(ص 1 -36)

دراسات نقدية مقارنة

 

الابعاد الاجتماعية لفريضة الحج

بحـث فـي طبيعـة السلـوك الجمعـي الاسلامـي

ونقد النظريات الاجتماعية السلوكية.

 

 السيد                                                                         الدكتور زهير الاعرجي

--------------------------------

الطبعة: الاولى  1415 هـ.ق./ 1994م.

الحوزة العلمية  - قم المشرفة

 

--------------------------------

المقدمـة

ليس هناك من شك في ان مناسك الحج التي شرعتها الرسالة الاسلامية تعتبر من اهم اشكال السلوك الجمعي الانساني في تاريخ البشرية. ومع ان اغلب المفكرين الاسلاميين قد نظروا الى الحج، في افكارهم واعمالهم الثقافية، من منظارين، الاول: وهو الاحكام الشرعية التي تلزم الفرد بوجوب الحضور عند تحقق الاستطاعة الشرعية، وما يرافق ذلك الحضور من إلزامات في تطبيق تلك الاحكام. والمنظار الثاني هو الاطار الروحي الذي يتجسد في الرحلة الشيقة الى بيت الله الحرام وما يرافقها من سمو اخلاقي عظيم يرفع الفرد المكلف الى اعلى درجات الكمال النفسي والروحي مع خالقه العظيم. الا ان هؤلاء المفكرين الاعلام لم يهتموا بجانب ثالث خطير من مقاصد واهداف الحج، الا وهو الجانب الاجتماعي وما يرافقه من سلوك جمعي عالمي ينتهي الى تغيير اجتماعي له ابعاد خطيرة.

وحتى نفهم طبيعة السلوك الجمعي في الحج، لابد لنا من دراسة معمّقة لجميع اشكال السلوك الجمعي الانساني الذي تبارى علماء الاجتماع على تحليله في محاولة منهم لفهم منشئه وتوقع نتائجه الحاسمة على صعيد التغيير الاجتماعي. فمن افكار (غوستاف لوبون) القائلة بان السلوك الجمعي يفتقد لأبسط اسس البناء العقلائي، الى معتقدات (نيل سملسر) في ان السلوك الجمعي لاينعقد الا بشروط موضوعية خارجية، وانتهاءً بفرضيات (جون دولارد) و (نيل ميلر) حول السلوك العدواني الناتج عن التذمر الجماعي للافراد. كل هذه الافكار تُشعر الفرد بان للسلوك الجمعي الكثير من المنظرين الذين عجزوا لحد الان عن تقديم نظرية شاملة تتناول شكلاً نموذجياً لسلوك جمعي انساني يستمر على مر العصور دون تغيير في الشكل والمضمون، الا انه في الوقت نفسه يؤدي دوره البناء في التغيير الاجتماعي المنشود. وحتى ان النظريات الخاصة بالسلوك الجمعي والحركات الاجتماعية لم تقدّم لنا تحليلاً متكاملاً حول طبيعة التجمعات السياسية او الدينية، وما تنتجه هذه التجمعات من آثار عظيمة في التغيير الاجتماعي. ولكن دراسة الابعاد الاجتماعية للسلوك الجمعي الاسلامي في مناسك الحج قوض هذه النظرة الغربية. فاننا في مناسك الحج، نقف امام نظرية جديدة في السلوك الجمعي الانساني يترتب عليها تغيير اجتماعي عظيم على الصعيد العالمي. ولاشك ان هذه النظرية المتكاملة تقدم لنا شكلاً نموذجياً للسلوك الجمعي الانساني؛ هذا السلوك الذي له القدرة والقابلية على الاستمرار الى الابد.

ان هذا الكتاب ـ عزيزي القارئ ـ محاولة متواضعة لاكتشاف النظرية الاسلامية في السلوك الجمعي من خلال دراسة مناسك الحج الشرعية السنوية، ومن خلال نقد النظريات الاجتماعية المطروحة على الساحة الفكرية العالمية.

