(ص 1 -36)

دراسات نقدية مقارنة

 

الابعاد الاجتماعية لفريضة الحج

بحـث فـي طبيعـة السلـوك الجمعـي الاسلامـي

ونقد النظريات الاجتماعية السلوكية.

 

 السيد                                                                         الدكتور زهير الاعرجي

--------------------------------

الطبعة: الاولى  1415 هـ.ق./ 1994م.

الحوزة العلمية  - قم المشرفة

 

--------------------------------

المقدمـة

ليس هناك من شك في ان مناسك الحج التي شرعتها الرسالة الاسلامية تعتبر من اهم اشكال السلوك الجمعي الانساني في تاريخ البشرية. ومع ان اغلب المفكرين الاسلاميين قد نظروا الى الحج، في افكارهم واعمالهم الثقافية، من منظارين، الاول: وهو الاحكام الشرعية التي تلزم الفرد بوجوب الحضور عند تحقق الاستطاعة الشرعية، وما يرافق ذلك الحضور من إلزامات في تطبيق تلك الاحكام. والمنظار الثاني هو الاطار الروحي الذي يتجسد في الرحلة الشيقة الى بيت الله الحرام وما يرافقها من سمو اخلاقي عظيم يرفع الفرد المكلف الى اعلى درجات الكمال النفسي والروحي مع خالقه العظيم. الا ان هؤلاء المفكرين الاعلام لم يهتموا بجانب ثالث خطير من مقاصد واهداف الحج، الا وهو الجانب الاجتماعي وما يرافقه من سلوك جمعي عالمي ينتهي الى تغيير اجتماعي له ابعاد خطيرة.

وحتى نفهم طبيعة السلوك الجمعي في الحج، لابد لنا من دراسة معمّقة لجميع اشكال السلوك الجمعي الانساني الذي تبارى علماء الاجتماع على تحليله في محاولة منهم لفهم منشئه وتوقع نتائجه الحاسمة على صعيد التغيير الاجتماعي. فمن افكار (غوستاف لوبون) القائلة بان السلوك الجمعي يفتقد لأبسط اسس البناء العقلائي، الى معتقدات (نيل سملسر) في ان السلوك الجمعي لاينعقد الا بشروط موضوعية خارجية، وانتهاءً بفرضيات (جون دولارد) و (نيل ميلر) حول السلوك العدواني الناتج عن التذمر الجماعي للافراد. كل هذه الافكار تُشعر الفرد بان للسلوك الجمعي الكثير من المنظرين الذين عجزوا لحد الان عن تقديم نظرية شاملة تتناول شكلاً نموذجياً لسلوك جمعي انساني يستمر على مر العصور دون تغيير في الشكل والمضمون، الا انه في الوقت نفسه يؤدي دوره البناء في التغيير الاجتماعي المنشود. وحتى ان النظريات الخاصة بالسلوك الجمعي والحركات الاجتماعية لم تقدّم لنا تحليلاً متكاملاً حول طبيعة التجمعات السياسية او الدينية، وما تنتجه هذه التجمعات من آثار عظيمة في التغيير الاجتماعي. ولكن دراسة الابعاد الاجتماعية للسلوك الجمعي الاسلامي في مناسك الحج قوض هذه النظرة الغربية. فاننا في مناسك الحج، نقف امام نظرية جديدة في السلوك الجمعي الانساني يترتب عليها تغيير اجتماعي عظيم على الصعيد العالمي. ولاشك ان هذه النظرية المتكاملة تقدم لنا شكلاً نموذجياً للسلوك الجمعي الانساني؛ هذا السلوك الذي له القدرة والقابلية على الاستمرار الى الابد.

ان هذا الكتاب ـ عزيزي القارئ ـ محاولة متواضعة لاكتشاف النظرية الاسلامية في السلوك الجمعي من خلال دراسة مناسك الحج الشرعية السنوية، ومن خلال نقد النظريات الاجتماعية المطروحة على الساحة الفكرية العالمية.

وهو المستعان، وله الحمد في الاولى والآخرة، وما توفيقي الا بالله عليه توكلت واليه انيب.

  زهير الاعرجي

قم المشرفة / صفر الخير 1415 هـ .

--------------------------------

 اطروحة الكتاب

ناقش علماء الاجتماع في الغرب خلال القرن المنصرم مبادئ وشروط وانواع (السلوك الجمعي) باسهاب، وحاولوا تقديم نظريات اجتماعية تفسر اسباب نشوء ذلك السلوك. الا ان نظريات (العقل الجمعي) لـ (غوستاف لوبون)، و(التذمرـ العدوان) لـ (جون دولارد) و(نيل ميلر)، و(التفاعل الدائري) لـ (هربرت بلمر)، ونظرية (التقليد العرفية) لـ (رالف تيرنر) و (لويس كيلين)، لم تستطع ـ مجتمعةً او على انفراد ـ تقديمَ شكل نموذجي لسلوك جمعي انساني يحقق شروط التغيير الاجتماعي المنشود. وحتى ان نظريات (السخط الاجتماعي) و(سوء التوافق وعدم الانسجام الشخصي)، وفرضيات (نيل سملسر)، و (جون مكارثي)، و (ماير زالد) بخصوص نشوء الحركات الاجتماعية ـ والتي حاولت تفسير طبيعة الخصائص النفسية السايكولوجية للتنظيمات الاجتماعية ـ آمنت بان نشاط الحركات الاجتماعية يبقى مقيداً بزمان المشكلة المراد معالجتها. فاذا ما عولجت تلك المشكلة الاجتماعية انحلّت عندئذ تلك الحركة التي انما انشئت لذلك الغرض فحسب.

الا اننا نستنبط من مناسك الحج نظرية فريدة في السلوك الجمعي الاسلامي. فمناسك الحج تتصف بمواصفات متميزة على الصعيدين الروحي والاجتماعي. فيتجمع للطواف والسعي والوقوف والرمي والمبيت، الملايين من الافراد وهم على أتم اشكال الطهارة البدنية والروحية؛ ولاشك ان هؤلاء الافراد ـ بسبب شروط الحج في البلوغ والعقل ـ لديهم القابلية الفكرية والاستعداد النفسي على استيعاب وتقبل شروط ومفردات التغيير الاجتماعي. فالحج يؤدي الى الانسجام الفكري والروحي بين الافراد، ويؤدي الى صهر الخبرات الاجتماعية المتباينة من مختلف انحاء العالم من اجل بناء الدولة العالمية الموحّدة. بمعنى ان الحج يمنح المجتمعات الانسانية مصدراً مستمراً من مصادر التغيير الاجتماعي الناتج عن تفاعل الافراد من مختلف الثقافات والعادات والطبائع البشرية؛ وذلك عن طريق تقريب الافراد ـ بأجناسهم المتباينة ـ نحو بعضهم البعض، وتقصير المسافة المكانية بينهم.

