثام الانحراف، فقد ورد في النص المجيد: ( واذ بوّأنا لابراهيم مكان البيت ان لاتشرك بي شيئا وطهّر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود)[15]. فطهارة البيت الحرام من عبادة الاوثان يجعل تلك البقعة من اطهر المناطق الجغرافية على وجه الارض. فهذه الارض الطاهرة تحمل وقت الحج، بل في كل وقت، اطهر الافراد وانقاهم، لانهم يعيشون حالة من حالات الكمال النفسي مع خالقهم العظيم؛ فمنهم «الطائفين» حول البيت، و«القائمين» و«الركع السجود». والصعيد الثاني: هو التغيير الاجتماعي الذي عكسته الآية الشريفة بصدق (ليشهدوا منافع لهم)[16]. خصوصاً اذا ما لاحظنا ان التحديد الزمني للحج الوارد في قوله تعالى :(ويذكروا اسم الله في ايام معلومات)[17]، والتحديد الجغرافي: (ان اول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً)[18]، ودعوة الافراد للاشتراك: (واذّن في الناس بالحج يأتوك رجالاً)[19]، كل ذلك يجعل الحج واعماله من اعظم وسائل التغيير المنشود.

 ثالث عشر: ان الدليل على ان التفاعل الاجتماعي يجب ان يتم بين المسلمين انفسهم خلال مناسك الحج، هو عدم السماح للمشركين بالدخول الى حرم مكة والتأثير على شعائر الحج العبادية وما يصحبها من تغيير اجتماعي مرتقب. وقد ورد في القرآن الكريم ما يصرّح بذلك بوضوح: (ياايها الذين آمنوا انما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا)[20]. والمراد بالنجس هو النجاسة الشرعية، و(لايقربوا المسجد الحرام) هو منعهم من دخوله ودخول كل مسجد.

رابع عشر: وبسبب دور الحج الخطير في الحياة الروحية والاجتماعية، وطبيعة التغيير الاجتماعي التي يختبرها البشر في حياتهم، فقد اُعتُبِر الحج حرمةً من حرمات الله سبحانه وتعالى، اي أمراً لا يحلّ هتكه بأي حال من الاحوال؛ ولذلك ورد قول المولى في شأنه: (ذلك ومن يعظّم حرمات الله فهو خير له عند ربه)[21]، وقوله: (ذلك ومن يعظّم شعائر الله فانها من تقوى القلوب)[22]. وقيل ان (الشعيرة) هي العلامة. وشعائر الله هي الاعلام التي نصبها المولى تعالى لطاعته. وهو تأكيد على ان اقامة وبناء النظام الاجتماعي الاسلامي هو من أعظم طاعات الفرد لمولاه العظيم.

خامس عشر: ان الفرق بين حج التمتع، وحج الافراد والقران يعكس الفرق في طبيعة التفاعل الاجتماعي ايضاً. فالإفراد هو فرض ساكني مكة ومجاوريها الذين جاوروا ثلاث سنين فصاعداً وعلى بعد اثني عشر ميلاً فما دون. وهؤلاء لايجوز لهم حج التمتع، بل يجوز لهم حج القران، اضافة الى حج الافراد. وفرض التمتع عند فقهاء الامامية هو الواجب لكل من لم يكن من حاضري المسجد الحرام، وهو كل من كان على اكثر من اثني عشر ميلاً من اي جانب كان الى مكة. والمفرد يقدّم الحج ثم يعتمر عمرة مفردة بعد الاحلال، والقارن يعمل نفس الشيء الا انه يسوق الهدي عند احرامه. اما حج التمتع، فتقدّم عمرة التمتع على الحج.

          وهذا الفرق الشرعي مهمّ تأمله على صعيد التفاعل الاجتماعي. فالشريعة ميّزت بين الذين يعيشون في مكة او بالقرب منها، ويستطيعون في الوقت نفسه اداء الحج بيسر ودون مشقة السفر وكلفته، وبين الافراد الذين يعيشون حول العالم ويحتاجون الى تفاعل اجتماعي اكثر لتباين عاداتهم، حتى يتم التكامل النفسي والثقافي والعقائدي والسلوكي فيما بينهم. ولاشك ان الزام اداء عمرة التمتع للفرد البعيد عن مكة، يدفعه للسفر الى مكة والوصول مبكراً خلال اشهر الحج الثلاثة وهي شوال وذو القعدة وتسع من ذي الحجة. وهذا التبكير يساعد ايضاً على التفاعل الاجتماعي بين الافراد من مختلف انحاء العالم؛ خصوصاً وان وسائل النقل تختلف من زمان الى آخر مما يتطلب بقاءً اطول في الحرم المكي او اماكن التجمع الاخرى كالمدينة المنورة.