وهو المستعان، وله الحمد في الاولى والآخرة، وما توفيقي الا بالله عليه توكلت واليه انيب.

  زهير الاعرجي

قم المشرفة / صفر الخير 1415 هـ .

--------------------------------

 اطروحة الكتاب

ناقش علماء الاجتماع في الغرب خلال القرن المنصرم مبادئ وشروط وانواع (السلوك الجمعي) باسهاب، وحاولوا تقديم نظريات اجتماعية تفسر اسباب نشوء ذلك السلوك. الا ان نظريات (العقل الجمعي) لـ (غوستاف لوبون)، و(التذمرـ العدوان) لـ (جون دولارد) و(نيل ميلر)، و(التفاعل الدائري) لـ (هربرت بلمر)، ونظرية (التقليد العرفية) لـ (رالف تيرنر) و (لويس كيلين)، لم تستطع ـ مجتمعةً او على انفراد ـ تقديمَ شكل نموذجي لسلوك جمعي انساني يحقق شروط التغيير الاجتماعي المنشود. وحتى ان نظريات (السخط الاجتماعي) و(سوء التوافق وعدم الانسجام الشخصي)، وفرضيات (نيل سملسر)، و (جون مكارثي)، و (ماير زالد) بخصوص نشوء الحركات الاجتماعية ـ والتي حاولت تفسير طبيعة الخصائص النفسية السايكولوجية للتنظيمات الاجتماعية ـ آمنت بان نشاط الحركات الاجتماعية يبقى مقيداً بزمان المشكلة المراد معالجتها. فاذا ما عولجت تلك المشكلة الاجتماعية انحلّت عندئذ تلك الحركة التي انما انشئت لذلك الغرض فحسب.

الا اننا نستنبط من مناسك الحج نظرية فريدة في السلوك الجمعي الاسلامي. فمناسك الحج تتصف بمواصفات متميزة على الصعيدين الروحي والاجتماعي. فيتجمع للطواف والسعي والوقوف والرمي والمبيت، الملايين من الافراد وهم على أتم اشكال الطهارة البدنية والروحية؛ ولاشك ان هؤلاء الافراد ـ بسبب شروط الحج في البلوغ والعقل ـ لديهم القابلية الفكرية والاستعداد النفسي على استيعاب وتقبل شروط ومفردات التغيير الاجتماعي. فالحج يؤدي الى الانسجام الفكري والروحي بين الافراد، ويؤدي الى صهر الخبرات الاجتماعية المتباينة من مختلف انحاء العالم من اجل بناء الدولة العالمية الموحّدة. بمعنى ان الحج يمنح المجتمعات الانسانية مصدراً مستمراً من مصادر التغيير الاجتماعي الناتج عن تفاعل الافراد من مختلف الثقافات والعادات والطبائع البشرية؛ وذلك عن طريق تقريب الافراد ـ بأجناسهم المتباينة ـ نحو بعضهم البعض، وتقصير المسافة المكانية بينهم.

وفي الوقت الذي تنكر فيه النظريات السلوكية الغربية المعاصرة دور النية والقصد في السلوك الانساني، لان النية ـ بزعمها ـ لاترتبط بالقضايا الفسيولوجية، الا اننا لانستطيع ان نربط الحافز العصبي بالسلوك الانساني ونهمل دور النية في الاندفاع نحو العمل. ونية القربة لله تعالى في النظرية الاسلامية تعتبر الاصل في السلوك الجمعي الاسلامي؛ وبدون النية لايتحقق ذلك السلوك، ولايتحقق القصد الى تلك العبادة. واذا كانت القوى الدافعة للسلوك الجمعي الغربي تنبع من واقعي اللذة والالم، فاننا ـ في النظرية السلوكية الاسلامية ـ نضيفُ دافعاً آخَر يدفع الافراد نحو اداء المناسك في السلوك الجمعي الاسلامي، وهو الدافع الامتثالي؛ اي دافع الامتثال للأوامر الالهية الذي ينشئ الحركة الخارجية والانطباع الذهني. ولاشك ان الالزام الداخلي الذي تولّده رسالة الدين في نفس الفرد، يرفع كل الوان الاكراه والتمرد والمفاعلة النفسية التي طرح مبادئها (ارفينك كوفمان) في فرضياته الخاصة بعلم النفس.