وفي الوقت الذي تنكر فيه النظريات السلوكية الغربية المعاصرة دور النية والقصد في السلوك الانساني، لان النية ـ بزعمها ـ لاترتبط بالقضايا الفسيولوجية، الا اننا لانستطيع ان نربط الحافز العصبي بالسلوك الانساني ونهمل دور النية في الاندفاع نحو العمل. ونية القربة لله تعالى في النظرية الاسلامية تعتبر الاصل في السلوك الجمعي الاسلامي؛ وبدون النية لايتحقق ذلك السلوك، ولايتحقق القصد الى تلك العبادة. واذا كانت القوى الدافعة للسلوك الجمعي الغربي تنبع من واقعي اللذة والالم، فاننا ـ في النظرية السلوكية الاسلامية ـ نضيفُ دافعاً آخَر يدفع الافراد نحو اداء المناسك في السلوك الجمعي الاسلامي، وهو الدافع الامتثالي؛ اي دافع الامتثال للأوامر الالهية الذي ينشئ الحركة الخارجية والانطباع الذهني. ولاشك ان الالزام الداخلي الذي تولّده رسالة الدين في نفس الفرد، يرفع كل الوان الاكراه والتمرد والمفاعلة النفسية التي طرح مبادئها (ارفينك كوفمان) في فرضياته الخاصة بعلم النفس.

ان مناسك الحج العظيمة تنسف نظريتي (التفرج على الجريمة مع شعور اللامبالاة) و(انزال الاذى الجماعي بالافراد)، لان النفس الاجتماعية التي هذبها الاسلام تتعامل خلال المناسك ـ بل في كل وقت ـ مع الآخرين من منظار التعاون والتآخي والمشاركة في الآلام والافراح الانسانية؛ وان المساحة المكانية بين الافراد في الحج لها بعدها الاجتماعي ايضاً، باعتبار ان القرب المكاني الذي يختبره الحجيج هو القرب المكاني الخاص بذوي القربى والاصدقاء.

وبطبيعة الحال، فان اهم ثمار الاجتماع الانساني هو اشباع حاجة نفسية اصيلة عند الانسان وهي الشعور بـ (الانتماء الاجتماعي)، وهو الذي يميز الفرد عن بقية الغرباء، ويشعره بهويته الاجتماعية. الا ان الانتماء الاجتماعي لاينكر دور النظرية الاسلامية المرآتية في تطوير مشاعر الفرد المؤمن حول نفسه. فالمؤمن الطموح يجهد نفسه في اداء مناسك الحج بشكل طاهر وصحيح، لأنَّ نفسَهُ تنظر الى المرآة الالهية قبل ان تنظر للمرآة الاجتماعية. فاذا كان السلوكان الذاتي والداخلي مطابقين للخطاب الشرعي، كانت تلك النفس اكثر كمالاً وقرباً من المرآة الالهية، وعندها تكرر نفس السلوك ـ الذي سلكته في مناسك الحج ـ في حياتها الاجتماعية لاحقاً. ومن جانب آخر، فان الاسلام يرفض آراء (النظرية التقمصية) بزعامة (جورج ميد)، باعتبارها شكلاً من اشكال التقليد الاعمى وظاهرة من ظواهر النفاق؛ الا انه في الوقت نفسه يشجع الافراد على الاقتداء بشخصيات مسدّدة من قبل الذات الالهية كالانبياء والاوصياء (ع). وبطبيعة الحال ، فان الحج يعدُّ من اعظم مصاديق مكافحة الاغتراب الانساني التي نلاحظ مساوئه الاجتماعية في الحضارة الغربية اليوم.

--------------------------------

القسم الاول

السلوك الجمعي في فريضة الحج

       دور الحج في البناء الاجتماعي * السلوك الجمعي * شروط السلوك     الجمعي* انواع السلوك الجمعي: 1ـ الجمهور 2ـ الجماهير           3 ـ الغوغائية 4 ـ الذعر الجماعي 5 ـ الاشاعات 6 ـ الهستريا الجماعية 7 ـ الموضات 8 ـ الرأي العام * النظريات الغربية الخاصة بالسلوك الجمعي ونقدها: 1 ـ نظرية (غوستاف لوبون) 2 ـ نظرية الانسلاخ الاجتماعي 3 ـ النظرية العدوائية 4 ـ نظرية التقليد العرفية 5 ـ نظرية الميول والتقارب* الحركات الاجتماعية * النظريات الغربية الخاصة بظهور الحركات الاجتماعية ونقدها: ـ النظريات النفسية ـ نظريات الضغوط الاجتماعية 3 ـ نظرية النفير الاجتماعي وتجميع مصادر القوة * خصائص الحركات الاجتماعية * النظرية الاسلامية في السلوك الجمعي* الاشكال الشرعية للسلوك الجمعي في فريضة الحج : أ -الطواف بالبيت العتيق ب - السعي بين الصفا والمروة ج - الوقوف في       عرفات د - الافاضة الى المزدلفة هـ -المبيت في منى * الاستنتاج * فلسفة السلوك الجمعي الاسلامي.

--------------------------------

 دور الحج في البناء الاجتماعي

      لما كان الحج واعماله التعبدية ركناً على درجة عظيمة من الاهمية على الصعيد الشرعي، فاننا نفترض ان ينبثق عن تلك الفريضة لونان من الوان النشاط الانساني؛ اللون الاول: هو النشاط التعبدي الفردي وما يصاحبه من خشوع وتواضع وتذلل للمولى عز وجل. والثاني: هو النشاط الاجتماعي الذي يتمثل بالسلوك الجمعي وماينتج عنه من تفاعل بين الافراد من مختلف الاجناس ويؤدي بالنهاية الى التغيير الاجتماعي الذي هو الاصل في نشاطات السلوك الجمعي.