سادس عشر: ان الحركات الاجتماعية التي يؤسسها الافراد لمعالجة مشكلة من المشاكل الاجتماعية، غالباً ما تنحلّ وتموت بانحلال تلك المشكلة. فحركات التحرر الوطنية من الاستعمار تنحلّ مع رحيل الاستعمار، وحركات تحرر المرأة تنحلّ مع اكتساب المرأة حقوقها الاجتماعية، وحركات المساواة بين الاجناس البشرية المتباينة تموت بعد تحقق التغيير الاجتماعي في المساواة بين الافراد. الا ان الحج وشعاره العظيم بالبراءة من المشركين، يبقى فوق كل الحركات الاجتماعية. فهو، وان كان سلوكاً جماعياً منظّماً، الا ان اطروحته الفكرية الشاملة لمفردات التوجه الانساني، وتصميمه الالهي يجعله مستمراً مع بقاء الحياة الاجتماعية على وجه الارض. وما القرون الاربعة عشر التي مرت على تنـزيل التشريع، والاحداث التي مرّت خلالها على الانسانية، الا دليل موضوعي ناصع على ان الحج ما هو الا جزء من التصميم الآلهي للخلق والمخلوقات ومصالحهم الاجتماعية.

سابع عشر: ان الطواف الجماعي حول الكعبة المشرّفة، والسعي بين الصفا والمروة، والوقوف بعرفات والمشعر الحرام، والمبيت في منى، تُشعِر الفرد بانه جزء من امة واحدة تقوم بعمل موحّد؛ لان التنظيم في الاداء، والدقة في تطبيق الاحكام الشرعية الخاصة بالحج تساعد الافراد على التفكير الجماعي الواعي لمسؤولياتهم الاجتماعية. ولا نقصد من ذلك (العقل الجمعي) الذي تبنّاه (غوستاف لوبون)، لان ذلك العقل يعني تجريد الافراد من انسانيتهم وجوهرها في الادراك والتفكير. ولكن التفكير الجماعي الواعي في الحج يُشعِر الفرد بانسجامه مع مفردات الكون والخلق، وانتظام مسيرتها الدائرية، وادراك نقاط البداية والنهاية، والصعود والنـزول، والحركة والوقوف.

ثامن عشر: ان محافظة السلوك الجمعي الاسلامي في الحج على تركيبته السلمية وانتظامه يفنّد آراء النظريات الغربية. فتؤكد النظرية العدوائية التي طوّرها (هربرت بلمر) على ان عدم معرفة الافراد لبعضهم البعض يساعد ذلك التجمع على سلوك متطرف يناقض العرف الاجتماعي؛ لان اختفاء الهوية الشخصية للفرد ضمن السلوك الجمعي، يحذف المخاوف التي تنتاب ذلك الانسان لو كان يتصرف ذلك التصرف لمفرده[23]. ولكن الافراد في الحج لايعرف احدهم الآخر على الصعيد الشخصي، الا ان اختفاء الهوية الشخصية للافراد لايشجّعهم على سلوك متطرف، او محاولة تخريب النظام العام. بل ان اعمال الحج مع انها تخفي هوية الافراد الشخصية الا انها لاتساعد على انحلال شخصياتهم ضمن السلوك الجمعي. بل ان شخصية الحاج متميزة في صلاة الطواف، واستحباب الدعاء في المواقف، ورمي الجمرات، بل في كل المناسك الواجبة او المستحبة.

          ومن الواضح ان النظرية العدوائية تستند في تحليلها لتفسير اختفاء الهوية الشخصية للفرد في السلوك الجمعي، على الرأي القائل بان المسؤولية الاخلاقية للافراد في التظاهرات ونحوها تنتقل بسرعة من المستوى الفردي الى المستوى الجماعي، فيضيع الشعور بالذنب عندما ترتكب اعمال اجرامية جماعية. وهذا يفسر اسباب تصرف الافراد ـ بالاجتماع ـ تصرفاً يناقض العرف الاجتماعي المقبول. ولكن السلوك الجمعي في الحج لايحافظ على سلامة الافراد رغم عددهم الهائل فحسب، بل يحافظ على البيئة الانسانية من الخراب والدمار تحت عنوان حرمة القتال، وتروك الاحرام وهي حرمة الصيد وقطع الاشجار وقتل الكائنات الحية الأخرى ونحوها.