ان مناسك الحج العظيمة تنسف نظريتي (التفرج على الجريمة مع شعور اللامبالاة) و(انزال الاذى الجماعي بالافراد)، لان النفس الاجتماعية التي هذبها الاسلام تتعامل خلال المناسك ـ بل في كل وقت ـ مع الآخرين من منظار التعاون والتآخي والمشاركة في الآلام والافراح الانسانية؛ وان المساحة المكانية بين الافراد في الحج لها بعدها الاجتماعي ايضاً، باعتبار ان القرب المكاني الذي يختبره الحجيج هو القرب المكاني الخاص بذوي القربى والاصدقاء.

وبطبيعة الحال، فان اهم ثمار الاجتماع الانساني هو اشباع حاجة نفسية اصيلة عند الانسان وهي الشعور بـ (الانتماء الاجتماعي)، وهو الذي يميز الفرد عن بقية الغرباء، ويشعره بهويته الاجتماعية. الا ان الانتماء الاجتماعي لاينكر دور النظرية الاسلامية المرآتية في تطوير مشاعر الفرد المؤمن حول نفسه. فالمؤمن الطموح يجهد نفسه في اداء مناسك الحج بشكل طاهر وصحيح، لأنَّ نفسَهُ تنظر الى المرآة الالهية قبل ان تنظر للمرآة الاجتماعية. فاذا كان السلوكان الذاتي والداخلي مطابقين للخطاب الشرعي، كانت تلك النفس اكثر كمالاً وقرباً من المرآة الالهية، وعندها تكرر نفس السلوك ـ الذي سلكته في مناسك الحج ـ في حياتها الاجتماعية لاحقاً. ومن جانب آخر، فان الاسلام يرفض آراء (النظرية التقمصية) بزعامة (جورج ميد)، باعتبارها شكلاً من اشكال التقليد الاعمى وظاهرة من ظواهر النفاق؛ الا انه في الوقت نفسه يشجع الافراد على الاقتداء بشخصيات مسدّدة من قبل الذات الالهية كالانبياء والاوصياء (ع). وبطبيعة الحال ، فان الحج يعدُّ من اعظم مصاديق مكافحة الاغتراب الانساني التي نلاحظ مساوئه الاجتماعية في الحضارة الغربية اليوم.

--------------------------------

القسم الاول

السلوك الجمعي في فريضة الحج

       دور الحج في البناء الاجتماعي * السلوك الجمعي * شروط السلوك     الجمعي* انواع السلوك الجمعي: 1ـ الجمهور 2ـ الجماهير           3 ـ الغوغائية 4 ـ الذعر الجماعي 5 ـ الاشاعات 6 ـ الهستريا الجماعية 7 ـ الموضات 8 ـ الرأي العام * النظريات الغربية الخاصة بالسلوك الجمعي ونقدها: 1 ـ نظرية (غوستاف لوبون) 2 ـ نظرية الانسلاخ الاجتماعي 3 ـ النظرية العدوائية 4 ـ نظرية التقليد العرفية 5 ـ نظرية الميول والتقارب* الحركات الاجتماعية * النظريات الغربية الخاصة بظهور الحركات الاجتماعية ونقدها: ـ النظريات النفسية ـ نظريات الضغوط الاجتماعية 3 ـ نظرية النفير الاجتماعي وتجميع مصادر القوة * خصائص الحركات الاجتماعية * النظرية الاسلامية في السلوك الجمعي* الاشكال الشرعية للسلوك الجمعي في فريضة الحج : أ -الطواف بالبيت العتيق ب - السعي بين الصفا والمروة ج - الوقوف في       عرفات د - الافاضة الى المزدلفة هـ -المبيت في منى * الاستنتاج * فلسفة السلوك الجمعي الاسلامي.