      فالحج يولد شعوراً لدى الفرد المندمج بمناسكه وافعاله، بالوحدة الكونية للخلق والمخلوقات. فالنظام الكوني في الحركة والدوران والبداية والنهاية ينعكس بشكل من الاشكال على هذه الافعال التعبدية المنتظمة كالطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، والصعود الى جبل عرفات، والافاضة الى المزدلفة، ونحوها. وهذا الانسجام في طبيعة مناسك الحج تُبرز شكلاً جديداً من اشكال التنظيم الاجتماعي الذي يستحق تأملاً دقيقاً في اهدافه ومقاصده الاجتماعية.

      والحجيج ليسوا افراداً في جمهور يمارس عنفاً، او جمهور منفعل عاطفياً، او افراداً يعيشون حالة ذعر جماعي او هستيريا جمعية، او افراداً يسيرون في مظاهرات سلمية مجردة. بل ان تنظيم ومقاصد الحج تتجاوز كل الوان واشكال السلوك الجمعي التي ناقشها علماء الغرب؛ خصوصاً اذا ما علمنا بان هذا السلوك الجمعي مبنيٌّ على طهارة الحجيج من النجاسات المادية كالحدث والخبث، والنجاسات الروحية كالجدال والفسوق، ومبنيٌّ على الزامهم بارتداء زيّ مُوَحَّد يُعَدُّ من ابسط الازياء الانسانية، وعلى حثهم على مراقبة سلوكهم في عدم ايذاء الكائنات الحية كالحيوانات والاشجار، بل كل ما يخص البيئة الانسانية وما حولها. ولاشك ان هذا التهذيب الفردي ضمن السلوك الجماعي يترك آثاره النفسية والتربوية العميقة داخل شخصيات الافراد.

      ولعل اخطر ما ينتجه الجانب التطبيقي الخاص باركان الحج هو التغيير الناتج من تفاعل الافراد مع بعضهم البعض. فالتكليف الوجوبي لتأدية تلك الفريضة مرهون بشروط ثلاثة، وهي البلوغ والعقل والاستطاعة؛ بمعنى ان القدرة المالية والعقلية هي التي تحدد وجوب الحج. ولكن اذا استثنينا القدرة المالية باعتبارها مجرد وسيلة للوصول لتأدية اعمال الحج، بقيت لدينا القدرة العقلية، وهي الاصل في التفاعل والتغيير الاجتماعي. اي ان الافراد الذين يجتمعون لاداء المناسك هم الذين لديهم القابلية الفكرية والاستعداد النفسي على استيعاب شروط ومفردات التغيير الاجتماعي. ولاشك ان الحجيج يفدون من مجتمعات انسانية متباينة في الفكر واللغة والعادات الاجتماعية والثقافية، والحج لايوحدّهم على صعيد السلوك العبادي فحسب، بل على صعيد الفهم الاجتماعي لطبيعة المجتمعات الاخرى. ومثال ذلك، ان الافراد المنتمين لمجتمع اكثر تطبيقاً لاحكام الاسلام الاجتماعية والزاماته الاخلاقية، اذا تواجدوا على ساحات البيت الحرام وحرم مكة فانهم سيتميزون عن غيرهم من بقية افراد المجتمعات، بسبب تطابق سلوكهم مع السلوك الشرعي. وهذا السلوك العملي القريب من جوهر الاسلام سيترك آثاره الواضحة على بقية الافراد من المجتمعات الاخرى. وبسبب هذا التفاعل الاجتماعي، فان المسلمين على اختلاف تركيبتهم الثقافية والاجتماعية سيكتسبون من بعضهم البعض بما يرفع من مستواهم الاخلاقي والتطبيقي بالمقدار الذي ينسجم مع الشريعة. وهذا هو المقصود من التغيير الاجتماعي المطلوب.

      ولما كانت الرسالة السماوية تعكس جوهر العدالة الاجتماعية بين الافراد، فان الحج والمناسك المنبثقة عنه لابد وان تكون مسرحا لاظهار تلك الصورة المشرقة  من صور المساواة بين الافراد، ومحاولة  تضييق الفوارق الطبقية، واعادة توزيع الثروات الاجتماعية فيما بينهم.

      واول مرحلة في هذا المضمار تبدأ بتصفية الفرد حساباته المالية مع المولى عز وجل ومع الناس، وذلك باخراج الحقوق الشرعية المترتبة عليه قبل الاقدام على الحج. فقد اجمع الفقهاء على ان الفرد اذا كان يملك مبلغاً من المال، وقد تعلّق فيه الخمس والزكاة، فعليه ان يقدمهما لانهما دَّيْن، ولايمكن ان تتحقق الاستطاعة شرعاً الا بعد وفاء الدَّيْن. اما اذا لم يكترث ذلك الفرد لدفع الحقوق الشرعية وذهب لاداء الحج، فان حجه سيكون باطلاً، لانه تصرف بمال الغير. وحتى لو كان وجوب الحج مؤكداً الا ان ذلك لايبرر سوء تصرفه بحقوق الله او حقوق الناس. وقد اتفق الاصوليون على ان المزاحمة اذا وقعت بين الوجوب والحرمة قُدّمت الحرمة على الوجوب.

      والمرحلة الثانية هو توحيد الزي في الاحرام، وهو لبس ثوبي الاحرام للرجل يأتزر بأحدهما ويرتدي الاخر، شرط ان لايكونا مخيطين. وهذا الزي يعكس ايضاً جوهر المساواة بين الافراد وعدم تميز بعضهم على البعض الاخر حتى لو كانت لدى البعض منهم السطوة والسلطة والمال؛ لان هذا الزي المبسّط يذكّر الانسان بقيمته الحقيقية في الحياة الدنيوية، وهي ان هذه الحياة مجرد محطة من محطات حياتية مستمرة الى الابد ينتقل فيها الانسان دون متاع دنيوي مادي. وما يحمله في رحلته الشاقة هذه الى المحطة الابدية هو العمل وفاتورة الحسابات المعنوية الملحقة به.