تاسع عشر: ان التأثيرات الخارجية قد تؤثر على تجمع الافراد وعلى طبيعة سلوكهم الاجتماعي. فبرودة الجو، أو حرارته الشديدة، أو هطول الامطار، أو وجود قوة كبيرة من الشرطة، أو حدوث تغيير مفاجئ، كلها تؤدي الى اضمحلال السلوك الجمعي وتفرق الافراد. اما الحج واداء مناسكه، فانه أمر شرعي ثابت يجب ان يحصل تحت كل الظروف، الا ان تسبب حرجاً لايطاق على الصعيد العرفي. وقد فصّل الاسلام في موانع الحج وهما الحصر (بالمرض) والصد (بالعدو).

عشرون: ان اطلاق الشريعة وعدم تقييدها لتصرفات الناسك خارج اطار الاعمال الواجبة في الحج، يفتح الطريق لاستثمار اشكال التفاعل الاجتماعي بين الافراد بلحاظ الاعراف الاجتماعية والارتكازات العقلية المتفق عليها. فاذا كان العرف الاجتماعي يتقبل الكتاب المكتوب كوسيلة من وسائل التأثير، تعيّن على المؤمنين بدافع وعيهم لمتطلبات التغيير الاجتماعي بذل جهودهم في ايصال احكام وافكار الشريعة الغراء عن هذا الطريق الى كل المجتمعين في تلك البقعة الطاهرة من العالم. واذا كان العرف الاجتماعي لايتقبل الا التأثير الشفهي تعيّن على المؤمنين اخلاقياً، القيام بذلك  العمل. وهذه الحرية في استخدام وسائل التأثير على الافراد، تعتبر انضج ثمراً واعمق انتاجاً على صعيد التغيير الاجتماعي المطلوب.

(تليها صفحات  71 - 98)

 

 اللاحق       السابق        صفحة التحميل       الصفحة الرئيسية


 

[1]  غوستاف لوبون. الجمهور: دراسة في العقل الجمعي. نيويورك: فيكنك، 1960.

[2]  جون دولارد ونيل ميلر. الشخصية والعلاج النفسي. نيويورك: ماكرو-هيل، 1950.

[3]  هربرت بلمر. التفاعل الرمزي: ابعاد وطرق. انجلوود كليفز، نيوجرسي برنتس - هول، 1969. وايضا: هربرت بلمر. السلوك الجمعي. فصل علمي في كتاب خطوط جديدة في مبادئ علم الاجتماع. تحرير: الفرد ميكلنك لي: نيويورك: ببارنز ونوبل، 1951.

[4]  )زالف تيرنر ولويس كيلين. السلوك الجمعي. انجلوود كليفز، نيوجرسي: برنتس-هول، 1972.

[5]  جيري روز. الانفجارات: علم اجتماع السلوك الجمعي. نيويورك: المطبعة الحرة، 1982.

[6]  نورمان كوهم. السعي وراء الذكرى الالفية. نيويورك: مطبعة جامعة اكسفورد، 1962.

[7]  هانس توخ. علم النفس الاجتماعي للحركات الاجتماعية. انديانابلس: بوس- ميلر، 1965.

[8]  نيل سملسر. نظرية السلوك الجمعي. نيويورك: المطبعة الحرة، 1962.

[9]  جوان نف كيرني وكاثلين تيرني. (الحرمان النسبي والحركات الاجتماعية من وجهة نظر نقدية لعشرين سنة من النظرية والبحث). مقالة علمية في مجلة علم الاجتماع الفصلية الامريكية، عدد 23، 1982. ص 33- 47.

[10]  جون مكارثي وماير زالد. ديناميكية الحركات الاجتماعية. كامبردج: ونثورب، 1979.

[11]  سورة الحج: 27.

[12]  سورة التوبة: 1.

[13]  سورة التوبة: 3 .

[14] الانفال: 35.

[15]  سورة الحج: 26-34

[16]  الحج: 28.

[17]  الحج: 28.

[18]  آل عمران: 96.

[19] الحج: 27.

[20]  التوبة: 28.

[21] الحج: 30.

[22]  الحج: 32.

[23]  هربرت بلمر. السلوك الجمعي. فصل في كتاب خطوط جديدة في مبادئ علم الاجتماع. تحيرير: الفرد ميكلنك لي. نيويورك: بارنز ونوبل، 1951