--------------------------------

 دور الحج في البناء الاجتماعي

      لما كان الحج واعماله التعبدية ركناً على درجة عظيمة من الاهمية على الصعيد الشرعي، فاننا نفترض ان ينبثق عن تلك الفريضة لونان من الوان النشاط الانساني؛ اللون الاول: هو النشاط التعبدي الفردي وما يصاحبه من خشوع وتواضع وتذلل للمولى عز وجل. والثاني: هو النشاط الاجتماعي الذي يتمثل بالسلوك الجمعي وماينتج عنه من تفاعل بين الافراد من مختلف الاجناس ويؤدي بالنهاية الى التغيير الاجتماعي الذي هو الاصل في نشاطات السلوك الجمعي.

      فالحج يولد شعوراً لدى الفرد المندمج بمناسكه وافعاله، بالوحدة الكونية للخلق والمخلوقات. فالنظام الكوني في الحركة والدوران والبداية والنهاية ينعكس بشكل من الاشكال على هذه الافعال التعبدية المنتظمة كالطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، والصعود الى جبل عرفات، والافاضة الى المزدلفة، ونحوها. وهذا الانسجام في طبيعة مناسك الحج تُبرز شكلاً جديداً من اشكال التنظيم الاجتماعي الذي يستحق تأملاً دقيقاً في اهدافه ومقاصده الاجتماعية.

      والحجيج ليسوا افراداً في جمهور يمارس عنفاً، او جمهور منفعل عاطفياً، او افراداً يعيشون حالة ذعر جماعي او هستيريا جمعية، او افراداً يسيرون في مظاهرات سلمية مجردة. بل ان تنظيم ومقاصد الحج تتجاوز كل الوان واشكال السلوك الجمعي التي ناقشها علماء الغرب؛ خصوصاً اذا ما علمنا بان هذا السلوك الجمعي مبنيٌّ على طهارة الحجيج من النجاسات المادية كالحدث والخبث، والنجاسات الروحية كالجدال والفسوق، ومبنيٌّ على الزامهم بارتداء زيّ مُوَحَّد يُعَدُّ من ابسط الازياء الانسانية، وعلى حثهم على مراقبة سلوكهم في عدم ايذاء الكائنات الحية كالحيوانات والاشجار، بل كل ما يخص البيئة الانسانية وما حولها. ولاشك ان هذا التهذيب الفردي ضمن السلوك الجماعي يترك آثاره النفسية والتربوية العميقة داخل شخصيات الافراد.

      ولعل اخطر ما ينتجه الجانب التطبيقي الخاص باركان الحج هو التغيير الناتج من تفاعل الافراد مع بعضهم البعض. فالتكليف الوجوبي لتأدية تلك الفريضة مرهون بشروط ثلاثة، وهي البلوغ والعقل والاستطاعة؛ بمعنى ان القدرة المالية والعقلية هي التي تحدد وجوب الحج. ولكن اذا استثنينا القدرة المالية باعتبارها مجرد وسيلة للوصول لتأدية اعمال الحج، بقيت لدينا القدرة العقلية، وهي الاصل في التفاعل والتغيير الاجتماعي. اي ان الافراد الذين يجتمعون لاداء المناسك هم الذين لديهم القابلية الفكرية والاستعداد النفسي على استيعاب شروط ومفردات التغيير الاجتماعي. ولاشك ان الحجيج يفدون من مجتمعات انسانية متباينة في الفكر واللغة والعادات الاجتماعية والثقافية، والحج لايوحدّهم على صعيد السلوك العبادي فحسب، بل على صعيد الفهم الاجتماعي لطبيعة المجتمعات الاخرى. ومثال ذلك، ان الافراد المنتمين لمجتمع اكثر تطبيقاً لاحكام الاسلام الاجتماعية والزاماته الاخلاقية، اذا تواجدوا على ساحات البيت الحرام وحرم مكة فانهم سيتميزون عن غيرهم من بقية افراد المجتمعات، بسبب تطابق سلوكهم مع السلوك الشرعي. وهذا السلوك العملي القريب من جوهر الاسلام سيترك آثاره الواضحة على بقية الافراد من المجتمعات الاخرى. وبسبب هذا التفاعل الاجتماعي، فان المسلمين على اختلاف تركيبتهم الثقافية والاجتماعية سيكتسبون من بعضهم البعض بما يرفع من مستواهم الاخلاقي والتطبيقي بالمقدار الذي ينسجم مع الشريعة. وهذا هو المقصود من التغيير الاجتماعي المطلوب.