      والمرحلة الثالثة هي مرحلة الذبح واطعام الفقراء. فالهدي او الاضحية مستحبة في ذاتها بصرف النظر عن الحج واعماله، الا انها تجب في الحج في مواضع ذكرها القرآن المجيد منها حج التمتع، وكفارة المُحْرِم اذا حلق رأسه لضرورة، وكفارة المُحْرِم اذا اصطاد، وهدي الحصار. والمستحب شرعاً ان تقسّم الاضحية اثلاثاً؛ الثلث الاول: للفرد المُضحّي واهل بيته. والثاني: لاخوانه وجيرانه. والثالث: للمحتاجين. ولاشك ان هذه الكمية الكبيرة من اللحوم تُشبع ملايين الفقراء اذا اُحسِن تنظيم توزيعها، وفَهِمَ القائمون عليها مقاصد واهداف الشريعة في ذلك. ولاشك ان تقسيم الاضحية اثلاثاً يرفع الغبن الموضوع على الفقراء، ويحاول ان يرفع عنهم الاذلال الذي يسلّطه عليهم الاغنياء في المجتمعات التي تهمل تطبيق مفردات الشريعة؛ فتكون مساهمة المُضحّي، المستطيع مالياً  ـ في تناول طعام من تلك الاضحية بالذات على قدم المساواة مع الفقراء ـ بمثابة تأسيس ركن من اركان الانسجام النفسي الذي يدعو اليه الاسلام في العلاقات الاجتماعية بين الذين يملكون والذين لايملكون.

      وثمة عامل آخر مهم ينبثق عن مناسك الحج، ويقوم بدور البناء الاجتماعي ايضاً، وهو ترسيخ دور القيادة الدينية المرجعية في حياة الامة الاسلامية؛ لان المفترض بالحجيج ان يقلّدوا فقيهاً مرجعاً يرشدهم الى تعاليم دينهم، وهذه القيادة الشرعية الفكرية لها مردودها الايجابي على انسياب العمل الاجتماعي وانسجام الافراد في توجهاتهم العملية والروحية. ولاريب ان القيادة العلمائية تستطيع ان تفرض التغيير الاجتماعي على الافراد، الا ان ذلك ليس من طبيعة الرسالة الاسلامية التي تهتمّ بالفرد اهتماماً شاملاً وتحمّله مسؤولية القيام بالعمل العبادي الفردي والعمل الاجتماعي على خط متواز كما نتلمس ذلك من روح النص المجيد: (ان الله لايغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم)[1]. ولذلك فان دور الفقيه هو ارشاد الافراد نحو ضمان صحة تطبيق احكام الشريعة الاسلامية، خصوصاً فيما يتعلق بمناسك الحج التي نحن بصددها. الا ان التفاعل الاجتماعي بين الافراد وما يحققه من نتائج عظيمة في التغيير الاجتماعي هو من مسؤولية الافراد انفسهم. ويجب ان لا يغيب عن بالنا ابداً ان هؤلاء الافراد لديهم القابلية العقلية والفكرية المشروطة في التكليف الشرعي الخاص بوجوب الحج، على ايصال مجتمعاتهم الى مستوى الكمال الروحي والاجتماعي الذي صمّمه لهم الاسلام.

      الا اننا حتى لو استوعبنا مفاهيم الحج وابعاده الشرعية والاجتماعية من وجهة نظرنا الاسلامية الخاصة، يبقى فهمنا المعاصر قاصراً على الصعيد الموضوعي ما لم ندرس بالنقد، النظريات الاجتماعية الأخرى التي آمن بها علماء اجتماع من ثقافات واديان متباينة بعيدة جغرافياً وفكرياً عن الواقع الاسلامي. ولاشك ان اكثر النظريات انتشاراً واهمها استقطاباً للافراد اليوم هي نظريات الاجتماع الغربية التي تناولت مبادئ وشروط السلوك الجمعي، كنظرية (الانسلاخ الاجتماعي)، ونظرية (غوستاف لوبون)، والنظرية العدوائية، ونظرية التقليد العرفية، ونظرية الميول والتقارب، ونحوها. بيْدَ ان تحليلنا ونقدنا لهذه النظريات يساهم في ارساء لبنة النظرية الاسلامية، لاننا لانستطيع ان نقنع العالم المعاصر بصحة نظرياتنا الاجتماعية والروحية ما لم نفهم نظريات العالم المعاصر وننقدها.

 السلوك الجمعي

      ويربط اغلب علماء الاجتماع، السلوك الذي يقوم به مجموعة من الافراد بتنظيم مسبق او بدون تنظيم مسبق، بالتقاليد الاجتماعية المتعارفة. ويطلق على ذلك التصرف بالسلوك الجمعي. فالسلوك الجمعي هو تصرف الافراد تصرفاً جماعياً في مواقف يلفّها الغموض، كالمظاهرات الصاخبة، واعمال الشغب، والحالات الجماعية التي يفقد فيها الافراد تفكيرهم المتعارف، والاشاعات الخطيرة، وحالات الفزع الجماعي وقت الكوارث الطبيعية. اما المظاهرات السلمية، ونشاطات الاحزاب المختلفة، وفعاليات الجمعيات والنوادي فانها تُدرج تحت عنوان (الحركات الاجتماعية) التي هي اكثر تنظيماً من الاشكال الاخرى للسلوك الجمعي مع ان طابعها جماعي في اغلب الاحيان.

      ويتفق علماء الاجتماع ايضا على ان السلوك الجمعي احياناً يعني سلوكاً غير مستقر يُفتقد فيه البناء الداخلي بين الافراد، بل يصعب توقع نتائجه العملية؛ علاوة على ذلك فان ذلك السلوك قد يكون مشحوناً بالعاطفة فلا يعيش طويلاً. وبكلمة، فان السلوك الجمعي يعتمد كثيراً على التفاعل الاجتماعي الذي يحصل بين الافراد.

      وعلى الصعيد الادبي، فقد تناول بعض ادباء الغرب السلوك الجمعي عن طريق الروايات، فـ(جارلس ديكنـز) في روايته (قصة مدينتين)[2] عن الثورة الفرنسية يعرض صوراً من الاضطهاد الحكومي قبل الثورة، وصوراً من الارهاب الذي حصل خلال احداثها المتلاحقة. وتعرض تلك الرواية مخاوف الافراد وكفاحهم تحت ظل التغيرات الاجتماعية العنيفة التي حصلت في تلك الحقبة الزمنية. وفي رواية (هاربر لي) الموسومة (حتى يُقتل الطير المُحاكي)[3]، نلاحظ تأثر المؤلف بافكار المفكر الاجتماعي الفرنسي (غوستاف لوبون) القائل بان تجمع الافراد له تأثير عظيم على تفكيرهم وسلوكهم، ولذلك فان ذلك السلوك يكون مفتقداً للبناء العقلائي لانه لاينبع من صميم الارادة الحقيقية للفرد. وتتحدث هذه الرواية عن معاقبة واعدام احد العبيد الافارقة في العالم الجديد عن طريق مجموعات (اللنش) ذات الطبيعة العنصرية، مباشرة بعد عتقه من قبل سيده الابيض.

      ويعتبر السلوك الجمعي احد اهم الظواهر الاجتماعية التي يشهدها الافراد في حياتهم العامة لسببين، الاول: ان السلوك الجمعي غالباً ما يؤدي الى تغيير اجتماعي ملموس. فتظاهرات الطلبة الصاخبة في اوروبا، واعمال العنف العنصرية في امريكا، والحركات الاجتماعية في افريقيا، في الستينيات من هذا القرن كلها ادت الى تغيرات اجتماعية من نوع ما. والثاني: ان للسلوك الجمعي شروطه؛ فدراسة هذا السلوك على الصعيد الاجتماعي العلمي وفهم منشئه المعادي للنظام السياسي يساعد السلطة القائمة على احباط اهدافه المعلنة في التغيير الاجتماعي.

 شروط السلوك الجمعي

      ولما كان السلوك الجمعي الانساني ظاهرة استثنائية، كان لابد في تفسير نُشوئِهِ وطبيعة تحركه، من فهم الشروط الموضوعية الموضوعة له. وقد اختلف علماء الاجتماع في تحديدها بسبب اختلاف الظروف الاجتماعية والانسانية لذلك السلوك؛ الا ان عالم الاجتماع الامريكي (نيل سملسر) حددها في كتابه (نظرية السلوك الجمعي)[4] بستة شروط، وهي:

       1- التركيبة الاجتماعية المساعِدة: اي ان السلوك الجماعي لايحصل دون وجود عوامل مساعدة تساهم في انشاء ذلك السلوك. فالفوضى الاقتصادية التي حصلت في الثلاثينيات من هذا القرن في الولايات المتحدة وما صاحبها من خروج الافراد في تظاهرات عنف امام البنوك التجارية، لم تكن لتحصل لولا وجود سوق البورصة الذي يتعامل مع بيع وشراء الاسهم اولاً، ولولا وجود البنوك التي لا تملك النقد الكافي دائماً لسد الطلبات الاستثنائية الكبيرة، ثانياً. ومثال آخر هو ان الاضطرابات العنصرية في اوروبا الغربية ما كانت لتحصل لولا وجود عدد كبير من افراد الاقليات الملونة التي يعاملها المجتمع الابيض بشكل يغاير التعامل الانساني الطبيعي فيما يتعلق بالحقوق والواجبات.

      2- الضغط الاجتماعي: فالضغط الاجتماعي الذي تضعه السلطة السياسية او القضائية على الافراد كالفقر، والتمييز العنصري، والقلق من المستقبل الاقتصادي ونحوها ينتج جهدا جماعياً للتعامل مع تلك المشكلة. فمظاهرات الجياع وقت ارتفاع اسعار المواد الغذائية وانعدام العدالة الاجتماعية، واعمال الشغب في السجون، ومظاهرات التخريب، والنهب الجماعي، كلها امثلة يكون سببها ـ في الاصل ـ الوضع الاجتماعي المتأزم الذي يؤدي الى انشاء ذلك السلوك الجمعي.

      3- الاعتقاد العام بمنشأ المشكلة الاجتماعية: وهو اشتراك الافراد بتعريف تلك المشكلة الاجتماعية، وتشكيل رأي عام حولها، ثم محاولة ايجاد عمل مشترك للتعامل معها. فالمواطنون السود في الولايات المتحدة يعرفون ان مشكلتهم الاساسية في الحياة الاجتماعية هي التمييز العنصري الذي يميزهم في العمل والخدمات وينغّص عليهم سعادتهم الاجتماعية. وما اعمال العنف التي يقومون بها ضمن السلوك الجمعي الا نتيجة طبيعية لذلك الاعتقاد العام بالظلم الاجتماعي. والمسلمون الواعون مثلاً في مناطق مختلفة من العالم الاسلامي يعلمون ان اصل مشاكلهم الاجتماعية ومنشأ الظلم الذي أُلحق بهم نابع من سيطرة الدول النصرانية الكبرى على مقدرات امورهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

      4- العوامل المترسبة: فالسلوك الجمعي لايحصل بمجرد تجمع مجموعة من الافراد في شارع ما مثلا، او تجمع افراد في مقهى عام، بل لابد ان يكون هناك برميل زيت ينتظر تلك الشرارة. فاعمال العنف التي حصلت في المجتمعات الصناعية الاوروبية وبالخصوص في احيائها الفقيرة كان منشأها العوامل المترسبة من الكراهية بين النظام الاجتماعي وما يمثله من رجال شرطة وبين الافراد الفقراء الذين يعيشون في تلك المناطق. والاعمال العنصرية في جنوب افريقيا ـ ولحد قريب ـ كان منشأها العوامل المترسبة من اثر التمييز بين الاجناس البشرية على اساس لون البشرة والاصل العرقي. واعمال الشغب في الهند مصدرها العوامل المترسبة من آثار التمييز الديني بين الافراد.

      5- القيادة المحرّكة: فاذا برزت القيادة التي تحرّك الافراد، فان السلوك الجمعي بشروطه سيصبح اقوى احتمالاً واكثر حظاً في اصابة الهدف.

      6- فشل الضبط الاجتماعي: ولكن اذا كان الجهاز الامني يستطيع السيطرة على انفعال الافراد وغضبهم، فان ذلك الجهاز يستطيع التقليل من احتمالات السلوك الجمعي والتأثيرات الاجتماعية الناتجة عنه. اما اذا حصل العكس، وعجز الجهاز الامني عن السيطرة على اندفاع الافراد نحو السلوك الجماعي، اصبح تحقيق اهداف ذلك السلوك امراً حتمياً.