      ولما كانت الرسالة السماوية تعكس جوهر العدالة الاجتماعية بين الافراد، فان الحج والمناسك المنبثقة عنه لابد وان تكون مسرحا لاظهار تلك الصورة المشرقة  من صور المساواة بين الافراد، ومحاولة  تضييق الفوارق الطبقية، واعادة توزيع الثروات الاجتماعية فيما بينهم.

      واول مرحلة في هذا المضمار تبدأ بتصفية الفرد حساباته المالية مع المولى عز وجل ومع الناس، وذلك باخراج الحقوق الشرعية المترتبة عليه قبل الاقدام على الحج. فقد اجمع الفقهاء على ان الفرد اذا كان يملك مبلغاً من المال، وقد تعلّق فيه الخمس والزكاة، فعليه ان يقدمهما لانهما دَّيْن، ولايمكن ان تتحقق الاستطاعة شرعاً الا بعد وفاء الدَّيْن. اما اذا لم يكترث ذلك الفرد لدفع الحقوق الشرعية وذهب لاداء الحج، فان حجه سيكون باطلاً، لانه تصرف بمال الغير. وحتى لو كان وجوب الحج مؤكداً الا ان ذلك لايبرر سوء تصرفه بحقوق الله او حقوق الناس. وقد اتفق الاصوليون على ان المزاحمة اذا وقعت بين الوجوب والحرمة قُدّمت الحرمة على الوجوب.

      والمرحلة الثانية هو توحيد الزي في الاحرام، وهو لبس ثوبي الاحرام للرجل يأتزر بأحدهما ويرتدي الاخر، شرط ان لايكونا مخيطين. وهذا الزي يعكس ايضاً جوهر المساواة بين الافراد وعدم تميز بعضهم على البعض الاخر حتى لو كانت لدى البعض منهم السطوة والسلطة والمال؛ لان هذا الزي المبسّط يذكّر الانسان بقيمته الحقيقية في الحياة الدنيوية، وهي ان هذه الحياة مجرد محطة من محطات حياتية مستمرة الى الابد ينتقل فيها الانسان دون متاع دنيوي مادي. وما يحمله في رحلته الشاقة هذه الى المحطة الابدية هو العمل وفاتورة الحسابات المعنوية الملحقة به.