      وهذه العوامل تلخص نظرية (نيل سملسر) في شرح شروط السلوك الجمعي. ولكن، مع ان هذه الشروط تقدّم اطاراً نافعاً لفهم منشأ ذلك السلوك، الا انها لاتستطيع تحليل السلوك الجمعي تحليلاً علمياً خارج اطار الاحداث الاجتماعية التي تصنع مفردات ذلك التجمع والاحداث الملحقة به. فكل سلوك جمعي له ظروفه الخاصة التي لاتخضع لشروط الضغط الاجتماعي كالمسيرات التي يجمعها الطابع السلمي او العاطفي كالفرح والحزن والغضب؛ فهي بواقعها العفوي لاتخضع لشروط نظرية (نيل سملسر)، مع ان هذه المسيرات العفوية الطارئة لاتنظمها الحركات الاجتماعية. فتشييع رفات احد افراد النظام الاجتماعي المقتول ظلماً ما هو الا سلوك جمعي لايخضع لتلك الشروط التي ذكرها (نيل سملسر)، مع انه قد يحقق كل اهداف السلوك الجمعي في التغيير الاجتماعي. وكذلك الاحتفال بالمناسبات السعيدة العظيمة كالانتصارات العسكرية والثورات ونحوها، التي يخرج فيها الافراد عن بكرة ابيهم تعبيراً عن سرورهم وابتهاجهم بتلك المناسبات. والعجز عن تحليل هذا السلوك الجمعي الخاص بالظروف الاجتماعية يضعف موقف هذه النظرية في هذا المضمار.

انواع السلوك الجمعي

      ولابد لنا قبل دراسة السلوك الجمعي الاسلامي بشروطه وخصائصه، من الاشارة الى الانواع المتعددة للسلوك الجمعي العام، التي آمن بوجودها علماء اجتماع الغرب. وقد بنى هؤلاء نظرياتهم الاجتماعية على اساس فهم تلك الانواع المتعددة من سلوك الافراد. الا ان هذه الانواع تشكل جانبا من جوانب السلوك الانساني فحسب، ولايمكن النظر اليها على اساس البديهيات، بل هي مجرد فرضيات خاضعة لكل اشكال النقد والنقاش والنقض. وهذه الانواع من السلوك الجمعي هي:

      1- الجمهور: وهو مجموعة من الافراد تجتمع مؤقتاً بالقرب من بعضها البعض، فتنشئ تفاعلاً اجتماعياً. والجمهور المحتشد يعتبر كياناً غير مستقر اجتماعياً، ولايمتلك التركيبة الفكرية التي تجعله يتفاعل لفترة طويلة. وافضل امثلة الجمهور، هي المظاهرات المنظّمة التي يكون هدفها بالاساس الاعلان عن الاحتجاج السياسي والاجتماعي. ولكن الاحتشاد يفتح فرصا واسعة للسلوك الجمعي المصحوب بالعنف كاعمال التخريب المقصود، أو اعمال الشغب والرعب الذي يرافقه هرب جماعي.

      2- الجماهير: وهي مجموعة من الافراد التي تهمها نفس المشكلة الاجتماعية التي شغلت بال الجمهور، الا ان افراد هذه المجموعة لا يتواجدون بالقرب المكاني من بعضهم الآخر. فالافراد المنضوون تحت راية الجماهير لايعرفون بعضهم البعض على الصعيد الشخصي، الا انهم يستجيبون لنفس المشكلة الاجتماعية بنفس التفكير والاسلوب. ولاشك ان من اهم اشكال عمل الجماهير هو تعبيرها عن رأي عام يوحد توجهاتها.

      ولكن الجماهير لاتستطيع ان تتصرف تصرفاً جمعياً ما لم تتواجد على ساحة جغرافية واحدة كشوارع وساحات المدن؛ لان الرأي العام وحده لايولّد سلوكاً جماعياً كما يولّده السلوك الجمعي المتمثل بتواجد الجمهور على مسرح جغرافي واحد.

      3-الغوغائية: وهو اصطلاح يطلق على الجمهور المنفعل عاطفياً، ويؤدي انفعاله الى اعمال عنف وتخريب. ومع ان هذا اللون من الجمهور له قادته الذين يوجهون وينسقون سلوك افراده، الا ان اهداف هذا السلوك محدودة، وتركيبته الاجتماعية غير مستقرة بالمرة. ولكن سلوك الجمهور الغوغائي يعتبر من اخطر التحديات ضد النظام الاجتماعي والسياسي. وكان من اهم ادلة علماء الاجتماع التاريخية على خطورة السلوك الغوغائي هو احداث الثورة الفرنسية التي غيّرت مجرى تاريخ فرنسا، حيث توجّهت الجموع الغاضبة المنفعلة نحو سجن الباستيل في باريس واقتحمته بكل قوة ثم افرجت بعدئذ عن السجناء معلنة في الوقت نفسه عن سقوط النظام السياسي والاجتماعي القائم آنذاك. ومثال آخر من امثلة الجمهور الغوغائي هو نشوء مجاميع (اللنش) في غرب وجنوب الولايات المتحدة في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي[5]. وهذه المجاميع كانت قد انشئت من قبل المستوطنين البيض لاعدام العبيد الذين منحوا الحرية تواً من ساداتهم ذي الاصل الاوروبي الابيض. والمبرر الذي قدمته هذه المجاميع الغوغائية حول قرارها في اعدام هؤلاء الابرياء هو ان هؤلاء العبيد ينبغي تجريمهم باعتبارهم سلكوا سلوكاً مخالفاً للعرف الاجتماعي مثل اصرارهم على التصويت في الانتخابات، وركوبهم في حافلات خاصة بالبيض، وتوفقهم في المجالات الاقتصادية[6]. ومثال ثالث، هو اعمال العنف التي تتفجر بين فترة واخرى في شوارع اوروبا الغربية وامريكا الشمالية بسبب الظلم الاجتماعي للاقليات الدينية والعرقية. فيعبّر هؤلاء الافراد عن غضبهم من خلال تدمير الممتلكات العامة والخاصة للنظام الاجتماعي.

      4- الذعر الجماعي: وهو شكل من اشكال السلوك الجمعي الذي يواجه فيه الناس خطراً محققاً فيتصرفون من وحي ذلك الخطر المحدق بهم تصرفاً مشوباً بالخوف والاضطراب والفورية. ويحصل هذا الذعر الجماعي عندما يضطرب العرف الاجتماعي المألوف بسبب طروء حالة استثنائية كالزلزال، او الفيضان، أو الحريق الواسع، أو الاحتلال العسكري، أو غرق سفينة بركابها او نحوها. ومنشأ الذعر هو انهيار حالة التوقع الاجتماعي الطبيعية التي يتوقع فيها الافراد سلوكاً هادئاً معيناً عندما يخرجون الى اعمالهم في الصباح، وانكسار اواصر التعاون الاجتماعي؛ وعندها يحاول كل فرد النجاة بنفسه من مصادر الخطر المحدق.

      ولكن هذا الشكل من اشكال السلوك الجمعي قد يوهم الفرد بان الكوارث الطبيعية دائماً تؤدي الى ذعر وانكسار وهروب، وهو غير صحيح. لان الكوارث الطبيعية كالزلزال، وغير الطبيعية كالاحتلال مثلاً تؤدي في اغلب الاحيان الى تماسك في السلوك الاجتماعي للمنطقة المتضررة، ومحاولة الافراد مساعدة بعضهم الآخر حتى تتم معالجة آثار ما بعد الكارثة.

      5- الاشاعات: وهي معلومات تنقل بشكل منظّم عن طريق مصادر مجهولة. وقد تكون صادقة  وقد تكون كاذبة، وربما تكون خليطاً بين الصدق والكذب. ولكن من الصعب معرفة منشئها، على عكس المعلومات التي تنشرها الحكومة او اجهزتها الاعلامية. وخطورة الاشاعات تكمن في انها تسير سيراً متوازياً مع اخبار اجهزة الاعلام الرسمية او شبه الرسمية. بل يعتبر انتشار الاشاعة شكلاً من اشكال السلوك الجماعي، لان تأثير الاشاعة نفسه قد يسبب نوعاً من السلوك الجمعي. فاذا كان الوضع الاجتماعي والسياسي متوتراً، فان اي اشاعة قوية قد تحرض الجمهور على الخروج الى الشوارع تحدياً للنظام الاجتماعي؛ خصوصاً اذا كان النظام السياسي يحرم الافراد من حقوقهم المشروعة في الحصول على معلومات صادقة. وتنتشر الاشاعات ايضا اذا كان الافراد لايثقون بحكومتهم ولايعترفون بالمعلومات التي تقدمها لهم. وبكلمة، فان الاشاعة هي البديل الاعلامي عن الخبر الصادق، في وضع اجتماعي محروم من استلام الاخبار الصادقة. ولاشك ان تأثير الاشاعة على انشاء السلوك الجمعي يعتمد على فكرتها، وعدد الافراد الذين ينقلونها، والزيادات التي تضاف عليها، وموقف الافراد العقائدي منها. ويختلف توجه الافراد نحو الاشاعة ايضاً، بدرجات اختلافهم في تأييد النظام الاجتماعي او الاعتقاد بفكرته وصحة تطبيقاته العملية.

      6- الهستريا الجماعية: وهو شكل من اشكال السلوك الجمعي المصحوب بقلق وحذر جماعي، استناداً على تصديق معلومات غير صحيحة. ونتيجة لذلك القلق الجماعي فان الافراد قد يتصرفون تصرفاً غير عقلائي لحماية انفسهم. ويعرض علماء الاجتماع الغربيون مثالاً واضحاً على الهستريا الجماعية[7]. وهذا المثال يلخص ما حصل في مدينة نيويورك سنة 1938 م. حيث كانت اذاعتها تبث رواية للكاتب (أ.ج. ولس) اسمها (حرب العوالم الخارجية). وكان من تصميم الرواية ان تذاع نشرة اخبارية مفاجئة حول هجوم يقع على الارض من قبل كائنات اخرى في كواكب بعيدة عن الارض. لكن المفاجأة الاكبر ان محتوى النشرة الاخبارية الروائية كان قد صدّقها اكثر من مليون مستمع من مجموع عدد اجمالي قدر بستة ملايين مستمع. فهرع الذين صدقوا الخبر من منازلهم، وتجمع قسم منهم في الاماكن العامة، وآوى قسم آخر منهم الى الملاجئ.

      وهذا السلوك الجمعي الذي حصل في نيويورك لم يكن ناشئا من فراغ؛ بل كانت له اسبابه وحيثياته الارتكازية، ومنها: أولاً: ان الوضع العسكري في اوروبا كان ينذر بقرب انفجار الحرب العالمية الثانية؛ ولذلك فان الافراد كانوا اكثر اهتماما بسماع الاخبار الصادرة من الاذاعة. ثانياً: انتشار المعلومات الحديثة في ذلك الوقت عن احتمال وجود كائنات حية في المريخ والكواكب الاخرى، واعتقاد الناس بصحة تلك المعلومات. ثالثاً: وثوقهم بصحة الاخبار التي تنقلها المصادر الحكومية، خصوصا الاذاعة السمعية. رابعاً: عدم تمييز نسبة عظمى من الافراد بين الرواية والدراية، بمعنى ان خلط الواقع بالخيال في ذلك الموقف هو الذي ادى الى تلك الهستريا الجماعية.

      7- الموضات: وهي نظام خاص يُصمم من قبل مصممين لتغيير مظهر الفرد الخارجي، وما يتبعه من تأثير اجتماعي على سلوكه الشخصي ايضا. ولكن للموضة منشأ سياسي واقتصادي للنظام الرأسمالي. فالعرف الاجتماعي يقبل الموضة باعتبارها قضية مؤقتة تستبدل بعد فترة بتصميم آخر. ولعل السبب في ان الموضة تعتبر ركناً من اركان التغيير الاجتماعي في المجتمعات الصناعية هو ان الشركات الصناعية الرأسمالية الكبرى لها مصلحة اقتصادية عظيمة في تغيير المظهر الخارجي للافراد فيما يخص الملابس ووسائل النقل الخاصة والكماليات، كي تجني تلك المؤسسات الرأسمالية اكبر قدر من الارباح. هذا اولاً، وثانياً ان الموضة في المجتمع الرأسمالي تُحدِّد طبقة الفرد ومنـزلته الاجتماعية. فاقتناء آخر موديلات السيارات والملابس ومحال السكن والكماليات تشخّص هوية الفرد ـ المقتني ـ الطبقية. فالموضة اذن، تنسجم مع تطلعات النظام الاجتماعي الطبقي اكثر من تطلعات بقية الانظمة الاجتماعية الأخرى. ولاشك ان الموضة تعتبر شكلاً من اشكال السلوك الجمعي، لانها تَفرُض على الافراد سلوكاً مشتركاً.

      اما الصرعات الاجتماعية، وهى اشكال مؤقتة من السلوك الجمعي التي تظهر وتختفي بين فترة واخرى امثال السلوك المستند على التيارات الموسيقية ونحوها، والسلوك المستند على المكاسب الاقتصادية الطارئة، والسلوك المنبثق عن عادات اجتماعية جديدة. فان هذه الاشكال من السلوك الجمعي كلها، تجهّز الفرد الذي يشعر بنقص ما في هويته الشخصية بعناصر اضافية لشخصيته الجديدة، فتجعله يعتقد بان هذا السلوك الجديد سوف يساهم في تمييز شخصيته عن شخصيات الآخرين. وباجتماع  هؤلاء الافراد الذين يشعرون بالنقص، في سلوك موحد، ينبثق هذا اللون المؤقت من السلوك الجمعي.