      والمرحلة الثالثة هي مرحلة الذبح واطعام الفقراء. فالهدي او الاضحية مستحبة في ذاتها بصرف النظر عن الحج واعماله، الا انها تجب في الحج في مواضع ذكرها القرآن المجيد منها حج التمتع، وكفارة المُحْرِم اذا حلق رأسه لضرورة، وكفارة المُحْرِم اذا اصطاد، وهدي الحصار. والمستحب شرعاً ان تقسّم الاضحية اثلاثاً؛ الثلث الاول: للفرد المُضحّي واهل بيته. والثاني: لاخوانه وجيرانه. والثالث: للمحتاجين. ولاشك ان هذه الكمية الكبيرة من اللحوم تُشبع ملايين الفقراء اذا اُحسِن تنظيم توزيعها، وفَهِمَ القائمون عليها مقاصد واهداف الشريعة في ذلك. ولاشك ان تقسيم الاضحية اثلاثاً يرفع الغبن الموضوع على الفقراء، ويحاول ان يرفع عنهم الاذلال الذي يسلّطه عليهم الاغنياء في المجتمعات التي تهمل تطبيق مفردات الشريعة؛ فتكون مساهمة المُضحّي، المستطيع مالياً  ـ في تناول طعام من تلك الاضحية بالذات على قدم المساواة مع الفقراء ـ بمثابة تأسيس ركن من اركان الانسجام النفسي الذي يدعو اليه الاسلام في العلاقات الاجتماعية بين الذين يملكون والذين لايملكون.

      وثمة عامل آخر مهم ينبثق عن مناسك الحج، ويقوم بدور البناء الاجتماعي ايضاً، وهو ترسيخ دور القيادة الدينية المرجعية في حياة الامة الاسلامية؛ لان المفترض بالحجيج ان يقلّدوا فقيهاً مرجعاً يرشدهم الى تعاليم دينهم، وهذه القيادة الشرعية الفكرية لها مردودها الايجابي على انسياب العمل الاجتماعي وانسجام الافراد في توجهاتهم العملية والروحية. ولاريب ان القيادة العلمائية تستطيع ان تفرض التغيير الاجتماعي على الافراد، الا ان ذلك ليس من طبيعة الرسالة الاسلامية التي تهتمّ بالفرد اهتماماً شاملاً وتحمّله مسؤولية القيام بالعمل العبادي الفردي والعمل الاجتماعي على خط متواز كما نتلمس ذلك من روح النص المجيد: (ان الله لايغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم)[1]. ولذلك فان دور الفقيه هو ارشاد الافراد نحو ضمان صحة تطبيق احكام الشريعة الاسلامية، خصوصاً فيما يتعلق بمناسك الحج التي نحن بصددها. الا ان التفاعل الاجتماعي بين الافراد وما يحققه من نتائج عظيمة في التغيير الاجتماعي هو من مسؤولية الافراد انفسهم. ويجب ان لا يغيب عن بالنا ابداً ان هؤلاء الافراد لديهم القابلية العقلية والفكرية المشروطة في التكليف الشرعي الخاص بوجوب الحج، على ايصال مجتمعاتهم الى مستوى الكمال الروحي والاجتماعي الذي صمّمه لهم الاسلام.

      الا اننا حتى لو استوعبنا مفاهيم الحج وابعاده الشرعية والاجتماعية من وجهة نظرنا الاسلامية الخاصة، يبقى فهمنا المعاصر قاصراً على الصعيد الموضوعي ما لم ندرس بالنقد، النظريات الاجتماعية الأخرى التي آمن بها علماء اجتماع من ثقافات واديان متباينة بعيدة جغرافياً وفكرياً عن الواقع الاسلامي. ولاشك ان اكثر النظريات انتشاراً واهمها استقطاباً للافراد اليوم هي نظريات الاجتماع الغربية التي تناولت مبادئ وشروط السلوك الجمعي، كنظرية (الانسلاخ الاجتماعي)، ونظرية (غوستاف لوبون)، والنظرية العدوائية، ونظرية التقليد العرفية، ونظرية الميول والتقارب، ونحوها. بيْدَ ان تحليلنا ونقدنا لهذه النظريات يساهم في ارساء لبنة النظرية الاسلامية، لاننا لانستطيع ان نقنع العالم المعاصر بصحة نظرياتنا الاجتماعية والروحية ما لم نفهم نظريات العالم المعاصر وننقدها.