      8- الرأي العام: ويشترك الافراد في المجتمع بالنظر الى بعض القضايا والمشاكل التي تهمهم بنظرة متفقة. وهذه النظرة المتفقة اقرب الى النظرة العقلائية في المجتمع من نظرة الجمهور المتجمع في بقعة جغرافية واحدة وطبيعة السلوك الجمعي المنبثق عنه؛ لان الافراد الذين يشتركون في الرأي العام يفكرون ويعبّرون عن مشاعرهم كافراد مستقلين لا كمجموعة واحدة كما هو الحال في الجمهور. لكن قرارهم يخضع لنفس الضغوط الموجهة نحو الجمهور وسلوكه الجمعي. ولما كانت الحكومات الصناعية لاتستطيع ترك الافراد يفكرون بمحض حريتهم دون اي تأثير خارجي، لان ذلك قد يسبب اضطراباً في التركيبة الاجتماعية؛ فقد ساهمت تلك الحكومات بشكل فعال في تنمية وسائل الاعلام شبه الرسمية حتى تستطيع التأثير على الافراد تماماً كما تستطيع الايحاءات والاشارات التأثير على سلوك الجمهور المحتشد في شارع من شوارع المدينة. بمعنى ان الرأي العام، مع انه عبارة عن مجموع قرارات الافراد تجاه مشكلة معينة، الا انه في الواقع يمثل جزءاً من ايحاءات وسائل الاعلام الرسمية وشبه الرسمية للجمهور غير المحتشد. بل ان رسالة وسائل الاعلام الرأسمالية لاقناع الرأي العام بالقضايا التي تطرحها، يمكن ان ندرجه تحت عنوان (الدعاية). وبتعبير آخر فان المعلومات او الآراء المعروضة انما تعرض مع تصميم وقصد مسبق لاقناع الجمهور بتبني تلك الآراء، بغض النظر عن ارتكازها الواقعي، ودون الاكتراث لحرية واستقلالية الافراد في انتخاب ما يشاءون من الافكار والمواقف.

 ***    ***    ***

     هذه هي الانواع الثمانية التي صنفها علماء الاجتماع ضمن لائحة السلوك الجمعي؛ وهي اشكال متفرقة من تصرف الافراد تصرفاً جماعياً. وبطبيعة الحال، فان الفرد الواحد ـ بحكم كونه كياناً مستقلاً ـ يسلك سلوكاً مغايراً لسلوكه الفردي اذا اجتمع مع الاخرين. وهذا الاصل الانساني في التصرف الجماعي له جذوره العميقة في النفس البشرية، لان الفرد مع نفسه منفردا ليس هو نفس الفرد مع الاخرين. والسؤال المطروح في عالم اليوم على صعيد العلوم الاجتماعية هو: لماذا يتصرف الفرد تصرفاً مغايراً عند اجتماعه مع الاخرين؟ لم تتقدم لحد اليوم نظرية قوية تفسر هذا السلوك الانساني، بل ان اغلب الفرضيات الخاصة بعلم النفس حاولت عرض هذا الاتجاه عند الانسان، ولم تتعرض الى منشئه.

      الا ان معرفة منشأ الاختلاف بين السلوكين الفردي والجماعي قد لاتغنينا عملياً عن اكتشاف علاج مخاطر السلوك الفردي. وقد حاول الاسلام ـ باعتباره رسالة تهتمّ بالفرد على الصعيدين الشخصي والاجتماعي ـ تضييق الفوارق بين السلوكين الفردي والجماعي عن طريق الحث على المشاركة في الاعمال الجماعية، والحث على اشغال الفرد نفسه مع الله سبحانه وتعالى. بمعنى ان الفرد الذي يعيش حالة القرب من المولى عز وجل بالدعاء والابتهال والصلاة، انما يعيش سلوكاً اقرب الى السلوك الجماعي مما هو الى السلوك الفردي. ولذلك، فان الجانب الروحي يعتبر من اهم عوامل تهذيب شخصية الفرد حتى لايعيش حالة الانفراد الخطيرة، التي عرضها الدعاء المأثور عبر سؤال الفرد المؤمن مولاه الكريم: (ولاتكلني الى نفسي طرفة عين ابدا). وفي موضع آخر: (ياربِ اسألك بحقك وقدْسك واعظم صفاتك واسمائك ان تجعل اوقاتي من الليل والنهار بذكرك معمورة وبخدمتك موصولة)[8].

      ولم تتعرض هذه النظريات الثمان الى السلوك الجمعي المنبثق عن مناسك الحج العبادية، مع انه يحقق كل شروط السلوك الجمعي في تجمع الافراد في بقعة جغرافية واحدة، ضمن فترة زمنية محددة، وترديد شعار موحد، وتؤدي في الوقت نفسه الى تغيير اجتماعي متوقع. ولكن عدم درج مناسك الحج ضمن اشكال السلوك الجمعي الغربي يكشف عن ان تلك المناسك لها خصوصية عظيمة لم يلتفت اليها علماء الاجتماع المعاصرون.

(تليها صفحات 37 - 70)

 

اللاحق          صفحة التحميل           الصفحة الرئيسية


 

[1]  سورة الرعد: 11.

[2]  جارلس ديكنـز. قصة مدينتين. نيويورك: مطبعة جامعة اكسفورد، 1960.

[3]  هاربر لي. حتى يقتل الطير المُحاكي. فيلادلفيا: مطبعة لينبكوت، 1960.

[4]   نيل سملسر. نظرية السلوك الجمعي. نيويورك: المطبعة الحرة، 1962.

[5]   هادلي كانتـريل. سيكولوجية الحركات الاجتماعية. نيويورك: وايلي، 1963.

[6] آرثر رابر. مأساة عمليات اللنش. جابل هيل. كالوراينا الشمالية. مطبعة جامعة كالورانيا الشمالية، 1933.

[7]  هادلي كانتريل. الاحتلال من قبل أهل المريخ. برنستون، نيوجرسي: مطبعى جامعى برنستون، 1940.

[8]  من دعاء الامام علي بن ابي طالب (ع) لكميل بن زياد. مخطوط.