 السلوك الجمعي

      ويربط اغلب علماء الاجتماع، السلوك الذي يقوم به مجموعة من الافراد بتنظيم مسبق او بدون تنظيم مسبق، بالتقاليد الاجتماعية المتعارفة. ويطلق على ذلك التصرف بالسلوك الجمعي. فالسلوك الجمعي هو تصرف الافراد تصرفاً جماعياً في مواقف يلفّها الغموض، كالمظاهرات الصاخبة، واعمال الشغب، والحالات الجماعية التي يفقد فيها الافراد تفكيرهم المتعارف، والاشاعات الخطيرة، وحالات الفزع الجماعي وقت الكوارث الطبيعية. اما المظاهرات السلمية، ونشاطات الاحزاب المختلفة، وفعاليات الجمعيات والنوادي فانها تُدرج تحت عنوان (الحركات الاجتماعية) التي هي اكثر تنظيماً من الاشكال الاخرى للسلوك الجمعي مع ان طابعها جماعي في اغلب الاحيان.

      ويتفق علماء الاجتماع ايضا على ان السلوك الجمعي احياناً يعني سلوكاً غير مستقر يُفتقد فيه البناء الداخلي بين الافراد، بل يصعب توقع نتائجه العملية؛ علاوة على ذلك فان ذلك السلوك قد يكون مشحوناً بالعاطفة فلا يعيش طويلاً. وبكلمة، فان السلوك الجمعي يعتمد كثيراً على التفاعل الاجتماعي الذي يحصل بين الافراد.

      وعلى الصعيد الادبي، فقد تناول بعض ادباء الغرب السلوك الجمعي عن طريق الروايات، فـ(جارلس ديكنـز) في روايته (قصة مدينتين)[2] عن الثورة الفرنسية يعرض صوراً من الاضطهاد الحكومي قبل الثورة، وصوراً من الارهاب الذي حصل خلال احداثها المتلاحقة. وتعرض تلك الرواية مخاوف الافراد وكفاحهم تحت ظل التغيرات الاجتماعية العنيفة التي حصلت في تلك الحقبة الزمنية. وفي رواية (هاربر لي) الموسومة (حتى يُقتل الطير المُحاكي)[3]، نلاحظ تأثر المؤلف بافكار المفكر الاجتماعي الفرنسي (غوستاف لوبون) القائل بان تجمع الافراد له تأثير عظيم على تفكيرهم وسلوكهم، ولذلك فان ذلك السلوك يكون مفتقداً للبناء العقلائي لانه لاينبع من صميم الارادة الحقيقية للفرد. وتتحدث هذه الرواية عن معاقبة واعدام احد العبيد الافارقة في العالم الجديد عن طريق مجموعات (اللنش) ذات الطبيعة العنصرية، مباشرة بعد عتقه من قبل سيده الابيض.

      ويعتبر السلوك الجمعي احد اهم الظواهر الاجتماعية التي يشهدها الافراد في حياتهم العامة لسببين، الاول: ان السلوك الجمعي غالباً ما يؤدي الى تغيير اجتماعي ملموس. فتظاهرات الطلبة الصاخبة في اوروبا، واعمال العنف العنصرية في امريكا، والحركات الاجتماعية في افريقيا، في الستينيات من هذا القرن كلها ادت الى تغيرات اجتماعية من نوع ما. والثاني: ان للسلوك الجمعي شروطه؛ فدراسة هذا السلوك على الصعيد الاجتماعي العلمي وفهم منشئه المعادي للنظام السياسي يساعد السلطة القائمة على احباط اهدافه المعلنة في التغيير الاجتماعي.

 شروط السلوك الجمعي

      ولما كان السلوك الجمعي الانساني ظاهرة استثنائية، كان لابد في تفسير نُشوئِهِ وطبيعة تحركه، من فهم الشروط الموضوعية الموضوعة له. وقد اختلف علماء الاجتماع في تحديدها بسبب اختلاف الظروف الاجتماعية والانسانية لذلك السلوك؛ الا ان عالم الاجتماع الامريكي (نيل سملسر) حددها في كتابه (نظرية السلوك الجمعي)[4] بستة شروط، وهي:

       1